اغلاق
آخر تحديث: 2018/5/26 الساعة 13:51 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/12 هـ

انضم إلينا
هذه هي خطوات إيران لوضع خطة الرد على ترامب

هذه هي خطوات إيران لوضع خطة الرد على ترامب

Foreign Affairs

مجلة سياسية
  • ض
  • ض

عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 8 مايو/أيار أنه سوف يسحب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني، أدار الكثير من المراقبين محور اهتمامهم على الفور إلى مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية آية الله علي خامنئي لمعرفة مستقبل الاتفاقية. فمنذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979، اعتبر الكثيرون أن سلطة اتخاذ القرار النهائي في إيران هي في يد المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، ولذلك، مع كل حدث رئيسي يتعلّق بالحياة العامة والشؤون الخارجية لإيران، يراقب المعلقون باهتمام الصحف والمجلات الإيرانية للتنبؤ برد فعل خامنئي، ويتأملون في أهمية تصريحاته، وفك رموز تعليقاته، وتحديد ما يعنيه كل ذلك لمصير بلده ومكانه في العالم. لكن في أكثر الأحيان، لا تخلق تصريحات المرشد الأعلى غير إطار للسياسة الخارجية للبلاد عوضا عن خريطة طريق مفصّلة يجب اتّباعها. وحتى في إطار إنشاء هذا الإطار، فإن القرار النهائي في الشؤون الإيرانية يأتي بدعم من مئات الموظفين والمستشارين.

 

كما هو معروف، إن نظام الجمهورية الإسلامية نظام غامض جدا، لذا فإنه من المنطقي أن يقوم المراقبون الغربيون بنسب معظم القرارات المتعلّقة بالأمن القومي والسياسة الخارجية إلى أكثر مركزي قوى بروزا في النظام، أي: المرشد الأعلى، والحرس الثوري الإيراني. لكن في الواقع، إن عملية صنع القرار في إيران ليست عملية بسيطة تجري من أعلى إلى أسفل، بل هي نتيجة لعملية معقّدة يتخلّلها الكثير من الشدّ والجذب داخل شبكة من الهيئات، العديد منها زائد عن الحاجة. فكونها دولة ثورية، تعتمد الجمهورية الإسلامية على عدد من الآليات لمنع الانقلابات وحماية النظام منها، لكن التنافس بين هذه الهيئات والاقتتال الداخلي بين الفصائل المختلفة فيها غالبا ما يترك أثرا كبيرا على عملية صنع القرار.

 

طهران وصياغة السياسات
يكمن دور المرشد الأعلى في إنشاء الإطار الذي تعمل ضمنه الهيئات الأخرى. وبتوجيه من فريق من الموظفين، يحدد خامنئي الخطوط الحمراء والحدود الدنيا النهائية لسياسات البلد ومناطق التنازلات المحتملة في المفاوضات والنتائج المقبولة والمفضلة في حالة الحرب. لكن خامنئي لا يفرض طبيعة الوسائل المطلوبة للوصول إلى هذه النتائج المفضلة أو لفرض الخطوط الحمراء. وبدلا من ذلك، يقوم مكتبه بتمرير الإطار الذي يحدّده (من خلال القنوات الخاصة ومن خلال التصريحات العامة) إلى المجلس الأعلى للأمن القومي، الذي يشبه من حيث صلاحياته مجلس الأمن القومي الأميركي. ومع ذلك، فإنه يختلف من حيث التكوين عن نظيره الأميركي، فهو يضم ممثلين من جميع مراكز القوى ذات الصلة داخل النظام السياسي الإيراني، وتشمل مهامه تحديد المصالح الوطنية وتحويل إطار المرشد الأعلى إلى سياسة نافذة.

 

حتى قرار مرشد الجمهورية الإسلامية نفسه يسترشد بآراء الأفراد والجماعات التي تمثل مراكز قوى مختلفة

مواقع التواصل الاجتماعي
 

تعمل السلطة التنفيذية مع المجلس الأعلى للأمن القومي لوضع جدول الأعمال وتحويله إلى بنود قابلة للتنفيذ وفقا لرؤية الرئيس روحاني للبلاد. يمكن للرئيس أيضا أن يعرض سياساته الخاصة، والتي يمكن للمرشد الأعلى بدوره قبولها أو رفضها. وفي مثل هذه الحالات، يتعين على الحكومة، ولا سيما وزارة الخارجية ووزارة الاستخبارات والأمن، أن تعمل في بعض الأحيان مع القوات المسلحة، المؤلفة من قوات الحرس الثوري الإيراني والجيش النظامي، الـ"أرتش". هنا، فإن الحرس الثوري الإيراني لديه اليد العليا في كافة القرارات. في بعض المجالات، مثل المسارح الإقليمية المختلفة التي تدخلّت فيها إيران، يحوّل الحرس الثوري السياسة إلى إستراتيجية. هذا هو الحال أيضا فيما يتعلق ببرامج الدفاع الأكثر إثارة للجدل في إيران، بما في ذلك أنشطة تطوير الصواريخ البالستية. بالإضافة إلى ذلك، فإن الحرس الثوري الإيراني هو المسؤول، إلى جانب الجيش النظامي، عن المستويات التشغيلية والتكتيكية.

 

أما السلطة التشريعية، والمعروفة باسم المجلس (مجلس النواب/البرلمان)، فوظيفتها هي محاسبة السلطة التنفيذية والمشاركة في صنع القوانين. وأخيرا، فإن مجلس صيانة الدستور، الذي تشبه ولايته إلى حد ما اختصاصات المحكمة العليا للولايات المتحدة، فوظيفته هي تقييم شرعية قوانين المجلس ومطابقتها للدستور.

 

في كل مرحلة من مراحل اتخاذ القرار، يجب أن يحدث نوع من الإجماع أو على الأقل نوع من الاتفاق من خلال الشد والجذب بين الشخصيات، والهيئات، ومراكز القوة المختلفة في النظام الإيراني. لكن عندما يحدث الكثير من الاقتتال الداخلي أو عندما لا تتطابق آراء مختلف الهيئات أو اللاعبين الفرديين بشأن قضية محددة، يمكن لجدول الأعمال أن يتعطل بالكامل، وهذا ما رأيناه إلى حد كبير مع أجندة الرئيس حسن روحاني بما هو أبعد من معالجة القضية النووية والسياسة الاقتصادية، خاصة بعد خسارته للرصيد السياسي وازدياد حدّة الاقتتال الداخلي منذ التوقيع على الاتفاقية النووية في يوليو/تموز 2015.

 

الاتفاق النووي: إلى أين؟
يمكن القول إن المفاوضات التي أدت إلى الاتفاق النووي الإيراني كانت ناجحة تماما لأن خامنئي كان قد أعطى الضوء الأخضر لبدء المحادثات. كما أنه حدد أيضا بعض الخطوط الحمراء التي وجّهت عمل المفاوضين على الجانب الإيراني. على سبيل المثال، أمر خامنئي المفاوضين بالإصرار على الاحتفاظ بقدرة إيران على تخصيب اليورانيوم ومواصلة البحث والتطوير النوويين. لكنه لم يفرض تفاصيل برامج التخصيب والبحث والتطوير، مما سمح للمفاوضين بالعمل مع منظمة الطاقة الذرية الإيرانية لتطوير معالم الأنشطة المسموح بها، بما في ذلك حدود القدرة التخصيبية ومخزونات اليورانيوم المخصب.

 


كما طلب خامنئي من المفاوضين الإصرار على إبقاء جميع المنشآت النووية في البلاد مفتوحة، لكنّ المفاوضين كان لديهم الحرية في قبول التفاوض على وظيفة بعض المرافق. كان قد تم تحديد الإطار الذي وضعه خامنئي بإسهام من مستشاريه، بمن فيهم العاملين في برنامج إيران النووي. وأشار خامنئي خلال المحادثات إلى أن الهدف النهائي لإيران هو تطوير تخصيب اليورانيوم على نطاق صناعي لتشغيل ثمانية من المفاعلات النووية التي تخطط إيران لإكمالها وتشغيلها في المستقبل. (وهذا من شأنه أن يسمح أيضا للبلاد ببناء قنبلة نووية بسرعة أكبر في حال عادت إلى طموحاتها في تطوير الأسلحة النووية، والتي توقفت في عام 2009، ومواصلة سياستها في "التحوط النووي").

 

تشارك مراكز القوة الرئيسية داخل النظام الاعتقاد بأنه يجب على البلاد تطوير التخصيب على نطاق صناعي وأن تكون معتمدة على نفسها في إطار سعيها للحصول على التكنولوجيا النووية. لذا، خلال المباحثات، كان المفاوضون الإيرانيون مصرين على الاحتفاظ بالقدرة على مواصلة البحث والتطوير وإدراج ما يسمى بشروط "غروب الشمس"، والتي تسمح للبلاد بإزالة القيود المفروضة على بنيتها التحتية النووية بعد مرور عدد من السنوات، وبالتالي متابعة برنامجها كدولة عادية لا تمتلك الأسلحة النووية بموجب معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية.

 

اليوم، عندما تقرر مراكز القوة داخل إيران مصير الصفقة النووية في ضوء انسحاب الولايات المتحدة منها، فإنها سوف تقيم أوّلا إيجابيات وسلبيات مواصلة تنفيذ الاتفاقية مع الأطراف المتبقية فيها على خلفية هدفها المعلن المتمثل في تطوير القدرات التخصيبية كما ذكرنا. وستتفاوض مراكز القوى هذه فيما بينها على مصير الاتفاقية، ونطاق وسرعة تقدّم البرنامج النووي، والوسائل التي يجب على البلاد اتباعها من أجل تحقيق الانتعاش الاقتصادي، تماما كما يتفاوض مسؤولو وزارة الخارجية على هذه العناصر ذاتها مع نظرائهم من الصين والاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا وروسيا والمملكة المتحدة (الدول المتبقية في الاتفاقية).

 

لقد وضع خامنئي بالفعل إطارا لهذه المحادثات بالسماح للمفاوضين بالانخراط في عملية جديدة، هدفها الحفاظ على الاتفاق النووي حتى من دون الولايات المتحدة، حيث إن الهدف من المحادثات والخطوط الحمراء التي حددها خامنئي يكمن في الحصول على "ضمانات" من الأوروبيين، بشكل يجعل من مصلحة إيران الاستمرار في الاتفاقية دون مشاركة الولايات المتحدة. ومن المرجح أن يستخدم المجلس الأعلى للأمن القومي إطار العمل هذا لوضع خريطة طريق أكثر تفصيلا. من المرجح أن المجلس سيعمل مع مسؤولي وزارة الخارجية الذين يتفاوضون مع القوى العالمية من أجل تطوير خارطة الطريق هذه. وأخيرا، يشرف أعضاء المجلس (مجلس النواب) على العملية، وهم قدموا مشاريع قوانين لتقييد مساحة الحكومة للمناورة. قد لا تشارك القوات المسلحة بشكل مباشر في المفاوضات، لكن مساهماتها سوف تكون مهمة في العديد من المجالات الرئيسية وتشمل هذه القضايا الجانبية التي لا تشكل جزءا مباشرا من الاتفاق النووي، ولكنها لا تزال تهم القوى العالمية، مثل أنشطة إيران الصاروخية والإقليمية.

 


وبالمثل، فإنه فيما تسعى حكومة روحاني إلى إصلاح الاقتصاد الإيراني من أجل إحداث انتعاش اقتصادي هي في أمسّ الحاجة إليه، فإن النظام بأكمله يشارك أيضا حتى في هذه العملية. مثلا كان الضوء الأخضر الذي أصدره خامنئي حاسما في السماح ببعض الإصلاحات، فهو كثيرا ما صرّح علانية بما يسمح به للمسؤولين وما لا يُسمح لهم بالقيام به لتحقيق الانتعاش الاقتصادي. وقد اعتبر خامنئي تخفيف العقوبات حاسما لهذه العملية. منذ ذلك الحين، أجرى الرئيس روحاني بعض الإصلاحات لكنها واجهت تحفظات من قِبَل الحرس الثوري الإيراني، مما جعل العملية بطيئة وصعبة. تجدر الإشارة إلى أن التوافق شبه الإجماعي بين هذه القوى على أن المفاوضات النووية ستكون أفضل نهج لتخفيف العقوبات، وبالتالي إلى الانتعاش الاقتصادي، كان المفتاح وراء إعادة طهران إلى طاولة المفاوضات في عام 2012 وتمهيد الطريق أمام التوقيع على خطة العمل المشتركة (الاسم الرسمي للاتفاق النووي).

 

وبالمثل، إذا قرر النظام، خلال الأشهر والسنوات القليلة القادمة، استئناف قطاعات معينة من برنامج إيران النووي التي كان قد تم تقليصها أو تجميدها بموجب الاتفاق، أو لإحياء برنامج أسلحتها النووية، فمن المرجح أن يفعل ذلك في إطار يضعه خامنئي بمشاركة من القوات المسلحة، ولا سيما الحرس الثوري الإيراني، بالإضافة إلى ممثلين عن القطاع النووي الإيراني. لكن سوف يتعين على الجمهورية الإسلامية أن توازن بين هذه التطلعات النووية واحتياجاتها الاقتصادية. ولهذا الغرض، من المرجح أن يراعي إطار خامنئي لمستقبل البرنامج النووي رأي المستشارين الاقتصاديين بشكل يسمح للبلد باستئناف بعض الأنشطة النووية لكن دون أن يتسبب في أزمة دولية من شأنها أن تعرقل اقتصاد إيران مجدّدا.

 

إن عملية صنع القرار في الأمن القومي الإيراني معقدة بشكل كبير. حتى إن قرار مرشد الجمهورية الإسلامية نفسه يسترشد بآراء الأفراد والجماعات التي تمثل مراكز قوى مختلفة. إذن على صانعي السياسة في الولايات المتحدة الذين يحاولون التصدي للتحديات الناجمة عن برنامج إيران النووي عقب إعلان ترامب الانسحاب من خطة العمل المشتركة، عليهم فهم كيفية تفكير نظرائهم الإيرانيين وكيفية صياغتهم للسياسات الإيرانية بشكل دقيق.

____________________
ترجمة: كريم طرابلسي
رابط المقال الأصلي

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار