هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
جدار المكسيك.. هل يفضح عجز إدارة ترمب؟

جدار المكسيك.. هل يفضح عجز إدارة ترمب؟

نهى خالد

محرر سياسي
  • ض
  • ض
«أمر من اثنين؛ ستضطر فورد للبقاء داخل الولايات المتحدة، أو أننا سندُّر من ورائها ثروة هائلة. الخياران ممتازان بالنسبة لنا»

 (دونالد ترمب)

  

تدُب الحياة في مدينة هِرموسيللو المكسيكية الواقعة إلى جنوب ولايتي أريزونا ونيومكسيكو الأميركيتين، بينما يشرع العُمّال في المصنع التابع لشركة فورد الشهيرة بالإشراف على خط لإنتاج سيارات فورد فيوجن، والتي ستتجه في نهاية المطاف إلى أسواق الولايات المتحدة وكندا دون أن تخضع للحواجز الجمركية، والفضل في ذلك يعود لاتفاقية "نافتا" (NAFTA) التي وقعتها الدول الثلاث المكوّنة لأميركا الشمالية عام 1994.

  

30 عاما ظل فيها المصنع كائنا(1) في تلك المدينة الصغيرة، وهو أول مصنع في المكسيك ينتج سيارات أميركية فارهة للمستهلكين الأميركيين، وكغيره من مصانع الشركات الأميركية التي يعج بها شمال المكسيك، فإنه يستفيد من العمالة المكسيكية الرخيصة لتصبح سيارات فورد متاحة بأسعار أرخص، ومن ثم لشريحة أوسع من الأميركيين. وليست السيارات فقط هي ما تعج به مدن شمال المكسيك، بل الثلاجات وشاشات التلفاز والأجزاء المصنّعة خصيصا للطائرات وآلاف من منتجات شركات جونسون وبيبسي وجنرال موتورز وغيرها.

  

مئات الشركات الأميركية نقلت أعمالها ومصانعها للشمال المكسيكي منذ توقيع اتفاقية نافتا، تتمتع الآن بمزايا الاتفاقية، وتنتج الكثير مما يحتاجه السوق الأميركي بتكلفة أقل، في مقابل خلق مئات الآلاف من الوظائف للمكسيكيين في تلك المصانع. لذا لم يكن غريبا نمو التعداد(2) السكاني للولايات المكسيكية الست المتاخمة للولايات المتحدة بحوالي 60% في "عصر نافتا"، من 13.2 مليونا إلى 21.2 مليون نسمة، علاوة على استضافة الآلاف من المهاجرين اللاتينيين غير الشرعيين تمت إعادتهم من الولايات المتحدة، ووقوع ست من أكبر عشر مناطق سكانية مكسيكية في ولايات الشمال، أبرزها مدينة مونتيري.

    

دونالد ترمب لا تعجبه تلك "الثورة الصناعية" المكسيكية، ويعزو لها فقدان الآلاف من العُمّال لوظائفهم في الولايات المتحدة لصالح اتجاه المصانع الأمريكية لعمالة الجارة الرخيصة

رويترز
  

تعج مونتيري أكثر من غيرها بالمصانع الأميركية المفتتحة في الـ 20 سنة الماضية، ما جعلها تحوز عن جدارة لقب "عاصمة نافتا"، وتمتلك شريحة كبيرة من الطبقة الوسطى المكسيكية التي يتمتع معظمها بالتوظيف في تلك الشركات الكبرى، أو "ماكيلادورا"(3)، الإسم الإسباني لظاهرة المصانع الأميركية الموجودة داخل المكسيك، والتي جعلت منها أكبر بلد لاتيني من حيث إنتاج وتصدير المنتجات الصناعية، متفوقة في ذلك على البرازيل رغم حجم الأخيرة وتعدادها السكاني.

  

لم تمنح نافتا المكسيكيين فقط تذكرة دخول مفتوحة للسوق الأميركي، بل ومنحتهم(4) أيضا جاذبية كبيرة للشركات الأوروبية والآسيوية الراغبة في الدخول للسوق الأميركية، نظرا لمادة تتضمنها الاتفاقية وتقضي بإمكانية استفادة أية شركة أجنبية تدشّن مصانعها في دول "نافتا" من رفع الحواجز الجمركية بينها وبين الولايات المتحدة، مما دفع بآلاف الشركات الكبرى في أوروبا وآسيا لافتتاح مصانع لها هي الأخرى في شمال المكسيك، علاوة أيضا على شركات أميركية تطمح للتصدير لبلدان لاتينية عدة والاستفادة من اتفاقيات التجارة الحرة الجزئية التي تملكها المكسيك معهم بشكل ثنائي، لتصبح المكسيك واحدة من أكبر عشر دول مصنّعة للسيارات في العالم، مع اتجاه(5) ما يزيد عن 80% من منتجاتها للسوق الأميركي وحده.

    

 

بيد أن دونالد ترمب لا تعجبه تلك "الثورة الصناعية" المكسيكية، ويعزو لها فقدان الآلاف من العُمّال لوظائفهم في الولايات المتحدة لصالح اتجاه المصانع الأميركية لعمالة الجارة الرخيصة، ومن ثم حمل برنامجه، في بداية يناير/ كانون الثاني من العام الماضي 2017، خطة بفرض رسوم جمركية تصل لـ 20% على أية سلع مكسيكية قادمة للسوق الأميركي، خطة بدأ في تنفيذها بالفعل منذ أسابيع قليلة، نهاية يناير/ كانون الثاني الماضي، عندما أعلن أن نسبة الـ 20% ستطبق أول ما تطبق على آلات تنظيف الملابس، و30% على ألواح الطاقة الشمسية(6)، وهو عبء جمركي كفيل كما يعتقد بأن تعود الشركات للداخل الأميركي وتوظيف الأميركيين، تماما كما تشي كلماته أعلاه، بدون أي اهتمام منه بتهديدات المكسيكيين المتواصلة برفع قضايا دستورية عليا وربما دولية، فالرجل عازم على إجبار فورد وغيرها من الشركات على البقاء بالداخل، أو دفع أموال طائلة للخزينة الأميركية مقابل حريتها.

   

لسوء حظ ترمب، وحُسن حظ المكسيكيين، لا تبدو "نافتا" بهذه البساطة أبدا، فالواقع أن "نافتا" لم تشكل تبادلا تجاريا وحسب بين البلدين، بل هندست شبكة صناعية متكاملة عابرة للحدود تقوم بموجبها الشركات هنا وهناك بإنتاج(7) السلع بشكل مشترك، فالسلع المنتجة بالمصانع الأميركية في المكسيك تأتي الكثير من مكوّناتها في الحقيقة من مصانع أميركية داخل الولايات المتحدة، والعكس أيضا، وبالنظر لقيام بعضها بالتصدير لدول ذات اتفاقيات ثنائية مع المكسيك، فإن "نافتا" قد حرمت بعض العاملين الأميركيين من وظائفهم السابقة بالفعل، لكنها أنتجت(8) في نفس الوقت وظائف في مجالات أخرى لمنتجات أميركية لم تكن لتخرج للنور بدونها على الإطلاق.

  

في الحقيقة لا تشكل التجارة البينية في السلع النهائية أكثر من 50% من التجارة بين البلدين، في حين تشكّل التجارة في المواد والأجزاء المختلفة المستخدمة أثناء التصنيع النصف الآخر من التجارة الأميركية المكسيكية، تجارة تمُّر عبر الحدود الاقتصادية المفتوحة أكثر من مرة قبل أن يصل المنتج النهائي من المكسيك إلى الولايات المتحدة أو العكس، كما هو الحال، على سبيل المثال، بالنسبة لمصانع دياسيرو(9) للمنتجات الحديدية، والتي تستورد قطع السيارات والآلات القديمة من ولاية تكساس الأميركية، وتقوم بصهرها لإنتاج المسامير والقطع المعدنية الصغيرة، ثم تعيد تصديرها للمصانع الأميركية لتدخل في منتجات عدة، يعود بعضها مرة أخرى للسوق المكسيكي كجزء من أجزاء أكبر، قبل أن تذهب السلعة في رحلتها النهائية للسوق الأميركي.

   

إذا ما انتهى عصر "نافتا" كما يريد ترمب فإن آلافا من الأميركيين سيفقدون وظائفهم في حقيقة الأمر، وليس العُمّال المكسيكيين فقط، إضافة إلى ما ستعانيه الطبقات الوسطى والثرية الأميركية من ارتفاع أسعار كل تلك المنتجات بعد أن يعود إنتاجها من داخل السوق الأميركي الأعلى تكلفة، لذا، وبرغم كل تهديداته المستمرة، فإن ترمب اختار منذ عام كامل "تهديدات صوتية" بالمغادرة، مقابل انخراط فعلي تحت إشرافه في محادثات إعادة التفاوض حول الاتفاقية، تلك المحادثات التفاوضية المستمرة حتى لحظتنا(10)، بقيادة روبرت لايتايزر، الممثل التجاري الأميركي، ومن تعرفه واشنطن كأقوى(11) رجال إدارة ترمب وأذرعه الموجودة خلف الأضواء.

   

الورقة اللاتينية

"على المكسيك أن تتذكر اليوم أنها بلد لاتيني"

 (دبلوماسي برازيلي)

   

في ﭘاسيو دي لا ريفورما، أشهر وأهم شوارع العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي، انطلقت المسيرات في مارس/آذار للعام الماضي محملة بآلاف الغاضبين من رئيس الولايات المتحدة الجديد، حتى باتت على مُقربة من السفارة الأميركية الكائنة بالشارع نفسه، لتتوقف عند حواجز الشرطة المكسيكية، ولترفرف المئات من أعلام البلاد، بينما قام أحدهم بإشعال النار في دُمية مصنوعة لترمب، وسط ضحكات وتهليل الواقفين.

   

  

كان السيناتور أرماندو بيتر، رئيس إحدى لجان العلاقات الخارجية بالبرلمان المكسيكي، حاضرا أيضا في المسيرة، وأطلق العنان لرسالته(12) الخاصة بخصوص العلاقات مع الجار الشمالي: «سنقوم بإرسال مشروع قانون يخُص وارداتنا من الذُرة القادمة من منطقة الغرب الأوسط الأميركية، وسنغيّرها إلى الذرة البرازيلية أو الأرجنتينية. تلك طريقة جيّدة لإيصال رسالتنا بأن الموقف العدائي تجاه المكسيك ستكون له عواقبه».

    

لم تكن تلك رسالة فردية من أرماندو، بل تبعها أيضا وقتها تصريح(13) لوزير الزراعة المكسيكي خوسيه سالزادا، قال فيه إنه سيرأس وفدا للبرازيل والأرجنتين لمناقشة تطبيق إجراءات جمركية جديدة تيسّر وصول المزيد من الواردات البرازيلية والأرجنتينية للمكسيك، بهدف تقليل الاعتماد الكبير على الولايات المتحدة في المنتجات الزراعية، وهو أمر يبدو في حسبانه دائما، مكررا إياه حتى الأمس، عندما قال إن العلاقات الاقتصادية الزراعية الأميركية المكسيكية رهن اتفاق "نافتا" جديد في صالح المكسيك بالمقام الأول(14).

  

بعيدا عن عالم الصناعة المزدهرة في المكسيك منذ توقيع اتفاقية "نافتا"، شهد عالم الزراعة الأميركية ازدهارا كبيرا منذ توقيعها نظرا للسوق المكسيكي الكبير، حيث 120 مليون نسمة، والذي فُتِح على مصراعيه أمام مزارعي الولايات المتحدة ومنتجاتهم الرخيصة، المدعومة من الحكومة الأميركية، والتي أغرقت المكسيك دون جمارك، وأفقدت(15) ملايين من مزارعي الذرة المكسيكيين أعمالهم الزراعية، قبل أن يتجه كثيرون منهم إلى مصانع الشمال.

   

نظرا لغياب الحاجز الجمركي بينهما، يصل ربع إنتاج الولايات المتحدة من الذرة للمكسيك، لتصبح بذلك المستهلك(16) الأول للذرة الأميركية في العالم، تليها اليابان، وهو ما يعني أن المكسيكيين يمتلكون ورقة قوية يستطيعون بها الضغط على الموقف الأميركي، لا سيّما وأن تصدير الذرة لوجهات أخرى سيكون أكثر صعوبة مع وجود الحواجز الجمركية وتكاليف النقل الأكبر.

    

تُعَد تلك مسألة حساسة في البيت الأبيض حتى اليوم، ليس فقط لحماية الزراعة الأميركية، بل ولأن مزراعي "حزام الذرة"، كما يسُمى في منطقة الغرب الأوسط بالولايات المتحدة، كانوا(17) أكثر انحيازا لترمب في الانتخابات الأميركية، وهو ما يعني أن الضغوط من أجل الإبقاء على اتفاقية "نافتا" كما هي لن تقتصر فقط على معسكر كبار المصنّعين المستفيدين من نقل مصانعهم للمكسيك، بل وعلى واحدة من أهم قواعد الحزب الجمهوري نفسه، خاصة وأن المكسيك واحدة من أبرز مستوردي منتجات زراعية أميركية عديدة لا تقف عند الذرة، بل وتشمل القمح والمنتجات الحيوانية والألبان.

    

  

يحاول ترمب، حتى الآن، التمسُّك بموقف مراجعة اتفاقية "نافتا"، بعد أن تراجع عن اتجاهه السابق بإلغائها تماما برغم تهديداته المتكررة، بالتوازي مع تصاعد الحديث عن "اتجاه لاتيني" جديد في أروقة صناعة القرار بالمكسيك، وما يمثله ذلك من مداعبة مشاعر ثقافية لاتينية يستثيرها ترمب بخطابه من ناحية، ومداعبة المشاعر الأيديولوجية اليسارية الحاضرة بقوة في المكسيك في الوقت الراهن، بيد أن ورقة المكسيك "اللاتينية" في ملف الذرة والمنتجات الزراعية ستقتصر في الأغلب على الضغط للحفاظ على "نافتا" كما هي، أو ربما الخروج بمميزات جديدة للمكسيك، أهمها منح سائقي الشاحنات حق دخول السوق الأميركية بدلا من نقل شُحناتهم لشاحنات أميركية كما يحدث اليوم، ولن تتعدى ذلك إلى تدشين "حُلم لاتيني" كما يرغب البعض.

      

يعود ذلك لأسباب عديدة، أولها أن اقتصاد كافة الدول اللاتينية مجتمعة، باستثناء المكسيك، يصل لحوالي أربعة تريليون دولار، أي رُبع قيمة الاقتصاد الأميركي وحده، مما يجعل استبداله بنظيره الأميركي مسألة صعبة على المكسيك، وثانيها أن انقسام تلك الكتلة الاقتصادية بين عشرة بلدان في أميركا اللاتينية وسبعة في أميركا الوسطى يزيد الأمور تعقيدا باستحالة التوصل لاتفاق تجارة حرة بقوة وتناغم "نافتا" ذات الدول الثلاث، وثالثها أن القارة الأميركية الجنوبية تحديدا يفصلها بحر كامل عن المكسيك، ومسافات شاسعة بين موانئ أطراف دول جنوبية مثل بيرو وشيلي من ناحية والمكسيك من ناحية، تجعل استبدال التجارة اللاتينية بالأميركية أشد صعوبة وتكلفة.

    

يزيد على كل ذلك عدم امتلاك الاقتصادات اللاتينية للشركات الأميركية الكبرى التي تشكّل المحرّك الرئيسي للثورة الصناعية الجارية في شمال المكسيك، وما يشمله ذلك من نقل الخبرات والتقنيات الأميركية من الشمال إلى الجنوب، إضافة إلى أن اقتصادات(18) الدول اللاتينية الكبيرة مثل البرازيل والأرجنتين تنتمي لنفس المرحلة التي تقع فيها المكسيك، ومن ثم تمتلك صناعاتها الخاصة محاولة حمايتها بمنظومة الجمارك المرتفعة على السيارات الواردة من الخارج، مما يجعل الأسواق اللاتينية بديلا مستحيلا للسيارات المصنّعة في المكسيك إذا ما أغلقت بوجهها الأسواق الأميركية، نظرا لما ستشكله السيارات المكسيكية من ضرر على نظيرتها البرازيلية.

    

أخيرا، تمتلك البرازيل والأرجنتين منظومات اتحادات عمّالية قوية، ويُعزى لها الدور المركزي المستمر للدولة في ضبط حركة السوق في هذين البلدين أكثر من غيرهما داخل مجموعة العشرين G20، الأمر الذي يتناقض تماما مع الفلسفة الاقتصادية التي اتبعتها المكسيك بتبني السوق المفتوح والاندماج الكامل في المنظومة الدولية، ومن ثم يجعل التناغم(19) شبه مستحيل بين القطبين اللاتينيين الأكبر؛ تناغم لن يريح الولايات المتحدة من الأصل، والتي لم توقع "نافتا" قبل عقدين من أجل الاعتبارات الاقتصادية فقط، بل والسياسية والإستراتيجية كذلك.

     

عقيدة مونرو لا تموت

«مسكينة أنتِ يا مكسيك. بعيدة جدا عن الرب، وقريبة جدا من الولايات المتحدة!»

(بورفيريو دياز، رئيس المكسيك 1876-1911)

    

في نوفمبر 2013، وقف وزير الخارجية الأميركي جون كيري متحدثا للصحافيين في مؤتمر على هامش قمة منظمة الدول الأميركية "OAS"، وأطلق العنان لتصريح تاريخي ومثير للجدل، قائلا إن «زمن عقيدة مونرو قد ولّى». وقبل مائة وتسعين عاما من كلمات كيري، كانت أول انطلاقة لما عُرف لاحقا بـ "عقيدة مونرو"، مدشّنة(20) سياسة أميركية جديدة تعارض أية توسعات إضافية للقوى الاستعمارية الأوروبية في القارتين الأميركيتين، على أن يبقى نفوذهم كما هو دون زيادة.

    

   

كان التوقيت لافتا، بالطبع، نظرا لحصول الكثير من المستعمرات الإسبانية والبرتغالية السابقة على استقلالها بشكل كامل أو جزئي، ومن ثم كان الاتجاه الأميركي محاولة للحفاظ على استقلال الدول الأميركية الجديدة، وإفساح المجال للريادة الأميركية في القارتين الجديدتين بدلا من القوى الأوروبية التقليدية، ومنذئذ صار لزاما عليها أن تُبقي طموحاتها في نطاق "العالم القديم" بقاراته الرئيسة الثلاث فقط.

   

ظلت عقيدة مونرو قائمة على مدار قرنين، حتى بدأ عصر أوباما وتحولات جديدة أتى بها إلى البيت الأبيض، بدءا من الانفتاح على كوبا وإيران، وحتى الاتجاه نحو آسيا وتراجع الاهتمام بأميركا اللاتينية، وفتور العلاقة مع إسرائيل، وغير ذلك. كعادته، حاول جون كيري باستمرار أن يضع نفسه في القلب من عقيدة أوباما، وحمل على عاتقه صياغة دور جديد أقل إمبريالية ظاهريا للولايات المتحدة، وهو ما دفعه لتصريحه الشهير أعلاه بنهاية عقيدة مونرو، والقول بأن واشنطن صارت تعامل الجميع في الأميركتين من منطلق متساو.

  

تردد الحضور في التصفيق لجون كيري بعد كلماته تلك، فتوقف الرجل لحظات عن خطابه قائلا لهم إن «الأمر يستحق التصفيق بالفعل، إنه ليس أمرا سيئا أبدا»، فصفّق البعض دون حماس في حين امتنع آخرون. لا ندري أسباب ذلك التردد، أو أسباب اعتقاد كيري للحظات بأن ما قاله لم يجد صدى إيجابيا لدى الجميع، لكن التنازل عن موقع الولايات المتحدة المركزي في الأميركتين لم يكن خبرا سعيدا بالتأكيد للكثير من صناع القرار في الولايات المتحدة، لا سيّما وأن القارة تشهد اليوم منافسة غير مسبوقة منذ خروج إسبانيا قبل قرنين تتمثل بالتواجد التجاري الثقيل للصين.

    

   

إبان الإعلان عن فوز دونالد ترمب نهاية 2016، أصدرت الصين ورقة استراتيجية بخصوص أميركا اللاتينية والكاريبية تتضمن خطة لزيادة التجارة الصينية اللاتينية بنصف تريليون دولار، والاستثمارات الأجنبية بربع تريليون دولار، وهي مسألة تبدو بكين جادة فيها بالنظر لدورها المحوري في أميركا اللاتينية بالفعل عبر بنكي التنمية الصينيَّين؛ بنك الصين للتنمية وبنك الصين للاستيراد والتصدير، واللذين يقدمان حاليا بالفعل تمويلا أكبر للمشروعات اللاتينية مما يقدمه البنك الدولي وبنك التنمية الأميركي والمنظمة الدولية للتنمية والتعاون الاقتصادي مجتمعين.

   

في البرازيل، الاقتصاد الأكبر في أميركا اللاتينية رغم تعثره مؤخرا، تلعب الصين الدور الاقتصادي الأبرز بحصولها على ثلث الصادرات البرازيلية، في حين تتراجع أهمية التجارة مع الولايات المتحدة، وبالمثل تمتلك الأرجنتين الروابط الأقوى مع الصين شريكها التجاري الرئيسي ومن بعدها البرازيل، في حين يحتل الأميركيون المركز الثالث، وينطبق الحال على شيلي وعدد من دول أميركا الجنوبية التي تنامى فيها النفوذ التجاري الصيني خلال العقدين الماضيين، لا سيّما مع صعود موجة الحكومات اليسارية خلال العقد الأول من الألفية، أو ما عُرف بالمَدّ الوَرديّ "Pink Tide"، والتي استخدمت النفوذ الصيني لتقليص الدور الأميركي.

       

 

سيكون إخفاقا كبيرا للسياسة الأميركية بطبيعة الحال أن تخرج المكسيك من مدار الروابط التجارية الوثيقة مع واشنطن وأتاوا، وتنضم لنظيراتها في أميركا الجنوبية كشريك تجاري رئيس للصين في المنطقة، وأن تفقد نفوذها الكبير في المكسيك، والتي تشكل اليوم مع كندا والولايات المتحدة الكُتلة الاقتصادية الأكبر في العالم متفوقة على الاتحاد الأوروبي والصين، وتمنح الولايات المتحدة ثقلا أكبر في السوق العالمي بالمقارنة مع وجودها كقوة اقتصادية منفردة، كما تمنحها أيضا نفطا مكسيكيا وكنديا رخيصا يقلّص اعتمادها على ما تستورده من دول "أوبِك".

   

يمنح النموذج المكسيكي من موقعه داخل "نافتا" أيضا امتدادا للقوة السياسية والاقتصادية الأميركية في أميريكا اللاتينية، فالمكسيك ليست فقط الاقتصاد اللاتيني الأكثر تطورا بفضل الاستثمارات الأميركية، بل وبات ثقلها محسوسا في دول أميركا الوسطى الصغيرة، فهي الآن من أكبر خمس مستثمرين في كل دولة منها، وبالنظر لوجود اتفاق تجارة حرّة جزئي بين الولايات المتحدة وتلك الدول، بالإضافة لجمهورية الدومينيكان "كافتا دي آر" (CAFTA-DR)، فإن الدور المكسيكي لا يصبح محوريا فقط في توسيع نطاق كُتلة "نافتا"، بل وسيشكل مستقبلا سببا رئيسيا في ازدهار المنطقة، ومن ثم كبح موجات المهاجرين اللاتينيين القادمين إلى شمال المكسيك أو إلى الولايات المتحدة على السواء.

   

لحُسن حظ الأميركيين، ليست ثمة رغبة مكسيكية حقيقية في الخروج من عالم "نافتا" ومميزاته، خاصة في فترة  يشهد فيها شركاء الصين الأبرز في أميركا اللاتينية تراجعا اقتصاديا كبيرا بسبب تباطؤ العملاق الصيني، مما أدى إلى تراجع موجة الحكومات اليسارية وصعود اليمين من جديد في البرازيل والأرجنتين، علاوة على أن مكسيكو سيتي ومونتيري وهرموسيللو لن تروقهم أبدا العلاقات التجارية غير المتكافئة مع الصين، من تحصل على الموارد الطبيعية بكثافة مقابل تصديرها للسلع المصنّعة بأسعار رخيصة تضرب الصناعات المحلية، في حين تُعَد العلاقات بين المكسيك وجارها الشمالي، على عكس ما قد يتوقع كثيرون، أكثر تكافؤا.

    

  

لا يدلل على ذلك أكثر من طبيعة الصادرات بين المكسيك والولايات المتحدة، فالسلع المكسيكية الأربع الأهم في السوق الأميركي هي نفسها السلع الأميركية الأربع الأهم في السوق المكسيكي: الآلات والسيارات والأجهزة الكهربائية والوقود، وذلك ببساطة نتيجة لتداخل الصناعات وخطوط إنتاجها عبر الخط الفاصل بين البلدين، إضافة لما يجلبه الأميركيون من تطوير لصناعة مكسيكية باتت أهم صادراتها للعالم هي السيارات وقطع الغيار والشاحنات وأجهزة الكمبيوتر، في حين تظل صادرات البرازيل الأبرز هي فول الصويا وخام الحديد والنفط الخام والسكر والدواجن، في انعكاس واضح لطبيعة علاقاتها التجارية مع الصين.

     

نظريا، سيكون مستحيلا تخيُّل قيام الولايات المتحدة بالشروع في بناء جدار ترمب الحدودي الفاصل على نفس الخط الذي يشهد ثورة صناعية تستفيد منها واشنطن في الحقيقة قبل مكسيكو سيتي، سواء الجدار الفعلي لوقف حركة المهاجرين، والتي ستزداد إن اختفت اتفاقية "نافتا"، أو الجدار التجاري الذي يريد ترمب إقامته ولو جزئيا بإعادة التفاوض بشأن "نافتا". وسيكون مستحيلا أيضا على واشنطن أن تجد بديلا للدور المحوري الذي منحته "نافتا" للمكسيك، ليصبح دورها المركزي في أميركا اللاتينية في نفس الوقت تعزيزا للقيادة الأميركية بالمنطقة لا منافسا لها، وهو دور لا تستطيع أميركا القيام به وحدها -لأسباب جغرافية وثقافية واضحة، إلا أن عاما من حكم ترمب أوضح وبجلاء الفارق بين النظري والعملي، على الأقل في ما يخص الجدار الفاصل.

     

بدا المشهد بصحراء سان دييجو، وتحديدا بمنطقة أوتاي ميسا، كأنه مأخوذ رأسا من الأراضي المحتلة، ولم تكن التفاصيل مختلفة كثيرا: قوافل من سيارات النقل المدنية وسيارات الشرطة المصفحة، مسؤولون من الوكالة الأميركية للضبط الجمركي ومراقبة الحدود، وثمانية نماذج ضخمة لما بشر به ترمب منذ الأزل: الجدار الحدودي نفسه.

     

لم يتخل ترمب عن رؤيته على مدار عامه الأول، وفي البداية تنافست 250 شركة بناء أميركية أمام إدارة الأمن الداخلي "Homeland Security"، قبل أن يتساقط الجميع إلا من ست شركات فقط كلفت ببناء نماذج قطع طولي من الجدار المنتظر. وبالفعل شهدت صحراء أوتاي العرض بثمانية نماذج بدت وكأنها منزوعة رأسا من جدار الفصل العنصري في الأراضي المحتلة، لكن بتقنيات أكثر حداثة بأشواط لا بأس بها.

      

الرئيس المكسيكي إنريك بينيا نيتو

رويترز
 

لا يسير ترمب في طريق إلغاء "نافتا" إذن، ولكنه يواصل تهديداته الصوتية إعلاميا مقابل إرسال أفضل رجاله لمفاوضات حقيقية مازالت مستمرة حتى الآن، إلا أنه بالتأكيد يسير في اتجاه بناء الجدار رغم الاستحالة النظرية، حتى أنه وإدارته وضعا في اقتراح البيت الأبيض للميزانية العامة لـ 2019، المرسلة للكونجرس يوم الاثنين الماضي، 18 مليار دولار لبناء الجدار الفاصل، رغم تأكيده مرارا وتكرارا على مدار العام السابق بأن المكسيكيين هم من سيبنون الجدار بنقودهم، وهو ما رأته مكسيكو سيتي على الأرجح اقتراحا شبه جنوني، ورفضته بلا أي مساحة تفاوضية، ورغم علمه برفض الكونجرس لذلك على الأرجح، ورغم احتمالات مفاجآته التي لا تنتهي.

        

قبل أكثر من قرن، أطلق رئيس المكسيك بورفيريو دياز كلماته الشهيرة أعلاه، وكانت خلفية الأحداث آنذاك هي فقدان المكسيك للعديد من الأراضي التي تبعتها سابقا مثل ولايات تكساس وكاليفورنيا وأريزونا وغيرها، أما في عصر "نافتا" فلم تعُد المكسيك مسكينة أبدا بقُربها من الولايات المتحدة، فهو قُرب يمنحها تفوقها الاقتصادي في القارة اللاتينية، ومن ثم دورا سياسيا بارزا في محيطها، بل ويمنحها كذلك أوراق ضغط لم تحلم بها سابقا في علاقتها بواشنطن.

     

أما المسكين الوحيد اليوم فسيكون الرئيس المكسيكي إنريك بينيا نيتو الذي سيتوجب عليه إدارة ملف العلاقات الصعبة في عهد ترمب، آملا أن يلعب لوبي الصناعات الثقيلة الأميركية دوره في إقناعه بأهمية "نافتا"، آملا، أيضا، ألا يكون خطاب ترمب العنصري والانعزالي تجاه أميركا اللاتينية سببا في خسارته للانتخابات الرئاسية هذا العام بوجه المرشح اليساري أندريه أوبرادور غير المرغوب به في أي من مكسيكو سيتي أو واشنطن أو أوتاوا.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار