هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
ما بعد خان يونس ليس كما قبلها.. هكذا ستغير المواجهة مع حماس السياسة الإسرائيلية

ما بعد خان يونس ليس كما قبلها.. هكذا ستغير المواجهة مع حماس السياسة الإسرائيلية

عارف عبد البصير

محرر سياسة
  • ض
  • ض

هناك الكثير من الأسباب التي تدفع نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، لكراهية حماس ورئيس مكتبها السياسي السابق خالد مشعل على وجه الخصوص، وبشكل شخصي تماما بعيدا عن خطوط الصراع العامة بين الفلسطينيين ودولة الاحتلال، حيث لم ينس نتنياهو يوما أنه فقد منصبه أول مرة واضطر إلى اعتزال السياسة لثلاثة أعوام بسبب الفشل الذريع لخطته الاستخباراتية للتخلص من مشعل في الخامس والعشرين من سبتمبر عام 1997، حين قام 10 عناصر ينتمون إلى وحدة كيدون، وحدة الاغتيالات الشهيرة التابعة لجهاز الموساد الإسرائيلي، وبمباركة من رئيس الوزراء نتنياهو نفسه، بالتسلل إلى الأردن مستخدمين هويات كندية مزورة، ليقوموا باستهداف خالد مشعل ورشه بمادة سامة أثناء سيره في شارع وصفي التل في العاصمة الأردنية عمان.

        

وعلى غير عادة عمليات الاغتيال المحكمة لجهاز الاستخبارات الإسرائيلي، تحولت محاولة اغتيال خالد مشعل سريعا إلى فضيحة دولية للدولة العبرية بعد إلقاء السلطات الأردنية القبض على اثنين من منفذي العملية، ومطالبة العاهل الأردني آنذاك الملك حسين بن طلال لنتنياهو بتسليم المصل المضاد للمادة السامة التي استهدفوا بها مشعل، ولكن نتنياهو رفض الطلب مما أدى لاشتعال غضب الأردن ووضع معاهدة السلام حديثة العهد بين البلدين في مهب الريح، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلينتون للضغط على نتنياهو لتسليم المصل.

    

كانت تلك هي المرة الأولى التي يجد نتنياهو نفسه مجبرا على فعل شيء فيما يبدو، وهو من صعد إلى السلطة قبل عام واحد كأصغر رئيس وزراء في تاريخ إسرائيل قبل أن يبلغ الخمسين من عمره، وكإمعان في الإهانة، وجد نتنياهو نفسه مضطرا (1) لقبول اتفاق يقضي بتسليم العميلين المقبوض عليهما، مقابل الإفراج عن عشرات الفلسطينيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية، وفي مقدمتهم الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة حماس الذي تم الإفراج عنه إلى عمان قبل أن تنقله طائرة أردنية إلى قطاع غزة حيث استقبله عشرات الآلاف في احتفال مهيب.

    

    

كانت المغامرة الاستخباراتية الفاشلة وتداعياتها الضخمة ضربة قاصمة (2) لحكومة نتنياهو الجديدة التي بدأت في التهاوي مبكرا، ورغم نجاح نتنياهو في تمرير اتفاقية واي ريفر الخاصة بالانتشار الأمني الإسرائيلي في المناطق الفلسطينية في العام التالي، فإن حكومته فشلت في تحقيق أي تقدم في ملف العلاقة مع الفلسطينيين مقارنة بحكومة اليسار بقيادة سلفه إسحاق رابين، ومع مطلع عام 1999 وجد نتنياهو نفسه مشلولا تماما بعد أن فشل في تمرير موازنة حكومته عبر الكنيست لينتهي به الأمر لقبول الأمر الواقع والموافقة على إجراء انتخابات مبكرة، قبل أن يكمل العام الثالث من ولايته.

   

كانت نتائج الانتخابات هزيمة مذلة (3) جديدة لنتنياهو أمام خصومه من الجنرالات وفي مقدمتهم إيهود باراك، هزيمة اضطر على إثرها لاعتزال السياسة لثلاثة أعوام، قبل أن يعود من جديد في عام 2002 كوزير للخارجية ثم لاحقا كوزير للمالية في حكومة أرييل شارون، وخلال الأعوام التالية نجح نتنياهو في إعادة تقديم نفسه داخل حزب الليكود واليمين الإسرائيلي لينجح أخيرا عام 2009 في العودة إلى منصب رئيس الوزراء على رأس حكومة يمينية، وهو المنصب الذي لا يزال "بيبي"، كما يدعوه أنصاره في إسرائيل، متشبثا به إلى اليوم.

     

كانت أشباح هذه الذكريات تتزاحم في رأس نتنياهو على ما يبدو وهو يقطع زيارته إلى باريس مساء الحادي عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي عائدا إلى إسرائيل إثر أنباء الاشتباكات بين فريق استخباراتي إسرائيلي تسلل إلى قطاع غزة قرب خان يونس وبين كتائب القسام، الجناح المسلح لحركة حماس، بعدما شكت الكتائب في هوية الفريق الإسرائيلي الغامض، وهو ما أدى إلى اندلاع مواجهة محمومة بدأت بتبادل لإطلاق النار تبعه تدخل للطائرات الإسرائيلية لتغطية انسحاب الفريق الاستخباراتي، ثم لشن عشرات الغارات على مواقع في قطاع غزة، تحركات عدائية ردت عليها حماس بإطلاق أكثر من 400 صاروخ على المستوطنات الإسرائيلية، في وتيرة غير مسبوقة منذ الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة عام 2014.

   

 لكن وفي الوقت الذي بدت فيه السماء ملبدة بالطائرات والصواريخ، وأشباح المواجهة المفتوحة تلوح في الأفق، انطفأت موجة التصعيد فجأة مع الإعلان عن التوصل إلى وقف متبادل لإطلاق النار بوساطة مصرية، وفي ذات اللحظة التي انطفأت فيها نيران الحرب في غزة، بدا أن نيران السياسة اشتعلت داخل إسرائيل نفسها بفعل التهدئة التي دفعت الانقسامات الكامنة في حكومة نتنياهو إلى السطح واضعة إياها على حافة الانهيار، ومعيدة إلى أذهان نتنياهو تلك الهواجس المؤلمة لانهيار حكومته الأولى أواخر التسعينيات.

   

    

بيبي تحت الحصار

بالنسبة لنتنياهو، تبقى (4) الدبلوماسية عملا أكثر خطورة من الحرب، ولعل ذلك هو الدرس الذي تعلمه رئيس الوزراء من مسيرته الطويلة التي اعتاد خلالها ربح معاركه السياسية في أوقات الحرب وخسارتها في أوقات الهدوء والسلم، فطالما كان نتنياهو بارعا في توظيف الحروب واللعب على مخاوف ناخبيه، ولكنه يكون أقل براعة حين يعتمد على السياسة وحدها، كما حدث في ولايته الأولى وكما تكرر مؤخرا بعد خان يونس، إثر تمسكه بالتهدئة التي وضعت حكومته على حافة الانهيار في أعقاب الاستقالة الاحتجاجية لوزير دفاعه أفيغدور ليبرمان.

 

لم يغادر ليبرمان الحكومة فحسب، ولكنه قام بسحب حزبه إسرائيل بيتنا من تحالف الليكود الحاكم بشكل كامل تاركا حكومة نتنياهو بأغلبية هشة للغاية بمجموع 61 مقعدا في الكنيست المكون من 120 مقعدا، وما زاد الطين بلة بالنسبة إلى نتنياهو أن وزير التعليم نفتالي بينيت زعيم حزب البيت اليهودي، وهو شريك آخر في الائتلاف الحاكم، خرج ليطالب نتنياهو صراحة بمنحه محفظة الدفاع الشاغرة، مهددا بالانسحاب من الحكومة حال رفض رئيس الوزراء الانصياع لمطالبه.

  

انسحاب حزب البيت اليهودي كان سيعني انهيار حكومة نتنياهو والتوجه فورا نحو انتخابات مبكرة للمرة الثالثة في تاريخ نتنياهو السياسي بعد انتخابات عام 1999 التي خسرها، وانتخابات عام 2015 التي توجه إليها مختارا بعد عامين فقط من عمر حكومته الثالثة لتعزيز شرعيته القيادية وتثبيت تحالفه الحاكم عقب الخلاف الكبير حول مشروع يهودية الدولة التي طرحته الحكومة، وإقدام (5) نتنياهو على إقالة وزيرة العدل تسيبي ليفني، وشريكه في الائتلاف الحاكم السابق وزعيم حزب هناك مستقبل، يائير لبيد، على خلفية مهاجمتهما له في وسائل الإعلام.

  

 ولكن على النقيض من عام 2015 حين كان نتنياهو يعيش إحدى حالات الذروة السياسية، يبدو أن رئيس الوزراء لا يتمتع (6) برفاهية الدعوة لانتخابات مبكرة مجددا في الوقت الراهن، فالأجواء في إسرائيل اليوم تشبه إلى حد كبير أجواء عام 1999 أكثر مما تشبه أجواء عام 2015 حيث نتنياهو ملاحق باتهامات الفساد وتحقيقات الشرطة التي تم تمريرها إلى الادعاء العام، وحتى المنافسة على القيادة داخل حزبه الليكود نفسه، وبخلاف ذلك فإن نتنياهو يتجرع اليوم من نفس كأس المزايدة السياسية التي طالما أّذاق منها خصومه، مع بروز الأحزاب المتشددة التي غذى نتنياهو ظهورها على أقصى يمين الطيف السياسي والتي تتهم بيبي اليوم بأنه ليس حازما بما يكفي في حماية المصالح الإسرائيلية وردع أعداء البلاد، وفي مقدمتهم مساعده السابق ليبرمان، وزير الدفاع المستقيل.

    

    

على صعيد قضايا الفساد، يواجه نتنياهو اتهامات (7) صريحة في 4 قضايا فساد كبرى على الأقل، أوصت تحقيقات الشرطة بالفعل بتقديم لائحة اتهام ضده في اثنين منهما هما القضية المعروفة إعلامية باسم الملف 1000 والمتعلقة بقبول نتنياهو وأسرته هدايا تبلغ قيمتها مئات الآلاف من الدولارات تشمل مجوهرات وشمبانيا وسيجارا باهظ الثمن من رجل الأعمال الأمريكي أرنون ميشان ورجل الأعمال الأسترالي جيمس بيكر مقابل تسهيلات في التشريعات والصفقات التجارية والتأشيرات قدمها نتنياهو لهما بحكم منصبه، أما القضية الثانية فهي المشتهرة  باسم الملف 2000 أو قضية "إسرائيل هيوم" والتي يتهم فيها نتنياهو بالاتفاق مع ناشر صحيفة يديعوت أحرونوت، أرون موزيس، على أن تقوم الصحيفة بتخفيض انتقاداتها لسياسات نتنياهو مقابل تعهد الأخير بسن تشريع في الكنيست يقيد انتشار صحيفة إسرائيل هيوم المنافسة.

  

في تلك الأجواء المحمومة، قد يكون الاتجاه إلى انتخابات مبكرة مغامرة محفوفة بالمخاطر بالنسبة لنتنياهو الذي يتابع بترقب إذا ما كان المدعي العام أفيشاي مندلبليت سيقرر تقديم لوائح اتهام ضده في القضيتين السابقين، بخلاف القضايا الأخرى التي لا تزال تخضع للتحقيق الشرطي، وأهمها القضية 3000، وهي تحقيق كبير في فساد محتمل في صفقة بقيمة 2 مليار دولار لشراء غواصات وسفن دوريات من شركة تسينكورب الألمانية، إِضافة إلى القضية 4000 التي يتهم فيها نتنياهو بتقديم تسهيلات لرجل الأعمال شاؤول ألوفيتش مالك شركة "بيزيغ" للاتصالات، مقابل ضمان انحياز الخط التحريري لموقع ويلا المملوك له لصالح نتنياهو.

  

تضع هذه التحقيقات، خاصة القضايا التي لم تحسم الشرطة موقفها حول اتهام نتنياهو فيها بعد، تضع تعيين قائد شرطة جديد على رأس أولويات (8) رئيس الوزراء خاصة مع قرب انتهاء فترة قائد الشرطة الحالي روني الشيش، المعادي لنتنياهو، في 3 ديمسبر/ كانون الأول المقبل، ورغبة نتنياهو في تعيين اللواء موشيه إدري المقرب منه للمنصب وهو ما سيتعذر فعله حال تم حل الكنيست لأن الحكومة بذلك ستصبح انتقالية ولا يمكنها الموافقة على تعيين إدري، ومن في رتبته من المسؤولين المرموقين.

  

يمين اليمين

وبخلاف قضايا الفساد المتشعبة التي تؤرقه، يواجه نتنياهو اليوم أيضا تحديا غير مسبوق في حياته السياسية، فطالما كان بيبي مطمئنا إلى موقعه المهيمن على اليمين السياسي في إسرائيل، وهو التيار رسخ نفوذه باللعب على وتر تغليب المخاوف الأمنية لدى الإسرائيليين، اتجاه عمل نتنياهو على تعزيزه منذ ولايته الأولى في مواجهة الهيمنة التقليدية لليسار على السياسة الإسرائيلية، مستغلا التعثر الدائم لعملية السلام التي طالما روج لها اليساريون وانخفض ثقة الإسرائيليين تجاهها، مما أدى في نهاية المطاف إلى انحراف تدريجي للمزاج الانتخابي للمجتمع الإسرائيلي نحو اليمين.

    

    

وفي رحلة صعوده، استفاد (9) اليمين الإسرائيلي أيضا من منظومة الأخطاء التاريخية لليسار المهيمن وأهمها التهميش طويل الأمد لليهود الشرقيين (السفرديم)، كما راهن على التكتلات الكبرى المهمشة في المجتمع الإسرائيلي مثل المستوطنين والفئات الأكثر تدينا التي تحولت إلى قاعدة دعم متينة للأحزاب اليمينية. وفي الوقت نفسه، فإن نتنياهو عمل على استبدال (10) النخب التقليدية في إسرائيل لصالح نخب جديدة من اليمين السياسي الأكثر تشددا أمثال ميري رغيف وزيرة الثقافة التي يعول عليها نتنياهو في اجتثاث اليهود الشرقيين بسبب أصولها المغربية وكذا نفتالي بينيت وزير التعليم ورئيس حزب البيت اليهودي، رجل الأعمال الصاعد وممثل أمة ريادة الأعمال، وهو يهودي متدين يرى أن تعلم اليهودية أكثر أهمية من تعلم الرياضيات، وأيضا إيليت شاكيد وزيرة العدل المنتمية لحزب البيت اليهودي نفسه، وأخيرا أفيغور ليبرمان، مساعد نتنياهو الأسبق ورئيس حزب إسرائيل بيتنا الواقع في أقصى أطراف اليمين السياسي الإسرائيلي.

  

ضمنت تلك النخب الجديدة لنتنياهو إدارة حكومات يمينية متجانسة بشكل كبير خاصة حكومة ما بعد انتخابات عام 2015 المبكرة، دون أن يكون مضطرا للبحث عن حلفاء مشاكسين في الوسط السياسي مثل يائير لبيد زعيم حزب هناك مستقبل، وحليف نتنياهو الأسبق في حكومة عام 2013، لكن ما لم يدركه بيبي أو يقدر خطورته على ما يبدو أن تحضير الأشباح مهمة أكثر سهولة بكثير من صرفها، وأن "الابتزاز الأمني" الذي مارسه وحلفاءه اليمينيين ضد اليسار وقاعدته الانتخابية سوف ينقلب عليه يوما ما، حين يكون هو نفسه عرضة للضغوط من الأحزاب الصغيرة المتطرفة الواقعة على يمين الليكود.

  

من أجل ذلك كان قرار التهدئة الأخير مع حماس إشكاليا بالنسبة إلى نتنياهو بشكل عير مسبوق، خاصة أنه جاء في أعقاب عملية استخباراتية فاشلة وفي أجواء انتصار رمزي كبير للمقاومة ووتيرة غير مسبوقة لإطلاق الصواريخ، ناهيك عن الاستهداف الرمزي لحافلة جنود إسرائيليين بصواريخ كورنيت، وكلها تطورات تمثل طعنات في الرواية الكبرى التي بنى نتنياهو صعوده عليها بوصفه حاميا للمجتمع الإسرائيلي من التهديدات التي تحدق به، وهي الرواية التي يستخدمها خصوم نتنياهو داخل اليمين أنفسهم ضده اليوم، حيث يراهن السياسيون الأكثر تشددا مثل ليبرمان وبينيت على قدرتهم على دفع نتنياهو نحو انتخابات مبكرة – أو تضييق الخناق عليه حتى موعد الانتخابات الرسمي- والضغط على الليكود لتحجيم نفوذه (11) وربما إقصاء نتنياهو نفسه عن منصب رئيس الوزراء أو على الأٌقل فرض جدول أعمالهم على حكومته الجديدة ودفع الحكومة من يمين الوسط إلى أقصى اليمين.

  

تأتي هذه الضغوط في وقت يشعر فيه نتنياهو أنه مكبل إلى حد كبير في سياسته تجاه قطاع غزة، وأنه لم يعد يمتلك رفاهية الحلول السهلة واللجوء إلى الحرب في كل مناسبة. وقد سعت إسرائيل بمختلف الطرق إلى تطويق حركة حماس منذ انسحابها من قطاع غزة عام 2005، وكان هذا الانسحاب يهدف (12) في المقام الأول إلى إعادة إسرائيل إلى خط حدودي واضح يمكن الدفاع عنه، وعلى مدار السنوات التالية خاصت إسرائيل 3 حروب ضد حماس في غزة فشلت جميعا في إخضاع الحركة أو حتى تطويقها ولم تسهم إلا في دفع القطاع المتخم بالسكان إلى حافة الانهيار الإنساني، ويبدو أن تلك التجربة أوصلت نتنياهو في نهاية المطاف إلى قناعة مفادها أنه لا يمكن استئصال حماس كليا بعملية تتم من الجو أيا كان حجمها دون الدخول في مواجهة مباشرة مكلفة، وأن الاستراتيجية الأمثل تكمن في التركيز على تقليص قدرة الحركة على شن الحرب من خلال مزيج من العمليات العسكرية المحدودة ومحاولة الاحتواء طويلة الأمد.

    

    

تعد سياسة الاحتواء الجديدة التي ينتهجها نتنياهو مع قطاع غزة الابن غير الشرعي للترتيبات الإقليمية الجديدة التي ينخرط فيها رئيس الوزراء من القوى الإقليمية ذات المصالح المشتركة مع إسرائيل وفي مقدمتها مصر والمملكة العربية السعودية (ودول الخليج على وجه العموم) والأردن، وفي هذا الترتيب الجديد، فإن مهمة السيطرة على غزة من وجهة نظر نتنياهو لا تقع على عاتق إسرائيل وحدها ولكنها أيضا مهمة القاهرة التي تكابد تهديدات أمنية كبرى في شبه جزيرة سيناء وتنظر إلى حركة حماس بوصفها امتدادا إقليميا لجماعة الإخوان المسلمين، إضافة إلى المملكة العربية السعودية التي تقدم نفسها كزعيم للإسلام السني، وحتى الأردن، الوصي التاريخي على المقدسات الإسلامية في الأراضي المحتلة.

  

وفي ذلك الترتيب الإقليمي الجديد، لا تعد حماس أو قطاع غزة هي الأولوية الأولى على كل حال، وتدور الاهتمامات الرئيسية للتحالف العربي الإسرائيلي الجديد حول إيران ونفوذها الممتد إلى سوريا على الجبهة الشمالية الشرقية لإسرائيل، وفي لبنان على جبهتها الشمالية، إضافة إلى العراق واليمن على الجبهتين الشمالية والجنوبية للمملكة العربية السعودية.

  

وقد أدى انتشار النفوذ الإيراني إلى خلق مقاربة إقليمية جديدة للنظر إلى قطاع غزة وحركة حماس لا تربط بالمقام الأول بموقف الحركة من إسرائيل بقدر ما ترتبط بموقفها تجاه إيران، وتبقى علاقة حماس مع إيران إشكالية بشكل ما، في ظل كون حماس حركة سنية على خلاف سائر الجماعات التي تتلقى الدعم من طهران، وهي لا تقوم بالقتال نيابة عنها ولكن أهدافها تتلاقى مع مصالح طهران في التنكيل بإسرائيل ما يجعل استقطابها بعيدا عن طهران نحو سياسات أكثر توازنا أمرا محتملا على كل حال، وهو ما حدث بالفعل خلال حقبة ما بعد الربيع العربي حيث تم دفع الحركة إلى قدر أكبر من موازنة علاقاتها وأمالت كفتها نسبيا نحو دول الخليج العربية و مصر على حساب إيران كما أبدت الحركة إِشارات (13) على أنها لا تمانع في قبول السلطة الفلسطينية رئيسي للفلسطينيين وأنها لا تمانع أيضا في الوصول إلى صيغة ما للتهدئة مع إسرائيل.

  

سياسات التطويق

لا تهدف مقاربة نتنياهو الجديدة إذن إلى استئصال حماس بشكل تام، ولكنها تهدف إلى عزلها عن إيران ووضع مهمة تحييدها على عاتق جوارها العربي وليس على عاتق إسرائيل وحدها، ويبدو أن هذا الهدف يأتي منسجما بشكل كبير مع رؤية نتنياهو لمنظومة التهديدات الجديدة التي تواجه بلاده، والتي لم تعد قاصرة على الجبهة الجنوبية المتمثلة في غزة، وإنما توسعت بشكل كبير بفضل نشاط إيران ما بعد الربيع العربي، إلى جبهة إسرائيل الشمالية حيث يقع حزب الله وكيل إيران المتنامي القدرات، وإلى جبهتها الشرقية حيث تنخرط إسرائيل عسكريا لمواجهة نفوذ إيران في سوريا.

    

    

تكمن المعضلة الأمنية لإسرائيل في الجغرافيا في المقام الأول، فالدولة العبرية عبارة عن تكتل سكاني مكتظ في وسط متخم بالأعداء الافتراضيين، ومع التفوق التقني والعسكري لإسرائيل على جوارها العربي، ظل الهاجس الأكبر (14) الذي يسيطر على الإسرائيليين هو إمكانية شن العرب لحرب موحدة ومنسقة على المحيط الإسرائيلي يمكنها أن تحيد التفوق العسكري النوعي لإسرائيل، وتلحق بها هزيمة ساحقة.

  

بمعنى آخر، فإن نقطة الضعف الاستراتيجية الرئيسية في أي سياسة دفاعية للدولة العبرية تكمن في فقرها العددي والتفوق العددي الكاسح لأعدائها، وحقيقة أن إسرائيل غير قادرة على تحمل تكاليف باهظة للوفيات والإصابات في أي حرب بالنظر إلى التعداد القليل للسكان والقوة القتالية الصغيرة نسبيا، على عكس العرب الذي لا يتملكهم هذا الهاجس العددي، لذا فإن إسرائيل صممت استراتيجيتها الدفاعية على الاستفادة من الانقسامات في العالم العربي وتشجيعها وتجنب خوض حروب على جبهات متعددة ووضع نهايات سريعة للعمليات القتالية لتقليل الخسائر حتى لو جاء ذلك على حساب الحسم العسكري.

  

في المقابل، كانت الإستراتيجية المثلى للعرب هي إجبار إسرائيل على الدخول في حرب على طول محيطها من لبنان إلى سوريا إلى نهر الأردن وحتى سيناء والنقب، ومن أجل تحييد التفوق التكنولوجي لإسرائيل، كانت حروب الاستنزاف هي الحل الأمثل لكسر شوكة القوات الإسرائيلة، وقد حاول العرب خوض مواجهات على هذا النسق ضد إسرائيل عام 1948 ثم في عام 1973 حين قررت مصر وسوريا فتح جبهتين متزامنتين وحققتا انتصارات أولية ملحوظة، لكن منذ ذلك الحين كان أعداء إسرائيل عاجزين عن خوض حرب متعددة الجبهات ضدها.

  

وبشكل أوضح، فإن السيناريو (15) الأكثر رعبا لإسرائيل يكمن في الدخول في حرب متعددة الجبهات حتى وإن كانت هذه الحرب ضد فاعلين أقل قوة، حيث تقع القدس وتل أبيب وحيفا وجميع المدن الإسرائيلية الكبرى في مرمى الصواريخ التي يمكن إطلاقها سواء من الشمال في لبنان أو من الشمال الشرقي في سوريا أو من غزة وربما من إيران نفسها. ومن أجل تحييد هذه المخاطر بشكل كامل سيتعين على الدولة العبرية أن تخوض حروبا متعددة تستغرق وقتا طويلا لتحييد التهديدات على كل الجبهات، ولن يكون مقدورها مع ذلك منع كل الصواريخ المتزامنة مهما بلغت كفاءة منظوماتها الدفاعية، وحتى السلاح النووي لن يكون من الممكن استخدامه بالنظر إلى قرب المواقع المستهدفة من الحدود الإسرائيلية وإمكانية حدوث تداعيات نووية على إسرائيل نفسها.

    

    

يترك ذلك ننتنياهو وحكومته مع مسار إجباري يحتم عليهم اختيار الجبهات الأكثر سخونة للمواجهة وتحييد الجبهات الأخرى إلى حين، ولا يزال قيام حرب تطوق إسرائيل بشكل كامل بعيدا بالنظر إلى سيطرة مصر وإسرائيل على خط سيناء وسيطرة الأردن على خط النهر، ولكن مع صعوبة احتواء التهديدات القادمة من إيران وسوريا وحزب الله وشن حرب في غزة في الوقت نفسه، فإن ذلك يترك لنتنياهو طريقا واحدا وهو منع غزة من الاشتعال، على اعتبار أنها أقل الجبهات خطورة، إذا كان جادا في رغبته للوصول إلى النهاية في حربه الافتراضية ضد إيران.

  

خلفاء الملك

ألقت الديناميات السالفة بظلالها على قرار تنتنياهو التمسك بالتهدئة مع حماس مطلع الشهر الحالي على الرغم من إدراكه لتداعيات القرار على حكومته، غير أنه، وفي لعبة سياسية ماكرة في تفادي الانتخابات المبكرة مؤقتا حين قرر منح نفسه حقيبة وزارة الدفاع خلفا لليبرمان لسيطر نتنياهو بنفسه على أربع حقائب وزارية هي الدفاع والصحة والهجرة والخارجية، مع تعهده بتعيين وزير جديد للخارجية من داخل الليكود.

  

من وجهة نظر نتنياهو، فإن بلاده واقعة (16) في خضم تحديات أمنية لا مكان فيها لألاعيب السياسة ومؤامراتها، لذا فإنه ليس من الضروري أو الصحيح الذهاب إلى انتخابات مبكرة، ولتأكيد حجته تلك، استدعى نتنياهو أوجه التشابه المباشرة مع أزمات الائتلافات اليمينية السابقة في عامي 1992 و 1999 ، عندما تم إسقاط حكومات الليكود وجاءت حكومات يسارية إلى السلطة أحدثت "كوارث" اتفاقيات أوسلو والانتفاضة الثانية، من وجهة نظره. وكانت الإشارة إلى "ألاعيب السياسة" فيما يبدو ردا مبطنا لنتنياهو على تهديدات بنيت بالانسحاب من الحكومة، ويبدو أن رئيس حزب البيت اليهودي التقط الإشارة جيدا واستجاب لرغبات رئيس الوزراء في نهاية المطاف وأعلن أن حزبه لن ينسحب من الحكومة قائلا في بطولة مصطنعة إنه يفضل أن يهزم أمام نتنياهو على أن تهزم إسرائيل أمام إسماعيل هنية على حد قوله.

    

  

ولكن هذا الصمود المؤقت لا يعني أن نتنياهو عبر إلى بر الأمان بشكل تام، حيث تبقى حومته عرضة للانهيار على إثر أي خلاف سياسي قادم خلال العام المتبقي قبل الانتخابات، وبافتراض أن الحكومة ستصمد في نهاية المطاف، فإن الأشهر التالية ستشهد سباقات محمومة بين الأحزاب الإسرائيلية استعدادا للانتخابات المقبلة التي يبدو أنها ستتحول هذه المرة إلى منافسة داخل اليمين ذاته مع الانقسام المتزايد في صفوف اليسار وتهاوي (17) أجندته السياسية، وحتى انزلاق بعض رموزه إلى مواقف أكثر يمينية مثل زعيم حزب العمل آفي غاباي الذي أيد خطوة إدارة ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس قائلا إن "القدس الموحدة أكثر أهمية من السلام"، في مخالفة واضحة لمواقف اليسار التاريخية.

  

في ضوء ذلك، تميل الخريطة الانتخابية الحالية في إسرائيل إلى حكومات يمين الوسط بقيادة الليكود، لكن كل من "بينيت" و"ليبرمان"يعتقدان  أن بإمكانهما تحديد هوية رئيس الوزراء القادم، أو أجندته السياسية في أدنى الأحوال خاصة إذا وقعت تطورات جوهرية في قضايا الفساد يمكنها أن تقوض شعبية  نتنياهو، حيث يتطلع كل منهما أن يقود حكومة جديدة أكثر يمينية، لكن أي تدهور كبير في شعبية نتنياهو بفعل الفساد سوف يخاطر بتقويض أداء جميع أحزاب اليمين وربما يدفع (18) نحو انتخاب حكومة ليسار الوسط تتشكل من ائتلاف بين حزب هناك مستقبل بزعامة يائير لبيد وحزب العمل بقيادة آفي غاباي وهو ائتلاف يمكن أن ينافس ليكود نتنياهو حال اهتزت شعبيته.

  

لكن المخاطر حول مستقبل نتنياهو السياسي في الانتخابات المقبلة لا تأتي من منافسيه السياسيين في اليمين ويسار الوسط فحسب، لكنها تمتد (19) إلى داخل حزب الليكود نفسه، حيث يوجد العديد من الأعضاء الطموحين الراغبين في خلافة نتنياهو وعلى رأسهم رئيس الكنيست يولي إدلشتاين الذي انتقد الأضرار التي لحقت بحزب الليكود بسبب اتهامات الفساد ضد نتنياهو، ووزير الاستخبارات والنقل يسرائيل كاتز الذي لمح إلى رغبته في خلافة نتنياهو حال نالت منه اتهامات الفساد، وحتى وزير الداخلية الأسبق جدعون ساعر الذي اتهمه نتنياهو علنا – دون ذكر اسمه-  بتدبير مؤامرة للانقلاب عليه بعد الانتخابات المقبلة.

  

ووفقا لاتهامات نتنياهو، فإن ساعر تحدث إلى أعضاء في الليكود حول رغبته في قيادة الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، بالتآمر مع الرئيس الإسرائيلي روفين إيفلين، حيث يمنح القانون الحالي الرئيس سلطة تكليف أي من أعضاء الحزب الحاصل على الأكثرية البرلمانية بتشكيل الحكومة بالتشاور مع الأحزاب، ولا يفرض القانون تكليف رئيس الحزب بهذه المهمة، وهذا هو السبب في رغبة نتيناهو في تمرير تعديل تشريعي يهدف إلى حصر مهام تشكيل الحكومة على رؤساء الأحزاب قبيل الانتخابات المنتظرة العام المقبل، وهو مشروع القانون المشتهر إعلاميا باسم قانون جدعون ساعر.

    

الرئيس الإسرائيلي روفين إيفلين (رويترز)

    

يشعر بيبي بالتهديد إذن، ليس من خصومه فقط ولكن من حلفائه أيضا، ويعد هذا سببا  آخر لعدم رغبة نتنياهو في قضاء العام الأخير من ولايته الخارجية في محاربة طواحين الهواء على حدود إسرائيل، خاصة وهو يدرك أن معاركه الأكثر جوهرية وحسما تقع في الداخل، بداية من قضايا الفساد ومرورا بالتشريعات الكبرى الحاسمة لمستقبله السياسي وليس انتهاء بالمنافسة المحمومة على القيادة ليس داخل اليمين فقط ولكن داخل الليكود نفسه، منافسة يبقى نتنياهو حتى الآن صاحب الحظ الأوفر فيها بفارق أشواط كبرى عن منافسيه، لكن المؤكد أن منصب الملك "بيبي" كحاكم لا يضاهي لإسرائيل لم يعد مضمونا كما كان قبل سنوات، وأن نتنياهو لم يعد ذلك الملك المتوج لإسرائيل كما كان الحال حتى مطلع ولايته الحالية، والمفارقة فإن جزءا لا يستهان به من ذلك يعود إلى حماس وغزة، وإن بشكل غير مباشر، في سيناريو مشابه لكابوس التسعينيات الذي يطارد أحلام نتنياهو إلى اليوم.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار