اغلاق
آخر تحديث: 2018/3/11 الساعة 20:06 (مكة المكرمة) الموافق 1439/6/24 هـ

انضم إلينا
جورج نادر.. لبناني تحول لوسيط إماراتي بين ترمب وبوتين

جورج نادر.. لبناني تحول لوسيط إماراتي بين ترمب وبوتين

محمد جمال الدين

محرر واقع
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
        

«اقترحتُ أنه بإمكان محمد بن زايد القدوم للولايات المتحدة في وقت وجيز للقاء ترمب، لقاء غير رسمي بمكان هادئ، وحدهما، في نيويورك أو نيوجيرسي مثلًا، وقد وجدها الرئيس ترمب فكرة جيدة»  

(إليوت برويدي، رأسمالي أمريكي من أصول يهودية، وأحد أكبر مانحي الأموال للحزب الجمهوري ولحملة ترمب الانتخابية)

    

تمكن برويدي دومًا من لعب دوره ببراعة، مسوقًا لنفسه كأحد أكبر مانحي الأموال للحزب الجمهوري وكبار رموزه، وآخرهم ترمب أثناء حملته الانتخابية الرئاسية، دور لم يدفع لأجله كثيرًا من الأموال مقارنة بما حصل عليه بالمقابل، تمثلت بصفقات كبيرة لشركته الأمنية "سيرينس" المتخذة من الإمارات مقرًا لها. وعلى امتداد نفس خط الوساطة غير الواضحة في كثير من الأحيان، وفي أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، سارع "برويدي" لإرسال بريد إلكتروني عاجل لـ "جورج نادر"، رجل الأعمال اللبناني ومستشار "محمد بن زايد" ولي عهد أبوظبي، نقل له فيه مختصر لقاء جمعه مع ترمب قبل فترة، وحاول فيه "برويدي" تسويق الإمارات كحليف جديد ودود للولايات المتحدة، وترتيب لقاءٍ غير رسمي بين ابن زايد والرئيس الأمريكي الجديد.

    

علم الجنرال "هوبرت ماكماستر" مستشار ترمب للأمن القومي بنوايا برويدي حول ترتيب اللقاء، فابتسم وأخطره بالرفض قائلًا إن ذلك «يخالف بروتوكولات الولايات المتحدة التي تنص على أن يجريَ رؤساء أمريكا لقاءاتهم الرسمية في البيت الأبيض». كان الأخير محقًا بالفعل بخصوص ضوابط وبروتوكولات اللقاءات الرئاسية الرسمية، إذ أنه من المفترض أن تجري أمام عدسات الكاميرا، وتخضع لتساؤلات الصحفيين، وتحت أنظار العالم، لكنه لم يكن يعرف على الأرجح أن اللقاء الذي كان يحاول برويدي انتزاعه منذ مدة طويلة يتجاوزُ كل تلك البديهيات، لأنه سيجمعُ بين ابن زايد وترمب كرجلي أعمال لا كمسؤولين على أرفع مستوى.

      

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومستشاره للأمن القومي هربرت ماكماستر

الأوروبية
    

حطت طائرة ابن زايد الأولى في الولايات المتحدة في مايو/أيار لـ 2017، بعد أيام من موافقة الولايات المتحدة الأميركية على صفقة بيع 160 صاروخ باتريوت للإمارات بقيمة ملياري دولار، في أول زيارة رسمية يقوم بها رجل الإمارات الأقوى -بصفته السياسية كولي عهد أبو ظبي- للبيت الأبيض منذ تولي ترمب الرئاسة، إلا أن عدسات الكاميرات وأعين الدبلوماسيين المتتبعة لأي زائر للبيت الأبيض منعت إنشاء أية محادثات خاصة، وحفزت ابن زايد للسعي لتحصيل لقاء شخصي مع ترمب يتناسب مع طبيعة وحساسية ما يريد الحديث بشأنه.

   

خلف الكواليس، لم يكن معروفًا إن كان هذا اللقاء الخاص قد جرى لاحقًا أو لا، ولكن التصريحات التي نقلتها نيويورك تايمز في 4 مارس/آذار الحالي، عن "روبرت مولر" المدير السادس لمكتب التحقيقات الفيدرالية (FBI) والمسؤول عن التحقيق في اختراقات روسيا لملف الانتخابات الأميركية، كشفت أن ابن زايد قد حصل بالفعل على ما هو أكثر من ذلك اللقاء، وأماطت اللثام عن خيوط جديدة تكشفت في التحقيقات تتجاوز الدور الروسي المشبوه في الانتخابات الأميركية الأخيرة، وطرحت تساؤلات حول سلسلة لقاءات وصفقات أدارتها شخصيات تعمل لصالح أبو ظبي مع أطراف مؤثرة في الإدارة الأميركية، يُعتقَد بأنها وفرت دعمًا ماليًا لحملة ترمب الانتخابية، وأثّرت في تكوين استقطاب لصالح دول الحصار في أزمة قطر، وأنه قد تم الوصول لتلك الصفقات عبر مجموعة من القنوات الدبلوماسية غير الرسمية، قنوات هدفت في النهاية لشراء التمثيل والتأثير السياسي في البيت الأبيض، عبر شبكة كشفتَ النتائج الأولية لتقرير مولر أن الإمارات قد نسجت خيوطها بإتقان[1].

  

مفاتيح البيت الأبيض

في وقت كانت فيه الإمارات تبحثُ عن دور أوسع لها يساهم في صناعة مستقبل المنطقة العربية كلها، توجهت أنظار ابن زايد للانتخابات الأميركية الأخيرة منتصف عام 2016، ولأسباب تتعلق بانحسار تجربة الديمقراطيين في الولايات المتحدة وما خلفوه من تزايد للنفوذ الإيراني في الشرق الأوسط كما ترى أغلب دول الخليج، وانطلاقًا من تبني الجمهوريين برئاسة ترمب عقيدة أكثر عدوانية ضد طهران، ومع وجود تاريخ طويل من الصفقات والعلاقات الاقتصادية التي تربط الإمارات بترمب، وهو ما أهل العلاقة بينهما لاكتساب مستويات عميقة من التفاهم، لكل ذلك قررت أبوظبي الوقوف بجانب ترمب، ولعب دور مؤثر على الأرجح في وصوله للبيت الأبيض، عبر توفير الدعم المالي لحملته الانتخابية بواسطة قنوات غير رسمية هدفت لشراء نفوذ سياسي في أروقة واشنطن يمكن لأبو ظبي استثماره فيما بعد، بحسب ما يحاول مولر أن يتوسع في التوثق منه. ولأجل ذلك كانت مهمة الإمارات الأولى اجتذاب أول رجل في شبكتها الخاصة: "إليوت برويدي".

    

  

لم يصبح برويدي رجل ابن زايد الأول بهذه السهولة، فقد احتاجت أبو ظبي لشخص آخر يتقنُ التحرك على هوامش الدبلوماسية الواسعة والأكثر أهمية، وتؤهله علاقاته وخبراته ليجذبَ برويدي نفسه لصف أبو ظبي عبر صفقات سرية يتم عقدها مع الأخير. كان مجرد الحديث عن إقامة صلة مع برويدي ذي الخلفية اليهودية يعني أن على محمد بن زايد سلوك طريق أبي ظبي -تل أبيب لنسج الخيوط الأولى لشبكته، وفيما كان البحث جاريًا عن شخص يتقن الخوض في هذا الطريق، حطت الأنظار الإماراتية على رجل الأعمال اللبناني الأمريكي "جورج نادر"، كأحد أكثر الشخصيات انخراطًا في المفاوضات غير الرسمية، وأكثرها ملائمة للمهمة، بحسب ما  كشفه تقرير مولر.

     

حصل نادر على منصب مستشار ابن زايد الخاص في بداية الانتخابات الأميركية الأخيرة، واستمر في الشهور الأولى بالتحرك داخل الأروقة الأميركية دون أن يعلن عن منصبه، إذ لم يكن "نادر" وجهًا جديدًا على محافل واشنطن السياسية بأي حال، فقد سبق وأن بنى شبكة علاقات واسعة مع شخصيات نافذة في السياسة الأميركية عبر ثلاثة عقود قضاها في العمل داخل هوامش الدبلوماسية الدولية متنقلًا بين الشرق الأوسط وواشنطن.

  

بدأ "نادر" رحلته مع إدارة "بيل كلينتون" في التسعينات، حيث قدم نفسه في تلك الفترة كوسيط بين الإدارة الأميركية والنظام السوري برئاسة حافظ الأسد، في وقت كان يساهم فيه بتهيئة أرضية الرأي العام الشرق أوسطي لتصفير المشاكل مع إسرائيل، والانخراط في تفاهمات ومعاهدات سلام طويلة الأمد، متخذًا من مجلته «ميديل إيست إنسايت» منصة تجمع كلًا من العرب والإيرانيين والإسرائيليين في صفّ واحد أمام جمهور واشنطن. بينما ساعدته صداقته الشخصية بالملك بيبي، أو بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، ليقع عليه الاختيار عليه مرة أخرى أيام الأسد الابن كقناةٍ خلفية بين سوريا وإسرائيل لتأطير محادثات سلام بينهما، بالتعاون مع "رونالد لاودر" أحد ممولي اللوبي الصهيوني.

      

رجل الأعمال اللبناني الأميركي "جورج نادر" (مواقع التواصل)

    

بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، تحول نادر لعراب صفقات شركة "بلاك ووتر" الأمنية الأميركية في العراق خلال إدارة بوش الابن، وكان اسمه يُتبَع بعبارات المديح والثناء في واشنطن لخدماته الدقيقة خلال تلك الفترة، وهي فترة شهدت فيها علاقاته انتعاشًا بأعضاء مجلس الأمن القومي الأميركي ومستشاري بوش المقربين، ليصبح نادر وسيط الولايات المتحدة وإسرائيل الأول في الشرق الأوسط، وليستثمر صلاته السابقة بتوسيعها عام 2009 مع موظفي إدارة باراك أوباما، وليكون نادر قد شكّل لنفسه عبر سلسلة من الوساطات الدولية الغامضة سيرة ذاتية حافلة، لفتت عيني ابن زايد وجعلته يوقن أن نادر هو أكثر الشخصيات ملاءمة ليكون العقدة الأولى لشبكته المقربة من ترمب، ومن سينسج الخيوط بإتقان لاجتذاب إليوت برويدي.

    

بعد تسلمه منصبه، أعاد جورج نادر تشكيل شبكة علاقاته وفق سياسة إماراتية تمثلت هواجسها الرئيسة في الحد من نفوذ إيران في الشرق الأوسط، ومحاربة ما يطلق عليه "الإسلام السياسي" الذي هددت ثورات الربيع العربي بنشره في المنطقة، إضافة لعداء عميق مع أذرع قطر المختلفة وسياساتها الخارجية. وبمرور عدة أشهر على تسلمه منصبه، توقف نادر عن تعريف نفسه كرجل أعمال لبناني يحمل الجنسية الأميركية، و بدأ يعرّف عن نفسه داخل الأروقة الأميركية بأنه مستشار محمد بن زايد، وهو منصب أتاح له الجلوس مع برويدي عدة مرات وتوطيد علاقته معه. ولأخذ العلاقة بينهما لمستويات أعمق، عرضَ نادر على برويدي أن يعرفه على محمد بن زايد بشكل شخصي، وأن يُطلعه على فرصٍ للاستثمار داخل الإمارات تساعد في اجتذاب الرجل.

  

العم برويدي

خلال الأيام الأولى التي تلت إعلان فوز ترمب بالانتخابات في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2016، استهدفت أبو ظبي توطيد صداقة فريدة بين البيت الأبيض والكرملين، وكان على الإمارة الخليجية أن تنشئ قناة اتصال خلفية بين موسكو وترمب دون علم إدارة أوباما في أيامها الأخيرة. بدأت أبو ظبي بتمهيد الأرضية وتشكيل أولى قواعد التواصل عبر زيارتين لابن زايد لكل من روسيا وأمريكا خلال الربع الأخير من 2016، التقى خلالهما بفلاديمير بوتين، ثم مسؤولين أمريكيين في نيويورك منهم "ستيفن بانون" كبير مستشاري البيت الأبيض الاستراتيجيين وقتها، و"جاريد كوشنر" صهر ترمب ومستشاره الأول.

     

إليوت برويدي المشمول بتحقيقات روبرت مولر حول تدخل الإمارات في وصول ترمب للرئاسة الأميركية ومدى تأثيرها على قراراته

مواقع التواصل
    

مهدت الزيارتان للقاءات أخرى بين وكلاء الجميع، خاصة لقاءات احتضنتها جزر سيشل الساحرة في المحيط الهندي، وأهمها لقاء جرى قبل أيام من تنصيب ترمب رئيسًا، وكشف عنه في وقت سابق، جامعًَا بين "كيريل ديمترييف" رئيس صندوق الاستثمار الروسي، و "إريك برينس" مؤسس شركة بلاك ووتر الأميركية وأحد داعمي حملة ترمب الانتخابية، وكان جورج نادر ممثلًا عن ابن زايد في ذلك اللقاء.

    

تضمن جدول أعمال اللقاء الذي رعته الإمارات وأنفقت عليه بسخاء ملفات عدة، عُرِفَ منها ملف النفوذ الإيراني، حيث حرصت أبوظبي على معرفة مدى قابلية الروس للتخلي عن تحالفهم مع طهران في سوريا، والذي تكنّ إدارة ترمب حياله عداءً عميقًا، وبتتبع انعكاسات الاجتماع على الأرض، اتضح أن الأمور تحتاج لأكثر من ذلك اللقاء، ولما لم يتمخض الاجتماع عن أية نتائج ملموسة، انتقلت الإمارات لمستوى آخر من التنسيق عبر شبكتها الوليدة[2].

    

تكررت زيارات "نادر" للبيت الأبيض بعد تولي ترمب للرئاسة في يناير/كانون الثاني 2017، والتقى هناك كلًا من "كوشنر" و"بانون" بتسهيلٍ من "برويدي"، وبلغَ تعاون الأخير مع نادر ذروته عندما استجاب لتشجيع الإمارات ووقع عقدًا بمئات ملايين الدولارات لإطلاق شركته الأمنية (Circinus) من قلبها، وهي شركة تعمل تحت شعار «مكافحة الإرهاب»، وتختص بـ "حماية المنشآت الخاصة ومصالح الجماعات والأفراد في بيئات معادية متقلبة" كما تعرف نفسها، وقد عنى هذا العقد الاقتصادي الباهظ أنّ "برويدي" قد أصبح في صفّ الإمارات بشكل كامل ورجل شبكتها الأول.

    

   

حاولت تلك الاجتماعات المتتالية إعادة تشكيل رؤية الإدارة الأميركية تجاه دول الخليج العربي والحلفاء المحتملين، حيث أدار برويدي عملية الترويج للإمارات ولابن زايد أمام ترمب ومستشاريه، وركز على ضرورة دعم الولايات المتحدة للإمارات في سياساتها بالمنطقة في إطار ما أسماه بـ «مكافحة الإرهاب»، مؤكدًا على أنها «أفضل صديق يمكن الوثوق به»، وفي الوقت نفسه انتقد "قطر" واتهمها بـ «دعم الإرهاب» تماشيًا مع الرؤية الإماراتية التي كانت تخططُ لعزل قطر وحصارها، وخلال الحديث تحولت شركته "سيرسنس" التي تقدمُ خدماتها لدول أجنبية أيضًا لأداة ساهمت في رفع مستوى ثقة ترمب بأبي ظبي، ولتتحولَ تلك الاجتماعات وعبر سلسلة تعاونية بين نادر وبرويدي لعملية تمهيد مبدئية أمام البيت الأميركي لدعم خطة الحصار المرتقبة وقتها ضد قطر.

 

لم يكن نادر وبرويدي رجلي الإمارات الوحيدين في الولايات المتحدة، فقد كان السفير الإماراتي "يوسف العتيبة"، «الرجل الأكثر سحرًا في واشنطن» بحسب تسمية الهاف بوست ذائعة الصيت له، يمسكُ بمفاصل مجموعة كُبرى مستقلة من شبكات العلاقات العامة ولوبيات الضغط، ويتمتع بعلاقات جيدة مع المسؤولين الأميركيين في الإدارات المتعاقبة، وسبق وأن لعب دورًا بارزًا في الترويج للسياسة الإماراتية داخل أروقة السياسة الأميركية، كما أنفق مبالغ مالية ضخمة على جماعات الضغط السياسي ومراكز البحوث للتأثير في واشنطن وتحسين صورة الإمارات، وسبق وأن قدم نفسه بصورة «العلماني المفكر» في العاصمة عبر سلسلة من المحاضرات قدمها للمجتمع الأميركي حول مكافحة التطرف.

 

يعطي العتيبة دومًا صورة شبه واضحة بأنه نسخة مصغرة  من "ابن زايد" في عدائه العميق مع "الإسلام السياسي"، وتبني مواقف عدوانية شديدة من النفوذ الإيراني، بحسب وصف ويكيليكس. وانطلاقًا من جوهرية تلك الرؤية بالنسبة لأبوظبي، عمل العتيبة على ترويجها عبر سلسلة طويلة من حفلات العلاقات العامة التي عقدها في محافل واشنطن، وفي مقر السفارة الإماراتية المطلة على نهر "بوتوماك"، ودعا إليها عشرات الشخصيات المتنوعة المؤثرة في القرار الأميركي، مُنفقًا على تلك الحفلات بشكل لامحدود. كان العتيبة -كالإمارات- مصدرًا سهلًا للمال، وبه أتم الكثير من عملياته، وهو أسلوبٌ أثبت فعاليته في معظم المواقف ما دعا "نادر" لاتباعه في وقت سابقٍ لتشكيل علاقاته أيضًا[3].

   

السفير الإماراتي في الولايات المتحدة "يوسف العتيبة" (مواقع التواصل)

   

بتنسيق دقيق، عمل الثلاثي على استمالة أركان صناعة القرار الأميركي في البيت الأبيض وحشدها ضد قطر، فتولى العتيبة مهمة إقناع كوشنر بإلصاق تهمة الإرهاب بالدوحة وترويجها لدى ترمب، ولم تكن مهمة عسيرة خاصة أنها توازت مع رفض قطري  لطلب لتمويل مشروع استثماري لـ "كوشنر" في نيويورك، قبيل زيارة مرتقبة لترمب للرياض في أبريل/نيسان من عام 2017.

  

تزامن ذلك مع رسالة من ابن زايد أوصلها العتيبة لوزير الدفاع الأميركي السابق "روبرت غيتس" بعد دعوة رسمية تلقاها غيتس لتناول الغداء مع العتيبة جاء فيها «محمد بن زايد يرسل تحياته من أبي ظبي، ويقول لك افتح عليهم (يقصد قطر) أبواب الجحيم غدا»، ليكون تحرّك كوشنر وغيتس بشكل متوازٍ في انتقاد السياسة الخارجية لقطر وشبكة الجزيرة الإعلامية، واتهامهما بالإرهاب، اللمسات الأخيرة على الغطاء السياسي لمخطط الحصار القطري الذي أصبح جاهزًا[4].

   

الحصار

كما هو معروف، كانت الفترة بين عامي 2016 و 2017 الأسوأ على شركات كوشنر الأميركية، فقد كانت تعاني من وضع مالي سيء، وكان مدراءها يجوبون العالم من أجل تأمين استثمار بقيمة مليار دولار يغطي عجز أحد أصولها العقارية، وخلال تلك الرحلات المكوكية توجهت شركة العقارات التابعة لكوشنر للحكومة القطرية في أبريل/نيسان للعام الماضي، قبل شهرين من الحصار، وقدمت عرضًا لوزير المالية القطري "علي شريف العمادي" يشتمل على الاستثمار في عقارات الشركة، لكنه رُفِض من قبل الدوحة بسبب ما سماه العمادي «سياسة جهاز قطر للاستثمار التي تحركها الأهداف التجارية والاستثمار في أماكن يعتقدُ أنها ذات قيمة»، بحسب ما قال، وهو أمر عنى بداهة أن شركة كوشنر لا قيمة لها اقتصاديًا في نظر الدوحة مع وضعها المالي السيء.

    

استغل كوشنر نفوذه الواسع لتقويض الجهود الدبلوماسية التي قام بها وزير الخارجية الأميركي "ريكس تيلرسون" من أجل حل الأزمة الخليجية وإنهاء الحصار

مواقع التواصل
   

لم يحتج العتيبة أكثر من ردة فعل العمادي الأخيرة ليتوجه لكوشنر مباشرة ويؤلبه ضد الدوحة، وليشجعه على إلصاق تهمة الإرهاب بها، وترويج هذه التهمة أمام ترمب وإدارته، ومع بدء الحصار البري والجوي الذي فرضته كل من السعودية والإمارات والبحرين وأيدته مصر على قطر في يونيو/حزيران من العام الماضي، على خلفية اختراق وكالة الأنباء القطرية الرسمية ونشر أخبار مزيفة[5]، وبعد أقل من شهرين على رفض قطر طلب كوشنر للاستثمار، كانت جهودُ الشبكة الإماراتية قد بدأت نتائجها بالظهور، حيث عمل كوشنر مستغلًا نفوذه الواسع على تقويض الجهود الدبلوماسية التي قام بها وزير الخارجية الأميركي "ريكس تيلرسون" من أجل حل الأزمة الخليجية وإنهاء الحصار، فيما بدا وكأنها ضربة انتقامية محضة برعاية إماراتية.

  

زمن مولر

كان نادر بعكس برويدي بارعًا في الاختباء، انسجامًا مع طبيعة عمله غير الرسمية والتي تفرض عليه التواري، وأن يعقدَ صفقاته بأكثر الأماكن بُعدًا عن الأنظار، وأن يخفَّف من حمولة العلاقات وجلسات العشاء التي لا يحتاجها. ولهذا بقي نادر بعيدًا عن الفودكا الروسية وصناع السياسة في الكرملين، وبالتالي فإن تحقيقات مولر حول التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية ظلت بعيدة عنه لعام كامل تقريبًا.

 

لكن عندما توغل مولر بتحقيقاته ليشمل آثار أموال المانحين في شراء النفوذ وصناعة السياسة الأميركية، ورد اسم "جورج نادر" في تحقيق تتبع بشكل عكسي الوثائق المسربة من البريد الإلكتروني لإليوت برويدي، وهي الرسائل التي اتهم برويدي أذرعًا قطرية بتسريبها. وبحسب تحقيق مولر، فإنه وعبر بريد مشفر يستخدمه نادر تلقى الأخير مذكرة من برويدي، في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تضمنت تفاصيل لقاء جمعه بترمب في وقت سابق، ودار فيه حديث عن اتهام قطر بالإرهاب ودعم الإسلام السياسي، وأن الإمارات هي البديل الأفضل وأفضل حليف يمكن الوثوق به، وأنها معجبة بأفكار ترمب لحد كبير، فقد استلهمت من خطابه في الرياض في مايو/أيار من العام الماضي تطوير خطة «قوة مكافحة الإرهاب» والتي تديرها شركته "سيرسنس"، كما أن برويدي أشاد بدور السعودية بجانب الإمارات في استقرار المنطقة.

     

  

في نفس اللقاء سأل ترمب برويدي عن رأيه في "تيلرسون" وتصريحاته التي تسعى لتهدئة الأزمة وحلها، فأجاب الأخير بأن أداء وزير الخارجية الأميركي «ضعيف وسيء، ويجبُ أن يُطرد من منصبه»، وفي اللحظات الأخيرة للقائهما، دار حديثُ عن جهود جمع المال من أجل انتخابات منتصف المدة، ثم اقتراح لقاء ابن زايد المنفرد مع ترمب كما ذكرنا. وبعد انتهاء الجلسة، عاودت الإدارة الأميركية الانقسام تجاه حصار قطر، وعادت جهود تيلرسون إلى المربع صفر، ولتفتح تلميحات برويدي المالية ورغبة ابن زايد في الحصول على جلسة خاصة مع ترمب أسئلة جديدة على دعم من المحتمل بأن يكون ترمب قد حصل عليه أو وُعد به من أطراف خارجية أو وسطاء لدعم انتخابات الخريف مقابل خدمات مدفوعة الثمن، ولتطرح هذه الأسئلة مباشرة على طاولة تحقيقات مولر.

  

انصبت جهود مولر في البداية حول شخص نادر، ولكن تتبع علاقة نادر بكل من برويدي وبانون وكوشنر وسعَ مسرح الأحداث بدرجة أكبر، ليجدُ مولر نفسه اليوم أمام مهمة تتبع خيوط شبكة محبوكة بإتقان، سيشكل اكتشاف أجزائها الأخرى تحديًا كبيرًا أمامه، ولكنه سينتهي على الأغلب بالتعرف عن قرب وبشكل أدق على الأدوار الخفية التي ساهمت من خلالها شبكات الإمارات السرية في وصول ترمب للرئاسة والتأثير بسياساته الخارجية. 

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار