اغلاق
آخر تحديث: 2018/3/31 الساعة 14:24 (مكة المكرمة) الموافق 1439/7/15 هـ

انضم إلينا
لغز سكريبال.. تعرف على سلسلة الجواسيس الذين يطاردهم بوتين

لغز سكريبال.. تعرف على سلسلة الجواسيس الذين يطاردهم بوتين

محمد جمال الدين

محرر واقع
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
      

"أنا أعلم أنَّ أجهزة الأمن الروسية قادرة على تنفيذ عمليات الاغتيال في لندن، وفي أي مكان آخر بالعالم، بمجرد أن يصدر القرار بذلك من موسكو، لكني لا يمكنني التفكير في ذلك طوال الوقت"

(فلاديمير آشكوركوف - معارض روسي، ولاجئ سياسي ببريطانيا منذ عام 2015)

  

تنفس "آشكوركوف" الصعداء لأول مرة بعد فراره من موسكو إلى لندن عام 2014، بعد أشهر من مضايقات وملاحقة أجهزة الاستخبارات الروسية له، منتقلا للعيش بحي "كينسينغتون" متعدد اللغات بعاصمة الضباب، ومعتقدا أنه بإمكانه الاستراحة والتوقف عن القلق. لم يكن آشكوركوف مبالغا عندما قال بأن أجهزة الأمن الروسية قادرة على الوصول لأي شخص في العالَم، مدركا بعد ستة أشهر من وصوله إلى العاصمة الإنجليزية أنه لا يزالُ مراقبا من الاستخبارات الروسية، إثرَ رسالة مثيرة للقلق حملها له صديق قديم جاء من روسيا: لقد تعرض الصديق لمساءلة أمنية مفصلة من المسؤولين في موسكو، وأجروا معه تحقيقا حول مُحادثة خاصة أجراها مع آشوركوف في مقهى بلندن قبل أشهر قليلة.

 

دفعت الرسالة آشوركوف ليعيش في عالم كامل من هواجس المراقبة، وفيما كان يبحث عن حياة آمنة في لندن، تعلَّم آشوركوف أن يتلفت حوله ويبحث عن عملاء روس بشكل لا إرادي، إلى أن حصل على حق اللجوء السياسي في مارس/آذار عام 2015 ليكون ذلك بمنزلة فرصة لاسترخاء شبه مؤقت بعد فترة وصفها بأنها كانت مليئة "بالارتياب والذعر"([1]).

 

عاد الشعور بالخطر ليسود بشكل أضخم بين معارضي بوتين في لندن مع مطلع شهر مارس/آذار الجاري، لقد وجدت السلطات البريطانية كلا من العميل الروسي السابق "سيرغي سكريبال" وابنته "يوليا" فاقدين للوعي على كرسي بحديقة في مدينة "سالزبري" ببريطانيا، بعد مرورهما على حانة "ذي ميل" والحصول على وجبة إيطالية من مطعم "زيزي" الشهير هناك.

     

 ولأن فقدان الوعي مشهد ليس بالنادر في شوارع بريطانيا، لم يثر كونهما بلا حراك أي شبهة بوجود محاولة اغتيال في الساعات الأولى، ولكن التتبّع العكسي لهوية وتاريخ "سكريبال"، الذي أجرته شرطة "ويلتشر" عندما بدأ الأمر بإثارة الريبة، كشفَ عن أن الرجل كان عقيدا سابقا في جهاز "الإف إس بي" الروسي وعميلا حاليا في الاستخبارات العسكرية البريطانية "إم آي 6"، ما وسع دائرة الاحتمالات، وقفز بالاهتمام الرسمي إلى حدوده القصوى.

  

العميل الروسي السابق "سيرغي سكريبال"

   

وكما لو أنها وصلت إلى أدلة قطعية بعد تحقيق طويل، تصاعدت لهجة بريطانيا الدبلوماسية بشكل مفاجئ ضد موسكو بعد يومين فقط من حادثة سكريبال، وتسلمت شرطة مكافحة الإرهاب المسؤولية عن التحقيق، وبمرور عدة ساعات أعلنت الشرطة خبر معالجة 22 مدنيا آخر لوحظَ عليهم أعراضُ إصابة أقل، بينهم شرطي سبق وأن زار سكريبال في منزله قبل أيام وجلس معه، الأمر الذي تناقلته وسائل الإعلام المحلية على نطاق واسع، ورفع ردود الأفعال الشعبية والأصوات داخل الحكومة إلى مستويات أعلى، ضاغطة على "تيريزا ماي" رئيسة وزراء بريطانيا لاتخاذ موقف حازم، وطارحة تساؤلات حول عملية التسميم وأهدافها والأطراف التي تقف وراءها ([2]).

  

بمرور يومين على الحادثة، ومع غموض لا يزالُ يغلق المشهد من الخارج، وتداول إعلامي دولي للخبر على نطاق غير مكثف، كانت هنالك كثير من التساؤلات بلا أجوبة، إلا أن حكومة "تيريزا ماي" استجمعت شكوكها الخاصة، ممسكة بخيوط أولية كافية لتوجيه أصابع الاتهام.

  

بدأت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" بفتح دفتر من الملفات الشائكة في الجاسوسية بين كل من روسيا وبريطانيا، ونشرت مقالا يروي قصة الثمن الباهظ الذي دفعته كل من الولايات المتحدة وبريطانيا لإخراج سيرجي سكريبال وثلاثة عملاء غربيين آخرين عام 2010، واصِفَة عملية التبادل تلك بـ "الأكبر" منذ نهاية الحرب الباردة، وكان الثمن المدفوع أعلى كُلفة، فقد أخرجت الولايات المتحدة بدلا منهم عشرة جواسيس روس، بينهم "آنا تشابمان"، أو الجاسوسة "الأكثر سحرا" ([3])، لكن الأمر كان أعمق من ذلك، عائدا بنا إلى جذور العلاقات البريطانية الروسية، وصراع أيادي موسكو للنفاذ إلى العاصمة البريطانية.

  

العداء

تحالفت روسيا وبريطانيا في التقاء عابر للمصالح خلال الحرب العالمية الثانية ضد ألمانيا النازية، وبعد قتالهما في طرف واحد خلال تلك الحرب، وفي وقت كانت المبادئ اللينينية تعيد إنتاج الشيوعية في روسيا، بقيادة جوزيف ستالين القائد الثاني للاتحاد السوفياتي أواخر الأربعينيات، سارت بريطانيا بخطّ معاكس، وبدأت تفتش عن نظام يحقق مستوى أعلى من العدالة الاجتماعية بعيدا عن التمييز الطبقي، ومثّل هذا التضادّ إشارة واضحة إلى كلا الحليفين المؤقتين بأن عليهما إعادة التموضع.

   

من اليمين رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل ورئيس الولايات المتحدة السابق فرانكلين روزفلت وورئيس الاتحاد السوفيتي السابق جوزيف ستالين (مواقع التواصل)

  

على الجانب الآخر قامت الحرب العالمية الثانية باستنزاف جميع الأطراف المشاركة، الأمر الذي منح الولايات المتحدة فرصة الصعود كقوى عظمى عالمية، في وقت كانت فيه الدول الأوروبية تبذل قصارى جهدها للنهوض بادئة رحلة التعافي، ومع اجتماع خمس دول أوروبية -على رأسهم بريطانيا- لتأسيس حلف الناتو عام 1948، وانضمام الولايات المتحدة إليهم في العام نفسه، وبروز الحلف لجمع قوى أوروبا المقسمة في إطار أكثر قوة لمواجهة نفوذ كتلة الشيوعية الشرقية وواجهته "حلف وارسو"، كان واضحا أن موسكو ولندن قد تخلصتا تماما من ذكريات تاريخية كونهما حاربتا في جهة واحدة منذ أعوام قليلة.

 

في مطلع الخمسينيات، تصاعدت عداوة روسيا للنظام الرأسمالي الأوروبي بشكل أكثر وضوحا، ما زاد حدّة التوترات بينها وبين الغرب، فتلبدت سماء موسكو ولندن بغيوم الحرب الباردة أسوة بكل الدول الأوروبية، وأُعلنَ معها إطلاق أكبر سباق تسلح وتقانة عرفته البشرية، سباق جرَّ بمرور الوقت معه انتشار شبكات التجسس على نطاق واسع بين البلدين، واستمر على ذلك إلى أن تفكك الاتحاد السوفيتي مطلع التسعينيات، ومعه أسدِلَ الستار على أسرار وخفايا شبكات عميقة من التجسس تطفو على الذاكرة والسطح يوما بعد آخر، تمثل آخرها بحادثة سكريبال.

 

لم تكن حادثة تسميم الرجل هي الأولى التي تستهدفُ عميلا روسيا في قلب إمبراطورية غياب الشمس، فلا تزالُ ذاكرة لندن محتفظة بعدد من الحوادث الشبيهة في الماضي على أراضيها، ولأن الربط بين الحوادث التي استهدفت أشخاصا يشتركون في الخلفية نفسها ضروري لمحاولة تفسير أي حادثة جديدة، تحول الأرشيف الذي فتحته "بي بي سي" لشكوك أكثر رسمية، خاصة عندما أُثيرَت نقاشات وتساؤلات في مجلس العموم البريطاني حول عملية اغتيال سابقة نفذها الروس ضد أحد موظفيهم السابقين في بريطانيا، و كان "بوريس جونسون" وزير الخارجية البريطاني هو المتسائل، ووقتها أعاد جونسون تذكير النواب بعملية اغتيال العميل الروسي السابق "ألكسندر ليتفينينكو" في لندن، وقد استقرت التحقيقات الأخيرة فيها على تحميل الروس المسؤولية، ليعود بذاكرة النواب إلى عقد سابق، وتحديدا نوفمبر/تشرين الثاني عام 2006، بفندق "ميلينيوم" بمدينة كرويدون البريطانية.

    

الموت للجميع

"لقد كان جهاز الأمن الفيدرالي وراء تفجير الشقق الروسية التي سبقت الهجوم على الشيشان، ولم يكن تاريخ 24 سبتمبر/أيلول عام 1999 مصادفة"

(ألكسندر ليتفينينكو - كتاب "تفجير روسيا، الإرهاب من الداخل" - صدر عام 2002)

    

  

يعتبرُ فندق ميلينيوم مكانا مناسبا لتوفير أعلى مستويات الرفاهية والأمان لزائريه، فهو يطل من جهة على ميدان غروسفينور السياحي الشهير، ويجاور السفارة الأميركية بحراستها الأمنية المشددة، وبإمكان أي من نزلائه أن يشاهد من نافذة غرفته تمثالين لاثنين من أشهر رؤساء أميركا خلال القرن الماضي، فرانكلين روزفلت ورونالد ريغان، وقد نقش أسفل تمثال الأخير مقولة رئيس الاتحاد السوفياتي السابق "ميخائيل جورباتشوف" الشهيرة: "مع الرئيس ريغان، سافرنا في أنحاء العالم لننتقل من المواجهة إلى التعاون"، وهي مقولة اعتُبرَت بمنزلة امتنان لما يمكن تسميته بـ "إسهامات ريغان في إنهاء الحرب الباردة".

 

بدت تلك الاقتباسات والحراسة الأمنية المشددة فقاعة مثيرة للسخرية والفزع في آن معا لأول مرة في الأوساط البريطانية عقب عملية اغتيال نُفّذَت بواسطة السم واستهدفت "ليتفينينكو"، الضابط السابق في خدمة الأمن الفيدرالي الروسي "إف إس بي"، داخل أحد مقاهي الفندق في اليوم الأول من الشهر المذكور، خلال لقاء جمعه بكل من "ديميتري كوفتون" و"أندريه لوغوفوي"، رجلا أعمال روسيان على صلة بجهاز "إف إس بي".

 

لا تمر لندن بحادثة من هذا النوع كل يوم، لذلك تتبعت الصحافة البريطانية باهتمام بالغ تدهور حالة "ليتفينينكو" الصحية لثلاثة أسابيع تلت عملية التسميم وانتهت بموته، بقدر قليل من المعلومات. ولكن اليوم الذي تلا الوفاة حمل معه مفاجأة من العيار الثقيل، وجعلَ من حادثة التسميم حديث الساعة والشارع، حينما كشفت لجنة التحقيق أن السم الذي وُجدَ في كأس الشاي الأخضر المفضل لـ "ليتفينينكو" لم يكن سوى مادة "البلونيوم 210" المشعة والسامة، والمعروفة بأنها متاحة للحكومات فقط، ما عنى وجود عملية اغتيال دولية.

   

يمتلك البلونيوم آثارا ضارية على الهدف المصاب به، فهو قادر على تدمير جينات خلايا الجسم أو تحويلها إلى خلايا سرطانية، وتستهلك أي محاولة للكشف عنه عدة أسابيع، وهي إن تمت فلن تكون إلا عبر متابعة أعراضه المريرة المؤلمة، ممثلة بضعف مناعة الجسم وتساقط الشعر وهبوط تدريجي في نشاط الأعضاء وحدوث اضطرابات هضمية وهزال عام ينتهي بالموت. وبمحاولة تجميع الخيوط أخذت المعادلة شكلها الأخير لدى البريطانيين، فمن سيستعمل البلونيوم في اغتيال شخص ما فهو بالتأكيد يتعمدُ تعذيبه حتى الموت.

   

العميل الروسي السابق ألكسندر ليتفينينكو يحمل كتابه "تفجير روسيا، الإرهاب من الداخل" (مواقع التواصل)

    

يحملُ جهاز "الإف إس بي" ثأرا عميقا مع ليتفينينكو، فمنذ وصل الأخير إلى لندن عام 2000 -فارا من موسكو- بدأ بإخراج مجموعة كبيرة من أسرار أجهزة المخابرات السوفياتية وعملياتها في أوروبا، ولأنه بقي حيا لأسابيع بعد إصابته، فقد حظي بوقت كاف ليكشفَ عن هوية الروس الذين قابلهم في المقهى وغادروا إلى روسيا مباشرة بعد الافتراق، ما عنى أن الطرف المدبر يتعمد كشف هويته أمام ليتفينينكو فيما يشبه رسالة وتحذيرا صارمين لكل من تسول له نفسه باتباع المسار نفسه المعادي للكرملين على الأرجح.

 

انضمَ ليتفينينكو إلى جهاز الاستخبارات السوفيتية ذائع الصيت "كي جي بي" نهاية الثمانينيات، وتمت ترقيته إلى رتبة مقدم في التسعينيات بعد التحول الطفيف الذي طرأ على الجهاز وتحوله إلى "إف إس بي"، وخلال عمله الجديد تعرفَ على شخص "فلاديمير بوتين" الذي كان قائده الأعلى في الجهاز حينها، ووسَّع صلته به، وفي وقت لاحق برزت خلافات حادة بين الرجلين حول فساد في عمل الجهاز انتهت بزج ليتفينينكو في السجن لمدة تسعة أشهر، بتهمة محاولة اغتيال الثري الروسي "بوريس بريزوفسكي"، تهمة بُرّئ منها لاحقا، ثم أطلقَ سراحه مقابل توقيعه على تعهّد بعدم مغادرة روسيا، وبينما كانت التحضيرات في روسيا تتجه إلى تسليم بوتين الرئاسة في مايو/أيار 2000، كان ليتفينينكو قد وجد طريقة للفرار إلى بريطانيا ([4]).

 

وككثير من رجال المخابرات والأعمال الروس الذين انشقوا فارين إلى بريطانيا وأميركا أواخر التسعينيات، تحول ليتفينينكو إلى ناقد شرس لبوتين بمجرد وصوله، وأنشأ قنوات تواصل مع المخابرات العسكرية البريطانية "إم آي 6"، وبمرور الوقت، فتح الدفاتر القديمة لأجهزة الاستخبارات الروسية، وسعى للتواصل مع المخابرات الإسبانية لتزويدها بوثائق حول صلة بوتين بعصابات مافيا في إسبانيا، بالتنسيق مع العميل الروسي "أندري لوغوفوي"، وهو أحد الذين احتسى معهم ليتفينينكو كأس الشاي الأخير قبل إصابته بالمادة المشعة. وبتتبع سريع للمعطيات، وتسلسل الأحداث، كانت بريطانيا أمام الكثير من الأسباب والأدلة على وجود شَعرات من فراء الدب الروسي مكان الحادثة.

      

العميل الروسي "أندري لوغوفوي" (رويترز)

      

تمتعت لندن خلال حرب العراق بحلفاء موثوقين في كل من واشنطن والناتو، حلفاء من النوع الذي من الممكن أن يذهب معها بعيدا في أي خيار تتخذه، بيد أن ساسة لندن فضلوا عدم التصعيد ضد موسكو، لأن تدني العلاقة بينهما نتيجة الاستقطاب التقليدي، ثم الموقف الروسي المعارض لحرب العراق عام 2003 وهي حرب شاركت فيها بريطانيا بقوة وعنف، عنى أن أي تصعيد من المستوى الفعال ضد روسيا سينتهي بخسارة التعاون الأمني معها، وبالتالي إحالة العلاقة بين البلدين إلى مستويات لا يرغبان فيها، وبدى ذلك الحرص واضحا بمغزاه في تصريح نُسبَ إلى أحد الوزراء البريطانيين في حديث له مع جريدة صندي تايمز البريطانية عقب دفن "ليتفينينكو" قائلا: "إنهم مهمون للغاية بالنسبة إلينا، حتى نتراجع" ([5]).

  

في ضوء تلك الهواجس والقيود، كان تخمينُ خطوات بريطانيا القادمة أمرا ممكنا، فضّلت لندن أن تسلك مسار التصعيد الرمزي، وحددت سقفه سابقا، وبالتوازي مع رفض أندريه لوغوفوي تهم الاغتيال التي وجهها له المدعي العام البريطاني "كيم ماكدونالد" منتصف 2007، أي بعد عام من الحادثة، ورفض موسكو تسليمه بعد ذلك بأيام، تحركت بريطانيا دبلوماسيا وطردت أربعة من الدبلوماسيين الروس من لندن، وخفضت علاقاتها الاستخباراتية مبقية على مستوى محدود خلال دورة الألعاب الأولمبية، لترد روسيا بالمثل. كان ذلك بمنزلة رسالة خفيفة للروس بدرجة أولى، وإسقاطا لعتب الحلفاء الدبلوماسي والتساؤلات المحلية بدرجة ثانية ([6]).

  

العشاء الأخير

"بعد موت كل من "بوريس بيرغوفسكي" و"ألكسندر ليتفينينكو" و"باتركاتسيشفيلي"، لم يبق أحد غيري"([7])

(نيكولاي غلوشكوف - رجل أعمال روسي معارض، وُجدَ مقتولا في شقته لندن 13مارس/آذار 2018)   

  

لم تدم برودة أعصاب موسكو طويلا، لقد كان بمقدور السياسيين الروس في أكتوبر/تشرين الأول عام 2007 تتبعُ أخبار "أوليغ جورديفسكي"، أحد جواسيس بريطانيا في جهاز "كي جي بي" منذ ستينيات القرن الماضي، والفار إلى لندن منتصف الثمانينيات، وهو يتقدم بكبرياء في محفل مَهيب للحصول على وسام القديس من ملكة بريطانيا والقديس جيرجيا تقديرا لخدماته لأمن بريطانيا ([8]).

   

العميل الروسي السابق أوليغ جورديفسكي (مواقع التواصل)

  

كان جورديفسكي مُعجبا بإنجلترا "لأسباب مبدئية" حد قوله، وبدأ يعمل لصالحها منذ ستينيات القرن الماضي، وفي منتصف الثمانينيات كشف عن أسماء أكثر من 25 عميلا سوفياتيا ينشطون في بريطانيا تحت مختلف الأسقف، الأمرُ الذي أثار أزمة دبلوماسية بين البلدين أخذت شكل التصعيد الرمزي وطرد الدبلوماسيين، ولكنه عنى لروسيا أمرا آخر: يوجدُ عدوٌّ جديد يتجول بأمان في شوارع لندن. لذا، لم يمضِ شهر على تقلد جورديفسكي الوسام الرفيع حتى تناقلت الصحافة الأميركية خبر محاولة تسميمه، وقامت بنقله إلى مكان آمن ([9]).

 

خلال الفترة ما بين عامي 2007 و2018 أخذت العلاقة بين لندن وموسكو منحدرا بطيئا، وتأثرت بعدد من الأزمات العالمية التي كادت أن تجلب الطرفين لتصادم حاد. كانت الحرب الجورجية عام 2008 المحطة الأولى، ثم معارضة روسيا تدخل الناتو في ليبيا عام 2011، ثم معارضة الناتو ضمَّ روسيا إلى شبه جزيرة القرم بعد أعوام ثلاث، وصولا إلى التدخل الروسي العسكري في سوريا في العام التالي 2015، ووقوف موسكو في وجه محاولات لندن في مجلس الأمن لحمل المجتمع الدولي على التدخل ضد نظام الأسد. وبعد عام 2015 أخذت العلاقة بين البلدين توترا ثابتا، واستمر تساقط معارضي بوتين في شوارع بريطانيا في ظروف موت وقتل غامضة على طول فترة العقد الماضي.

 

بالعودة إلى سكريبال، حملت التحقيقات الأولية التي أعلن عنها مختبر الدفاع للعلوم والتكنولوجيا في "بورتون دان" أنه وابنته قد تعرضا لعملية تسميم بواسطة نوع من غازات الأعصاب، وهي مادة كيميائية غير متاحة للأفراد العاديين، وتتطلب وجود مختبرات ودراية حكومية عالية المستوى لتصنيعها، وقد طُورت لأول مرة من قبل الاتحاد السوفياتي في أعقاب الحرب الباردة، وحملت اسم "Novichoks" وتعني باللغة الروسية "الوافد الجديد" ([10]).

       

ولأن ذاكرة لندن كانت من النوع النشط، فإنها لم تحتج "الوافد الجديد" ليحسم حيرتها تجاه الأطراف المسؤولة، وإنما أرادته غطاء يمنح الشرعية لتحركات حكومة "ماي" التي شرعت بها -بدرجة أقل- قبل ظهور النتائج، وأخذتها إلى حدودها القصوى عندما أعلنت في 13 مارس/آذار الجاري من على منصة مجلس العموم البريطاني عن تقارير "بورتن دان"، ممهلة روسيا ثلاثة أيام للحصول على توضيحات قاطعة ([11]).

قد يبدو منطقيا اعتبار محاولة اغتيال أحد الجواسيس السابقين في بريطانيا بغاز أعصاب حدثا استثنائيا، ولكن بتتبع خط سير اغتيالات أيادي الكرملين نجد أنها تعبّر عن سياسة أثيرة لقاطني مربعات موسكو، وهي سياسة عبر عنها بوتين دوما خاصة بعبارته الشهيرة بأن الشيء الذي لا يسامح به هو الخيانة. ولأنه كان يُنظر إلى إجراءات لندن الدبلوماسية ردا على اغتيال ليتيفينكو بأنها غير كافية، فقد انتظر الجميعُ على الجانب الآخر ردا أكثر حزما على استهداف سكريبال.

    

 (مقابلة مع بوتين، يسأله المذيع: ما الشيء الذي لا تسامح به؟ فيجيب: الخيانة)

 

وكما لو أن التاريخ يعيد نفسه، في مارس/آذار 2014 في بروكسل حيث اجتمع قادة الناتو فارضين عقوبات موحدة ضد روسيا بسبب أزمة شبه جزيرة القرم [12]. تجددت الاتصالات في الثاني عشر من مارس/آذار 2018 بين قادة أوروبا وبريطانيا لتوحيد موقفهم حيال الهجوم. وفي خضم ذلك، بدا أن الجميع تعمّدَ نسيان انسحاب الأخيرة من العائلة الأوروبية قبل عامين فيما عُرِف بأزمة "بريكيست"، وخلال الجلسة وبعدها أعلنت أوروبا وفي مقدمتها فرنسا وألمانيا، بالإضافة إلى واشنطن، وقوفهم إلى جانب بريطانيا، ما مثّل صمام أمان طمأنَ لندن نسبيا بوجود ظهر سياسي داعم لتوسيع حربها الدبلوماسية.

 

كانت جلسة مجلس العموم البريطاني ملتهبة إزاء ما اعتبروه خرقا لدفاعات بريطانيا واتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، خرقا يستلزمُ الرد بقسوة، ولم تمكث المشاورات داخل المجلس وقتا طويلا حتى كشفت "ماي" عن حزمة من العقوبات تنتظرُ روسيا في حال ثبوت تورطها القطعي بأي شكل. وشملت عقوبات بريطانيا طرد ثلاثة وعشرين دبلوماسيا روسيا، وتخفيض الاتصالات بين البلدين لأدنى مستوياتها، بالإضافة إلى مقاطعة عائلة إنجلترا الحاكمة لفعاليات كأس العالم المزمعة في يونيو/حزيران القادم في روسيا، وتجميد أصول روسية في بريطانيا حال ثبوت تورطها بأعمال مشبوهة، ومنع عمل القنوات الروسية في بريطانيا، إضافة إلى النظر في توسيع الإجراءات الدفاعية ضد النشاطات العدوانية ([13]).

   

دبلوماسية الجليد

في اليوم الثاني للمهلة، غرد حساب السفارة الروسية في بريطانيا على تويتر بتغريدة كُتب فيها "روسيا لن ترد قبل الحصول على عينات من المادة السامة لتحليلها". كان الرد حاملا لصقيع الدبلوماسية الروسية، وكان تخفيض مستوى المصدر الدبلوماسي الروسي مقارنة بمستوى الاشتباك الرفيع لدبلوماسيي وإعلاميي بريطانيا وأوروبا يعني أن روسيا لا تهتم على أدنى الأحوال، مستهينة على ما يبدو بردود الفعل البريطانية التي خبرتها جيدا.

  

(تغريدة للسفارة الروسية في لندن)

 

بعدها عقد مجلس الأمن اجتماعا طارئا بدعوة من بريطانيا، ومع انقضاء المهلة المحددة دون تقديم موسكو للتوضيحات المطلوبة من الأولى، بدأ بعضُ ما وعدت به تيريزا يرسم ملامحه على الأرض في السادس عشر من مارس/آذار الجاري، وهي وعود نُفّذت في بريطانيا وأعقبها لحظات نادرة من صمت روسيا - بوتين على عقوبات بحقها، وهو صمت لم يعتد عليه العالم جيدا.

 

نادرا ما غاب بوتين عن مساحات أضواء كهذه، وهو الذي تشهدُ سيرته تراشقات دائمة مع المجتمع الدولي وعقوباته طوال عقد ونصف، بيد أنه كان مشغولا هذه المرة بالإعداد لما هو أهم: الانتخابات الرئاسية في الثامن عشر من مارس/آذار الجاري.

 

شهدت موسكو الشهر الحالي أجواء تشابه ما تشهده العاصمة المصرية "القاهرة حاليا": وزعت صور بوتين في الشوارع والطرقات وعلى الأبنية العالية بامتداد بلاد الجليد، فيما غابت صورته عن صدارة المشهد السياسي خلال فترة التصعيد الأخيرة، أمر فُسِّرَ بأنه قد احتفظ لنفسه بدور المرشد. وبعد ثلاثة أيام من العقوبات البريطانية، وقبل يوم واحد من الانتخابات الروسية، ألقت روسيا بمجموعة من القرارات في وجه بريطانيا والمجموعة الدولية.

 

حين كان الناخبون الروس يتهيأون للتصويت على المنصب الرئاسي، أعلنت روسيا رسميا التخفيف من عدد الدبلوماسيين الإنجليز في بلادها بقدر ما طُرد من الدبلوماسيين الروس، وهبطت بقنوات التواصل بين البلدين إلى مستويات متدنية مشابهة للندن، وهددت بإلغاء عمل وسائل الإعلام البريطانية على أرضها كرد أولي على التهديدات البريطانية. كان هذا ما فعلته بريطانيا تقريبا، ولكن روسيا زادت عليه بإلغاء إذن سفارة بريطانيا من العمل في مدينة "سانت بطرس برغ"، لتلهب الشارع الروسي الذي كان يتهيأ للتصويت على متزعمه الجديد، بالتوازي مع تصريحات للمستشارة الألمانية حول نية الاتحاد الأوروبي عقد اجتماع في الأسبوع نفسه لاتخاذ موقف موحد وحاسم ضد روسيا.

        

رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي (غيتي)

    

"إذا كنت تتوقع أن يرد الطرف الآخر بشيء مماثل، فيجب أن تجهز لشيء أكبر". تمثل هذه القاعدة، والتي كانت خلاصة حوار للمعارض الروسي "فلاديمير آشوركوف" مع موقع "ذا ناشيونال"  (14])، تساؤلا مهما تكمن ملامح المرحلة -التي تلت التصعيد المتبادل- في محاولة الإجابة عنه. لقد وضع الرد الروسي المماثل والقاسي حكومة تيريزا في وضع صعب، فمع إصدار الأخيرة إنذارها النهائي، وفي ضوء طريقة تعريف بريطانيا للحادثة كخرق لقوانين منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، بدت العقوبات التي أعلنت عنها تيريزا رمزية إلى حد كبير. وأمام الردود الروسية القاسية باتت وعود تيريزا عبئا يصعبُ الفكاك منه، وبدا أن حكومتها سلكت طريقا يصعبُ الرجوع أو التوقف فيه، وفي الوقت الذي كان الكرملين يحتفلُ فيه بحذر بفوز بوتين بالرئاسة، توجهت أنظار الجميع إلى حزمة الاجتماعات الأوروبية المزمع عقدها خلال الأيام القليلة التالية.

 

مر اليوم الأول للاجتماع في 19 مارس/آذار الجاري دون تمييز مفاجئات واضحة في الخطاب الأوروبي، وكون بريطانيا كانت قد استنفدت كل إجراءاتها في التصعيد الدبلوماسي الرمزي، فقد فرضت عليها طبيعة المبدأ الروسي في الرد المماثل أن تتبنى عقيدة أخرى في الرد، وفيما كان العالم يتابعُ الحرب الكلامية المتبادلة بين الطرفين، واستدعاء سفير الاتحاد الأوروبي "ماركوس إيديرير" لدى موسكو، حمل الاجتماع الثاني لقادة أوروبا في 26 مارس/آذار حزمة قرارات أوروبية جماعية وصفَت بالأشد ضد موسكو، متضمنة طردا جماعيا لعشرات الدبلوماسيين وتخفيف مستوى التواصل، فكان روتين الخطاب الأوروبي بالتزامن مع الاجتماع الأول، ثم استمرار الحرب الكلامية بعده، وانتهاء بالقرارات الجماعية في السادس والعشرين من مارس/آذار الجاري، سلسلة قوية بين بريطانيا ودول الناتو عنت أن جمع حزمة العيدان الأوروبية قد اكتمل خلال الفترة بين الاجتماعين تمهيدا لاتخاذ ما سبق ([15]).

    

    

لم تقتصر الأمور على اتحاد القارة العجوز فقط، فقد أعلنت واشنطن أيضا طرد عشرات الدبلوماسيين الروس، وانفردت عن أوروبا بقرار إغلاق القنصلية الروسية في "سياتل" بحلول أسبوع، ولم يكن القرار الأميركي بالطرد رأسا من "دونالد ترمب"، وإنما قادته جهود مستشارين ومسؤولين كبار في الإدارة الأميركية، بينما كان ترمب في مسار آخر مهنئا بوتين في وقت سابق بفوزه بالرئاسة، دون أي ذكر للصراع الدائر بين حلفاء دولته وصديقه الشرقي الجديد، ودون أن يشارك في النقاشات الأميركية التي سبقت قرارات واشنطن، في انعكاس واضح لتباين المواقف داخل الإدارة الأميركية تجاه تصعيد بهذا المستوى (16]).

 

لم تتوقع روسيا ردا بهذا الحجم، وعلى الرغم من تجدد تصريحاتها بالرد بالطريقة المناسبة، انسجاما مع استجابتها المعتادة لأي عقوبة أو تهديد، فإن ردا بهذا المستوى ومن هذا العدد الكبير من الأطراف الأوروبية يعني أن تبني المبدأ نفسه في الرد بالمثل سيقود موسكو إلى عزل نفسها بنفسها ([17])، واضعا موسكو بين مطرقة المخاطرة برد واسع متحد يفقدها أكثر مما يكسبها، أو الصمت والتماهي حتى عبور الموجة، ما يعني تآكل جزء لا يستهان به من فصول السيرة الروسية القائمة على دعايات تحدي الغرب دوما ومقارعتهم رأسا برأس.

 

في ضوء ذلك، وكعادة روسيا في إرسال رسائل في مناسبات تاريخية لأعدائها، لا يستطيع أحد أن يجزم ما سيحمله الرد الروسي المقبل في أي من المناسبات القادمة مع توعدات روسية جديدة، أو معرفة إذا ما كانت اجتماعات جمع العيدان الأوروبية قد انتهت عند هذا الحد، وسيكون من المهم البحث في الإجابة عن المدى الذي يمكن للدول الأوروبية التي تستوردُ الغاز من روسيا أن تذهب فيه في دعمها لبريطانيا، وبالنظر إلى بروز خيوط دور روسي ليس بالهين في الانتخابات الأميركية الأخيرة.

       

    

بحسب نتائج تحقيقات روبرت مولر (18])، فإن ما سوف يحدث بعد ذلك سيبقى خاضعا لرهانات مفتوحة، ولكن السؤال الذي سيكونُ من مصلحة لندن كضرورة لتأمين ظهرها طرحه هو: إلى أي مدى ما زالت بريطانيا تملكُ حليفا موثوقا في واشنطن؟، خصوصا مع حالة عدم الاستقرار داخل المؤسسات الأميركية، وفي وقت شعرت فيه حكومة "ماي" بأهمية وجود ظهر أوروبي يدعمها في ظل الفوضى والفضائح الداخلية التي تحاصر إدارة ترمب، فقد يصبح من الممكن أن تعيد بريطانيا النظر بقرارها في الخروج من الاتحاد الأوروبي، وبشكل أكثر جدية هذه المرة.

 

على الجانب الآخر، تقودنا قراءة مواقف روسيا في عدة محطات سابقة إلى أن موقفها تجاه خيانة عملائها لم يكن طارئا بقدر ما مثّل تفاعلا طبيعيا مع المسار الذي تبنته قياداتها المؤثرة، وجسدته عبر سلسلة من المواقف السابقة، وبالانطلاق من فوز بوتين بأغلبية حاسمة في الانتخابات لدورة رابعة، تقلّ احتمالات تعريف التحرك الروسي الأخير في إطار البروباجاندا الإعلامية لإظهاره كبطل وكسب الشعبية قبيل الانتخابات، وتزيد في إطار سياسة بوتين في تقديم نفسه وروسيا للعالم

  

ويبقى باب التساؤل مفتوحا، هل تكون عملية الاغتيال في إطار سياسة "الإف إس بي" المعتادة في الانتقام ممن خانوه، ما يعني أن حادثة التسميم والوضع الحالي للعلاقات جزء من طبيعة دورية باتت تحكمُ نمط العلاقة بين الطرفين، بحيث تجعل من روسيا وبريطانيا كُلًّا من روسيا وبريطانيا اللتين نعرف؟ أم أن روسيا بوتين أرادت اختبار متانة القيم الأوروبية بعد أزمة "بريكست" والشقاق الذي جرى داخل العائلة الواحدة، ما يعني أن على الأوروبيين الاستعداد لما هو أكبر؟

  

لا يمكن الجزم بجواب واضح، أو بما سيحدث في الأيام المقبلة، ولكن -بتتبع المعطيات الأولية- يمكن على الأقل النظر إلى كل ذلك معا لأن طبيعة الطرفين وعلاقتهما ببعضهما تسمحُ بحدوث كل ذلك كما مر سابقا، على أن تتكشفَ الأمور بشكل أكبر ومؤكد خلال الأيام القادمة، ويتضحَ كيف قرر بوتين أن يمضي دورته الرئاسية الأخيرة إن لم يعدل الدستور ليبقى دوما، ولكن وفق الصورة النمطية التي نعرفها عن "روسيا بوتين" المتكيفة مع العقوبات، والسائرة دوما بلا مبالاة تامة في تنفيذ سياساتها الجليدية.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار