اغلاق
آخر تحديث: 2018/4/17 الساعة 20:14 (مكة المكرمة) الموافق 1439/8/2 هـ

انضم إلينا
سيرك الضربة الأميركية.. عن تسويق الأسلحة ووهم إسقاط الأسد

سيرك الضربة الأميركية.. عن تسويق الأسلحة ووهم إسقاط الأسد

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
        
مع عائدات سنوية بالغة الضخامة تكاد تلامس حاجز الخمسين مليار دولار، وأسطول من القوى العاملة يتخطى حاجز المئة ألف ينتشرون في جميع قارات العالم، تستحق "مارلين هيوستن" عن جدارة أن تُصنّف كواحدة من أقوى النساء في العالم، خاصة وأن المؤسسة التي تحكمها المرأة الستينية اليوم ليست بيتا من بيوت الموضة العالمية، وليست حتى إمبراطورية تكنولوجية صاعدة في وادي السيليكون كما قد يتبادر للذهن للوهلة الأولى، ولكنها ببساطة تحكم عالما أهم بكثير: "لوكهيد مارتن"، إمبراطور صناعة الأسلحة العالمي، والمتعاقد الأول(1) للصناعات الدفاعية في العالم.

 

بالنسبة لـ "لوكهيد" ومثيلاتها، فإن ذلك الخط السميك الفاصل بين صناعة الحرب وصناعة اللعب يبدو أنه يتلاشى سريعا وبشكل لا يمكن إلا ملاحظته، حيث تبدو الحرب من الناحية التقنية الحالية أشبه ما تكون بلعبة معقدة من الإستراتيجيات والاحتمالات الدقيقة المتداخلة، ومتواليات من ردود الأفعال، وهي مهام مطلوبة لبناء أي ساحة لعب، ويبدو أننا إذا ابتعدنا قليلا عن مشاهد الفزع والدمار الإنسانية، وصخب السياسة وكلماتها، فإن الحرب تكشف لنا عن وجهها الآخر كساحة ألعاب وتجارب مثالية لقذائف الموت.

 

ولأن لوكهيد، كما رفاقها "بوينج" و"رايثيون" و"جنرال داينامكس" وغيرهم، خبراء في إنتاج ذلك النوع من ألعاب الموت، كان من المؤكد أن هيوستن تابعت الضربة الجوية ضد سوريا فجر الرابع عشر من أبريل/نيسان الحالي بترقب وحماس لا يقل بحال عن الساسة والعسكريين، إن لم يزد، خاصة مع دخول جيلها الأحدث من صواريخ كروز طراز جاسم JASSM(2) التجربة الميدانية للمرة الأولى منذ إدخاله للخدمة بشكل رسمي عام 2009.

   

    

تعي هيوستن تاريخ طراز "JASSM"، رغم أنه لم يكن تربّع على عرش لوكهيد حين بدأت عملية تصنيعه أول مرة. وفي الحقيقة، فإن الجميع في لوكهيد يعرفون ذلك الطراز من كروز جيدا، فنادرا ما منيت عملاق الدفاعات بسجل من الفشل مثل ذلك الذي حازته في إنتاج "JASSM" على وجه التحديد، منذ أن فازت بحقوق إنتاج هذا الطراز من الصواريخ الشبحية طويلة المدى من طراز جو - أرض (يُطلق عبر الطائرات) في عام 1995، متفوقة على غريمتها "ماكدونيل دوغلاس" التي اندمجت لاحقا مع بوينغ، قبل أن يعاني الطراز من فشل ذريع في الاختبارات العملية لثلاث جولات متتالية، بداية من عام 2002 حتى عام 2007. لكن البنتاغون قرر منحه قُبلة الحياة، وضخّ في المشروع استثمارات تطوير بلغت 68 مليون دولار بسبب حاجته إلى هذا النوع من القذائف. استثمار تراجعت عنه وزارة الدفاع الأميركية لاحقا بدافع الإحباط، دافعة عملاق الدفاعات إلى استكمال تمويل المشروع على نفقته الخاصة في مقامرة غير مضمونة.

   

في نهاية المطاف، كانت لوكهيد قادرة على كسب المقامرة، ونجح "JASSM" أخيرا في تجاوز اختبارات التشغيل العملية عام 2009، دافعا القوات الجوية الأميركية إلى إبرام عقد مربح من أجل حيازة الصاروخ الجديد في مشروع إنتاج طويل المدى. وبعد سبع سنوات كاملة، وبحلول سبتمبر/أيلول لعام 2016، كانت لوكهيد قد نجحت(3) بالفعل في تسليم ألفي صاروخ من الطراز بنسخته التقليدية وبنسخة (JASSM-ER) المعدلة بعيدة المدى. ورغم موافقة واشنطن على بيع الصاروخ لحلفائها في أستراليا وكوريا الجنوبية وفنلندا، فإن العرض السوري مَثّل الظهور الأول للصاروخ في ساحة معركة حقيقية، حيث يعتقد أن الولايات المتحدة استخدمت(4) 19 صاروخا من طراز (JASSM) و(JASSM-ER) خلال الضربة الأخيرة على سوريا، أُطلقت عبر قاذفات (B-1B) انطلقت من قاعدة "العديد" بالدوحة.

 

يتمتع "JASSM" بقدرات متطورة نسبيا مقارنة بقدرات الصواريخ المحمولة جوا في العادة. فمع مدى إطلاق يقترب من 370 كم، فإنه يمكن للقاذفة التحليق على ارتفاع يسمح لها بتفادي الدفاعات الجوية للخصم، ما يعني أن القاذفات الأميركية لم تكن مضطرة لدخول المجال الجوي السوري من أجل تنفيذ ضرباتها فجر السبت. ورغم أنه من المستبعد أن يُنشر تقييم معلن لفاعلية السلاح الجديد، فإن لوكهيد من المرجح أن تنال نصيبها من الكعكة حال إثبات صاروخها الجديد لفاعليته العملية، نصيب مماثل لما حصل(5) عليه خصمها رايثيون سابقا بعد أن تم استخدام 59 صاروخا من طراز توما-هوك في الضربة التي وجّهتها إدارة ترمب إلى مطار الشعيرات السوري العام الماضي، عقب قيام النظام باستخدام غاز السارين في بلدة "خان شيخون" بـ "ريف إدلب"، رغم أن صواريخ توما-هوك، وهي صواريخ أرض-جو تُطلق غالبا من البحر ويبلغ مداها غالبا أكثر من 2500 كم، قد جرت تجربتها في أكثر من مناسبة منذ التسعينيات عكس شقيقها الحالي.

      

قاذفة صواريخ طراز B-1B (رويترز)

       

كان الوجه الآخر للضربة الأميركية الغربية على سوريا لا تمل واشنطن وحلفائها من تكراره: معرض أسلحة حي وفعال كلما تيسر، وهو وجه لا تبرزه تصريحات البنتاغون أو تغريدات ترمب، ووجه لا تستأثر به ضربة سوريا وحدها، فغالبا ما تحرص الدول المصنعة على تزويد أسلحتها بشهادة ثقة عملية لزبائنها من خلال استخدامها في ساحات حرب عملية، لكن الأمر في سوريا بدا مختلفا أيضا، فمع انقشاع غبار الضربة الخاطفة التي استمرت لنصف ساعة تقريبا، أدرك الجميع فجأة أن ما يشاهدونه هو أقرب إلى بيان سياسي صُمّم في صورة محاكاة افتراضية لضربة عسكرية، أكثر من كونه عملا حقيقيا من أعمال الحرب.

        

المسرح الكبير

لم تكن الصواريخ الأميركية هي البطل الأوحد للعرض الحالي، فعلى الرغم من ولع ترمب باستعراض القوة الباطشة الأميركية، وهو ولع صاحبه دوما منذ بدء ظهوره ثمانينيات القرن الماضي، وتهديده لموسكو صراحة بالصواريخ "الجديدة والذكية"، فإن البطل الحقيقي للعرض هذه المرة يبدو أكثر جاذبية وشبابا من الرئيس الأميركي، ويقطن على الجانب الآخر من الأطلسي، وتحديدا في قصر الإليزيه بباريس.

  

نجح الرئيس الفرنسي الشاب إيمانويل ماكرون في مفاجأة الجميع تقريبا حين أكّد أن فرنسا على استعداد لتوجيه ضربة منفردة إلى النظام السوري حال ثبت استخدامه للأسلحة الكيميائية، رغم انتقاده السابق لسياسة أسلافه الذين وجّهوا دعما خجولا إلى فصائل المعارضة السورية المسلحة ضد نظام الأسد، مؤكدا وقتها أن سياسة الانخراط التي وضعها أسلافه من المحافظين الجدد "لم تُسهم إلا في صناعة دولة فاشلة".

     

  

ولكن جاذبية التدخل سرعان ما شكّلت رد فعل الرئيس الشاب، وجاء تدخله استعراضيا بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ. فرغم أن باريس تمتلك(6) مقاتلات طراز "رافال" متمركزة في كل من الأردن والإمارات العربية المتحدة، أي على مقربة بشدة من الأجواء السورية، فإن ماكرون اختار أن يشن ضربته الجوية عبر رحلة استمرت لعشر ساعات كاملة من أجل مهمة لم تتجاوز نصف ساعة على الأغلب، حيث انطلقت خمس مقاتلات رافال محملة بصواريخ كروز طراز "سكالب إي جي"، برفقة خمس طائرات أخرى من طراز ميراج 2000 لمهام الدعم والحماية. وقد استلزمت تلك الرحلة الطويلة ست طائرات من طراز KC-135 (بطة وقود) لتزويد الرافال بوقودها، أي استلزمت مزيدا من التكاليف دون أي سبب حقيقي إلا الاستعراض السياسي.

 

لم يقتصر العرض الحربي الفرنسي على الجو فحسب، ولكنه امتد إلى البحر أيضا، حيث استعرضت باريس للمرة الأولى بشكل عملي قدرات الجيل الجديد من فرقاطاتها(7) متعددة المهام طراز "فريم" والمحمّلة بصواريخ كروز بحرية بعيدة المدى (MDCN)، وهي صواريخ يُعتقد أن مداها يبلغ ألف كم، حيث أطلقت الفرقاطة الفرنسية "أقطانيا" القابعة في شرق المتوسط ثلاثة صواريخ من الطراز الجديد، وهو أول استعراض لها في مسرح العمليات. ومن الجدير بالذكر أن الفرقاطة الفرنسية تحوي 16 أنبوبا لإطلاق الصواريخ، ما يعني قدرتها على إطلاق 16 صاروخا موجها من طراز كروز، وهو عدد يفوق حصة فرنسا من الصواريخ المطلقة في العملية بأكملها، والتي بلغت 12 صاروخا فقط.

 

شيئا فشيئا، بدأت الصورة الحقيقية للضربة السورية تتضح كأقرب ما يكون إلى عرض حي للأسلحة والقذائف منها إلى عمل عسكري، خاصة مع بنك أهدافها الهزيل -الذي جاء مخالفا للتوقعات- ليشمل مركز "برزه" للأبحاث قرب دمشق، إضافة إلى مركزين آخرين لتخزين الأسلحة الكيمائية قرب حمص. صورة أكّد عليها البنتاغون عندما اعترف(8) أن الضربة ليست كافية لضمان أن الأسد لن يكون قادرا على تنفيذ هجمات كيميائية أخرى لاحقا، وإن ادعى(9) أنها أعادت برنامجه الكيماوي سنوات للوراء. أما على الجانب الآخر، فكان من الواضح أن واشنطن تواصلت(10) مع موسكو لإطلاعها على بعض تفاصيل الضربة، تفاصيل تم تمريرها بالضرورة لنظام الأسد الذي كان قادرا على إخلاء الأهداف قبلها بوقت كافٍ تماما.

 

بالنسبة لكل من واشنطن وباريس ولندن، لم يكن بالإمكان تجاهل الضربة الكيميائية السورية لأسباب مختلفة تتباين بين الشخصي والموضوعي. ففي بريطانيا، كانت "تريزا ماي" حريصة على الرد على قيام روسيا باستخدام الأسلحة الكيميائية، لأول مرة في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، ردا على محاولة اغتيال الجاسوس الروسي السابق "سيرغي سكريبال" في ساليزبري الإنجليزية قبل أسابيع، وهي محاولة أثارت أزمة دبلوماسية كبرى بين روسيا وأوروبا لم تنته بعد. أما بالنسبة لباريس، فإن الرئيس الفرنسي الشاب وجد نفسه أمام اختبار حقيقي لخطّه الأحمر، وهو لحسن حظه اختبار متكرر خاضه سلفه "فرانسوا هولاند"، ورأى ماكرون نتائجه عندما دفعت بلاده وأوروبا كلها حينها ثمن ترددها في انتظار التدخل الأميركي.

      

   

في أعقاب استخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية في الغوطة، أمر(11) "هولاند" -الرئيس الفرنسي السابق- القوات الجوية الفرنسية بالإعداد لضربات عقابية ضد مراكز القيادة السورية للأسلحة الكيميائية، ولأشخاص السلسلة القيادية المرتبطة بتلك الهجمات. افترض هولاند وقتها وبشكل تلقائي أن الهجوم سيكون بمشاركة واشنطن، خاصة أنه مَثّل انتهاكا واضحا للخط الكيميائي الأحمر الذي وضعه الرئيس الأميركي آنذاك باراك أوباما، ولكن تردد أوباما وتفضيله للحل الدبلوماسي صدم فرنسا والعالم بأكمله، وأعطى إشارة واضحة على ضعف أميركي، ضعف حفّز روسيا -من وجهة نظر فرنسا- على التدخل في أوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم وزعزعة استقرار أوروبا بأكملها.

   

يرى ماكرون اليوم أن مشكلة فرنسا الرئيسة كانت في ربط تدخلها بقرار أوباما، لذلك فإن الرئيس الفرنسي الجديد وحكومته كانا حريصين منذ اللحظة الأولى على بيان أن باريس قادرة على قيادة ضربة منفردة خاصة، سواء شاركت واشنطن أم لم تشارك، خاصة أن هجوم دوما الكيماوي الأخير جاء متزامنا مع لغط أثاره ترمب حول رغبته في سحب قواته بشكل سريع من سوريا.

   

ولكن مع ترمب فإن الأمور لا تسير على النحو المتوقع تماما، ويبدو أن استفزاز الهجمات السورية والإنكار الروسي قد حفّزا الرئيس الأميركي، لينتقل إلى حسابه ذي الـ 51 مليون متابع تقريبا، وبشكل معتاد، على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، مهاجما الأسد وواصفا إياه بـ "حيوان يقتل شعبه ويستمتع بذلك"، ومحمّلا الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" وإيران مسؤولية استمرار تلك الهجمات. ومع تهديد موسكو باعتراض أي قذائف أميركية تُطلق على سوريا، لم ينس ترمب دعوة روسيا -في التغريدة نفسها- للاستعداد لمواجهة صواريخه الجديدة واللطيفة والذكية.

 

الحرب الافتراضية

أثارت تغريدات ترمب تحركات حربية افتراضية أكثر حدة وسرعة من ضرباته المحدودة، ففي حين كانت المدمرة الأميركية "دونالد كوك" تبحر من السواحل القبرصية باتجاه شرق المتوسط، كانت حاملة الطائرات الأميركية "هاري ترومان" ومجموعة الدعم التابعة لها تبحر تجاه المنطقة لمهام بنشر منتظم لدعم العمليات الجارية، وهي عمليات تجري من قِبَل الأسطول الخامس الأميركي في البحر المتوسط، والأسطول السادس في الخليج العربي، في وقت وضعت فيه الفرقاطة الفرنسية متعددة المهام "أقطانيا" في وضع الاستعداد للمشاركة في العمليات القتالية، ونُشرت الغواصات البريطانية في البحر المتوسط، في وقت فعّلت فيه الدول الثلاث أنظمة "أواكس" للمراقبة المبكرة، وقامت واشنطن بإطلاق طائرتين على الأقل من طراز بي -1 بوسيدون المضادة للغواصات للكشف عن أي غواصات روسية في شرق المتوسط.

    

  

دفعت التهديدات الأميركية والتحركات الحربية الغربية موجة من الإجراءات المضادة في صفوف روسيا وإيران والنظام السوري، حيث أجرت مقاتلتان روسيتان من طراز Su-24M 'Fencer طلعات جوية على ارتفاعات منخفضة بالقرب من المدمرة الأميركية كوك والفرقاطة الفرنسية. كما أعطى الروس أوامرهم للسفن الحربية المتمركزة في قاعدة "طرطوس" العسكرية على الساحل السوري بالتحرك للبحر لتفادي ضربات مدمرة للميناء. من ناحية أخرى قامت قوات النظام بنشر صواريخ أرض-جو قصيرة ومتوسطة المدى، بما في ذلك ستة صواريخ "بانتسير-إس تو" روسية الصنع لقاعدة "المزة" الجوية وغيرها من المواقع في العاصمة دمشق وحولها، ونُقلت طائرات النظام والطائرات الروسية من القواعد الجوية المعروفة "السين والضمير والشعيرات والتيفور" إلى المطارات التجارية، وعلى رأسها مطار "باسل الأسد" الدولي في محافظة اللاذقية، ومطار دمشق الدولي، وهي أماكن لا يمكن استهدافها لاحتوائها على أعداد كبيرة من المدنيين.

  

بشرت تلك الأجواء الحربية بعمل أميركي غير مسبوق بالنسبة للمعايير الأميركية السابقة بسوريا، وتصاعدت التكهنات حول واحد من أربعة مستويات متدرجة من العمل العسكري. كان المستوى الأول هو ضربة عسكرية مركزة تستهدف المطارات التي انطلق منها الهجوم الكيميائي الأخير والسلسلة القيادية المرتبطة بها، بينما المستوى الثاني هو استهداف كامل البنية التحتية الخاصة بالترسانة الكيماوية السورية، بما يشمل القواعد الجوية وقواعد إطلاق الصواريخ، بينما يتوسع(12) المستوى الثالث لاستهداف قوات النخبة التابعة للنظام السوري ومعظم قواعده العسكرية، وأيضا مواطن نفوذ إيران وحزب الله، بينما تصل الذروة في المستوى الرابع إلى استهداف محتمل للمنشآت والأصول الروسية في سوريا.

 

وما زاد من حدة تلك التكهنات هو تأخر الضربة "الموعودة" لأسبوع كامل، مقارنة بـ 48 ساعة فقط العام الماضي في أعقاب قصف خان شيخون، وأيضا كثرة المشاورات المتواصلة بين الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، واتصالات الأولى مع تركيا والسعودية والعراق، ما بدا للوهلة الأولى أنه محاولة(13) لتشكيل تحالف كبير لشن هجمات مؤثرة.

 

ولكن في نهاية المطاف، كانت عاصفة التصريحات أقوى دويا من صوت الضربات نفسها، ففي حين كانت واشنطن حريصة على بيان أن القذائف الغربية قد أصابت أهدافها بدقة تامة، زعم الروس أن الدفاعات التقليدية الروسية، المكونة بالأساس من صواريخ إس -125 وإس -200 و"بوك" و"فادرات"، والتي يعود معظمها للحقبة السوفيتية، نجحت في إسقاط 71 صاروخا غربيا من أصل 113، وأن بقية الصواريخ الشبحية من مختلف طرز الكروز قد أصابت أهدافا خاوية بالفعل. وبرغم الرقم الروسي المبالغ فيه، اشتعلت حروب التقييم واستعراض الأسلحة بين الروس والغرب على حساب الحديث حول الضربة العسكرية نفسها وسياقها وأهدافها، في لحظة بدا الجميع فيها بوعي أو بغير يخطون خطواتهم فوق رقعة شطرنج مصممة بعناية لإنتاج محاكاة عسكرية فريدة من نوعها، تخرج فيها جميع الأطراف فائزة ومتشبّثة بالجزء الأكبر من مصالحها.

       

   
ألعاب الحرب

كما سبق وأشرنا، يبدو أن الحرب واللعب وجهان لعملة واحدة، مع فارق واحد جوهري هو القابلية للتوقع، فكلما صارت الاحتمالات في الحرب أكثر قابلية للرؤية، وكلما صارت الأفعال وردود الأفعال ظاهرة ومحسوبة، صارت الحرب أقل شبها بالحرب، وأقرب شبها إلى لعبة قتالية.

 

بالنظر إلى تغريداته الحماسية وسوابقه في الارتجال السياسي، يبدو أن الرئيس الأميركي ترمب كان جادا في توجيه ضربة كبيرة إلى النظام السوري تشل قدرته على استخدام الأسلحة الكيميائية تماما في أدنى الأحوال، وربما توجه أضرارا كبيرة إلى قدراته العسكرية وداعميه من الميليشيات ومن خلفهم إيران، وهو توجه يتلاءم مع التعيينات الأخيرة في الإدارة الأميركية التي طغى عليها الصقور المناهضون لطهران، وفي مقدمتهم المرشح الجديد لوزارة الخارجية ومدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية الحالي "مايك بومبيو"، ومستشار الأمن القومي المعين مؤخرا "جون بولتون".

 

كان بولتون يفضل(14) عرضا ضخما للقوة نابعا من الإستراتيجية الأميركية العسكرية الشهيرة "الصدمة والرعب"، وهي الإستراتيجية التي وُلدت من رحم الغزو العراقي، وربما يغيّر المعادلة السورية على الأرض، ولكن وزير الدفاع الأميركي "جيمس ماتيس" كان له رأي آخر على ما يبدو، حيث بدا ماتيس، المصنف اليوم على أنه صوت الاعتدال في إدارة ترمب، أكثر حذرا من أي عمل قد يؤدي إلى تصعيد المواجهة مع روسيا بشكل عسكري، بما يستتبعه ذلك من زيادة الوجود الأميركي البشري في سوريا.

 

ويبدو أن "ماتيس" نجح في إقناع ترمب بوجاهة رأيه القديم في الاكتفاء بضربة محدودة لا تعطل خطط الانسحاب السريع الذي وعد به الرئيس الأميركي الحالي. وللمفارقة، كان النموذج حاضرا بالفعل وهو الضربة نفسها التي وجهتها الولايات المتحدة إلى نظام الأسد في أعقاب هجومه على خان شيخون قبل عام.

     

  

وُصفت ضربة الـ 59 توماهوك آنذاك على أنها رسالة سياسية تم توقيعها بالصواريخ، حققت هدف ترامب المقلق حول التمايز مع سلفه أوباما، وحققت هدف البنتاغون في إظهار الهيبة الأميركية، لكنها في الوقت نفسه صُمّمت بعناية كي تخلو من أي توابع أو آثار سياسة أو عسكرية، حيث أُبلغ الروس بموعد الضربة وهدفها، وهي معلومات تم تمريرها لنظام الأسد الذي كان قادرا في غضون ساعات على إخلاء مطار الشعيرات، الهدف الوحيد لضربة العام الماضي.

   

وسرعان ما كانت صواريخ التوماهوك تسقط فوق مدرجات مطار الشعيرات الفارغة مصيبة إياه بأَضرار لا تكاد تُذكر، حيث صُمّمت الصواريخ الأميركية بالأساس للاستهداف الموجه إلى المباني والمنشآت والتجمعات من أماكن بعيدة، لكنها تفقد فعاليتها حين تستخدم لضرب مساحة شاسعة ومسطحة من الخرسانة، وكل ما تستطيع إحداثه هو فجوة كبيرة يمكن ترميمها بسهولة كبيرة خلال أيام.

   

ويبدو أن هذا هو ما وقع بالفعل، حيث كانت قوات النظام السوري قادرة على استخدام المطار بعد أيام من الضربة الأميركية التي سرعان ما تبين أنها كانت دعائية في المقام الأول، لكن فوريتها وقلة الاستعدادات التي سبقتها مقارنة بالضربة الأميركية الأخيرة جعلتها صالحة كرد فوري في ذلك التوقيت.

     

وزير الدفاع الأمريكي جيمس ن. ماتيس

رويترز
   

ولكن "ماتيس" قرر تكرار الضربة نفسها ولكن هذه المرة مع سيناريو أكثر كاريكاتورية، حيث تم إطلاق 105 صاروخ وُزّعت على ثلاثة أهداف متوسطة الأهمية، تم إخلاؤها سابقا بمعرفة الروس، ووزع إطلاق الصواريخ بين ثلاث دول كبرى، وقُسّمت بين الجو والبحر، وتم إطلاق الحصة البحرية من بحرين مختلفين، وجُرّب خلالها نوعان من الذخائر الجديدة، وأطلقت إبانها صواريخ دفاعية ضعيفة المستوى تعود للحقبة السوفيتية، وأشعلت حرب تصريحات لا تقل هزلية بين احتفاء مبالغ فيه من ترمب وأنصاره بـ "إتمام المهمة" كما قال، وبين تنديد روسي سوري بـ "العدوان الثلاثي" على "سيادة دولة مستقلة" كما أسموه.

    

من كل ما سبق تبقى الحقيقة واضحة: لا شيء حدث على الإطلاق بخلاف استعراض حربي صُمّم بعناية لإبقاء كل شيء على حالته، فالنظام السوري سيواصل قتل شعبه بدعم من الروس والإيرانيين، مستخدما كل شيء سوى الأسلحة الكيميائية، بل وربما يعيد استخدام الأسلحة نفسها حال تغيرت الظروف وقل الضغط الحالي كما هو متوقع، فيما ستواصل الولايات المتحدة وروسيا لعبة شد الحبال في سوريا، مع بعض المكاسب الجانبية للتحالف الثلاثي، حيث سيكون بمقدور تيريزا ماي أن تزعم أنها ردت بما يكفي على محاولة اغتيال الجاسوس الروسي لضمان شعبيتها المهتزة بما يكفي، وسيكون بإمكان ماكرون أن يفخر بالتزامه بخطّه الأحمر ويعزز من إرثه الرئاسي المتكوّن ببداياته الحالية، وربما الاستعانة بصرامته العسكرية لنيل شعبية تفضي إلى دورة رئاسية ثانية، بينما سيربح ترمب بعض الوقت للتفكير في خطة لإنقاذ رئاسته التي تتداعى ببطء بين الفضائح الشخصية وتحقيقات التدخل الأجنبي في عملية انتخابه المثيرة للجدل.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار