اغلاق
آخر تحديث: 2018/5/29 الساعة 15:52 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/15 هـ

انضم إلينا
كيف أنقذ مهاتير ماليزيا من "ديكتاتورية" برداء الديمقراطية؟

كيف أنقذ مهاتير ماليزيا من "ديكتاتورية" برداء الديمقراطية؟

The Atlantic

مجلة أميركية
  • ض
  • ض
ما هي الديمقراطية؟ قد يبدو هذا السؤال واضحاً، غير أن الخلافات حول أهداف الديمقراطية تتضاعف في الغرب، بما في ذلك في أقدم الديمقراطيات وأكثرها تقدماً. هذه الخلافات تشمل مسألة ما إذا كانت الديمقراطية هي هدفاً بحد ذاتها أو وسيلة لتحقيق شيء أكبر، هل من الممكن أن تتعلم الولايات المتحدة وأوروبا شيئاً من ماليزيا، بلدٌ لطالما نُظِر إليه باعتباره شبه ديمقراطي؟

  

في انتخابات هذا الشهر، خسر حزب المنظمة الوطنية الماليزية المتحدة الحاكم، كجزء من تحالف الجبهة الوطنية، قبضته على السلطة لأول مرة منذ استقلال ماليزيا عن بريطانيا عام 1957، حيث استبدل مهاتير محمد رئيس الوزراء نجيب عبد الرزاق الذي خدم في هذا المنصب لفترة طويلة. وفي تطور غير معتاد، كان الزعيم الفعلي لـ "تحالف الأمل" المعارض "أنور إبراهيم" يقضي حكماً بالسجن لمدة خمس سنوات بتهم الشذوذ الجنسي ذات الدوافع السياسية.

    

هذا الأسبوع، خرج من السجن بعد حصوله على عفو كامل، وقد يصبح في نهاية المطاف رئيس وزراء البلاد. كانت هذه الأحداث بمثابة تذكير بنوع مختلف من النشوة الديمقراطية، حيث تقدم تناقضاً صارخاً بالمقارنة مع التشاؤم الذي اعتاد عليه مواطنو الدول الغربية. وواقع أن للانتخابات عواقب.

  

أنور ابراهيم 

    

في الديمقراطيات الغربية، غالباً ما يكون هناك افتراض غير معلن مفاده أن الديمقراطية من المفترض أن تؤدي إلى نتائج سياسية أفضل؛ بما في ذلك وظائف ذات أجور جيدة، مدارس أفضل، أو تحسين مستويات المعيشة. ترتبط شرعية الديمقراطية بأدائها، بل وتعتمد عليه، وهو ما يشار إليه أيضاً باسم "شرعية الأداء".

  

كما أخبرنا قادتنا [بلغة الكاتب]، بالإضافة إلى أولئك الذين يعيشون في ظل الديكتاتورية في الخارج، أن الديمقراطية ستجعل الإجماع والاتفاق رؤية وطنية مشتركة أكثر احتمالاً لأن تتحقق. لكن الديمقراطية لا تتعلق أساسا بهذه الأمور، وقد أخطأ السياسيون الغربيون في الإصرار على أنها كذلك. وقد رفع هذا التوقعات إلى مستويات يتعذر تلبيتها.

   

لأن هناك نجاحات ديمقراطية قليلة قد تحققت في السنوات الأخيرة، إلى جانب الإخفاقات المحبطة للربيع العربي، فإن من السهل ألا ننتبه لما تعدُنا به حتى أشد العمليات الديمقراطية تقلقلا: أنَّ المواطنين، مهما ساءت الأمور وفسد حال القادة، نظريًا، يمتلكون مرجعا. وأنهم ليسوا بلا حول ولا قوة. وأن بوسعهم تنظيم أنفسهم. وبوسعهم عرقلة أمر تنفيذي. بوسعهم الاعتراض.   

  

إن هذا المرجع، هو الملاذ الأخير والاكثر أهمية قبل أن تتحول الديمقراطية المتقلقلة إلى نظام انتخابي دكتاتوري. في أنظمة مثل فنزويلا في السنوات الأخيرة لهوجو تشافيز، قد تبقى الانتخابات تنافسية بل ومفيدة، لكن لا تمتلك "المعارضة" فرصة حقيقية للفوز بسبب تفشي التزوير الانتخابي، وعدم الوصول إلى وسائل الإعلام، وترويع الناخبين. قبل هذه النتائج الأخيرة للانتخابات في ماليزيا، كان هناك خوف من أن تسير على خطى فنزويلا خاصة بعد أن أدت الأعمال الإبداعية في التزوير الانتخابي إلى جعل حجم بعض الدوائر الانتخابية أكثر من أربعة أضعاف حجم الدوائر الأخرى. كانت هذه هي الخطوة الكلاسيكية؛ حيث أن أكبر المناطق الحضرية التي تميل إلى التصويت للمعارضة سيكون لها تمثيل أقل بكثير من المناطق الريفية الموالية تقليدياً للحكومة في البلاد.

   

   

لقد أصبح رئيس الوزراء نجيب عبد الرزاق مثالاً آخر على الاتجاه العالمي الظاهر نحو سياسة القائد. وقد وصفه دونالد ترمب ذات مرة بأنه "رئيس الوزراء المفضل لدي". بالإضافة إلى تسييس المحاكم وإسكات/تكميم وسائل الإعلام الناقدة، كان نجيب متورطاً في فضيحة فساد فظيعة ظهرت فيها مئات الملايين من الدولارات من صندوق استثمار الدولة في حسابه الشخصي؛ مما تسبب في إجراء وزارة العدل الأمريكية تحقيقات.

   

بعبارة أخرى، كان يمكن وصف ذلك بأنه انتخابات "الفرصة الأخيرة"، ولكن بدلاً من ذلك، قد يكون إشارة جيدة لبدء عملية ديمقراطية جديدة وعميقة. يمكن للانتخابات -حتى لمرة واحدة- أن تكون لها نتائج بعيدة المدى مثل هذه. هناك شيء مثير للإعجاب حول المفهوم ذاته الذي يعتبر الآن أمراً مفروغاً منه، ولكنه كان يعتبر ذات يوم أمراً ثورياً، حيث قد يتنحى أحد الأحزاب في السلطة طوعاً ليحل محله حزب آخر. في جزء كبير من تاريخ البشرية، كانت هذه الفكرة مثيرة للسخرية إلى أبعد من الخيال.

   

ومع ذلك، لا يعني أي من ذلك أن الديمقراطية نفسها هي الدواء الشافي. الديمقراطية هي حل طويل الأمد لإدارة الصراع بسلام. يتعلق الأمر بمنح المواطنين الخيار على الأقل (خيار قد لا يختارون تجربته) لاستبدال ممثليهم وتجريب مختلف المرشحين والأحزاب وحتى الإيديولوجيات. يتعلق الأمر أيضًا بالشعور بأنك "كمواطن" يمكن أن تغيّر مسار بلدك، وأن أمتك -نظرياً على الأقل- تعتقد أنك مهم بما يكفي للحصول على هذه السلطة. هناك فرحة في معرفة هذا؛ كما وصف الروائي الماليزي "تاش أو" المشهد خارج مركز الاقتراع: "كانت المودة واضحة، قام المتطوعون بتوزيع الغذاء والماء مجاناً. ساعد الغرباء الكبار والضعفاء للعثور على مقاعد في الظل أثناء الانتظار الطويل. شخص ما عرض على والدتي كرسي متحرك (رفضت بأدب). الناس الذين يصطفون للإدلاء بأصواتهم تمازحوا حول الحرارة وحول رؤية بعضهم البعض مرة أخرى خلال خمس سنوات".

  

هذه المشاعر مهمة، وربما هي الأهم، لكنها لا تترجم بالضرورة إلى مستويات أعلى من النمو الاقتصادي. ربما يقول البعض على الأرجح، من الممكن تماماً أن تؤدي حكومة أكثر استبدادية بشكل أفضل بالمعنى التكنوقراطي الدقيق، على الأقل في المدى القصير. يقدم "النموذج الصيني" أدلة قوية على ذلك. وكما قال الباحثان دينغكسين تشاو وهونغ شينغ يانغ: "لقد تطور الاقتصاد الصيني بسرعة في ظل نظام استبدادي يتمتع بقدرة قوية على التلاعب بالنشاطات الاقتصادية". وقلب مفهوم الاستجابة الديمقراطية رأساً على عقب. يقول عالم السياسة وينفانغ تانغ إن "القادة في الصين الاستبدادية لا يتمتعون برفاهية الدورات الانتخابية". 

   

    

لكن هناك القليل حول النموذج الصيني، بتاريخه الفريد من البيروقراطية المتطورة و"الدولية" القوية، التي تبدو قابلة لمحاكاتها في مكان آخر. لكل الصين هناك خمس كوارث أخرى بما في ذلك ماضي الصين المأساوي. لاحظ تشاو ويانغ أن "التاريخ قدم أمثلة وافرة على أنه عندما يتمتع نظام استبدادي بحكم ذاتي كبير، فمن الأرجح أن يستخدم الحكم الذاتي بطرق ضارة." في بعض الأحيان، تكون الأنظمة الاستبدادية الجيدة رائعة خاصة إذا لم تكن ناشطاً مؤيداً للديمقراطية. المشكلة هي أنه لا توجد وسيلة لضمان نتائج استبدادية "جيدة". إذا كان الحكام المستبدين (الأوتوقراطيون) هم الذين يدمرون الاقتصاد، وبالتالي يدمرون مصدر رزقك -وهو الأمر الأكثر احتمالاً-  فإن هناك القليل نسبياً مما يمكنك فعله حيال ذلك.

    

تقدم ماليزيا تذكيراً بأنه لا يوجد بديل عن هذه الوظائف الديمقراطية الأكثر أهمية: الفرصة، حتى لو كانت تبقى في كثير من الأحيان على المستوى النظري، فإن النتائج السياسية ليست دائمة. هناك دفع وجذب طبيعي في المنافسة الديمقراطية، مع كل الفوضى التي تنطوي عليها. لكن هذه الفوضى وعدم اليقين يمكن أن يكونا أمراً جيداً. يمكن لرئيس سابق يبلغ من العمر 92 عاماً -كان معروفا بعاطفته السلطوية في مهدها- أن يغير اتجاهه ويقود المعارضة، ليوحد قواه مع الرجل الذي سجنه. لا يجب أن تتداخل الأخطاء مع هوية الدولة نفسها؛ يمكن التراجع عن ذلك. وفي ماليزيا، في صندوق الاقتراع، حدث إحدى تلك النتائج. 

    

-----------------------------

ترجمة (الاء أبو رميلة)

(الرابط الأصلي)

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار