هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
معركة "مضيق كيرش".. لماذا نقلت روسيا حربها مع أوكرانيا إلى البحر؟

معركة "مضيق كيرش".. لماذا نقلت روسيا حربها مع أوكرانيا إلى البحر؟

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض

لم يكن قادة القطع البحرية الأوكرانية الثلاثة يتوقعون أن يكونوا طرفا في معركة بحرية خاطفة ومفاجئة صبيحة الخامس والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني المنصرم، بينما كانوا متجهين لعبور مضيق "كيرش" من البحر الأسود إلى بحر "أزوف" القابع بين باطن الحدود الجنوبية لأوكرانيا وحدود روسيا الغربية، في رحلة بحرية بدأت من ميناء "أوديسا" في الجنوب الغربي لأوكرانيا، حيث تقع القاعدة البحرية الرئيسة للبلاد على البحر الأسود، إلى ميناء "ماريوبول" المطل على بحر "أزوف" في الجنوب الشرقي للبلاد، التفافا حول شبه جزيرة القرم الخاضعة للسيطرة الجبرية الروسية منذ أكثر من أربعة أعوام.

      

لكن يبدو أن أبشع كوابيس البحارة الأوكرانيين قد صارت واقعا، حين تعرض زورقا المدفعية وزورق السحب التابعين للبحرية الأوكرانية الضعيفة لهجوم مفاجئ من سفن خفر السواحل الروسية التابعة لجهاز الأمن الاتحادي، هجوم بدأ باصطدام مفتعل للسفن الروسية مع زورق السحب الأوكراني، تلاه هبوط قسري للبحرية الروسية على متن القطع الأوكرانية، صاحبته عملية إطلاق نار أدت إلى إصابة(1) ستة من البحارة الأوكرانيين على الأقل، فيما تم اقتياد بقية أفراد الطاقم البحري الأوكراني البالغ عدده 24 فردا إلى روسيا، حيث أمر قاضٍ اتحادي روسي باحتجاز 12 منهم حتى موعد محاكمة منتظرة في أواخر يناير/كانون الثاني المقبل.

 

أثارت المعركة البحرية الصباحية ردود أفعال واسعة، مع كونها أول اشتباك بحري حقيقي بين روسيا وأوكرانيا منذ اندلاع النزاع بين البلدين أعقاب انتفاضة شعبية مدعومة غربيا أطاحت بالرئيس الأوكراني الموالي لروسيا "فيكتور يانكوفيتش" عام 2014، وما أعقب ذلك من تدخل روسيا عسكريا للاستيلاء على شبه جزيرة القرم ودعم المتمردين ضد الحكومة في الشرق الروسي، فمن وجهة نظر كييف، كانت المناوشات الروسية تصعيدا كبيرا(2) من قبل موسكو للصراع المستمر منذ أعوام عبر فتح جبهة بحرية للنزاع، أما على الجانب الروسي، كان الكرملين يرى أنه يمارس عملا من أعمال السيادة على المياه الروسية الخاصة، وأن قيام الجيش بضم القرم عام 2014 استدعى بالضرورة(3) امتلاك روسيا للمياه الإقليمية حول شبه الجزيرة، بما في ذلك مضيق "كيرش" الفاصل بين القرم وبين البر الروسي.

   

  

منذ استقلال أوكرانيا عن روسيا مطلع التسعينيات، اعتبر البلدان مضيق "كيرش" وبحر "أزوف" مياهًا مشتركة بين البلدين(4)، وفي عام 2003 وقع الطرفان اتفاقا لتقاسم السيطرة المشتركة على المياه والسماح بالحرية المتبادلة للملاحة، لكن البلدين لم يشعرا بالحاجة لتحويل الاتفاق إلى ترسيم حدودي مع وقوع كييف تحت سيطرة حكومات موالية لموسكو، وذلك قبل النهاية المفاجئة لشهر العسل الروسي الأوكراني مع انتفاضة عام 2014، وصعود حكومة موالية للغرب في أوكرانيا قررت موسكو منذ اللحظة الأولى تقويضها بلا هوادة.

 

كانت كييف جاهزة للرد على واقعة التحرش البحري كما يبدو، ومن أجل لفت أنظار العالم -ولأغراض داخلية أخرى مما يضمره الساسة غالبا- أعلن الرئيس الأوكراني "بترو بوروشنكو" الأحكام العرفية في 10 مناطق في البلاد بما في ذلك ساحل بحر "أزوف" ومياه البحر نفسها والأقاليم الشرقية على الحدود مع روسيا، وهو إجراء غير مسبوق(5) قاوم أشد لحظات الصراع سخونة، فيما طالب البلدان بعقد جلسة لمجلس الأمن الدولي انتهت إلى نوع من البيانات الفاترة التي غالبا ما تسفر عنها مثل هذه الجلسات.

 

وعلى الرغم من أن حادثة مضيق "كيرش" قد اجتذبت أضواء المسرح العالمي المزدحم بالصراعات بشكل مفاجئ، فإن الواقعة لا تبدو مفاجئة كما يظهر للوهلة الأولى، فحتى مع تجاهل الصراع المستمر بين الحكومة المدعومة من الغرب وبين المتمردين المدعومين من روسيا في "دونباس" شرقي روسيا، كانت هناك دلائل واضحة أن الحرب التي دخلت عامها الخامس في طريقها للانتشار قريبا إلى البحر، خاصة بعد إعلان الحكومة الأوكرانية منتصف سبتمبر/أيلول الماضي نيتها إنشاء قاعدة بحرية(6) في مدينة "ماريوبول" الساحلية على بحر "أزوف"، إعلان يبدو أن موسكو قرأته على أنه قرار ضمني ليس من أوكرانيا فقط، ولكن من الغرب كله، لتحدي النفوذ الروسي على الساحل الشمالي الاستراتيجي للبحر الأسود.

 

بوسفور القرم

  

بالنظر إلى موقعه الجغرافي كطريق مائي ضيق بين بر روسيا الغربي وشبه جزيرة القرم التي طالما خضعت للهيمنة السوفيتية، وكممر بحري بين البحر الأسود وبحر أزوف، أكثر بحار العالم ضحالة، لا يمكن اعتبار مضيق "كيرش" ممرا مائيا حيويا بالمعايير الاقتصادية أو الأمنية للملاحة العالمية، خاصة(7) مع طول لا يتعدى 22 ميلا وعرض لا يتجاوز 1.9 ميلا في أضيق نقاطه، وحوالي 10 أميال في أوسعها، وعمق لا يتجاوز 59 قدما، لذا فإن المضيق يبقى ضئيل الأهمية مقارنة بالمضائق وممرات المياه الحيوية للتجارة الدولية مثل هرمز أو باب المندب أو ملقا، غير أن ذلك لم يمنع من أن يصبح "بوسفور القرم" ساحة لمنافسات دامية بدأت منذ القرن الرابع الميلادي، حين وقعت المنطقة تحت سيطرة إمبراطورية الهون، قبل أن يتنازعها الروس القياصرة والأتراك العثمانيون خلال الفترة بين القرن الخامس عشر والقرن السابع عشر.

 

وفي عهد الإمبراطورية الروسية، كان بناء جسر فوق مضيق "كيرش" يربط بين شبه جزيرة القرم وغرب روسيا القوقازي حلما طالما داعب مخيلة موسكو وتحديدا في عهد القيصر نيقولا الثاني الذي حكم بلاده مطلع القرن العشرين، ولكن هذا الحلم تعطل لاحقا بفعل الحرب الروسية اليابانية ثم الحرب العالمية الأولى، قبل أن يتم إحياؤه لاحقا إبان الحرب العالمية الثانية هذه المرة على يد النازيين الألمان، الذين سيطروا على المنطقة وكانوا يطمحون في إحكام قبضتهم على المضيق كبوابة إلى الاحتياطيات النفطية الكبرى في شمال القوقاز.

 

ونتيجة لذلك، فإن هتلر شرع مباشرة في أعقاب سيطرته على شبه جزيرة "كيرش" على الجانب القرمي من المضيق، شرع في بناء جسر وخط سكة حديد بطول ثلاثة أميال عبر الممر المائي، لكن المشروع الألماني لم ير(8) النور في نهاية المطاف إثر استعادة الجيش السوفيتي الأحمر للمنطقة بعد إحدى أكبر معارك الحرب العالمية الثانية دموية، ليشرع السوفييت في إعادة بناء الجسر مستغلين المواد التي حصلوا عليها من الألمان، وليتم افتتاحه بشكل فعلي في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1944، قبل أن ينهار الجسر بعد ستة أشهر فقط بفعل عاصفة جليدية.

 

كانت مواجهات الحرب العالمية الثانية ربما هي الصفحة الأكثر اشتعالا في تاريخ الممر المائي الذي عرف سابقا باسم "بوسفور القرم"، صفحة أعقبها حقبة طويلة من الهدوء في العصر السوفيتي، وحتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي واستقلال أوكرانيا عام 1991، لينتهي الأمر بالمضيق إلى سيطرة مشتركة بين روسيا وأوكرانيا.

       

  

لكن أحلام موسكو في السيطرة على الممر المائي الذي تعتبره إرثا تاريخيا لم تضمحل أبدا على ما يبدو، وقد حاولت موسكو مرارا إقناع أوكرانيا للمضي قدما في مشروع الجسر، لكنها واجهت عقبات في التعاون من قبل كييف، حتى عام 2010 حين وقع الرئيس الأوكراني "فيكتور يانكوفيتش" مع موسكو اتفاقا مبدئيا حول بناء الجسر، اتفاق دخل خير التنفيذ فعليا مطلع عام 2014 مع فشل اتفاقية الشراكة بين أوكرانيا والاتحاد الأوروبي، حيث قررت كييف المضي قدما لتعميق شراكتها مع موسكو، قبل أن تبلغ هذه الشراكة نهايتها مع صعود حكومة موالية للغرب بعد انتفاضة عام 2014، التي دفعت روسيا إلى التدخل عسكريا والاستيلاء بالقوة على شبه جزيرة القرم وضمها إلى الأراضي الروسية.

   

وبمجرد أن أحكمت موسكو سيطرتها على القرم، فإنها شرعت مباشرة في بناء جسر الحلم التاريخي، ومع دخول البناء حيز التنفيذ الفعلي في أبريل/نيسان عام 2015، بدأت روسيا في التمرد على اتفاقية عام 2003 وممارسة حقوق السيادة على مضيق كيرش وبحر أزوف، وأخضعت السفن الأوكرانية لإجراءات صارمة من أجل العبور، وقامت بتنفيذ عمليات إغلاق دوري للمضيق والبحر مانعة أي سفن أخرى من المرور إلى بحر أزوف باستثناء السفن الحربية الروسية خلال فترات زمنية معينة.

 

كانت تحركات موسكو في البحر هادئة ومتقطعة، وغالبا ما كانت تتبع إجراءاتها المشددة فترات من الهدوء تجنبا لاستفزاز الغرب ودفعه للتدخل المباشر أو تصعيد دعمه لأوكرانيا، وعلى الجانب الآخر يبدو أن الحكومة في كييف كانت منشغلة بشكل أكبر بالحرب البرية المشتعلة مع المتمردين المدعومين من روسيا في الشرق، أو لعلها كانت منتبهة منذ اللحظة الأولى إلى الفوارق الضخمة في القدرات البحرية بينها وبين روسيا، والتي تجعل الدخول في مواجهة بحرية مع موسكو أشبه بعملية انتحارية في أفضل الأحوال.

 

تظهر هذه الفوارق بوضوح مع النظر في الإمكانات المحدودة جدا للبحرية الأوكرانية التي لا تمتلك سوى 66 وحدة بحرية ونحو 11 ألف جندي في الخدمة، وهو أسطول بحري هزيل تتضاءل قوته حتى أمام أسطول البحر الأسود(9) الروسي وحده والذي يضم 45 سفينة مقاتلة و14 غواصة ويشغله أكثر من 25 ألف شخص، فضلًا عن التفاوت في الجودة كذلك، بدءا من إمكانات السفن وحجمها مرورًا بترسانة الأسلحة وحتى كفاءة الضباط والجنود.

 

معضلة الجسر

    

مع الوقت، كانت التعزيزات الروسية في بحر أزوف تضع المزيد من الضغوط على كاهل الحكومة في كييف، حيث لم يعد الأمر متعلقا فقط بتحدي التوغل الروسي التدريجي على حقوق أوكرانيا البحرية، ولكن بشل قدرة الدولة الأوكرانية على ممارسة مهامها وإلحاق أضرار بالغة بالاقتصاد الأوكراني، خاصة مع انتهاء الجسر الروسي وافتتاحه رسميا في مايو/أيار الماضي خالقا معضلة جديدة في الصراع بين الجارين اللدودين.

 

لم يكن الجسر الذي يبلغ طوله 12 ميلا وتكلف 4 مليارات دولار، ويعتبر أكبر جسر في أوروبا اليوم ويضم خط سكك حديدية وطريق سريع، مع نظام استثنائي(10) للحماية يشمل طائرات بدون طيار "درونز" مائية للرصد وغواصين مدربين على الاشتباك، لم يكن ذلك الجسر مجرد حيلة روسية لإثبات سيطرة موسكو على شبه جزيرة القرم، ولكنه كان سلاحا فعالا لتضييق الخناق على أوكرانيا، فمع ارتفاع يبلغ 33 مترا فقط فإن الجسر يضع قيودا كبيرة على مرور العديد من السفن التجارية كبيرة الحجم -خاصة سفن باناماكس التي تمثل 23% من حركة الشحن في المنطقة- إلى الموانئ الأوكرانية الحيوية في ماريوبول وبرديانسك وهي شرايين حياة هامة في الشرق الأوكراني، وإذا أضفنا هذه القيود الفنية للجسر إلى ممارسات(11) التحرش الممنهجة لهيئة الأمن الفيدرالي الروسي بالسفن التجارية واحتجازها لفترات تصل إلى أيام في بعض الأحيان، فإن ذلك يضع أوكرانيا في مواجهة أزمة حقيقية.

 

يعتبر بحر آزوف ذا أهمية حاسمة للاقتصاد الأوكراني، نظرا لأن جزءًا كبيرا من اقتصاد البلاد في الشرق يعتمد على التجارة عبر الموانئ المطلة عليه والتي تعد مراكز(12) لتصدير الفحم والمعادن والحبوب والأسمدة، كما يعتبر البحر نفسه مركزا لصيد الأسماك في المنطقة، وقد ازدادت أهميته بشكل خاص منذ سيطرة روسيا على شبه جزيرة القرم لأن 80% من صادرات البلاد تمر الآن عبر البحر، فمع فقدان كييف للموانئ الحيوية في شبه جزيرة القرم، ومع كون الموانئ الأوكرانية على البحر الأسود تعاني(13) من فقر كبير في البنية التحتية مع تكلفة مضاعفة للنقل، فإن بيرديانسك وماريوبول صارت تستقبل معظم حركة البضائع التي كانت تذهب في السابق للموانئ الأوكرانية في القرم.

 

ونتيجة للقيود التي فرضها الجسر الروسي، انخفضت(14) تدفقات البضائع من ميناء ماريوبول بنسبة 27%، من أكثر من 8.9 مليون طن في عام 2015 إلى 6.5 مليون طن في عام 2017، أما في بيرديانيسك فقد بلغت نسبة الانخفاض حوالي 47%، من 4.5 مليون طن عام 2015 إلى 2.4 مليون طن فقط في عام 2017، وهو انخفاض كبير جدا إذا ما قورن بحركة الشحن قبل اندلاع الأزمة في أوكراني، حيث مر 15 مليون طنًا من البضائع عبر ميناء ماريوبول في عام 2013.

     

    

في المجمل، تكلف الإجراءات الروسية أوكرانيا ما بين 20 إلى 40 مليون دولار سنوياً، وعلى الرغم من أنها لم تؤد بعد إلى نقص في الإمدادات، فإن التكاليف قد تتراكم وتحدث مشاكلًا أكبر في المستقبل، وربما كانت تلك المخاوف هي ما دفعت أوكرانيا للسعي إلى مقاضاة موسكو في المحاكم الدولية ولاحقا إلى نشر المزيد من القوات البحرية في المنطقة، بما يشمل نشر قوارب مدفعية في بيرديانسك وتعزيز القوات البرية ومشاة البحرية ونشر الصواريخ والمدفعية والقوات الجوية بالقرب من البحر، كخطة لتأسيس هياكل دفاعية دائمة على بحر "أزوف" تشمل قاعدة بحرية أوكرانية في "ماريوبول"، وهي التطورات التي ربما تكون قد دفعت موسكو ربما لتنفيذ هذا الاستعراض الملحمي للقوة في مضيق كيرش أواخر نوفمبر الماضي.

 

التهام الحواف

ولكن هذا التوسع في التعزيزات العسكرية والمناوشات البحرية بين موسكو وكييف لا يمكن فصله بحال عن المواجهة الأوسع بين روسيا والغرب حول أوكرانيا، حيث تواصل موسكو دعم التمرد الانفصالي في شرق أوكرانيا، سواء بتعزيزات الأسلحة مثل الأسلحة المضادة للدبابات وأنظمة الدفاع الجوي المحمولة، أو عبر ميلشيات المتطوعين من روسيا والدول الحليفة لها، أو حتى المساعدات العسكرية النظامية غير الرسمية التي تقدمها الوحدات العسكرية الروسية غير المعلن عنها في أوكرانيا.

 

تشكل الجغرافيا تحديا كبيرا لأوكرانيا، حيث تشترك البلاد في الحدود مع ثلاث جمهوريات سوفيتية سابقة هي روسيا وبيلاروسيا ومولدوفا، جنبا إلى جنب مع أربع دول في الاتحاد الأوروبي هي بولندا وسولوفاكيا والمجر ورومانيا، وهي تقع على حدود السهل الأوروبي الشرقي الذي يضم بحر البلطيق والجزء الأوروبي من روسيا، ومع كون معظم البلاد مكونة من سهول خصبة، فإنها كانت دوما مطمعا للغزو، ومع جغرافيا مفتوحة على روسيا إلى حد كبير، ومع تداخل الأحزمة الزراعية والصناعية بين البلدين، ووجود أعراق موالية لروسيا ومراكز سياسية تتمتع فيها موسكو بنفوذ كبير مثل لوهانيسك ودونتيسك في الشرق، كانت أوكرانيا تمثل إغراء لا يمكن مقاومته للتدخل الروسي.

     

    

في المقابل كانت أوروبا والولايات المتحدة حذرتين(15) في إرسال الأسلحة إلى أوكرانيا منذ بداية الصراع وحتى الأيام الأخيرة من العام الماضي 2017، حين وقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب اتفاقا بقيمة 47 مليون دولار يتضمن تزويد أوكرانيا بـ35 وحدة لإطلاق صواريخ "جافلين" المضادة للدبابات مع أكثر من 200 صاروخ من الطراز نفسه، لكن واشنطن كانت حريصة على عدم استفزاز موسكو مؤكدة أن الصواريخ تم إرسالها لأغراض تدريبية بحتة في الغرب، وأنها لا تهدف لتصعيد العمل العسكري ضد الانفصاليين المدعومين من موسكو في شرق أوكرانيا.

 

بالنسبة إلى روسيا على وجه الخصوص، تعد الجغرافيا مجرد تعريف آخر للأمن القومي، وهي حقيقة تمارسها موسكو وتدركها جيدا الدول السوفيتية السابقة التي تبطن حدود روسيا، نظرا لأن قربها من العملاق الشرقي يجعلها أكثر عرضة لتكتيكات الحرب الهجينة الروسية، خاصة الدول مثل جورجيا وأوكرانيا ومولدوفا التي تجلس على خط المواجهة في معركة روسيا الدائمة مع الغرب للتأثير في النظام الدولي.

 

تمتلك روسيا أهدافا واضحة لتحقيقها في هذه الدول يأتي على رأسها تقوية نفوذها الخاص مع إضعاف نفوذ الغرب بشكل عام والولايات المتحدة على وجه الخصوص، وذلك من خلال تقويض الحكومات الأكثر قربا من الغرب وتثبيت حكومة صديقة لموسكو، ومنع اندماج هذه الدول مع الكتل السياسية أو الأمنية الغربية مثل الاتحاد الأوروبي وحلف الشمال الأطلسي.

 

في المقابل، فإن هناك العديد من العوامل(16) التي تجعل دول الطوق السوفيتي ضعيفة في مواجهة الحروب الهجينة التي تشنها موسكو، وتأتي على رأس هذه العوامل تمتع روسيا بقواعد دعم شعبي وسياسي متينة في هذه الدول تتراوح بين قوميات عرقية مؤيدة ومناطق وهياكل انفصالية وميليشيات متحالفة مع موسكو وأحزاب سياسية مؤيدة لها، ومن ناحية أخرى، لا تزال اقتصادات العديد من هذه الدول تعتمد بشكل كبير على التجارة والطاقة الروسية، في حين أن مواقعها القريبة تسهل على موسكو شن عمليات عسكرية عبر حدودها وإبقاء خطوط الدعم مفتوحة، وأخيرا، ونظرا لأن الغرب كان مترددا دوما في ضم هذه الدول إلى منظمة حلف شمال الأطلنطي، فإنها لا تملك آلية مؤسسية تضمن أن الغرب سيدافع عنها حال حدوث غزو روسي.

   

  

ظهر(17) هذا بوضوح في جورجيا عام 2008، حين قررت موسكو استخدام القوة التقليدية لغزو جارتها الغربية لأول مرة منذ انهيار الاتحاد السوفيتي ردا على هجوم جورجي للسيطرة على مقاطعتي "أوستيا الجنوبية" و"أبخازيا" الانفصاليتين، ومع نهاية الحرب، اعترفت موسكو بالمقاطعتين كدولتين مستقلتين وقامت ببناء قواعد عسكرية فيهما وقطعت علاقتها تماما مع جورجيا حتى عام 2012، حين صعد حزب الحلم الجورجي إلى السلطة بعد هزيمة الحركة الوطنية المتحدة المناهضة لروسيا في انتخابات العام المذكور، ورغم أن حزب "الحلم" حافظ على مساعي البلاد للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، فقد أثبت أنه أكثر استعدادًا من سابقه للعمل مع الكرملين في القضايا الاقتصادية والطاقة، حتى مع استمرار موسكو في الضغط على "تبليسي" عبر دعم المناطق الانفصالية.

 

وفي مولدوفا، اتبعت موسكو استراتيجية مماثلة أيضا(18)، حيث استفادت من قواعد الدعم في المنطقة الموالية لروسيا، وهي "ترانسدنيستريا"، لتقويض الحكومة ذات الميول الغربية في "كيشيناو" العاصمة، وفي الداخل ألقت روسيا بثقلها خلف الأحزاب التي تميل للتعاون مع موسكو، وفي مقدمتها الحزب الاشتراكي الذي فاز رئيسه "إيغور دودون" بمنصب رئيس الدولة في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني عام 2016 بمساعدة أموال الكريميلين ووسائل الإعلام الروسية في مولدوفا، وفي المقابل فإن "دودون" سعى لعكس جميع جهود بلاده للتقارب مع الغرب وتحويلها بدلاً من ذلك إلى الكتل التي تقودها روسيا مثل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، وهو اتجاه مرشح للتصاعد حال فاز حلفاء الرئيس الاشتراكيون في الانتخابات البرلمانية في فبراير /شباط للعام القادم 2019.

 

يأتي النشاط الروسي في بر أوكرانيا وبحرها استكمالا للسياق ذاته، حيث وضعت الانتفاضة المدعومة غربيا الكرملين تحت ضغط العمل. ولكن بدلا من إرسال قوات تقليدية كما فعلت في جورجيا، قامت موسكو بنشر قوات شبه عسكرية سيطرت مبكرا على شبه جزيرة القرم وحشدت الدعم المحلي لضم روسيا في المنطقة، كما قدم الكرملين دعمه للتمرد الانفصالي في شرق أوكرانيا، أما في المناطق الأقل تقبلا للسلوك الانفصالي، لجأت موسكو إلى تكتيكات أخرى على أمل زعزعة استقرار البلاد وتأخير اندماجها مع الغرب، حيث فرضت قيوداً تجارية على الصادرات الزراعية الأوكرانية، وشنت هجمات إلكترونية ضد المؤسسات الحكومية وشبكة الطاقة في أوكرانيا، وعملت على تأجيج الصراعات لإعاقة اندماج أوكرانيا مع الغرب.

     

ما تفعله روسيا في البحر على وجه التحديد ربما يكون أكثر طموحا وأوسع هدفا من مجرد خطة تطويق بحري تهدف إلى عزل أوكرانيا جغرافيا

غيتي
     

يمكننا هنا أن ندعي إذن أن استراتيجية موسكو في التعامل مع محيطها السوفيتي السابق تعتمد بشكل رئيس على فلسفة "التهام الحواف"، بمعنى أن روسيا تقوم بمعاقبة الحكومات غير الحليفة لها عبر تعزيز النزعات الانفصالية على الأطراف من أجل تعطيل جهود هذه الدول للاندماج مع الغرب، وفي الوقت نفسه فإن هذه الحواف تضيف مزيدا من العمق الاستراتيجي إلى الأراضي الروسية، ويمكننا في السياق نفسه أن ننظر إلى الحصار البحري الذي تسعى موسكو لفرضه على جنوب وشرق أوكرانيا، ومساعيها لتجريد الدولة الأوروبية من جزء من أحزمتها المائية، بوصفه الشق البحري لسياسة "التهام الحواف" ذاتها التي تنتهجها موسكو على خطوط المواجهة الرئيسة مع الغرب، خاصة وأن التهام المياه في بحر أزوف سيلقي بظلاله بشكل مباشر على ميناء ماريوبول في دونتيسك، وهو ميناء خضع لفترة لسيطرة المتمردين المدعومين من روسيا قبل أن يستعيده الجيش الأوكراني، ليتحول منذ ذلك الحين إلى رمز(19) للصراع بين إرادة الحكومة المدعومة من الغرب وبين طموحات الانفصاليين المدعومين من موسكو.

 

الحزام الأزرق

ولكن ما تفعله روسيا في البحر على وجه التحديد ربما يكون أكثر طموحا وأوسع هدفا من مجرد خطة تطويق بحري تهدف إلى عزل أوكرانيا جغرافيا، ويرقى إلى كونه عملية جس نبض من قبل حكومة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لمدى تماسك النظام القانوني للبحار الذي تقوده الولايات المتحدة، والذي يضع واشنطن بوصفها ضامنا للملاحة في الممرات المائية العالمية.

 

وبموجب الفهم التقليدي لذلك النظام القانوني المقر وفقا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982، فإن مفهوم السيادة لا ينطبق إلا على الأراضي الجافة وعلى "بحر إقليمي" يبلغ طوله 12 ميلاً بحريًا أو شريطًا بحريًا بنفس العمق، لكن يبدو أن قوى عالمية صاعدة لم تعد تقبل هذه العقيدة الأمريكية وقررت أن تتحداها علنا، ويعد المثال الأبرز على ذلك هو النشاط الصيني في بحر الصين الجنوبي.

  

تصنع الصين، وتسلح، الجزر الاصطناعية لدعم مطالبها البحرية مشكلة ما يمكن وصفه "سور الصين العظيم" من الصواريخ أرض جو المنتشرة حاليا في الجزر الصناعية والجزر المرجانية المتناثرة في البحر، حيث تطمح بكين إلى فرض سيادتها ضمن "خط تسع شرط" الذي تضم بموجبه الجزء الأكبر من بحر الصين الجنوبي إلى حدود سيادتها، وقد استندت بكين في مطالبتها بهذه السيادة البحرية إلى كون البحارة الصينيين قد استخدموا مياه بحر الصين الجنوبي منذ زمن بعيد، وهو ادعاء يمكن لموسكو أن تزعم مثيله بالنسبة إلى بحر أزوف.

 

ربما تكون التصرفات العدائية الروسية قد منحت قبلة الحياة لخصمها الرئيس الأوكراني "بوروشينكو" من خلال منحه ذريعة لإعلان الأحكام العرفية قبل أسابيع من الانتخابات

الجزيرة
 

لكن المشكلة الكبرى في هذه المزاعم السياسية هي أنها تتصادم(20) بشكل مباشر مع فكرة البحر المفتوح التي تحد بشكل حاد من سلطة الدول الساحلية على البحار الهامشية، وهي البحار شبه المقفلة المحاطة باليابسة والجزر من معظم نواحيها، وتعد هذه البحار الهامشية أمرا حيويا لممارسة النفوذ في البحر، حيث لا تستطيع الولايات المتحدة على سبيل المثال ممارسة نفوذها الاستراتيجي على سواحل أوروبا الجنوبية أو شرق وجنوب آسيا والخليج العربي، أو الوصول إلى قواعدها العسكرية ومقرات قيادتها البحرية في إيطاليا والبحرين واليابان من خلال المحيطات والبحار القارية فحسب، وهو ما يفسر الاهتمام الأمريكي الشديد بمواجهة تحركات بكين في بحر الصين الجنوبي.

 

وبالمثل فإن لدى موسكو مصلحة مباشرة في السيطرة على الفضاء البحري المتاخم للحدود الروسية، ومشاركة بكين في "الكفاح" ضد القواعد الأمريكية الحاكمة للبحر، لكن روسيا من المرجح أن تظل حذرة في توسيع استفزازاتها البحرية خوفا من أن يؤدي ذلك إلى رد فعل أمريكي واسع، سواء من خلال تعزيز الدعم لأوكرانيا أو دفع واشنطن للتدخل في الصراع عسكريًا بشكل مباشر.

 

وكعادة مثل هذا النوع من المغامرات فإنه غالبا ما يكون سلاحا ذي حدين، ففي حين أن استراتيجية موسكو تهدف إلى تطويق أوكرانيا وعزلها عن الغرب، فإن تصعيد الصراع على النقيض قد يستفز(21) الغرب لتعزيز دعمه العسكري لأوكرانيا من خلال تقديم معدات عسكرية أو زيادة غزوات الناتو في البحر الأسود، كما يمكن للحلف أن يكثف جهوده لبناء الأسطول الأوكراني، ويعني ذلك أنه كلما كانت موسكو أكثر عدوانية في ضغوطها على أوكرانيا، كلما زاد خطر تعرضها للمزيد من الضغوط من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

   

أما على الجبهة الداخلية، فربما تكون التصرفات العدائية الروسية قد منحت قبلة الحياة لخصمها الرئيس الأوكراني "بترو بوروشينكو" من خلال منحه ذريعة لإعلان الأحكام العرفية قبل أسابيع من الانتخابات المقررة في مارس/آذار المقبل، ووفقا لنتائج استطلاعات الرأي فإن بوروشنكو كان معرضا للخسارة، وربما تسمح له الأحكام العرفية بتأجيل الانتخابات أو إجرائها في أجواء تقييدية من أجل تحسين فرصه السياسية، أو حتى إعادة بناء صورته الشعبية كبطل قومي في مواجهة الاعتداءات الروسية، وهو ما سيمثل رسالة واضحة لموسكو حول أثر المبالغة في سياساتها العدائية والذي ربما يؤدي لتقويض مصالحها الخاصة في نهاية المطاف.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار