هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
الانقسام الأرثوذكسي.. كيف يستغل بوتين الكنيسة لإحكام السيطرة على أوكرانيا؟

الانقسام الأرثوذكسي.. كيف يستغل بوتين الكنيسة لإحكام السيطرة على أوكرانيا؟

Global Risk Insights

معهد إقتصادي
  • ض
  • ض

في الخامس عشر من أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية أنها قطعت الروابط ببطريركية القسطنطينية بعد أن أعلنت البطريركية أنها سوف تمنح الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية الاستقلالية، مما يعني استقلالها عن الكنيسة الروسية. حتى هذا الإعلان، كانت الكنيسة الأرثوذكسية الوحيدة في ب التي تعترف بها البطريركيات الأخرى رسميا تُدار من موسكو. على الرغم من أن هذا قد يبدو للوهلة الأولى أمرا دينيا بالأساس، فإنه في الواقع أمر ذو طبيعة سياسية على نحو عميق.

   

الكنيسة الأرثوذكسية والدولة

تنتظم الكنيسة الأرثوذكسية في بطريركيات، بعضها يتبع الحدود القومية: في غرب أوروبا، بلغاريا، اليونان، رومانيا، روسيا، وصربيا، توجد في كل دولة من تلك الدول بطريركية خاصة بها. أما بطريركية القسطنطينية، التي يقع مقرها في إسطنبول فهي رسميا "تتمتع بمكانة أعلى قليلا ولكنها متساوية مع البطريركيات الأخرى"، وهذا إرثها منذ أن كانت القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية الرومانية الشرقية. يعكس افتقار أوكرانيا إلى بطريركيتها الخاصة اندماجها السابق في الإمبراطورية الروسية.

 

من بين جميع هذه الكنائس، فإن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية هي الأكبر والأكثر ثراء إلى حد بعيد، حيث يُقدّر عدد التابعين لها بنحو 150 مليونا، مما يُقلل من حجم الكنيسة الأكبر التالية لها وهي الكنيسة الأرثوذكسية الرومانية التي يُقدّر عدد التابعين لها بـ 23 مليونا. وقد دفع هذا الحجم والتأثير الكنيسة الروسية للإشارة إلى موسكو بصفتها "روما الثالثة"، بعد روما والقسطنطينية. وهذا يفسر رد فعلها الواثق الصارم على اعتراف بطريركية القسطنطينية بالكنيسة الأوكرانية. رغم الأهمية التاريخية للبطريركية الكائنة في إسطنبول، فإنها مسؤولة فقط عن بضعة آلاف من التابعين لها في تركيا. أما القوة العالمية للكنيسة الأرثوذكسية فإنها تعود إلى موسكو.

    

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والبطريرك كريلي (رويترز)

   

تميل البطريركيات الأرثوذكسية إلى التحالف القوي مع الدولة، باتباع مثال العلاقة بين الإمبراطور الروماني وبطريركية القسطنطينية في الإمبراطورية البيزنطية. وقد اصطفت الكنيسة الأرثوذكسية بشكل قوي جدا مع فلاديمير بوتين، فهي تُظهر دعمها لنظامه علنا. فعلى سبيل المثال، باركت بطريركية موسكو بوتين بعد انتخابه رئيسا في عام 2018.

 

يوضح هذا المثال أن الكنيسة ترى العلاقة ببوتين مماثلة لنوع العلاقة بينها وبين القياصرة والتي تمنحهم سلطة روحية تصاحب سلطتهم الدنيوية. وكرد على مساندة الكنيسة، أعاد بوتين أراضي الكنيسة التي صادرها الشيوعيون ودبّر أموالا لترميم الكنائس وبنائها. وهو بتلك الوسيلة يُعيد تأكيد تأثير الكنيسة في المجتمع الروسي، وهو التأثير الذي ضعف بشدة تحت حكم النظام الشيوعي الملحد.

 

الرغبة في الاستقلال: الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية

إن هذا التقارب مع بوتين هو ما دفع الحكومة الأوكرانية إلى شن حملة تُمكّنها من الحصول على كنيسة مستقلة معترف بها رسميا. يُنظر إلى الكنيسة الأرثوذكسية الروسية باعتبارها أداة في يد بوتين للتأثير في المواطنين الأوكرانيين. يؤكد وجود كنيسة أوكرانية بالأخص على سيادة أوكرانيا بصورة قوية للغاية، وبشكل خاص إذا عرفنا أن 65.4% من الأوكرانيين يؤمنون بالمذهب الأرثوذكسي. وهو يؤكد أيضا على استقلال أوكرانيا بصورة تاريخية، لأن نفوذ الكنيسة الروسية على الكنيسة الأوكرانية هو من موروثات الحكم الروسي. وعلى ذلك، يعتبر تأسيس كنيسة مستقلة رفضا واضحا للتأثير الروسي.

 

من المتوقع أن تناور الكنيسة الأوكرانية كي تصل إلى مكانة مماثلة للكنائس الأرثوذكسية الأخرى. ومن المحتمل أن تشجع على علاقة مقربة بالحكومة، وأن تعزز موقفا محافظا فيما يتعلق بالقضايا الاجتماعية. أما في مجالات المذهب الديني والمواقف الاجتماعية، فمن المرجح ألا تتميز في شيء عن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية التي تحل محلها، حتى إن الكنيستين قد تصبحان حليفتين طبيعيتين في العديد من القضايا مستقبلا.

  

الكنيسة الأكرانية (رويترز)

   

ليس للدفع بإنشاء كنيسة مستقلة علاقة بالمعتقد الديني، فلن يتم الدفاع عن عقائد لاهوتية معينة. إن الأمر يتعلق بتقليص الحكومة الأوكرانية لتأثير روسيا في دولتها. يُعد السياق الرئيسي لهذا الأمر هو ضم القرم. بانتهاك سيادة أوكرانيا، عزز بوتين من إصرار السياسيين ذوي التوجهات الغربية على قطع العلاقات مع روسيا. على الرغم من أن ضم القرم قد عزز دعم بوتين الداخلي، فإنه ربما يكون كلّفه أقوى أدوات القوة الناعمة التي يمتلكها في أوكرانيا. وقد وطّد هذا من تحرّك أوكرانيا الأخير تجاه الغرب.

 

اعتراف الكنائس القومية: التطلع للأمام

قد يتسبب اعتراف بطريرك القسطنطينية بكنيسة قومية جديدة في جدال مماثل في كافة أنحاء أوروبا. فإن للكنيسة الأرثوذكسية الصربية منافستين غير معترف بهما خارج صربيا: الكنيسة الأرثوذكسية بالجبل الأسود، والكنيسة الأرثوذكسية المقدونية. وإذا علمنا أن الدولتين لديهما حكومتان مؤيدتان للغرب، فمن الممكن أن تقدّما التماسا للاعتراف بكنيستيهما المستقلتين، كما فعلت الحكومة الأوكرانية.

 

ومن المحتمل أن تكون مولدوفا أيضا ملائمة لانشقاق ديني. فإن الكنيستين الأرثوذكسيتين الرومانية والروسية تتنافسان في مولدوفا، ولدى كل منهما أبرشيات عاملة هناك. يعكس هذا الانقسام الديني انفصالا عميقا بين الغرب وروسيا في مجتمع البلاد وسياساتها.

 

ومع ذلك، يجب أن نأخذ في الاعتبار أن الكنائس تميل إلى العمل على مدى زمني أطول بكثير من الحكومات. وللاطلاع على الطول الزمني المقصود، فإن الاعتراف بالكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية ليس اعترافا جديدا من الناحية العملية، ولكنه إلغاء لخطاب يعود لعام 1686 منح بطريركية موسكو سلطة على الكنيسة في كييف. سيُمثّل حل أحد تلك الخلافات الأخرى التي امتدت لجيل فيما يتعلق بالاعتراف بالكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية تحولا سريعا لمعايير الكنيسة.

   

     

سيكون للانقسام الأخير أصداء على الأرثوذكسية في كافة أنحاء أوروبا الشرقية. ستضطر البطريركيات المتعددة إلى أن تقرر إعلان دعمها إما للكنيسة الروسية وإما للكنيسة الأوكرانية. وبرغم ذلك، فإن الدوافع وراء الاعتراف بالكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية ليست دوافع دينية أو عقدية، ولكنها سياسية محضة.

------------------------------------------------------

ترجمة (فريق الترجمة)

هذا التقرير مترجم عن: Global Risk Insights ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار