هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
العاصمة الإدارية الجديدة.. كيف يبني السيسي مدينة لن تثور عليه أبدا؟

العاصمة الإدارية الجديدة.. كيف يبني السيسي مدينة لن تثور عليه أبدا؟

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض

في مارس 2015 وأثناء اجتماع السيسي مع رئيس الوزراء الإماراتي وشيخ إمارة دبي محمـد بن راشد آل مكتوم في مدينة شرم الشيخ المصرية، تم الإعلان عن إنشاء عاصمة إدارية جديدة تكون نواة لانتقال الوزارات والسفارات والمواقع الإستراتيجية في القاهرة لمكان بعيد في عمق الصحراء الشرقية على مقربة من السويس، لتكون العاصمة المستقبلية لمصر.

في هذا الإعلان سأل الرئيس السيسي أحد منفذي المشروع، رجل الأعمال الإماراتي ورئيس شركة إعمار محمـد العبار عن المدة المتوقعة لإتمام المشروع، فرد بأن المدة المتوقعة هي عشر سنوات، الأمر الذي أغضب السيسي قائلا بانفعال: ولا سبعة حتى[1]. بما يعني أن الرجل كان ولا يزال متلهفا لإتمام بناء مدينته، مدينة الأحلام في المدة الأسرع والأقصر.

 لماذا إذن يريد السيسي الانتقال من القاهرة، العاصمة الأقدم لمصر منذ العصر الفاطمي، مركز السلطة الاقتصادية والبشرية، والعمق التاريخي للبلاد، وقلب مصر الحقيقي الذي بدونه تضعف الأطراف وتنهار؟! هل السر يتمثل فعلا في الاكتظاظ السكاني الذي تعاني منه المدينة التي قاربت على العشرين مليون نسمة؟ والتي تزيدها الوزارات العسكرية والمدنية والهيئات الحكومية تخمة وثقلا يُهدد التنمية الاقتصادية والبشرية في البلاد؟ أم أن هذا الاكتظاظ السكاني القائم في أغلبة على عشوائية مدينية في التخطيط العُمراني يُخفي وراءه ما يخشاه السيسي ويرجو الابتعاد عنه والتحكم فيه في آن واحد؟!

 

محورية القاهرة في التاريخ
الحق أن فهم تاريخ "العاصمة" في مصر منذ بداية العصر الإسلامي يُعطينا لمحة مهمة لابد من الانطلاق منها لفهم مجريات ما يحدث؛ ذلك أن اختيار المسلمين موضع إنشاء الفسطاط جنوب حصن بابليون البيزنطي في الضفة الشرقية من نهر النيل لم يكن يعود فقط إلى تلافي وجود حائل مائي بين الجنود وبين الخليفة عمر في المدينة المنورة؛ إذ يبدو أن اختيار ذلك الموضع كان له أيضا بعده الجيواستراتيجي في جعلها قاعدة ثابتة يمكن الانطلاق منها لإكمال عمليات الفتح الإسلامي إلى الصعيد جنوبا، وبل وأعمق من ذلك إلى الانطلاق نحو السودان، بالضبط كما أن فتح الإسكندرية بعد ذلك كان سببا للانطلاق نحو بلاد المغرب والأندلس.

لقد قامت هندسة الفسطاط وتخطيطها على نحو ما خُطت به مدينة البصرة والكوفة في العراق، فلم تكن عشوائية، وأولى عمرو بن العاص -رضي الله عنه- مهمة إسكان الجنود ووضع "خُطط"/أحياء وفقا لقاعدة قبلية قام بتنظيمها ديمغوغرافيا مجموعة من الخبراء ممن كانت لهم دراية معرفية بالأمور الهندسية وأنساب العرب وممن كانوا يتمتعون بنفوذ سياسي على قبائلهم، حيث أشرفوا على توزيع القبائل والسيطرة على النزاعات التي دارت بين الأفراد حول اتخاذ المواضع الملائمة لا سيما القريبة من المسجد، ووضع المسجد في قلب المدينة الجديدة على عادة المدن الإسلامية كافة[2].

استمرت الفسطاط عاصمة مصر في عصرها الإسلامي حتى سقطت الدولة الأموية، حينها دخل القائدان العسكريان العباسيان صالح بن علي الهاشمي وأبو عون عبد الملك بن يزيد سنة 133هـ/750م أثناء مطاردتهما مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية وقد تمكنا منه وقتلاه في وسط مصر، وحين أتم صالح مهمته السياسية لم ينزل دار الإمارة المركز السياسي لحكم مصر في الفسطاط كما كان متوقعا، وإنما توجّه صوب منطقة في شمال المدينة تُسمى خطة الحمراء القصوى قرب جبل مرتفع قليلا هو جبل يشكر المنسوب إلى بني يشكر، وأمر أبو عون أصحابه أن يبنوا البيوت في ذلك الموضع النائي والجديد، ثم ابتنى دارا للإمارة -مركز الحكم في وسطه- وأنزل عبيده وحشمه وابتنى الجامع الذي عُرف باسم جامع العسكر، وأطلق على المدينة الجديدة اسم "العسكر"، وهي ثانية المدن التي أُنشئت لتسكين المقاتلين والعسكر بعد الفسطاط وعلى مقربة منها في العصر الإسلامي المبكر[3].

أعقب التطور السياسي من انتقال الحكم إلى العباسيين تقدم إداري له أهميته في تطوير ذلك الموضع وإضفاء طابع الشرعية عليه، وذلك عندما نُقلت المؤسسات والمنشآت الإدارية في الفسطاط إلى موضع العسكر فتحوّلت نتيجة هذه التطوّرات إلى مدينة ذات محلات وأسواق ودُور للأمراء والقادة والإداريين[4].


ولعل هذا الانتقال من الفسطاط إلى العسكر كان باعثا لانتقال العباسيين من الشام إلى العراق، أي من دمشق إلى الأنبار ومنها إلى بغداد أو مدينة السلام التي أشرف الخليفة أبو جعفر المنصور على بنائها بنفسه، وكان اختيار موقع العاصمة الجديدة الجغرافي ممتازا، فهو بعيد عن عاصمة الأمويين وعن الشام مركز الحكم الأموي القديم، وبعيد أيضا عن الكوفة حيث المركز الموالي للعلويين، وهي في موقع متوسط بين شرق العالم الإسلامي في خراسان وما وراء النهر ومصر وشمال أفريقيا، ثم هي على دجلة حيث إمكانية العمارة على جانبي النهر، وكانت تقع بين أربع مناطق زراعية تكفي حاجة العاصمة الجديدة من الغذاء، وهي مركز العراق وملتقى الطرق التجارية حيث يكفل ذلك تموينها، ويسهل الاتصال بينها وبين أنحاء المملكة ويشجع التجارة[5].

قال اليعقوبي إن الخليفة أبا جعفر المنصور (136- 158ه) وصف بغداد بأنها "مشرعة للدنيا، كل ما يأتي في دجلة من واسط والبصرة والإبلة والأهواز وفارس وعمان واليمامة والبحرين وما يتصل بذلك فإليها ترقى وبها ترسى، وكذلك ما يأتي من الموصل وديار بيعة (وديار بكر)، وأذربيجان وأرمينية مما يحمل في السفن في دجلة، وما يأتي من ديار مضر والرقة والشام والثغر ومصر والمغرب مما يحمل في السفن في الفرات فيها يُحط وينزل، ومدرجة أهل الجبل وكور خراسان"[6].

وفوق ذلك اهتم المنصور بتحصين دار السلام/بغداد فقد قيل له في ذلك: "وأنت بين أنهار لا يصل إليك عدوّك إلا على جسر أو قنطرة، فإذا قطعت الجسر وأخربت القناطر لم يصل إليك عدوّك"[7]، ثم إنه أحاطها بسورين يدور حولهما خندق وجعل على كل من أبوابها الأربعة برجا للحرس، ووضع لها أبوابا حديدية مُحكمة وزاد في حذره بأن أحاط قصره ودواوينه بسور داخلي ثالث ليكون بمأمن من شغب الرعية[8].

ويبدو أن إنشاء المدن أو بالأحرى العواصم الجديدة كان ديدن الدول التي اتسمت بالطابع الإمبراطوري أو التوسعي في العالم القديم، أو تلك التي أرادت أن تُرسّخ من وجودها عبر الزمن وفي أعماق الزمن، فحين دخل الفاطميون مصر في فاتحة النصف الثاني من القرن الرابع الهجري أنشأوا مدينة القاهرة على مسافة من العواصم القديمة: الفسطاط والعسكر والقطائع، ولم يقبلوا أو يأمنوا أن تكون تلك العواصم القديمة لمصر مستقرهم ومستودعهم، وتشير الروايات التاريخية إلى السرعة والحذق الذي امتاز به القائد العسكري جوهر الصقلي حين قام ببناء هذه المدينة الجديدة "القاهرة" في فترة وجيزة[9].


ومن بعدها صارت القاهرة الفاطمية عاصمة المصريين عبر الزمن، حيث توسعت في عصر الأيوبيين، ثم كان التوسع الأكبر في عصر المماليك من خلال قلعة الجبل التي كانت مهيمنة عسكريا على هذه المدينة قرب المقطم، وظلت على ذلك حتى أدخل إليها الخديوي إسماعيل في القرن التاسع عشر تعديلات في مشهدها العمراني التحديثي الذي اتخذ من فرنسا مثالا له، وكلّفه في سبيل ذلك هدم كثير من آثار القاهرة القديمة.

 

القاهرة.. مدينة مُلغّمة!

في يوليو/تموز 1952م قام مجموعة من الضباط بانقلاب عسكري في مصر، عُرف فيما بعد بثورة الضباط الأحرار التي قامت بإعلان مبادئها الستة وعلى رأسها القضاء على الرشوة والفساد وتحرير المصريين من نير الملكية المطلقة التي جعلتهم كالعبيد في بلدهم عبر عقود من القهر والاستبداد ثم الهزيمة في حرب 48[10].

لم يكن الانقلاب العسكري/ثورة 52 حدثا سياسيا عاديا، فقد أدى قيام هذه الثورة إلى تغيرات اجتماعية كبرى في التركيبة الديمغرافية للقاهرة الجمهورية، حيث ترافق ذلك مع لحظة إعادة تشكيل لأقصى نمو ديمغرافي للمدينة، تلا حقبة تدفق النزوح الكبير إليها من المحافظات الأكثر تصديرا لليد العاملة، وبخاصة المنوفية في وسط الدلتا وسوهاج في أعالي الصعيد، ومنذ ذلك الوقت بدأت معدلات الهجرة الكثيفة الوافدة إلى المدينة، ومع الزيادة المطردة للسكان، وعدم قدرة الخطط الصغيرة الجارية لإعادة التوزيع، نشأت الصورة النمطية للتفجّر السكاني في القاهرة، ولتراجعها الذي لا عودة منه، ثم إن هذه الخطط نفسها قد تعثّرت وحتى الثمانينيات بسبب نقص التمويل وأولوية المجهود الحربي[11].

توسعت القاهرة على نحو ثابت بفعل مبادرات القطاع الخاص تقوده عمليات الخصخصة للقطاع العقاري على وجه الخصوص، في أثناء ذلك توسعت مساحة القاهرة لتبلغ ضعفي ما كانت عليه تقريبا قبل عشر سنوات، وقد بُذلت العديد من المحاولات لتطوير قلب القاهرة في حقبة الثمانينيات والتسعينيات، ومع ذلك فلا شيء يشير إلى أن بؤس معظم الناس الذي بات أكثر هشاشة بفعل إجراءات التكييف الهيكلي واللبرلة الاقتصادية قد اختفى، بل هو يتمدد وتتوسّع تلك الكتل وتغدو أكثر رسوخا من خلال العملية الطبيعية المتمثلة في إعادة بناء الناس لأوضاعها، في مثل هذا السياق من التوترات والإيقاعات المتناقضة والمتكاملة معا، تنشأ المساحات العصية على الاختراق والخطرة في بعض الأحيان[12].


وهكذا يعيش أكثر من نصف سكان مصر في حدود 80 إلى 90 كم من القاهرة، أي في مسافة مواصلات لا تزيد على 120 كم وتبقى ضمن حدود التنقل اليومي المعقول وبما لا يزيد على 3 ساعات في الإجمال، وفي حدود 200 كم من القاهرة يقيم 70% من السكان.

لذا، بدأت الأحياء المركزية في القاهرة نتيجة لضيق المساحة الجغرافية، ولقلة المنتوج الاقتصادي، ولشيخوخة المركز على إعادة توزيع السكان في الأحياء الطرفية التي تستقبل الأزواج الشباب وأطفالهم، وهكذا تجد في حي غير مخطط له مثل العمرانية أن 21% من السكان هم تحت سن العاشرة، بينما 3.5% فقط هم فوق سن الستين، وقد أدى معدل النزوح العالي باتجاه هذا الحي إلى زيادة إيجابية في عدد ساكنيه تبلغ 140.000 ساكن في 10 سنوات (1986-1996م) وتقوم بنى شبيهة بتلك في أحياء أخرى مثل بولاق الدكرور والمطرية وحلوان وشبرا والحوامدية[13].

كان لهذا التغير السكاني في الكثافة وفي النوع لا سيما مع معدلات زيادة الوعي والتعليم عبر الأجيال الثانية والثالثة بعد ثورة 52 التي وُلدت في أواخر عصر السادات وفي الثمانينيات من القرن الماضي وحتى اليوم، وفي وضع جغرافي مكدس، كان له أثره على الانفجار الثقافي والاجتماعي والسياسي في وجه السلطة في بداية العام 2011م، فقد بدا أن السلطة محاصرة بكل أذرعها الأمنية والعسكرية بين موجات بشرية على مد البصر في شوارع وأزقة القاهرة، ولأول مرة تصبح القاهرة لعنة على السلطة!


ما الذي يدفع السيسي للهروب من القاهرة؟

في كتابه "مدن متمردة" يتتبع مؤلفه ديفيد هارفي تاريخ الصراع الطبقي في مناطق الحضر/المدينة، ويعتبر هذا التاريخ مذهلا في رأيه؛ ذلك أن المدينة منذ قيام الثورة الفرنسية في باريس سنة 1789م وحتى ثورة ميدان التحرير في قلب القاهرة في 2011م كانت مركز قيام الثورات وانطلاقها عبر ذلك التاريخ الممتد لأكثر من قرنين.

بل ويعتبر أن الثورات لم تقتصر على مراكز حضرية منفردة، بل امتدت روح الاحتجاج والتمرد في العديد من الحالات بشكل مذهل عبر شبكات الحضر الأخرى في القارة الأوروبية، "فربما تكون الحركة الثورية في عام 1848م قد بدأت في باريس إلا أن روح التمرد قد امتدت إلى فيينا وبرلين وميلانو وبودابست وفرانكفورت والعديد من المدن الأوروبية الأخرى، كما صاحب الثورة البلشفية في روسيا تشكيل مجالس عمالية "سوفياتات" في برلين وفيينا ووارسو وريجا وميونخ وتورين، تماما كما حدث في عام 1968م عندما شاركت باريس وبرلين ولندن ومكسيكو سيتي وبانكوك وشيكاغو، وأعداد أخرى لا تُحصى من المدن في "يوم الغضب" الذي قُوبل في بعض الحالات بقمع عنيف"[14].

هذه الشرارة عينها انطلقت من تونس إلى القاهرة إلى طرابلس وبني غازي ومنها إلى صنعاء ثم دمشق، وربما لو لم تتدخل قوى الثورات المضادة لامتدّت شرارتها لبقية المراكز الحضارية في العالم العربي وربما العالم القديم في آسيا وأفريقيا، وهو ما يمثل دليلا جليا على قوة المدينة أو العواصم في تحريك التفاعلات الاجتماعية وجعلها تطفو إلى السطح بسرعة مذهلة، ويبدو هذا العامل هو ذاته الذي اضطر منشئي الدول الجديدة عبر التاريخ إلى النأي بأنفسهم عن تلك المراكز القديمة واتخاذ مراكز جديدة لهم، لا سيما إذا لم تكن العواصم القديمة مدينة بالولاء الفكري والسياسي للزعماء الجدد.


لذا كان إنشاء الضواحي أو المدن الجديدة عبر التاريخ له انعكاسه لا السياسي فحسب وإنما كان للخصائص الاجتماعية المتصلة بها؛ دورها أيضا، فقد كانت -ولا تزال- مجتمعا منعزلا لا يفصله عن المدينة مجرد المسافة بينهما فحسب، بل انتماء أفراد هذا المجتمع إلى طبقة بعينها، أي إن قرية/مدينة جديدة صغيرة يسكنها "صفوة" من الناس لهم خصائصهم الاجتماعية المتشابهة، والتي فحواها "أننا ننفرد بأنفسنا" لتعربُ عن هذه الروح بدقة، على نقيض الروح السائدة في المدينة؛ إذ إن المدينة بطبيعتها بيئة متعددة الأوضاع والطبقات لا تنعزل فيها فئة عن أخرى[15].

في مارس/آذار 2015م أعلن السيسي إنشاء عاصمة إدارية جديدة تبتعد عن القاهرة شرقا مسافة 50 كم في الصحراء الشرقية بين القاهرة والسويس، وإليها سيتم نقل كافة الوزارات والهيئات الحكومية والقصر الرئاسي والبرلمان والسفارات ومراكز البنوك الكبرى وكافة المفاصل السياسية للدولة المصرية في عاصمة تبدو مصممة عمرانيا وفق خطة سابقة يسهل السيطرة عليها بشريا وإلكترونيا وعمرانيا وحتى ثقافيا، من خلال التحكم في نوعية الفئة التي ستكون من قاطني هذه المدينة الجديدة، وهم "الصفوة" الموالية للسيسي، لا سيما وأن سعر المتر السكني في تلك العاصمة سيبدأ من 11 ألف جنيه مصري للمتر، وأن أقل سعر للشقة سيصل إلى مليون و363 ألف جنيه وفقا لكراسة شروط حجز المرحلة الأولى من الحي السكني "كابيتال ريزيدنس"[16] وهو ما يستحيل على المواطن المصري من الطبقة المتوسطة فضلا عمن دونه تحمله أو حتى مجرد التفكير فيه.

حتى كتابة سطور هذا التقرير لا تزال مقترحات تطوير العاصمة الجديدة تشغل بال كبار رجال الدولة أكثر مما تشغلهم عن القاهرة ذات الملايين الخمسة عشر، وآخر هذه المقترحات إنشاء قطار سريع يربط العاصمة الجديدة بمدينة العين السخنة القريبة منها أصلا، الأمر الذي جعل دولا عدة وعلى رأسها الإمارات ثم الصين تدخل بثقلها في الاستثمار في الكيان العمراني الجديد[17].

الكنيسة القبطية قيد الإنشاء في العاصمة الإدارية الجديدة  (رويترز)


يبدو للمتابع أن المدينة في صورتها الأولية تطوير عمراني واقتصادي، وخطة رشيدة للانتقال من القاهرة العاصمة المغلقة وذات الكثافة السكانية التي تُعد من بين المدن الأعلى في العالم، هكذا يبدو الأمر في صورته الأولية، غير أنه يمكن تفسيره في إطار سلوك السلطة في مصر، وعبر استقراء وتأمل في تاريخ المدن وأسباب إنشائها، أنه استفادة من تجارب التاريخ، وابتعاد جغرافي يضمن للسلطة مزيدا من الأمان والوقت عن كافة الاحتمالات المتعلقة بإمكانية قيام انتفاضة شعبية محتملة من أزقة القاهرة المتعرجة التي يصعب على أدوات السلطة الأمنية السيطرة عليها، فضلا عن عقول شبابها التي يصعب فهم مآلات سلوكه، ومدى عدوانيته في حالات السيولة الأمنية والسياسية كما حدث في 2011م، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية الكبيرة التي لم يمر بها المصريون من قبل في ظل الانسداد السياسي، والغلاء المعيشي الذي بات يطحن الطبقات المتوسطة والفقيرة في مصر طحنا، كما أن السيسي بعاصمته الجديدة لا يبدو من وراء أسوارها وعمرانها الذي يجسّد حالة السياسة وفلسفتها أكثر من حالة التمدين والعمران، لا يبدو أنه الرجل الذي سيقنع بفترة رئاسية ثانية فقط، إنها فيما يبدو عاصمة عهده الجديد!

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار