اغلاق
آخر تحديث: 2018/4/2 الساعة 14:06 (مكة المكرمة) الموافق 1439/7/17 هـ

انضم إلينا
اتفاقية "سيسموا".. هل أصبح الجيش المصري تحت تصرف واشنطن؟

اتفاقية "سيسموا".. هل أصبح الجيش المصري تحت تصرف واشنطن؟

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
       

اعتاد الجنرالات المصريون بين الحين والآخر على ولوج ذلك المبنى الشهير بعَلَمِه الأميركي على ضفاف النيل في قلب القاهرة. وبالنسبة لموظفي السفارة الأميركية، أصبحت مثل هذه الزيارات تقليدية وروتينية إلى حد كبير، لذا سرعان ما كان الجنرالات يصطفون حول إحدى الطاولات المستديرة التقليدية في حضرة مضيفهم. كان المضيف الأميركي هذه المرة هو "كولين كال" نائب وزير الدفاع الأميركي لشؤون الشرق الأوسط، أما الوفد المصري فقد حوى هذه المرة ثلاثة ممثلين رفيعي المستوى يترأسهم مساعد وزير الدفاع المصري وأحد مهندسي صفقات السلاح القلائل اللواء "محمد العصار"، وبصحبته كل من اللواء "أحمد معتز" رئيس فرع العلاقات المصرية الأميركية في الجيش المصري، وأخيرا اللواء فؤاد عرفة كاستشاري ممثل عن جهاز المخابرات العسكرية.

 

كان جزء من هذه الاجتماعات مثيرا للملل دوما للعسكريين المصريين، حين يضطرون غالب الأمر لسماع المحاضرات المعتادة حول أولوياتهم الأمنية -التي ينبغي أن تتغير- من نظرائهم الأميركيين، ولكنهم لم يملكوا خيارا إلا احتمالها كضريبة لا فكاك منها مقابل عدم المخاطرة بالمعونة العسكرية الكبيرة التي يتلقاها الجيش سنويا من واشنطن منذ توقيع "كامب ديفيد" نهاية السبعينيات. في نهاية المطاف، أدرك المشير "محمد حسين طنطاوي"، وزير الدفاع المصري وقتها، بالتجربة المتكررة أنه لا فائدة ترجى من تلك الاجتماعات، حيث سيواصل الأميركيون الضغط عليه لتمرير رؤيتهم، وسيواصل الجيش المراوغة فيما يستطيع، وستظل برامج المعونة موضع شد وجذب، لكنّ أحدا لن يكون قادرا على المساس نهائيا بها باعتبارها ثمنا للتعاون المصري مع نظرائهم بالعاصمة الأميركية.

 

كان طنطاوي ينأى بنفسه عن حضور تلك الاجتماعات، تاركا المهمة معظم الوقت لضباطه الكبار، وعلى الجانب الآخر كان الجيش المصري قد اكتسب سمعته التقليدية في أروقة مبنى البنتاجون خماسي الأضلاع في فيرجينيا كمؤسسة غامضة ذات شهية محدودة للإصلاح، وغالبا ما تركزت الانتقادات على شخصية المشير طنطاوي نفسه، من وصفته(1) البرقيات الأميركية كـ "شخص مسن ومقاوم للتغيير"، وكل هدفه هو الحفاظ على النظام واستمرار الوضع الراهن، وليس لديه طاقة أو رؤية لفعل الأمور بشكل مختلف.

     

وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت ووزير الدفاع المصري السابق محمد حسين طنطاوي (رويترز)

     

كان الخلاف بين طنطاوي وجنرالات واشنطن متمحورا في المقام الأول حول العقيدة العسكرية، ومرتبطا بطبيعة المهمة التي ينبغي أن يؤديها الجيش في مصر، حيث ظل طنطاوي وجنرالاته يرون الأولوية دائما في بناء جيش تقليدي قوي قادر على منافسة الجيوش التقليدية القوية في المنطقة، وعلى وجه الخصوص جيوش الاحتلال الإسرائيلي والعراق -ما قبل الاحتلال- وإيران وربما تركيا، أما من وجهة نظر واشنطن فكان ينظر إلى إستراتيجية الجيش المصري، المستندة إلى مراكمة القدرات القتالية التقليدية وعدم الاندماج تحت عقيدة مكافحة الإرهاب العسكرية، كإستراتيجية غير ناجعة في أفضل الأحوال، وعبثية في أسوأها.

 

تحكي السفيرة الأميركية آنذاك "مارجريت سكوبي"، في وثيقة(2) نشرتها ويكيليكس يعود تاريخها إلى مطلع عام 2010، تفاصيل ذلك الاجتماع المضطرب على ضفاف النيل، حين احتدم الخلاف بين الجنرال الأميركي وضيوفه المصريين لذروته. كان العصار مضطرا للإشارة بحدة إلى صراعات الشرق الأوسط، والتي تشكل العقيدة العسكرية المصرية بوضعها الحالي من أجل إفهام مضيفه وجهة نظره: باكستان وأفغانستان والعراق ولبنان والسودان والصومال وغيرها، مشددا أن تلك الصراعات العرقية من الممكن أن تلقي بظلالها على القاهرة لتهدد الأمن القومي المصري في أي وقت.

 

من جهته، فإن "كاهل" وهو ابن بار للمدرسة الأميركية فيما بعد أحداث سبتمبر/أيلول عام 2001 المتبنية لعقيدة مكافحة الإرهاب واستخدام الجيوش في الحروب الهجينة، وكان "كاهل" يجادل حول حاجة مصر إلى تغيير أولوياتها العسكرية نحو حوز قدرات متماثلة وغير متناظرة لمواجهة الجيل الجديد من تلك الحروب، حروب تمثل فيها الجماعات الإرهابية -بتعريفات واشنطن- وشبكات التهريب والقرصنة التهديدات الأمنية الأكثر إلحاحا، ومن جديد استمر العصار في التأكيد على وجهة نظره المتلخصة في أن التهديدات التي تواجه الولايات المتحدة تختلف عن التهديدات المصرية، وأن القاهرة بحاجة إلى الحفاظ على جيش تقليدي قوي لمواجهة الجيوش الأخرى في المنطقة.


على الأرجح سأم العصار ورفاقه ضغوط الأميركيين، وسرعان ما تحولت لهجة اللواء الدبلوماسية إلى انتقاد صريح للضغوط التي تمارسها واشنطن على الجيش لتغيير عقيدته القتالية، ومنتقدا لقيود تفرضها الأولى على أعداد الدبابات والطائرات التي تتلقاها مصر منها، منوها بأن هذه الأسلحة أثبتت فاعليتها في مواجهة التهديدات غير المتماثلة أيضا كما حدث في معارك الصدر في العراق، ومهددا بأن الجيش المصري -وإن كان يفضل شراء أسلحته من الولايات المتحدة- لا يمانع من التوجه إلى أي مصدر آخر إذا اقتضت مصلحة الأمن القومي المصري ذلك.

   

على اليمين اللواء محمد العصار (رويترز)

   

في نهاية اللقاء، جدد العصار رفض ضغط أميركي بدا معتادا لتوقيع اتفاقية البنتاجون العسكرية الأثيرة "الاتصالات وأمن المعلومات"، المعروفة اختصارا بـ "CISMOA"، وهي إحدى اتفاقيات وزارة الدفاع الأميركية المفضلة التي طالما حاولت تسويقها للقاهرة -ضمن حلفاء آخرين- بدعوى أنها ستمهد الطريق لنقل التكنولوجيا المتقدمة إلى مصر وتزيد من قابلية التشغيل البيني بين جيشي البلدين بشكل كبير.

 

ومن وجهة نظر العصار ورفاقه على الأرجح، كان الربط العملياتي المصري الأميركي الذي تقتضيه سيسموا أشبه باستسلام ضمني للضغوط الأميركية لتغيير عقيدة الجيش، وهو توجه كان مرفوضا في ذلك التوقيت مع دفع الثمن طويل الأمد بحرمان القاهرة من حزمة الأسلحة المتطورة المرتبطة بالاتفاقية، وعلى رأسها صواريخ جو-جو متوسطة المدى المتطورة المعروفة باسم "أمرام" التي حرمت طائرات إف-16 المصرية منها بسبب عدم توقيع مصر عليها. وعلى أي حال، فإن مصر لم تحصل على طلباتها من أسلحة أميركية أخرى غير مرتبطة بالاتفاقية مثل صواريخ جافلين TOW2B بسبب الامتناع الأميركي الذي عزاه العصار إلى اعتراض طرف ثالث في تلميح واضح لتل أبيب.

 

عقيدة كامب ديفيد

طالما كانت مسألة العقيدة العسكرية والأولويات القتالية موضعا للنقاش في الاجتماعات المشتركة بين الجنرالات المصريين والأميركيين، وهي نقاشات أكسبت المؤسسة العسكرية المصرية سمعة جافة في واشنطن، خاصة لوزير الدفاع المشير حسين طنطاوي، من وصفته برقية(3) دبلوماسية أنه غارق في نموذج كامب ديفيد العسكري وغير مرتاح للتحولات في البيئة العسكرية التي صاحبت أحداث 11 سبتمبر/أيلول وما بعدها.

 

مثّل سقوط برجي التجارة هزة أصابت العالم بأكمله بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص وفي القلب منها الجيش الأميركي نفسه، كاتبا شهادة وفاة عصر الحروب البرية التقليدية ومدشنا(4) الجيل الجديد من الحروب غير النظامية، حيث يوجه الجزء الأكبر من موارد الجيوش نحو مهمات مكافحة الإرهاب ومحاصرة التهريب والقرصنة وتأمين الحدود وحفظ السلام والدفاع المدني. ويتميز ذلك الجيل الجديد من الحروب بسمتين رئيسيتين(5)، أولاهما أن طبيعة العدو غالبا ما تكون ليست بالدولة (non state actors) وليست ممثلة في جيش نظامي حقيقي، وثانيهما أنها حروب غالبا ما تُخاض بشكل عابر للحدود من خلال شبكات عسكرية تربط مجموعات من الجيوش المتحالفة حول العالم، وفي القلب منها الجيش الأميركي.

      

   

في تلك الفترة، كانت واشنطن حريصة على استغلال كل نفوذ ممكن لها من أجل الضغط على الجيوش الحليفة للانخراط في العقيدة العسكرية الجديدة، وهو ما كان يستدعي تحويلا في بنية العديد من تلك الجيوش المصممة بالأساس لخوض الحروب والمواجهات التقليدية، وكان الجيش المصري المثال الأبرز على ذلك، حيث جادل الخبراء الأميركيون أن مصر تواجه تهديدات أمنية تقليدية محدودة من جيرانها، وأن توجهها القتالي الحالي، في ظل حالة السلام مع إسرائيل، غير ملائم لموقفها الجيوستراتيجي المستقر في أفضل الأحوال.

 

ولكنّ الجنرالات المصريين أبدوا قدرا لا بأس به من المعارضة للضغوط الأميركية رغم الاعتماد شبه الكامل لمصر على المعونة العسكرية الأميركية لتحديث جيشها خلال حقبة ما بعد كامب ديفيد. كان الجيش المصري، وعلى رأسه وزير الدفاع طنطاوي، يشارك الأميركيين بشكل حقيقي الالتزام نحو عدم خوض أي حرب أخرى على الإطلاق، بعد خمس حروب خاضها ضد إسرائيل، ولكن العقل العسكري المصري ظل ملتزما في الوقت نفسه تجاه نظرية الأمن القومي التقليدية القائمة على أن التهديدات الحقيقية هي تهديدات نظامية روتينية في المقام الأول، وتتمثل(6) في إمكانية تعرض الدولة المصرية للغزو عبر حدودها البرية، وخاصة حدودها الشرقية ناحية سيناء التي مثلت الجبهة الأضعف لمصر عبر تاريخها بداية من غزو الهكسوس وانتهاء بالحروب الإسرائيلية.

 

ولكن ضغوط واشنطن من أجل التغيير استمرت على أي حال، حيث تصف برقية ويكيلكس التي سبق الإشارة إليها، والتي يعود تاريخها إلى مارس/آذار 2008، على لسان السفير الأميركي في القاهرة آنذاك "فرانسيس ريكياردون" الضغوط التي بذلتها واشنطن على طنطاوي من أجل إقامة شراكة أوسع معها تستند إلى أربعة ملفات: أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، وحفظ السلام، والدفاع المدني.

 

على صعيد الأمن الحدودي -من وجهة نظر واشنطن- كان تشديد الرقابة المصرية ومنع تهريب الأسلحة إلى غزة أمرا ضروريا لوقف إطلاق الصواريخ الفلسطينية على الأراضي المحتلة، حيث كان المسؤولون الأميركيون يؤمنون أن تهريب الأسلحة يتم من مصر للقطاع، وليس العكس كما يُذكر في الرواية المصرية الحالية. وكما تظهر وثيقة(7) سابقة كتبها السفير "ستيوارت جونز" نائب رئيس بعثة السفارة الأميركية في القاهرة، يعود تاريخها إلى ستة أشهر سابقة في سبتمبر/أيلول عام 2007، فإن رئيس مكتب التعاون العسكري المصري الأميركي ضغط على اللواء العصار، مساعد وزير الدفاع لشؤون السياسات حينها، واللواء فؤاد عبد الحليم نائب وزير الدفاع لشؤون التسلح من أجل قبول الدعم الأميركي لتعزيز الأمن على حدود قطاع غزة.

 

جندي مصري على الحدود بين مصر وإسرائيل عند معبر طابا (رويترز)

   

لكن العصار مارس عادته الأثيرة في المراوغة من جديد، مشيرا أن مصر تمتلك المعدات اللازمة ولديها استعداد لدفع وحدة إضافية إلى الحدود حال وافقت إسرائيل على ذلك، وهي الموافقة اللازمة بموجب اتفاق كامب ديفيد. غير أن القاهرة لم تكن قادرة على تحمل الضغوط الأميركية المتواصلة، وفي نهاية المطاف وافقت مصر على نشر تكنولوجيا أميركية جديدة(8) مضادة للأنفاق بتكلفة 23 مليون دولار تم تمويلها من برنامج المعونة العسكرية، وتم تورديها في شهر يونيو/حزيران من العام التالي (2008).

 

فيما يبدو، كان العسكريون المصريون يشعرون بالقلق حيال نشر تقنية مراقبة أميركية على الحدود المصرية، لمخاوف تتعلق بالسيادة وأخرى تتعلق بأن إسرائيل قد تكون راغبة في إدانة مصر من أجل التأُثير على المساعدات العسكرية المصرية وإيجاد مبررات لعدم تحمل المسؤولية حول الأوضاع الإنسانية في غزة، رغم أن مصر دمرت ما لا يقل عن 200 نفق على الحدود خلال العامين السابقين للاتفاق. وكان لتلك المخاوف الغلبة في نهاية المطاف، فمع بداية عام 2009 اتخذ المشير طنطاوي خطوة للخلف في التعاون المصري الأميركي في مراقبة الحدود، حين كلف(9) سلاح المهندسين في الجيش بفصل وصلة القمر الصناعي اللازمة لمعايرة أجهزة الاستشعار الصوتية الزلزالية التي تم تركيبها على طول الحدود بين مصر وغزة للكشف عن نشاط حفر الأنفاق، كما أصر على أن يقوم المهندسون بتعطيل تقنية تحديد المواقع المسؤولة عن الكشف الدقيق عن مواقع الأنشطة الحدودية.

 

لم يختلف موقف طنطاوي بشأن مكافحة الإرهاب عن موقفه من الحدود، حيث كان المشير المصري يرى أن مكافحة الإرهاب قضية أميركية بالأساس لا شأن للجيش المصري بها. أما على صعيد حفظ السلام، ورغم مساهمة مصر في جهود الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي لحفظ السلام في القارة، وإرسالها ما بين 1300 و1400 جندي لبعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في دارفور، فإن طنطاوي امتنع عن إرسال طائرات مروحية قتالية مصرية محتجا بعدم امتلاك القدرة اللوجيستية والتشغيلية للعمل في البيئة الصعبة هناك.

   

     

في خضم هذه السجالات، كان المسؤولون المصريون حريصون على إبلاغ نظرائهم الأميركيين بأن الجيش المصري ليس مهتما بتبني ذات الموقف الناشط للجيش الأميركي، وأنه بدلا من ذلك -وبجانب الحفاظ على عقيدته التقليدية- فهو يرغب بتعزيز دوره المحلي الاقتصادي، وهو ما مثل مناط تركيزه الدائم. وقد تسبب هذا الخلاف في الرؤى لشقاق عملياتي كبير بين الأميركيين والمصريين، حيث غابت القوات المصرية في معظم الأحيان عن التحالفات الأميركية العسكرية، باستثناء مشاركة محدودة في عاصفة الصحراء، بينما غابت عن مسارح أميركية كبرى مثل غزو العراق، وحتى عن عمليات مكافحة القرصنة وتأمين ممرات الشحن حول خليج عدن مثلا.

    

ونتيجة للرفض المبدئي المصري لمعارك التحالفات العابرة للحدود، فإن القاهرة لم تكن حريصة على اقتناء أنظمة مزامنة الاتصالات الأميركية التي تقتضي التوقيع على "سيسموا"، خاصة مع متطلبات الفحص والتفتيش الصارمة التي تفرضها الاتفاقية لمنع مشاركة التكنولوجيا مع طرف آخر، أو حتى إدخال تعديلات عليها، وهو ما رآه العسكريون المصريون آنذاك انتهاكا لصلاحيات القوات المسلحة، رغم أن معظم دول الخليج وقعت على الاتفاقية بحلول ذلك التوقيت، محاولين الحفاظ في الوقت نفسه على استمرار المعونة العسكرية الأميركية بأي شكل.

 

المعونة: ثَمَن القاهرة

تسببت محدودية استجابة الجنرالات المصريين للفلسفة العسكرية الأميركية باندلاع حالة جدل كبيرة في واشنطن حول جدوى المعونة العسكرية الضخمة المقدمة لمصر، حيث تعتبر القاهرة ثاني أكبر المتلقين للمعونة الأميركية بعد تل أبيب. وتتلقى(10) مصر المعونة الأميركية من خلال عدة برامج رئيسة هي برنامج التمويل العسكري الأجنبي (FMF)، وبرنامج الدعم الاقتصادي (ESF)، وبرنامج مكافحة المخدرات وتطبيق القانون (INCLE)، وبرنامج مكافحة الإرهاب وإزالة الألغام غير الربحي (NADR)، وأخيرا، برنامج التعليم والتدريب العسكري (IMET).

   

  

يستأثر برنامج التمويل العسكري الأجنبي بنصيب الأسد من المعونة العسكرية الأميركية بواقع 1.3 مليار دولار سنويا من أصل 1.42 مليار دولار تمثل إجمالي حجم برنامج المساعدات، تتسلمها مصر في صورة طلبات أسلحة مجدولة لتلبية احتياجاتها العسكرية، حيث تشكل المساعدة الأميركية ما يصل إلى 85٪ من كامل ميزانية المشتريات العسكرية المصرية السنوية.

 

خلال الفترة بين عامي 1948 و2017 حصلت مصر على إجمالي 79 مليار دولار من المساعدات من واشنطن جاءت محملة بالكثير من الانتقادات. من وجهة نظر البعض في العاصمة الأميركية، وخاصة في الطبقة السياسية، فإن المعونة المقدمة لمصر كانت مهمة خلال حقبة الثمانينيات من أجل ترسيخ السلام مع إسرائيل، وتقوية موقف القاهرة في وجه المعارضة العربية للاتفاق، ولكن مع انتهاء هذه الأسباب فإن مصر أصبح عليها أن تفعل المزيد لتبرير استحقاقها للأموال الأميركية، وفيما بدا للأميركيين فإن سماح مصر بعبور 762 من السفن البحرية الأميركية عبر قناة السويس، والسماح بمرور 35 ألف طلعة جوية عبر مجالها الجوي خلال عاصفة الصحراء، ونحو 36 ألف طلعة أخرى خلال غزوي أفغانستان والعراق لم تكن مبررات كافية للمساعدات الضخمة.

       


    

جاءت تلك النظرة الأميركية المستحدثة نسبيا حول برنامج المساعدة العسكرية لتتناقض(11) بشكل واضح مع الاعتقاد الراسخ حول المعونة لدى جنرالات القاهرة، حيث نظر المصريون إلى المساعدة دوما كاستحقاق راسخ لهم مقابل خدمة قدموها بالفعل، وهو ما تمثل بقرار مصر قبل ثلاثين عاما في الخروج من العباءة العربية وقتها والسير منفردة نحو إبرام اتفاق سلام مع إسرائيل.

 

تسبب هذا التغير التدريجي في المقاربة الأميركية لقضية المعونة من كونها أحد استحقاقات الصراع العربي الإسرائيلي والتوازن العسكري بين مصر وإسرائيل المرتبط باتفاقية كامب ديفيد، لاعتبارها مكافأة تحدد بمدى قدرة الجيش المصري على تحقيق المصالح الأميركية، تسبب هذا التغيير في تعميق الهوة بين القادة الأميركيين والمصريين، وهي هوة تسببت في مجموعة من ردات الفعل المصرية، منها الاحتجاج على الإخلال بنسبة المعونة المتفق عليها ضمن إطار كامب ديفيد وهي 2:3 لإسرائيل ومصر على الترتيب، وهي نسبة وصلت إلى 2:5 لصالح تل أبيب في نهاية المطاف، حيث تزايد حجم المعونة العسكرية الإسرائيلية في حين ظل حجم المعونة المصرية ثابتا إلى حد كبير منذ عام 1985.

 

وسرعان ما اتسع نطاق مباريات المعونة ليشمل سجالات طويلة حول قيود فرضتها الولايات المتحدة على نوعية الأسلحة المرسلة لمصر، من ثم حرمانها من توريد أسلحة معينة لها. على سبيل المثال، وفي منتصف التسعينيات عندما كان ينظر(12) إلى الرئيس المصري آنذاك حسني مبارك على أنه مقرب من ياسر عرفات وداعم لمنظمة التحرير الفلسطينية، تم حرمان الجيش المصري باستمرار من الحصول على بعض الأسلحة الأكثر تطورا، مثل ذخائر الهجوم الموجه (JDAM) وصواريخ TOW 2B الموجهة، رغم موافقتها على بيع الأسلحة نفسها لدول الخليج، ووصل المنع ذروته حين قام الكونغرس في عهد "جورج دبليو بوش" بربط 100 مليون دولار من المساعدات بالإصلاح السياسي والأمني.

 

ولّدت هذه الممارسات الأميركية اعتقادا راسخا لدى الجنرالات المصريين بأن الولايات المتحدة تستغل برنامج المعونة للضغط على مصر وحرمانها من أسلحة بعينها بطلب من إسرائيل، وهو اعتقاد لا يبدو خاطئا بحال، فجزء من الفلسفة الظاهرة للمعونة العسكرية هو الحفاظ على التفوق العسكري النوعي للكيان العبري، وكما تظهر وثيقة لويكيليكس يعود تاريخها لعام 2006، فإن تل أبيب أعطت واشنطن بالفعل قائمة من الأسلحة التي لا تريد أن تراها في دول عربية بعينها كي لا تهدد التفوق الإسرائيلي، وشملت هذه القائمة مروحيات الأباتشي من طراز لونج بو (LONG BOW)، والصواريخ المضادة للإشعاع عالية السرعة (HARMs)، وفي مقدمة القائمة تأتي صواريخ جو-جو متوسطة المدى المعروفة باسم أمرام (Amraam).

    

طائرة مروحية من طراز أباتشي لونج بو (LONG BOW) بقاعدة رامون الجوية جنوب إسرائيل (رويترز)

      

تعد صواريخ أمرام (AIM-120) هي الجيل الأحدث من الصواريخ المحمولة على طائرات إف-16 المقاتلة الأميركية المعروفة باسم فالكون آي، وهي درة تاج الجيل الجديد من الصواريخ النشطة الموجهة بدقة، والتي لا تحتاج إلى توجيه راداري من قِبل الطائرة المقاتلة، أي أنه يمكن للطيار المقاتل إطلاق صاروخه ثم الانطلاق بطائرته مباشرة إلى مسار مختلف لتتبع هدف آخر، بعكس صواريخ سبارو (AIM 7F) التقليدية التي زودت بها الطائرات المصرية، والتي تحتاج بالعادة إلى توجيه راداري، لذا لا يمكن للطائرة الانحراف عن مسار تتبعها للهدف بعد إطلاقها للصاروخ مستهدفة إياه، ولا يمكنها سلوك مسار آخر حتى إصابته. وقد حرمت مصر بشكل تاريخي من الحصول على أمرام، ليرتبط حصولها عليها بالتوقيع على اتفاقية "سيسموا"، وفي المقابل تمسكت القاهرة بموقفها الرافض لتوقيعها لوقت طويل.

 

لطالما اعتقد المسؤولون الأميركيون أن امتناع مصر عن التوقيع كان راجعا في المقام الأول إلى مخاوف مصر من متطلبات التفتيش الصارمة التي تتطلبها الاتفاقية، وهو اعتقاد لا يبدو خاطئا على الأرجح. وعلى كل حال، كان لدى مصر تاريخ طويل من الالتفاف حول اتفاقات المستخدم النهائي (EULA) الخاصة بالأسلحة الأميركية، وفي رسالة(14) كتبتها وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون للسفارة الأميركية في القاهرة عام 2009، تحدثت كلينتون حول شكوك أميركية بأن مصر قامت بخرق اتفاقية المستخدم النهائي، التي تمنع مشاركة تكنولوجيا الأسلحة الأميركية مع أي طرف ثالث دون علم الولايات المتحدة، ثماني مرات على الأقل خلال السنوات الثلاثة الأخيرة، بما في ذلك سماح القوات المسلحة المصرية لضابط عسكري صيني بزيارة قاعدة محلية لطائرات إف-16.

 

كانت الخروقات المصرية المزعومة سببا في مماطلة الولايات المتحدة في إنفاذ صفقة(15) لتسليم 24 طائرة إف 16 بلوك 50-52 كان يجري التفاوض عليها خلال العام ذاته، حيث ظلت السيطرة الأميركية على برنامج المعونة، الورقة الرابحة في يد واشنطن للتأثير على القرار العسكري المصري، من خلال حجب أنواع معينة من الأسلحة أو ربطها بالتزامات محددة، والضغط لتوجيه الجزء الأكبر من المعونة نحو برامج الأسلحة المتوافقة مع الأهداف الأميركية، ومن ذلك المماطلة الدائمة في تنفيذ الطلبات المصرية للحصول على الأسلحة التقليدية مثل الطائرات والدبابات بغية تقليل الحصيلة المصرية منها، وبدلا من ذلك عرض توريد أسلحة تتوافق أكثر مع مهام التدخل السرية مثل مدرعات رينوشيرنا وعربات جوركا الكندية، والمدرعات الخفيفة المقاومة للألغام، ونظم الاتصالات اللازمة لتنسيق عمليات مكافحة الإرهاب.

 

سيسموا.. العهد الجديد

في ضوء الحقائق السابقة، يمكننا أن نتبين أن الولايات المتحدة استخدمت بشكل معتاد المعونة العسكرية كرافعة للنفوذ على الجيش المصري من أجل فرض تعديلات مفاهيمية وعملياتية وبنيوية على العقيدة العسكرية المصرية، مستغلة في ذلك حرص الجنرالات عليها. وبناء على ذلك، لم يكن مفاجئا إذن أن إعلان قائد القيادة المركزية الأميركية في الحادي والعشرين من مارس/آذار 2018 عن توقيع مصر وواشنطن أخيرا على سيسموا، بعد أعوام طويلة من المفاوضات، جاء مصحوبا بالإعلان عن طلب الرئيس الأميركي تزويد مصر بكامل حصتها من برنامج المساعدات العسكرية -المقدرة بـ 1.3 مليار دولار- في عام 2018 برغم تخفيضات الميزانية الأميركية التي فعلها ترمب نفسه. وفي ضوء الاعتماد الكلي لمصر على المعونة الأميركية من أجل مشترياتها العسكرية، يمكننا أن نستنبط ببساطة أن جميع المعدات والبرامج المرتبطة بسيسموا سوف يتم تمويلها من المعونة الأميركية.

   

    

نجحت واشنطن في الحصول على ما سعت إليه لعقدين على الأقل، حيث تعد سيسموا مفتاحا للربط العملياتي الذي طال انتظاره بين الجيشين المصري والأميركي، ومع كون الاتفاقية ستمول بالكامل من برنامج المعونة كما سبق أن أسلفنا، فإن ذلك يضمن لواشنطن هدفا آخر طالما سعت عليه وهو قدر أكبر من التحكم في عملية تسليح الجيش المصري، وبالتبعية في عقيدته القتالية، بما يتوافق مع مهام الحرب غير المتماثلة وعلى رأسها مكافحة الإرهاب، بعد أن يتم إخضاع المعونة الأميركية -أو غالبيتها على الأقل- لمتطلبات سيسموا على حساب بناء القدرات التقليدية للجيش النظامي.

 

غالبا ما تحاط بنود سيسموا بسرية كبيرة، ويبقى الجزء الأكبر من تفاصيلها نهبا للتكهنات ونظريات المؤامرة السائدة، لكن النص الوحيد المتاح للاطلاع للاتفاقية المماثلة مع كوريا الجنوبية يمكن أن يعطينا بعض الإشارات القيّمة حول متطلبات الاتفاقية والتغيرات المرتبطة بها، خاصة وأنه على الأرجح لا تختلف بنود الاتفاقية العامة في معظمها بأي دولة توقعها.

 

في الاتفاقية الكورية وفي الفقرة الثانية من مسودتها، تقوم الولايات المتحدة بتوريد معدات ونظم تأمين الاتصالات السرية المعروفة بـ COSMEC أو Communications Security والتي ستحل محل منظومة الاتصالات التقليدية للجيش الكوري "المصري في حالتنا إن صحت المقاربة"، ما قد يفتح بابا خلفيا يتيح لواشنطن التجسس على الاتصالات العسكرية المصرية، وهو احتمال ليس بذلك البعد أو الصعوبة خاصة مع تاريخ واشنطن في استخدام أنظمة الاتصالات للتجسس على أقوى حلفائها، يشمل ذلك المقربين في حلف الناتو وعلى رأسهم ألمانيا، وهو ما كشفته وثائق إدوارد سنودن في وقت سابق.

   

قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال فوتيل والفريق أول / صدقى صبحى القائد العام للقوات المسلحة المصرية وزير الدفاع والإنتاج الحربي (مواقع التواصل)

    

في سياق مقارب، تنص الفقرة الثامنة من مسودة الاتفاق الكوري على أن الدولة الموقعة على الاتفاق لا يحق لها كشف معدات الاتصال أو البرمجيات المستخدمة فيه (Key materials) لأي طرف ثالث إلا بإذن خطي من حكومة الولايات المتحدة، وهو ما يتفق بشكل ما مع اتفاقات المستخدم النهائي المتعارف عليها في تصدير التكنولوجيا، غير أن الفقرة التالية من المسودة تأتي محملة بقيود تتجاوز ما سبق بمراحل، حيث تنص على أن كل ما تورده وزارة الدفاع الأميركية من معدات أو نظم اتصالات لا يقوم بتركيبها أو صيانتها إلا خبراء أميركيون مصرح لهم من البنتاجون، أو خبراء من الدولة الموقعة بإذن خاص من وزارة الدفاع الأميركية، من تحتفظ لنفسها أيضا بحق إرسال خبرائها لاستبدال أو صيانة أو إجراء فحص ما للنظم في أي وقت تحت الاتفاقية، وهي مادة التفتيش المثيرة للجدل في الاتفاق والتي تعطي واشنطن القدرة على إغلاق جميع الأبواب الخلفية لأي جهود لمشاركة أو تعديل هذه الأنظمة بمعرفة طرف ثالث دون علمها، مثل الأبواب التي اعتادت مصر فتحها مع الخبراء الصينيين.

 

بالإضافة إلى ذلك، تنص الفقرة الحادية عشرة من المسودة على أن أي خلافات أو تعديلات تتم بالاتفاقية يتم مناقشتها حصرا بين الولايات المتحدة والدولة الموقعة، ولا يمكن إحالتها إلى أي جهة دولية أو طرف ثالث، وهو بند يعطي واشنطن سلطة شبه مطلقة في تفسير بنود الاتفاقية وحل نزاعاتها بما يتراءى معها، كما تنص الفقرة الرابعة عشرة من الاتفاقية الكورية على أن سريان الاتفاق يكون لمدة 15 عاما مع إمكانية التخارج من الاتفاق بطلب سابق قبلها بستة أشهر على الأقل.

 

ومع أن اتفاقية سيسموا تتعلق بالأساس بنظم الاتصالات وليس بالتسليح بشكل مباشر أو مهام قتالية واضحة تماما، فإنها تعد انفتاحا ضخما لتحولات هيكلية في هذه الأصعدة داخل الجيش المصري، حيث تصنف الاتفاقية كواحدة من حزمة(17) الاتفاقات التأسيسية الثلاثة (Foundational agreements) المشكلة للبنات الشراكة الدفاعية الأساسية بين الولايات المتحدة وأي بلد آخر، وهي حزمة تضم -بالإضافة إلى سيسموا- الاتفاقية الأساسية للتبادل والتعاون (BECA) والتي تنص على مشاركة البيانات الحساسة للمساعدة في تحديد الأهداف خلال الملاحة البحرية والجوية، وأخيرا وربما الأكثر أهمية اتفاقية الإمدادات اللوجيستية (LSA) التي تضع المرافق والأصول العسكرية للدول الموقعة في خدمة الجيش الأميركي مقابل عمل الوحدات العسكرية الأميركية كمظلة أمنية لهذه الجيوش.

  


   

تشكل هذه الاتفاقات الثلاثة المظلة الرئيسة لشبكة عسكرية عابرة للحدود صممتها الولايات المتحدة بهدف دمج الجيوش الشريكة في منظومة موحدة لخدمة نظام أمني جديد يتلاءم مع مصالحها وأولوياتها وأهدافها، ويعني انخراط أي مؤسسة أمنية ضمن هذه المنظومة قدرا كبيرا من التماهي مع الخطط والأولويات الأمنية الأميركية. وحين يتعلق الأمر بمصر فإن ذلك لم يعد مفاجئا بحال، في ظل تكريس معظم موارد الجيش المصري خلال السنوات الثلاث الفائتة لعمليات "مواجهة الإرهاب" في سيناء، والانخراط النشط نسبيا للبحرية المصرية في البحر المتوسط لمنع تدفق اللاجئين إلى أوروبا، وكذلك في البحر الأحمر والقرن الأفريقي وخليج عدن بالمشاركة مع البحرية الإماراتية والأميركية، وهي أنشطة تجنبتها العسكرية المصرية لوقت طويل في عهد ما قبل نظام الرئيس المصري الحالي ذي الخلفية العسكرية "عبد الفتاح السيسي".

 

في هذا السياق، يمكننا قراءة توقيع مصر على اتفاقية سيسموا على أنه إعلان رسمي عن دخول العسكرية المصرية عهدا جديدا غامضا، تحتل فيه الحرب الهجينة مرتبة متقدمة في أولوياتها الأمنية، وتتراجع فيه التهديدات التقليدية القادمة من الفاعلين الدوليين مثل إسرائيل، من تحولت إلى حليف وثيق للقاهرة منذ أعوام قليلة، وحليف محتمل مستقبلي في الشبكة العابرة للحدود لتلك الحروب الجديدة وتحت المظلة الأميركية، وهو تطور لا يبدو أن سيسموا سوف تكون لبنته الأخيرة، ولكنها مجرد جملة أولى واضحة في شهادة وفاة عصر كامب ديفيد العسكري، وشهادة ميلاد لعقيدة عسكرية جديدة تدخل مصر بموجبها عصر ما بعد 11 سبتمبر/أيلول، أو عصر "مكافحة الإرهاب" بالأعين الأميركية، بعد لعبة طويلة من الشد والجذب دامت لقرابة عقدين من الزمان.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار