اغلاق
آخر تحديث: 2018/3/25 الساعة 17:02 (مكة المكرمة) الموافق 1439/7/9 هـ

انضم إلينا
هوس الانتخابات بمصر .. ما الذي يخشاه السيسي؟

هوس الانتخابات بمصر .. ما الذي يخشاه السيسي؟

  • ض
  • ض
مقدمة الترجمة
مع اقتراب الانتخابات المصرية التي ستقام نهاية مارس/آذار 2018 الحالي، تعود بنا الذاكرة لصعود السيسي لسدة الحكم عبر انتخابات صورية، بعد انقلابه على الرئيس محمد مرسي، لتأتي هذه الذكرى متزامنة مع مشهد تعاد فيه مسرحية الانتخابات في أجواء مشحونة في ظل تأزم الوضع الداخلي المصري، ليثار تساؤل حول ما إذا كانت هذه الانتخابات ستحمل في طياتها اشتعالا لانقلاب محتمل من قلب المؤسسة العسكرية المصرية لإزاحة السيسي، أم أنها ستمثل خطوة أخرى نحو تثبيت أركان سلطته وترسيخها رغم كل ما يموج بمصر من أزمات داخلية وخارجية. هذا ما يناقشه التقرير التالي من مجلة فورين أفيرز.

    

نص التقرير

الانتخابات الرئاسية المصرية على الأبواب، إذ ستقام من السادس والعشرين حتى الثامن والعشرين من مارس/آذار. وتُعتبَر هذه الانتخابات بمثابة عرض مسرحي -بكل ما للكلمة من معنى- يقوم به النظام لإضفاء صفة شعبية على ولاية الرئيس المسيطر عبد الفتاح السيسي الثانية. في عام 2013، كان عبد الفتاح السيسي -الذي شغل منصب وزير الدفاع آنذاك- هو من قاد الانقلاب ضد الرئيس محمد مرسي. وفي الوقت الراهن، فقد أرغم السيسي كل منافس سياسي مؤهلٍ و ذي مصداقيةٍ على التراجع عن خوض الانتخابات -بما في ذلك منافسيه البارزين من المؤسسة العسكرية؛ أحمد شفيق وسامي عنان- باستخدام التهديدات وحتى السجن.

  

الأهم من ذلك، حقيقة أن التصويت يجري على خلفية حملة قمع هائلة في ظل حكم السيسي؛ حيث يقبع في السجن عشرات الآلاف من الأشخاص بتهم مُسيَّسة أو ملفّقة. إضافةً لذلك، تطارد الشرطة منظمات المجتمع المدني، كما قام النظام بشراء منظمات إعلامية خاصة ومعاقبة تلك المؤسسات والوسائط التي تجرؤ على أن تحيد عن الرواية الأورويلية القسرية التابعة للدولة. مع إطلاق العنان للأجهزة الأمنية، ازدادت حالات التعذيب بشكل كبير، وفي تكتيك جديد على مصر، "اختفى" المئات من الشوارع أو من منازلهم. أدت حالة الطوارئ إلى ازدياد تقويض حقوق المصريين الضئيلة مسبقاً. كل ما يمكننا قوله أن أي اقتراع يتم إجراؤه في ظل هذه الظروف القمعية الوحشية القليل يكشف عن موقف السيسي من الشعب المصري.
    

  

الجيش.. صانع الملك

من ناحيةٍ أخرى، تدلّ الطريقة التي أشرف بها السيسي على الانتخابات -والتي أدت إلى تصعيد القمع وسحق المرشحين المرتبطين بالجهاز العسكري بقسوة ودون رحمة- على أن سيطرته على السلطة تعتمد في جزء كبير منها على ولاء الجيش أو رضاه على الأقل. ولكن حقيقة أن منافسيه خرجوا من المؤسسة العسكرية في المقام الأول يشير إلى تراجع هذا الدعم مما أربك السيسي وهز كيانه.

  

تظل القوات المسلحة أقوى مؤسسة في مصر، وقد شكّلت الدعم الأكبر للسيسي في عام 2014 حيث تبوّأ منصبه الرئاسي بفضل دعمها الحثيث. لكن على السيسي أن يدرك تماما أن الجيش قد ينقلب ضده؛ ففي نهاية المطاف كان الجيش من أطاح بالرئيسين السابقين مباشرةً للسيسي -محمد مرسي وحسني مبارك- بمجرد أن أصبح ينظر إليهما على أنهما يشكلان عائقاً تجاه مصالحه الخاصة.

 

بطريقةٍ ما، قد يكون السيسي أكثر اعتماداً على القوات المسلحة من مبارك، حيث وصل إلى السلطة من خلال انقلاب عسكري ولم يقُم ببناء قواعد دعم بديلة خارج المؤسسة العسكرية. على النقيض من ذلك، كان مبارك - وهو أحد أبناء الجيش، حيث تدرّج بمراتبه وتبوّأ منصب نائب السادات ولاحقاً رئيس مصر- قد أمضى سنوات في زراعة الدوائر الانتخابية في مجتمع رجال الأعمال والنظم الإدارية للدولة وخاصة الأجهزة الأمنية. اتّخذ مبارك الخطوة الإضافية لحشد مجموعات المصالح هذه ونشر المحسوبية من خلال إنشاء حزب حاكم مخلص. أما السيسي -الذي يحتقر السياسة المدنية- فقد امتنع عن إنشاء مثل هذا الحزب، وبتعزيز دور الجيش في الاقتصاد قام بإقصاء بعض الفرص المتاحة للجهات الفاعلة المهمة في القطاع الخاص. حسبما يقال، فإنه قد قام أيضاً بعزل غيرها من الدوائر الانتخابية المحتملة من خلال قمعه الجامح. يجدر الإشارة إلى أن هناك دلائل على أن البعض داخل مؤسسات الدولة لديه مخاوف بشأن السيسي الذي قام بتسليح الأجهزة الأمنية بقوة، وأظهر إحباطه تجاه الخدمة المدنية المتضخمة -إنما ذات النفوذ في مصر- وقلّص استقلال السلطة القضائية في البلاد.

  

   

على الرغم من أنه يصعب الحصول على صورة واضحة عن السياسة داخل الجيش والنظام المصري، إلا أنه كان ثمة علامات عرضية -وإن كانت مبهمة إلى حدٍ ما- تدل على سخط الجيش على السيسي وعلى إمكانية وجود انشقاق ومعارضة للحكم داخله. كما انتشرت شائعات الإقالة والتطهير السياسي في صفوف الضباط من حينٍ لآخر خلال حكم السيسي. وفي عام 2015، أُدين ستة وعشرون ضابطاً من ضباط الجيش -بعضهم ما زالوا في الخدمة وآخرون متقاعدون- بالتآمر على إسقاط النظام. تم معارضة قرار السيسي المثير للجدل في عام 2016 بتسليم جزيرتين مصريتين في البحر الأحمر إلى المملكة العربية السعودية -الراعي الرئيسي لنظامه- من قِبَل شخصيات عسكرية بارزة، من بينها وزير الدفاع صدقي صبحي ورئيس الأركان محمود حجازي، كما قام الشعب المصري بانتقاده على نطاق واسع.

    

مؤخراً، في أكتوبر/تشرين الثاني من عام 2017، قام السيسي فجأة بطرد صهره محمود حجازي ووضعه رهن الإقامة الجبرية؛ جاء ذلك عقب تعمّد حجازي مقاومة وإرجاء بعض سياسات السيسي. في الأشهر القليلة الماضية، طرحت شخصيات مؤيدة للسيسي فكرة تعديل الدستور لإزالة حدود الفترة الرئاسية. بالإضافة إلى ذلك، أشارت بعض التقارير إلى أن السيسي قد يغير الدستور للسماح له بإقالة وزير الدفاع الذي يعينه حالياً المجلس الأعلى للقوات المسلحة؛ مما يعني أن السيسي لا يثق تماماً في صدقي صبحي وأنه لا يستطيع الاعتماد على المجلس الأعلى للقوات المسلحة لإقالته من منصبه.

 

من ناحية أخرى، فإن محاولة اثنين من المنافسين البارزين ذوي الخلفيات العسكرية الترشّح للانتخابات الرئاسية لعام 2018 تشكّل خير إشارة على سخط البعض في صفوف الجيش على السيسي. وكان رئيس الوزراء السابق ووزير الطيران المدني أحمد شفيق -الذي خسر بفارقٍ ضئيلٍ انتخابات مصر عام 2012 وما زال يتمتع بشعبية في صفوف بعض المصريين- قد أعلن في نوفمبر الماضي أنه يعتزم خوض الانتخابات. في يناير/كانون الثاني، أعلن سامي عنان -الذي كان رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية ما بين 2005 و2012 ونائب رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة أثناء إدارة المجلس شؤون البلاد عقب ثورة يناير2011- أنه خطط للترشّح للانتخابات.

     

   

من غير المرجح أن يخاطر شفيق وعنان بالترشح للانتخابات إلا إذا كانا واثقين من بعض الدعم على الأقل في الجيش. ولئلا يكون هناك أي شك في أن ترشحهم يرمي إلى الإطاحة بحكم السيسي، انتقد الرجلان السيسي بشكل مباشر أو غير مباشر لنزعته الديكتاتورية والفشل الاقتصادي في البلد. حتى أن عنان قد أعرب عن عدم رضاه عن أسلوب السيسي في معالجة قضايا الأمن القومي الحساسة بما في ذلك قضية تسليم جزر البحر الأحمر للمملكة العربية السعودية.

 

رد السيسي على هذه التطورات بمزيج من الغضب والذعر؛ حيث احتجز شفيق لأسابيع ووضعه وأسرته تحت ضغط شديد لإجباره على التراجع عن محاولته للترشح. إضافةً لذلك، تم وضع عنان رهن الاحتجاز العسكري على الفور بعد رفضه إنهاء حملته، وتعرّض نائبه في الحملة لهجوم "عصابات" مجهولي الهوية ثم تم الزجّ به في السجن. وفي خطاب غير معتاد في الحادي والثلاثين من يناير/كانون الثاني، انتقد السيسي "كل من يحاول تقويض أمن مصر" وأعلن -وهو يحدّق بتوّعدٍ في وزير الدفاع- أن ثورةً كالتي حدثت عام 2011 لن تتكرر أبداً. وبعد اعتقال عنان، وردت تقارير غير مؤكدة عن إجراء مزيد من التعديلات العسكرية وعمليات التطهير السياسي.

 

من الصعب معرفة ما إذا كانت هذه البوادر غير الناضجة للمعارضة ستتطور إلى معارضة عسكرية كبرى ضد السيسي أو ما إذا كانت ستقتصر في نهاية المطاف على دعم السيسي في قرار إقالة صبحي. إن الجيش المصري بالإجمال عبارةً عن مؤسسة تتحاشى المخاطرة، لذلك سوف يتردد بالعمل ضد أحد أفراده -بما في ذلك السيسي أو صبحي. كما شهدنا في عام 2011، لم يقم الجيش بعزل مبارك عن الحكم حتى انتهى إلى أنه لا يمتلك خياراً آخراً بعد ثمانية عشر يوماً من مظاهرات الاحتجاجات الشعبية واسعة النطاق. وحتى الآن، تمكّن السيسي من القضاء على براعم حالات الاستياء داخل الجيش.

    

  

ومع ذلك، كما أظهرت ثورة عام 2011، نجد الجيش المصري في ظل ظروفٍ معينةٍ على استعدادٍ لاستخدام القوة لإحداث التغيير. وتخشى القوات المسلحة عدم الاستقرار في المرتبة الأولى، ويمكن أن تؤدي احتمالية حدوث فوضى -التي قد تكون على شكل احتجاجات ومظاهرات حاشدة مستمرة أو اضطراب عام- إلى إجبارها على التصرف. من المحتمل أن يكون موقف الجيش تجاه السيسي مدفوعاً بتقييمه لما هو أكثر خطورة؛ إبقاء الرئيس في السلطة أو عزله عن منصبه. بالمضي قدماً، يشير هذا إلى أن بقاء السيسي السياسي سيعتمد في المقام الأول على قدرته على الحفاظ على التكاليف المنظورة لعزله -كعدم توفر قادة بديلين مقبولين وانعدام الاستقرار السياسي- أعلى من التكاليف المنظورة جرّاء بقاءه في السلطة، مثل الإضرار بسمعة الجيش التي قد يعاني منها بسبب استمراره في دعم رئيس قد فقد بشكل واضح الدعم العام.

     

التحدّيان الرئيسيان لبقاء السيسي في الحكم

في نهاية المطاف، يرتكز موقف القيادة العسكرية من السيسي على رأيها بإدارته لتحديين رئيسيين؛ ألا وهما الأمن والاقتصاد. في حال تهديد أي من هاتين القضيتين والمس بالتماسك العسكري - وحدة هدف القوات المسلحة والاحترام الواجب لسلطة القيادة- فعندها قد يكون كبار القيادات أكثر ميلاً إلى اتخاذ الخطوة الحاسمة المتمثلة في إجبار السيسي على التنحّي عن الحكم. يجب على السيسي أن يمنع المزيد من التدهور في مستويات المعيشة العامة والتي تقترن بالتعبئة الشعبية حول المظالم الأخرى، إذ أن لديها القدرة على إحداث اضطرابات عامة يمكن أن تثير حفيظة الجيش وتجبره على الرد. يتكبّد معظم سكان مصر البالغ عددهم نحو مئة مليون نسمة -الذين يعاني الكثير منهم من فقرٍ مدقعٍ منذ فترة طويلة- معاناة أكبر في ظل حكم السيسي. لطالما خشيت المؤسسة الأمنية في مصر من اندلاع "ثورة الجياع" التي سيثور فيها المواطنون المحرومون اقتصادياً على النظام السياسي بشكل تلقائي.

 

في ضوء هذه الإمكانية، كانت المظالم الاقتصادية محورية في ثورة 2011 ضد مبارك، كما تم استغلال النقص في السلع الأساسية خلال فترة حكم مرسي من قِبَل مُعارضي الرئيس الإسلامي لحشد دعمٍ شعبيٍ للانقلاب في يوليو/تموز من عام 2013. وإذا ما أدت الظروف المعيشية المتراجعة إلى احتجاجات شاملة أو اضطرابات مدنية، فقد يواجه الجيش حوافز لإبعاد السيسي، الذي غالباً ما سيتحمّل القسط الأكبر من عبء المسؤولية واللوم من العامّة. يمكن للإطاحة بالسيسي أن تُخفِّف من الشكاوى الشعبية وتُبعِد الجيش -كمؤسسة- عن سياساته. على ما يبدو، أدرك السيسي هذه المخاطر، وبناءً على ذلك نفّذ سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية الصعبة، بما في ذلك خفض الدعم وتقليص قيمة الجنيه المصري من أجل تحسين وضع الاقتصاد الكلي المصري الضعيف. لقد كان لهذه التدابير تأثيراً مباشراً على إلحاق الضرر بالظروف المعيشية للشعب المصري، وبالأخص في صورة تضخمٍ جامحٍ تجاوز 34.2 في المائة العام الماضي؛ بيد أن العديد من المصريين قد قبلوا حجة السيسي بضرورة اتخاذ تدابير تقشفٍ قصيرة الأجل لتحقيق ازدهار اقتصادي على المدى الطويل.

 

ولكن صبر الشعب له حدودٌ -خاصةً إذا تدهورت الأوضاع- ويبقى أن نرى ما إذا كان يستطيع السيسي ترجمة خطوات إحلال الاستقرار النقدي والمالي إلى ظروف معيشية أفضل للشعب المصري. إذا كانت الفترة الماضية مجرد مقدمة فلا يظهر أن الآفاق واعدة لما قام به السيسي. في حين ساعدت حالات الإصلاح الاقتصادي السابقة في مصر على تحقيق نموٍ إجمالي أعلى في البلاد -والتي كان آخرها في العقد الأول من القرن الحالي- لم يتم تشاطر فوائد زيادة النشاط الاقتصادي على نطاقٍ واسعٍ وتجلّى ذلك في معدلات البطالة المرتفعة وانتشار الفقر المدقع واتّساع فجوة عدم المساواة في الثروة. يجب أن تكون التجربة السابقة للإحباط الشعبي من الفترة السابقة للإصلاح الاقتصادي والفساد المنتشر في أوساط الطبقة الحاكمة -التي شكلت بمجملها خلفية لثورة 2011- عبرةً للسيسي.

     

  

إلى جانب الحاجة إلى تنشيط الاقتصاد، يجب على السيسي تجنب حدوث تدهورٍ كبيرٍ في الأوضاع الأمنية في قلب مصر. إن توفير الأمن أمرٌ أساسيٌ لصورة الجيش كمدافعٍ عن الأمة المصرية، وقد يثير الفشل الذريع في أداء هذا الواجب استياء الرأي العام تجاه النظام ويمكن أن يؤدي حتى إلى زرع الشكوك في صفوف الجيش حول قدرة السيسي على التعامل مع التهديدات الكبرى في البلاد، مثل العنف الصادر عن الجماعات الجهادية الإرهابية. وعلى الرغم من أن احتمال تدهور المناخ الأمني بشكلٍ كبيرٍ من المرجح أن يؤدي إلى مظاهراتٍ شعبيةٍ بنسبة أقل من التراجع المستمر في الظروف المعيشية، إلا أنه إذا قامت القيادات العسكرية بتحميل السيسي المسؤولية عن هذا التدهور، فقد يشعرون بأنهم مجبرون على أخذ التدابير اللازمة.

 

إن القلق بشأن أداء الجيش المصري في مكافحة الإرهاب ليس مجرد تحدٍ نظري. فعلى أرض الواقع، يبدو أن القوات المسلحة فشلت في مسرح القتال الرئيسي في شبه جزيرة سيناء، على الرغم من أن سيطرة النظام على التقارير الإعلامية إذ حجبت الأبعاد الكاملة للخسائر التي تكبّدها الجيش. إلا أن الوضع الأمني في سيناء النائية لا يؤثر على معظم المصريين، ويبدو أن الجيش على استعدادٍ لتقبّل سقوط الضحايا المستمر بين صفوف الجنود الذين تم إرسالهم إلى هناك لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش".

 

وعلى النقيض التام من ذلك، فإن سيناريو شنّ الجماعات الجهادية لغزواتٍ رئيسية في المراكز السكانية لوادي النيل -مما قد يؤدي إلى فقدان الدولة سيطرتها الفعلية على الأراضي أو انهيار القانون والنظام- من شأنه أن يشكل تحدياً خطيراً لأهلية السيسي في الحكم أمام العامة وداخل النظام. وعلى عكس سيناء، كانت الأجهزة العسكرية والأمنية أكثر نجاحاً في تعطيل التهديدات في وادي النيل وحوله.

   

  

من المستبعد أن يثير استبداد السيسي المتنامي في حد ذاته استياء الجيش الموالي له، مما قد يؤدي إلى تفاقم هذه التحديات الاقتصادية والأمنية. على الأرجح أن المصريين على استعداد للتضحية بحقوقهم السياسية والمدنية مقابل استيفاء الأمن وآمالهم الاقتصادية؛ أما العكس فليس مرجحاً على الإطلاق. قد يمتلك الجيش سبباً مقنعاً للقلق؛ فبوجود قمعٍ سياسيٍ مقترنٍ بانعدام الأمان وتفاقم أزمات اقتصادية يتم رسم بداية إثارة رد فعل شعبي ضد النظام. فضلاً عن مدى سوء تعامل نظام السيسي مع المواطنين العاديين، فإن تحركاته لتعزيز سلطته في إطار الدولة يمكن أن تثير حنق البعض في الجيش.

     

اختبارات لقوة السيسي على قدمٍ وساق

كما أشار محللون آخرون أنه بعد إعادة انتخاب السيسي، من المتوقع أن يسعى إلى تعديل الدستور، ونتفق على أن مناقشة الجيش حول مثل هذه الخطوة من شأنها أن توفر مؤشراً أكثر دلالة على دعم السيسي من الانتخابات بحد ذاتها. ولكن حتى لو نجح السيسي في توسيع صلاحياته، فإن ذلك لن يعني أن منصبه سيكون آمناً. سيواجه ترسيخ سلطته عائقاً مهماً -لكن ليس نهائياً- متشكلاً في الصراع القادم على التعديلات الدستورية.

 

ويرجع ذلك جزئياً إلى أن هناك اختباراً آخراً في المستقبل القريب وهو كيفية استجابة السيسي لسد النهضة أو سد الألفية الكبير (GERD) في أثيوبيا -الذي يُعتبَر ذا أثر كبير إذ أن النتائج المترتبة عليه ذات صلة أكبر بالتحديات التي يواجهها السيسي- حيث أنه يؤثر بشكل مباشر على الأمن والمصالح الاقتصادية.

 

المرجح فيما يبدو أن تبدأ إثيوبيا في ملء سد النهضة في وقت مبكر من هذا الصيف، وهي عملية يمكن أن تقلل من تدفّق مياه النيل موديةً إلى خفض إمدادات المياه الشحيحة بالفعل في مصر بنسبة تصل إلى 25 بالمائة؛ يمكن أن يكون لذلك تداعيات هائلة على اقتصاد البلاد والظروف المعيشية لملايين المصريين الذين يحظون بالفعل بأقل المعدلات لنصيب الفرد من المياه في العالم. بالنظر إلى إحجام إثيوبيا الواضح للعيان عن معالجة مخاوف مصر المشروعة، لا يوجد سوى عدد قليل من الخيارات المتاحة أمام السيسي للتخفيف من التهديد الناشئ عن سد النهضة. يمكنه البدء في عمل عسكري سري أو علني ضد السد. لكن بسبب القدرة الاستطلاعية المحدودة للجيش المصري، فإن إمكانية استخدام القوة لإيقاف ملء السد أو حتى تأخيره ضئيلة جداً. كما أن احتمالية فشل هجوم عسكري بهذا الحجم على إثيوبيا من شأنه أن يقوّض مؤهلات السيسي ويزعزع مكانته ويلحق الضرر بهيبة الجيش.

     

  

يشير التحليل السابق بقوة إلى أن سيطرة السيسي على السلطة أبعد ما تكون عن الأمان، لكنه لا يشير بالضرورة إلى أن زوال نظامه بات وشيكاً أو حتمياً. لقد واجه جميع الرؤساء المصريين السابقين الذين ينحدرون من الجيش -مثل جمال عبد الناصر وأنور السادات ومبارك- تحديات كبيرة في ترسيخ أنظمتهم؛ الأمر الذي تطلب سنوات لتسويتها على نحو تام. إذا تبين لنا في النهاية أن هيمنة الشخصيات البارزة على المشهد السياسي المصري تبدو الآن بأنه لا مناص منها، فإن انتصارها لم يُظهِر شيئاً سوى كونه مضموناً لحكام مصر المعاصرين. على سبيل المثال، الرأي الذي كان ينظر به إلى مبارك في بعض الأوساط -بعد خلافة السادات عام 1981- على أنه مجرد بديلٍ للرئيس أصبح الآن من ذكريات الماضي البعيد.

 

من المؤكد أن السيسي يتمتع بمزايا معينة في محاولته للقضاء على التحديات التي تهدد حكمه؛ وتتمثل هذه المزايا في قوته في شغل منصبه، والتأييد الذي يحظى به بين أبناء شعبه المصري -الذي يبدو أضعف مما كان عليه عندما استولى على الحكم- ودعم الجيش له. من ناحية أخرى، فإن فشله حتى الآن في زراعة وتنظيم قواعد بديلة لدعمه خارج الجيش -على النقيض من أسلافه العسكريين- واعتماده على القمع -كما فعل أسلافه- قد لا يزوّده بالدعم العسكري المستمر على الدوام، بل قد تتفاقم الضغوطات التي قد تدفع الجيش بدوره إلى التحرك واتخاذ إجراءات ضده. في نهاية المطاف، لن يخبرنا سوى الوقت عما إذا كان رد السيسي على التحديات الأخيرة مجرد خطوةٍ أخرى نحو ترسيخ حكمه أو بداية النهاية لهذا الحكم.

 -------------------------

   

مترجم عن "فورين أفيرز"

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار