اغلاق
آخر تحديث: 2018/2/27 الساعة 18:30 (مكة المكرمة) الموافق 1439/6/12 هـ

انضم إلينا
الاستعمار الصامت.. تعرف على ملامح التوغل الصيني بقلب أفريقيا

الاستعمار الصامت.. تعرف على ملامح التوغل الصيني بقلب أفريقيا

  • ض
  • ض

يحب الأثيوبيون على الأرجح تذكر هدية بكين العملاقة بشارع روزفلت الشهير بقلب أديس أبابا العاصمة، أكثر مدن إفريقيا ارتفاعًا عن سطح البحر. كانت هَديةً صينية بالغة السخاء، وبالغة الجودة بعكس سمعة منتجات التنين الآسيوي، وبتكلفة وصلت لمائتي مليون دولار، ومئات من العمال الصينيين، وتصميم أشبه بتصميم قاعدة فضائية، وبناء هو الأطول في العاصمة الإثيوبية بـ 21 طابقًا(1)، شق المقر الجديد للاتحاد الإفريقي عنان سماء أديس أبابا. بينما أتمت الصين كل شيء على أكمل وجه، وسلمته للبلد الإفريقي الحبيس في مراسم احتفالية، بنهاية يناير/كانون الثاني لعام 2012، شهدت حضورًا لمستشار الصين السياسي الأول وقتها "جيا كوينجلين"، مسلمًا مفتاح الاتحاد الذهبي العملاق للإثيوبيين، وتواجدًا لرئيس الوزراء الإثيوبي حينها ميليس زيناوي مصفقًا بين الحضور. ظل المبنى العملاق يمارس دوره بكفاءة تامة في جمع أقطاب القارة لخمس سنوات كاملة، وبقاعة مؤتمرات من الأضخم بطول القارة وعرضها، حتى يناير/كانون الثاني للعام الماضي 2017، عندما استيقظ الإثيوبيين فجأة بعد كل هذه السنوات على كابوس استخباراتي لم يتوقعه أحد.

          

بدأ الأمر بتقني حاسوب متحمس يعمل بمبنى الاتحاد الإفريقي، عندما لاحظ أن خوادم أجهزة الاتحاد تزدحم بأنشطة بيانات بين الساعة الثانية عشر منتصف الليل والثانية صباح كل يوم، برغم عدم وجود أي شخص بالمبنى في هذه الساعات المتأخرة، وسرعان ما ساقه حماسه لتتبع مصدر ما رآه خللًا، ليكتشف أن البيانات اليومية المتداولة، وكافة أسرار الاتحاد الداخلية المخزنة على كل أجهزة المبنى تقريبًا، يتم نقلها وتخزينها في خوادم غامضة أخرى بوحدات غير معروفة، إلا أنها ليست بأديس أبابا، وإنما في مكان آخر يبعد ثمانية آلاف كيلومترًا كاملًا من العاصمة الإثيوبية، في مدينة شنغهاي الصينية.

            

روى مسؤول رفيع المستوى بالاتحاد الإفريقي رفض ذكر اسمه قصة تسريب البيانات المذهل لصحيفة لوموند الفرنسية، مؤكدًا أن الاتحاد قام بحملة تطهير واسعة(2)، وأبعد جميع المهندسين الصينيين العاملين بالمبنى، ثم أجرى عملية استبدال كاملة لكافة الخوادم الإلكترونية بخوادم أخرى خاصة رافضًا عرضًا صينيًا باستبدالها، وتم تشفير كافة المراسلات المتبادلة يوميًا بين مسؤولي الاتحاد، مع تمريرها من طريق آخر بدلًا من شركة إثيو تليكوم، المشغل العام لشبكة الهواتف الإثيوبية، إلا أن الصحيفة لم تكتف بذلك في تحقيقها، وروت مشهدًا بدا وكأنه قادم من قلب حرب استخباراتية باردة، عندما حضر فريق أمن سيبراني جزائري استدعاه الاتحاد ليجري عملية مسح شاملة للمبنى، ليكتشفوا ميكروفونات دقيقة مزروعة في أماكن مختلفة(3).

     

      

سرعان ما نفت الصين بشكل رسمي، على لسان "كوانج ويلين" سفير بكين لدى الاتحاد الإفريقي، ما جاء بتحقيق لوموند واصفًا إياه بأنه «مناف للعقل، واستيعابه أمر بالغ الصعوبة»، ثم أيده رئيس الاتحاد الإفريقي الجديد الرواندي "بول كاغامي" الأمر قائلًا إنه لا وجود لمن يتجسس، وسبقه رئيس مفوضية الاتحاد "موسى فقيه" بتصريح مشابه نافيًا تحقيق الصحيفة بالكلية(4)، قبل أن ينضم لحفلة النفي رئيس وزراء إثيوبيا المستقيل منذ يومين "هايله ديسالين" مؤكدًا أن العلاقات الصينية الإفريقية «استراتيجية وشاملة جدًا»، بينما اتخذت تصريحات النفي عاملًا مشتركًا لا تخطئه عين، فكلها أجمعت تقريبًا على نفي مباشر وحاد وقصير بدون تصريحات أو خوض في تفاصيل تحقيق لوموند، بينما لم يفسر أحد في إثيوبيا أو الصين كيف تخرج صحيفة ذات ثقل إفريقي بالغ كـ "لوموند" الفرنسية بهذه القصة بكل هذه التفاصيل الدقيقة.

         

لم يمض كثيرًا على ما حدث، وبعدها بأربعة أشهر فقط في مايو/أيار للعام الماضي، وقبل تحقيق لوموند بسبعة أشهر كاملة، أعلنت الكونغو قبولها هدية معمارية صينية أخرى (5) تمثلت بتولي بناء البرلمان الكونغولي بتكلفة بالغة الضخامة تتجاوز على الأرجح 50 مليون يورو، ورغم أن السلوك الكونغولي العام كان متسامحًا أمام حقيقة أن المبنى ربما أقل ما قد يُشكل قلقًا لبلد يواجه أزمات لا تنتهي، فإنه لم يدع جانبًا أيضًا قلقه من احتمال كون هدية بكين القادمة تعد مقابلا سخيا لمنافع أخرى قد يحصدها العملاق الآسيوي من البلد الإفريقي الممزق بالصراعات والمتخم بالأزمات، والغني بموارده الطبيعية.

         

تختصر مليارات الصين المتناثرة بطول إفريقيا وعرضها الكثير من علاقات تُشكل حصيلة أكثر من عقدين من تشابكات اقتصادية وسياسية بينهما، علاقات تقوم في مجملها على المنفعة المتبادلة كما يتم تقديمها رسميًا وشعبيًا في كل منهما، وهي وإن كانت تحقق بالفعل عديدًا من المنافع لكلا الطرفين، فإنها أيضًا علاقة ربما تميل دومًا للجانب الصيني، أحد أكبر مستهلكي موارد الطاقة الإفريقية. وفي وقت يسعى فيه الجميع للحصول على نصيب من كعكة الموارد الإفريقية الوفيرة وشبه المجانية لمن يعرف كيفية استغلالها، وهو أمر لم تكن الصين بمنأى عنه لبضعة عقود مضت، منذ أن تشكلت الملامح الأولى للعلاقات الصينو-إفريقية في السبعينات، إلا أن بكين تبدو وكأنها على موعد الآن مع إعادة تعريف نفوذها الإفريقي في إحدى أكبر حلبات تنافس القوى العالمية.

          

الأذرع الطويلة

تعتبر الولايات المتحدة والغرب عامة علاقة الصين بإفريقيا شكلًا جديدًا من أشكال استعمار طالما استغلت فيه الصين موارد إفريقيا من المعادن والطاقة لصالح دفع نموها الاقتصادي للأمام بطريقة أسرع

رويترز
           
كان المسؤولون الصينيون يظهرون في حالة دفاع شبه دائمة عندما يتعلق الحديث بأذرع بكين الطويلة في إفريقيا منذ فترة طويلة، إلا أن الأمر اختلف كثيرًا في الأعوام القليلة الأخيرة، وتحديدًا عندما استدعى خطاب "هيلاري كلينتون"، وزيرة الخارجية الأمريكية، مطلع أغسطس/ آب 2012 نبرة هجومية صينية نادرة تجاه أميركا. عندها طالبت كلينتون القادة الأفارقة، من على منصة بجامعة سنغالية، بانتقاء شركاء اقتصاديين «مسؤولين وغير استغلاليين»، وكانت الإشارة (6) موجهة بشكل لا لبس فيه للصين، خاصة بعد أن أعلنت الأخيرة قبل أسبوعين تقريبًا من خطاب هيلاري تقديمها لقروض واستثمارات لإفريقيا بقيمة 20 مليار دولار . التقطت بكين الإشارة، وقررت الرد بشكل مباشر وهجومي عن طريق وكالة أنبائها الرسمية "شنيخوا"، قائلة إن كلينتون «إما جاهلة بحقائق علاقات الصين بإفريقيا، أو اختارت تجاهلها، وفي الحالتين فإن ادعاءاتها بأن الصين تحاول الاستيلاء على ثروات القارة لنفسها هو ادعاء مزور، وأن الصداقة بين الصين وإفريقيا تجعل ما قالته كلينتون في موضع الكذب».

          

تعتبر الولايات المتحدة والغرب عامة علاقة الصين بإفريقيا شكلًا جديدًا من أشكال استعمار (7) طالما استغلت فيه الصين موارد إفريقيا من المعادن والطاقة لصالح دفع نموها الاقتصادي للأمام بطريقة أسرع، وبينما يراه الغرب استعمارًا، تراه الصين علاقة فوز متبادل لكلا الطرفين. ففي حين تنال الصين ما تحتاجه من المعادن وموارد الطاقة، تنال إفريقيا مليارات الدولارات في شكل قروض ومشاريع تنموية وبنية تحتية واستثمارات تُدفع بها دفعًا نحو تحقيق نموها الذاتي المتأخر منذ زمن طويل. لذا عندما نشأت العلاقات الصينية-الأفريقية بداية الخمسينات بتمويل الأولى بناء خط سكة حديدية (8) لنقل النحاس الخام من زامبيا لتنزانيا، ثم استمرت بعد ذلك بشكل تصاعدي وصولًا لأواخر التسعينيات، وهو عقد شكل نقطة محورية في نموها، لم تكن إفريقيا خلال هذه الفترة وما بعدها بحاجة لمن يخبرها بالبقاء بعيدًا عن الاستثمار مع الصين، ليس فقط لمنفعة نالتها بالفعل كما سيظهر على مدار سنوات تالية، بل لأن الصين -وعلى العكس الغرب وأمريكا بالأخص- لم تكن تُخبر أفريقيا بما تحتاجه (9)، بل تلتزم بسياسات متبادلة من عدم التدخل مقابل الاكتفاء بالمنافع الاقتصادية القائمة بالفعل، أو هكذا يتم تصدير الصورة القائمة بكل حال.

           

خرجت هذه الصورة للعلن في كل مرة بالإعلان عن قروض واستثمارات صينية ضخمة في دول إفريقية عدة، كما حدث عام 2012 وكما سيتكرر بشكل دوري في مناسبات عدة، آخرها في ديسمبر/ كانون الأول عام 2015 عندما أعلن الرئيس الصيني "تشي جين بينغ" عن استثمارات وقروض لأغراض التنمية الإفريقية بقيمة 60 مليار دولار (10). إلا أن تأثير بكين الأكبر في صورتها الإيجابية أتى عن طريق مجموعة ضخمة من منح تعليمية للطلاب الأفارقة في الصين، وبحزمة من برامج تدريبية (11) تمتزج ما بين تدريب الساسة الشباب والمسؤولين الحكوميين، وبين صورة أكثر تأثيرًا توغلت فيها الصين بماكينة الإعلام الأفريقي، وحملت من خلالها يومياتها وثقافتها وتاريخها لقلب القارة السمراء.

           

تحكي "باربرا نجاو" في معرض حديثها عن إعادة تعريف الصين لدورها في إفريقيا (12)، وفي لمحة خاطفة من قلب العاصمة الكينية "نيروبي"، حينما بدا أن كل ما يحيط ببرنامج "إفريقيا لايف" من المذيع «الساحر» حد تعبير باربرا، ولقطات الفيديو المختارة بعناية من صور لمسؤولين أفارقة واجتماعات حكومية وقوات عسكرية، كل شيء بدا في لحظة ما أنه يعمل ضمن منظومة إفريقية إعلامية متكاملة، وأصبح في لحظة تالية خارج النسق تمامًا بمعرفة أن البث التلفازي يتم من محطة مملوكة للصين في نيروبي أنشأتها عام 2010. كان الهدف من هذا هو «الدخول لقلب أفريقيا الحقيقية»، هدف أصبحت معه الصين الثانية على قائمة أكبر نماذج التنمية شعبية في القارة، وإن لم تستطع بحال تجاوز الولايات المتحدة التي ظلت على القمة شعبيًا، وإن اختلفت هذه الشعبية على المستوى التنفيذي.

                       

لم يكن الاختلاف بين وجهات النظر الحكومية والشعبية نابعًا فقط من تدريبات سياسية مجانية تمنحها الصين لرجالها الأفارقة، من يُصبحون فيما بعد أعمدة لاستثماراتها أيضًا، ولكن لأن أحد أوجه الانتقادات الشعبية الهامة لبكين هي أن استثماراتها تأتي على الأغلب في صورة تعاقدات حكومية تُحيطها السرية، ما يعني انعدام القدرة على احتساب حجم المزايا والفائدة المفترض حدوثها من عدمه، ويأتي انتقاد آخر باعتبار أن الاستثمارات الصينية غالبًا ما تأتي بعمالة صينية كاملة للعمل في مشاريعها والإشراف المباشر عليها، ما يعني ندرة فرص عمل محلية يفترض أن توفرها هذه الاستثمارات للأفارقة. أما الانتقاد الثالث فتمثل في أن الحكومات الإفريقية هي المستفيد الأكبر من مشاريع الصين غير المعلنة نتيجة لحجم الفساد المتضخم بالقارة، إضافة لكون هؤلاء بالأساس هم محط اهتمام بكين من خلال تدريباتها التي تأتي بهم إليها دون الكثير من الجهد.

          

المارد
كان "أنتوني كاباندو"، مسؤول فرق العمل الخاص بالسكرتارية العامة لـ "الحركة الشعبية لتحرير السودان" التي أصبحت الحزب الحاكم في دولة جنوب السودان بعد 2011، مندهشًا لدرجة أنه لم يتوقف عن الحديث عن سفره العام الماضي لأجل تدريب صيني انتدبته إليه الحركة (14). بداية من زيارته محطة السكك الحديدية والمطار الرئيس بشنغهاي، ومرورًا بالمدرسة التابعة للحزب المركزي في بكين، ووصولًا لبعض المناطق الصناعية ومراكز الشرطة في مناطق مختلفة من أنحاء الصين. وقع أنتوني تحت تأثير التطور الاقتصادي والصناعي الصيني لدرجة لم يكن معه بحاجة لأن يكون التدريب، الذي تلقاه كواحد من بين آلاف المسؤولين الأفارقة، وسيلة دعاية بأي شكل لمبادئ بكين أو حزبها الحاكم.

             

كان الهدف الرئيس من نشأة برامج التدريب الصينية الدولية منذ السبعينات، وخاصة لأجل السياسيين والعسكريين الأفارقة، هو تصدير مبادئ الثورة الصينية الشيوعية للعالم، ويمكن القول إن بكين لم تعد بحاجة لتخصيص برامج التدريب للدعاية لنفسها في إفريقيا، بل أصبحت تكتفي بانبهار القادمين من دولهم النامية بكل ما تحويه من تقدم صناعي وتكنولوجي وطفرة اقتصادية لا يُدرك الزائرين طريقًا للوصول إليها سوى باتباع طريق الصين المفتوح على مصراعيه بالمساعدات كما التدريبات. لم يمنع هذا استمرار نهج الصين لطريق استخدمته الولايات المتحدة من قبل في ترويض أعدائها من خلال تربية العناصر السياسية الشابة في الدول المقصودة ورعايتها، بما يمنحهم بعد ذلك فرصة لأن يُصبحوا هم أنفسهم قادة هذه الدول التي ترتبط بطبيعة الحال بعلاقات قوية مع التنين الصيني.

          

          

بدأت الصين طريقها منذ السبعينيات كما ذكرنا، ويظهر المثال الأبرز حاليًا لرجال الصين في إفريقيا في نموذج "إيمرسون ماناناغوا"، أو رئيس زيمبابوي القادم بانقلاب عسكري يُزعم تورط الصين فيه، إثر زيارة للصين قام بها القائد العام للجيش الوطني الزيمبابويّ، الجنرال "كونستانتينو شيوينغا"، قبل أيام فقط من الانقلاب (15)، ويُعتقد أنه نال فيها موافقة الصين على التحرك بقواته للإطاحة بالرئيس الأسبق روبرت موغابي. تربط صداقة طويلة قائد الجيش الزيمبابوي بالرئيس الحالي ونائب الرئيس الأسبق ماناناغوا، إلا أن هذا الأخير كان هو نفسه الذي نال تدريباته العسكرية في الصين خلال الحرب الأهلية في زيمبابوي في الستينات، والتي عاد بعدها لارتكاب جرائم قتل وتعذيب لايزال يُتهم بها حتى الآن ضد الآلاف من أبناء وطنه خلال الحرب.

            

خلال تلك الفترة أيضًا ومرورًا بالثمانينيات والتسعينيات، كانت علاقات الصين بإفريقيا لا تزال متأرجحة بين محاولات الأولى تأكيد وجودها على الساحة العالمية، وبين انتشار الحروب الأهلية والصراعات في كافة أنحاء القارة السمراء، بما يجعلها غير مؤهلة أغلب الأمر لأن تتجه إليها دولة صاعدة كالصين لتركز استثماراتها فيها. وبحلول أوائل الألفية الثانية كانت الأمور في طور تحول كامل لصالح توغل صيني بإفريقيا، لتصبح الصين الرقم الأول على قائمة شركاء القارة التجاريين لفترة استمرت لأكثر من عقد تقريبًا بعد عام 2000.

            

ارتبط نموذج العلاقات الصينوإفريقية بنوع خاص من الاعتماد المتبادل على نوعين بعينهما من الاحتياجات. كانت الطاقة على رأس حاجات الصين الصاعدة في التسعينيات، وكانت البنية التحتية المدمرة من أثر الحروب الأهلية وحروب التحرير ضمن احتياجات القارة السمراء الرئيسة، ووجد كلاهما في الآخر وسيلة لتلبية حاجاته ما جعل "المنفعة المتبادلة" هي أساس تلك العلاقات في بداياتها بالفعل كما تكرر الصين دومًا. لم يستمر هذا الوضع طويلًا، وكان الصراع الصيني مع القوى الآسيوية والعالمية، وعلى رأسها الولايات المتحدة واليابان، أحد أسباب ذلك، بينما كان انعدام الاستقرار واستمرار الحروب في نواح عدة من إفريقيا، وكذا رسوخ الفساد والأنظمة الاستبدادية في غالبية دولها، أسبابًا أخرى جعلت من العلاقات الثنائية محل جدل عالمي، ليس فقط لعدم شفافيتها على طول الخط تقريبًا، إنما كذلك لتورط الصين في تعاملات عدة مع حكومات وأنظمة ديكتاتورية بشكل مباشر، لتتحول هذه الصفقات من تنمية القارة بشكل رئيس إلى دور جديد أصبحت فيه الصين صاحبة المنفعة الأكبر ومعها أنظمتها الخاصة.

          

      

تقف زيمبابوي على رأس النموذج الأخير ضمن دول إفريقية ترتبط بعلاقات طويلة وتبادل تجاري ضخم مع بكين مقارنة بجيرانها. علاقات سياسية وقفت فيها الصين طويلًا إلى جانب موغابي تارة بتوطيد العلاقات الاقتصادية الهادفة للتنمية، وتارة أخرى باستخدام حق النقض "الفيتو" الذي وقف حائلًا دون فرض عقوبات دولية على زيمبابوي عام 2008. على الجانب الآخر بقيت علاقات الصين مع دول كالكونغو ونيجيريا وجنوب السودان محل جدل كبير، ضمن اتهامات الولايات المتحدة والغرب للصين بإقامة علاقات قوية فقط مع الدول الغنية بموارد الطاقة دونًا عن بقية أنحاء القارة، وبالرغم من دفاع بكين الدائم عن نفسها، بشكل عملي، بإقامة علاقات مع إثيوبيا وكينيا وأوغندا وقائمة طويلة أخرى من دول تُعد فقيرة، فإن هذا لم يمنع استمرار الاتهامات بكون الصين تحافظ على مواردها في هذه الدول باستمرار علاقاتها معها. وتتخذ جنوب السودان مثلًا والمرتبطة بعلاقات قوية مع بكين نموذجًا بارزًا على دعم الأخيرة لمصادر تمويل طاقتها من القارة السمراء، بداية من خلال قائمة طويلة من العقود الخاصة بتبادلات تجارية ضخمة، وليس نهاية بقوة حفظ السلام الصينية في السودان التي ترافق وجودها مع اندلاع الحرب هناك وحتى الآن.

        

لم تكن علاقات المصالح المرتبطة بالاستثمارات الصينية في إفريقيا سوى واحدة من اتهامات عدة وُجهت ولاتزال للعملاق الآسيوي، اتهامات اعتبرها البعض قائمة على أسس راسخة، بينما اعتبرها آخرين «سوء فهم» لطبيعة العلاقات وكذا لاحتياجات كلاهما على طول الطريق، وفيما يقف استغلال موارد قارة كاملة لصالح النمو الصيني على رأس قائمة هذه الاتهامات، فإن المقارنة بين الغرب أو الولايات المتحدة خاصة وبين الصين في علاقة كل منهما بإفريقيا تضع بكين في موقف لا تُحسد عليه على الأرجح، وتبدأ معها سلسلة من تداعيات ومقارنات لا تنتهي حول أفضلية كل منهما وأهمية وجوده، وحول تأثير كل ذلك على النمو الاقتصادي الإفريقي الغامض دومًا.   

        

بين بكين وواشنطن
تظهر الخوذات الزرقاء للجنود بمقاطعة شان دونغ الصينية كعلامة مميزة على انتمائهم لقوات حفظ السلام الدولية التابعة للأمم المتحدة، ويظهر معها افتخار صيني كثيف بمثالية تروج لها بكين في سياستها الخارجية. لم يتعلق الأمر بمكان نشر هؤلاء الجنود اليوم أو في أي وقت، وإنما تعلق على طول الخط بسُمعة الصين العالمية التي تروج لها تلك القوات.

          

       

أصبحت بعثات السلام الصينية «الأكثر مشاركة في عمليات حفظ السلام الدولية» (16)، وفي إفريقيا خاصة. لكن الاحترام والثقة الذين نالتهما قوات حفظ السلام الصينية لم يعكسا الحال نفسه للشركات ورجال الأعمال الصينيين العاملين والمتواجدين بإفريقيا، أو للسياسة المالية نفسها التي اتبعتها بكين مع القارة. ولم يكن الأمر يتعلق فقط بحجم الفوائد العالية التي تضعها الصين على قروضها لإفريقيا مقارنة بفوائد مالية شبه منعدمة للقروض والاستثمارات الدولية، وإنما بالتوغل البشري الصيني لأعماق القارة عن طريق شبكة واسعة من الشركات الخاصة أو المملوكة للدولة، أو المهاجرين الصينيين القادمين بشكل فردي للعمل في إفريقيا، ما منحهم الآلاف من فرص العمل التي يرى الأفارقة أنهم أحق بها.

      

تُدافع الصين عن نفسها في المقابل بالقول بأن حجم المساعدات الصينية لإفريقيا لا يمثل في النهاية سوى 5% من حجم المساعدات العالمية، وهو ما يمثل قيمة صغيرة تمنحها في النهاية أفضلية إحداث التطوير المطلوب في الداخل الصيني قبل أي شيء، وإن كان ما يشفع لها في المقابل هو نسبة الـ 13% من حجم القروض التي تقدمها للقارة. نسبة تلاشت قيمتها من وجهة النظر الغربية عالميًا أمام النسبة العالية من الفوائد، وتلاشت قيمتها محليًا أمام شبه انعدام تأثيرها المباشر على حياة العامة في إفريقيا، وإن ظهر هذا التأثير بشكل طفيف وبطريقة ما في دول مثل غينيا والكونغو ومالي ما بين 2003-2013، حيث قدرت منظمة التعاون الدولي أنه أمام كل زيادة بنسبة 1% من الناتج المحلي الصيني يُقابله زيادة 0.3 في هذه الدول نتيجة الاستثمارات المباشرة المتبادلة مع الصين.

          

           

كانت ذروة العلاقات التجارية بين الصين وإفريقيا قد بدأت تتراجع مرة أخرى بعد 2011 تحت تأثير تداعيات الأزمة المالية العالمية في 2008، وسعي الصين التالي لها للتحول من اقتصاد قائم على التصدير للتركيز على النمو الداخلي، ومعه الاهتمام بالتطور التقني كأحد أوجه المنافسة العالمية القادمة. سعي تراجعت معه علاقات الصين-إفريقيا، وإن ظلت معها الأولى الشريك التجاري الأكبر للثانية، بينما احتفظ كلاهما بتأثير متبادل تجلى أثره الأكبر في تغاضي الاتحاد الإفريقي عن حادثة التجسس الأخيرة التي نفاها الطرفان بشكل سريع.

         

في الأسبوع الثاني من فبراير /شباط الحالي، شهد عرض جالا السنوي، أحد أهم برامج التلفاز الصيني الحكومي وأعلاها مشاهدة والمعروف باحتفالية العام الصيني الجديد، ظهور مشهد على مسرح البرنامج تصدر وسائل الإعلام العالمية(17). في المشهد البادئ برقصة إفريقية تقليدية ومرحة، تظهر امرأة صينية تمثل دور سيدة مسنة إفريقية(18) بأرداف صناعية بلاستيكية شديدة الضخامة، فيما اعتبرته وسائل التواصل الاجتماعي «عنصرية صينية تجاه إفريقيا»، وهو أمر سرعان ما نفته بكين مدافعة عن العرض المسرحي كاملًا.

          

            

يختزل هذا المشهد البسيط العلاقات الإفريقية الصينية، وربما بالأحرى يختزل العلاقات الإفريقية مع العالم كاملًا. في تلك البوتقة تسير الأمور بشكل بسيط جدًا، ويتعامل العالم في معظمه بسلوك تقليدي لكنه مازال يثبت فاعليته في كل مرة: هناك قارة سمراء هامشية يمكننا أن نسخر منها، لكنها تحتاج لأموال من أي مكان، ويمزق سكانها بعضهم البعض في حروب مطولة بأسلحة من نفس البلدان المانحة لتلك الأموال تقريبًا وفي صراعات ربما يتورط في إشعالها تلك البلدان أيضًا، وجراء تلك الحروب تحتاج القارة أيضًا لبنى تحتية ضخمة مستمرة، لدينا _ كدول كبرى _ كل ذلك، وفي المقابل كل ما نطلبه هو تعاونكم، وولائكم، ومواردكم الطاقوية، الكثير والكثير منها، في دائرة تبدو وكأنها بلا نهاية، وبلا رحمة.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار