اغلاق
آخر تحديث: 2018/5/30 الساعة 15:06 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/16 هـ

انضم إلينا
تاريخ غامض.. هل كان عباس عميلا للاستخبارات الروسية؟

تاريخ غامض.. هل كان عباس عميلا للاستخبارات الروسية؟

أسامة الصياد

محرر سياسة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
 

في أغسطس/آب لعام 2016 حاول المغامر دوما فلاديمير بوتين -الرئيس الروسي الحالي- ترتيب اجتماع في العاصمة موسكو بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الملقب بـ "أبو مازن"، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. لم تكن فكرة الاجتماع جديدة بحال، حيث حاولت أطراف دولية عديدة منذ فترة طويلة ترتيب ذلك اللقاء الذي لا يتم أبدا بشكل مباشر في غالب الأحايين، وبرغم الفشل المتواصل، فإن أبو مازن لطالما أبدى استعداده للجلوس مع نتنياهو والتفاوض في لقاء لم يأت أبدا. ومع الاعتراضات المعتادة، نجح بوتين في أخذ موافقة مبدئية من الطرفين على حضور قمة لكن لم يُذكر أي تفاصيل أخرى عنها، قبل أن تشارك الترتيبات مصير سابقاتها، وبمرور الشهر لم يتجاوز الأمر حده الطبيعي كما كل مرة: اتفاق مبدئي، ترتيبات بلا تفاصيل، ثم مماطلة وقتية وصولا إلى قمة لا تتم، لكن الشهر التالي حمل للجميع مفاجأة إسرائيلية جديدة من نوعها.

  

في سبتمبر/أيلول من العام نفسه ظهر اسم عباس مجددا مقترنا بروسيا، لكن هذه المرة جاء الاقتران بجهاز الاستخبارات السوفيتي المُنحل "كي جي بي" الذي قضى به بوتين أكثر من 16 عاما من عمره، وبدا أن ثمة علاقة قديمة بين الرجلين لا يُعرف عنها الكثير داخل الجهاز الاستخباراتي نفسه. جاء الكشف المزعوم عن طريق وثيقة من وثائق ملفات "ميتروخين" الشهيرة، وهي آلاف الملفات للكي جي بي قام مسؤول أرشيف الجهاز السابق "فاسيلي ميتروخين" بتهريبها عام 1991 ليستقر بعضها في أرشيف جامعة كامبريدج البريطانية تحت تصنيف "أرشيف تشرشل"، وسرعان ما تلقف بعض الوثائق المتاحة باحثون بمعهد "ترومان"، أحد أكبر المراكز البحثية الإسرائيلية، بعنوان "ملف الشرق الأوسط" (1).

  

حمل الملف مفاجأة للإسرائيليين قبل غيرهم متعلقة برجل سلطة رام الله الأول، من وجد اسمه في وثيقة لبعض عملاء الجهاز تحت مسمى "كروكوف"، وهي كلمة مشتقة من كلمة مخبر الروسية، ثم ذكر "محمود عباس المولود في 1935 في فلسطين، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح في دمشق، عميل لكي جي بي"، وكان مكلفا طبقا للملف بجمع معلومات مهمة عن سوريا عام 1983 لصالح السوفييت (2). ورُغم نفي السلطة الفلسطينية شديد السرعة لما جاء على القناة الأولى للتلفاز الإسرائيلي، وسخريتها مما أعلن، فضلا عن قول أحد المسؤولين الفلسطينيين بأن عباس قاد مؤسسة صداقة فلسطينية سوفيتية في ذلك الوقت لذا فقد كان مسؤول اتصال فعلي وعلني لموسكو، رغم ذلك فإن علاقة أبو مازن بعاصمة الجليد في ذلك التاريخ القديم نسبيا لم تكن معرفة في هذا الإطار بحال.

      

   

تحدثت الوثائق عن فترة حصل فيها أبو مازن على شهادة الدكتوراه من معهد الاستشراق في موسكو بالفعل عام 1982، عبر أطروحة تناولت العلاقة بين النازية وقادة الصهيونية في الفترة بين 1933-1945، وقد كُتبت في "الجامعة الروسية للصداقة بين الشعوب"، ووافق عليها معهد العلوم الشرقية في الأكاديمية السوفيتية، وكانت فترة صعود ذهبي لنجم محمود عباس الذي عُيّن مديرا لقسم العلاقات الوطنية والدولية لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1980، ومن هنا ربما كان اتصاله بالسوفييت منطقيا تبعا لمهام منصبه، لكن ما ظهر من حميمية بين عباس والسوفييت وبعدهم الروس حتى بعد وصوله إلى الرئاسة تطلب بشكل ما تفسيرا أكثر منطقية بمرور الوقت، خاصة بعدما اختار بوتين بالتحديد نائب وزير الخارجية الروسي "ميخائيل بوغدانوف" للإعداد لقمة موسكو، وهو الرجل الذي عمل مرتين في السفارة السوفيتية في دمشق بين 1983 و1994، وهي الفترة التي يزعم أن عباس قد تم تجنيده خلالها.

  

وسواء صح ما نُشر أم لا، فيمكننا بشيء من الدقة تكوين صورة واضحة لشخصية عباس عبر ما سيتكرر من الأحداث بنسخ مختلفة طوال حياته السياسية، فهو نفسه الذي كان يُعِدّ في الفترة نفسها لمحادثات سرية مع الإسرائيليين، في وقت اجتاحت فيه الأخيرة لبنان وحاصرت منظمته وقتلت العديد من قياداتها، وهي فترة حملت علامة استفهام كبرى حول استثنائه من مسلسل الاغتيالات الإسرائيلي الوحشي والكثيف لقيادات المنظمة وقتها، وهو أحد مهندسي التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي، و"ملتزم به" حسب تكراره شبه الدائم، وهو أيضا من يحافظ دوما على درجة توتر لا تنتهي بين السلطة والمقاومة، وفي ظل رؤيته "خائنا" دوما من أطراف فلسطينية أخرى، واتهامات متكررة بتربحه المالي الضخم من بقائه في السلطة "وهي اتهامات لم تثبت حتى الآن"، يبقى "عراب السلام" واحدا من أكثر الشخصيات الفلسطينية إثارة للجدل.

     

عراب السلام

كان سن الثالثة عشرة كافيا تماما بالنسبة إلى فتى صغير من مدينة صفد بمنطقة الجليل لإدراك التغيير العنيف بفعل هجوم على مدينته من قِبَل المنظمات اليهودية أثناء الانتداب البريطاني، تغير لم يطل أسرته فحسب، بل بلدته الصغيرة ودولته كلها عام 1948، مدركا لتلك اللحظة التي كونت السردية التأسيسية لحق الفلسطيني بأرضه.

   

نزحت أسرة الفتى "محمود رضا عباس" باحثة عن ملجأ بداية بالجارة الأردن وانتهاء بمستقر بسوريا، وفي ظل الأعباء المتزايدة، كان عليه أن يشارك والده أعماله، حيث عليه أن يعمل بالنهار ويُنهي دراسته ليلا (3). ثم التحق بجامعة دمشق منتسبا، وحصل على شهادة البكالوريوس في القانون عام 1958 منها، ثم قرر الشاب أن يحمل سلاحا بمعسكرات الفدائيين الفلسطينيين السورية، لكنه سرعان ما طُرد بعد شهرين فقط، فلم يكن على أتم الاستعداد لهذه المهمة، أو هكذا أخبروه، وهو الطرد الذي سيشكل حياة الشاب فيما بعد وسيعني فراقا بينه وبين السلاح للأبد.

        

      

رحل عباس إلى الدوحة أواخر الخمسينيات موظفا هذه المرة بشؤون الموظفين في وزارة التربية والتعليم القطرية، وأمام شبكة واسعة من اللاجئين الفلسطينيين في الخارج وجد نفسه ناشطا بينهم، وفي الدوحة نجح عباس أن ينخرط في فكرة مُقاومة، ولكن من منظوره الشخصي السياسي، ليصبح واحدا من رفاق عرفات الذي نجح في تجنيده ليكون أحد الآباء المؤسسين لحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتـح"، وبدوره قام عباس بتجنيد مجموعة من أبرز قيادات الحركة بعد ذلك (4).

   

بدأت رحلة عباس السياسية منذ منتصف الستينيات داخل أكبر فصائل منظمة التحرير، حيث ظهرت حركة "فتح" داخل المنظمة تحت قيادة عرفات ورفاقه منذ عام 1965 بشكل علني، وبحلول عام 1969 ترقت الحركة في سُلم منظمة التحرير لتتولى القيادة التنفيذية لها، وفيما كان عباس يترقى في "فتح" كأحد أعضاء اللجنة المركزية لفتح مرافقا لها في نسخها بالأردن ولبنان وتونس، لم يُخْفِ عباس وقتها انبهاره بعرفات في البدايات، لكن هذا الإعجاب انقلب بالتدريج إلى تحدٍّ وصراع مكتوم انفجر بعد 35 عاما بين الرجلين بعدما شغلا موقعين لم يخطرا ببالهما يوما، تحدٍّ وصراع بين رئيس الدولة الفلسطينية ورئيس وزرائه.

   

خلال فترة الستينيات والسبعينيات خاضت منظمة التحرير أشرس معاركها مع الاحتلال الإسرائيلي تارة ومع أنظمة عربية تارة أخرى، بين اغتيالات وتصفيات وانتقالات بين العواصم هربا واحتضانا، وبينما كانت الدماء تسيل من أجساد رفاق عباس والرصاص يتطاير من فوق الرؤوس في أحداث أيلول الأسود، كان الشاب الفلسطيني يفكر بمشروعات لـ "السلام"، خاصة وأنه رأى على هامش المعارك اعترافا عربيا بمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1974، وبعدها بأسبوعين فقط، استقبلت الأمم المتحدة ياسر عرفات معترفة بمنظمة التحرير، ومانحة إياها صفة "مراقب" فيها، في سابقة هي الأولى من نوعها، أن تحظى حركة تحرر وطني بهذه الصفة من العضوية (5).

   

لم ينخرط عباس كثيرا في المعارك وفضّل البقاء على الهامش، مؤمنا أن هذا الهامش هو مجال عمله، ومن هنا بدأ العمل في كواليس منظمته ناثرا فيها أحاديثه عن السلام سرا، في وقت بلغ فيه الرأي العام العربي والفلسطيني ذروته بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول مع إسرائيل، وبينما كان يحشد أبو مازن الدعم لمنظمته خلال عقد السبعينيات، فإنه وبالتوازي، كان يحشد دعما لفكرة الاعتراف بإسرائيل. حينها، لم يخذل السياق العربي أفكاره، حيث انطلق السادات عام 1977 نحو الكنيست الإسرائيلي لإلقاء خطاب أسس من خلاله لشرعية تناسب طموحات الفلسطيني المخضرم تماما.

      

  

في العام ذاته، بدأ أبو مازن حوارا مع الجماعات اليهودية والإسرائيلية اليسارية قبل طرح فكرة المفاوضات الرسمية بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وفي يناير/كانون الثاني من عام 1977، وصل إلى مبتغاه مقنعا حركته التي أرهقتها الحرب أن تدخل مفاوضات قادها بنفسه مع الجنرال الإسرائيلي "متتياهو بيليد"، وهي مفاوضات أصبح بموجبها حل الدولتين أساس ما عُرف بـ "مبادئ السلام" التي تفاوض عباس عليها. لقد نجح أبو مازن أخيرا في جر الفلسطينيين وحركة تحريرهم الأولى وقتها إلى منظوره الشخصي الذي خاض به الصراع مبكرا، وهو منظور وجد فيه الإسرائيليون على الأرجح بغيتهم، وأجادوا كعادتهم استغلاله، موثقين علاقاتهم بالشاب الذي ساهم في إقناع عرفات ورفاقه بضرورة الجلوس على طاولة المفاوضات، خاصة عندما جاءت لحظة الحصار الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1982، وآتت جهود أبو مازن أُكلها حين بدأ أعضاء منظمة التحرير يشيرون صراحة إلى أنهم قد يقبلون اقتراح حل الدولتين في سبيل كسر حصار الاحتلال عليها (6).

   

على مدار اثني عشر عاما -من 1982 إلى عام 1994- شهدت الأراضي المحتلة منحنى صعود عباس عراب المفاوضات والسلام، فترة شهدت تصفية صقور المنظمة بعد اغتيال اثنين من أهم رجالات عرفات العسكريين والأمنيين بحركة فتح، خليل الوزير وصلاح خلف، في وقت كان عباس ينادي فيه بفلسفته الرائجة ببطء بضرورة البدء في محادثات مع الإسرائيليين عبر قنوات خلفية، وهي فترة بدأ انتقاله فيها إلى موقع أقرب لعرفات بشكل شخصي، واضعا برنامجه على الطاولة الفلسطينية الرسمية بالتدريج ليصبح فيما بعد هو برنامج عمل منظمة التحرير بشكل راسخ.

   

السراب

بعدما أصبح أبو مازن الرجل الثاني بعد عرفات، وضع أجندة التفاوض وترأس وفد المفاوضات مع الإسرائيليين بشكل سري، وهي لحظة شهدت انتصاره الجزئي على عرفات بقبول المنظمة بقراري الأمم المتحدة 242 و338 أو ضمنا ما عُرف بـ "حل الدولتين"، وهو ما عنى الإجهاز على خيار المقاومة المسلحة بشكل رسمي، بينما سار في هندسة مسار دبلوماسي إقليمي مختلف عن أجندة عرفات أيضا، فكان أول مسؤول في منظمة التحرير يزور الرياض بعد حرب الخليج في يناير/كانون الثاني عام 1993، معتذرا للخليج عن موقف المنظمة خلال الأزمة.

  

كانت طبخة أبو مازن مع الإسرائيليين قد نضجت إلى حد كبير، ومن خلال مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، عمل عباس على التنسيق الكامل لعملية التفاوض، مخاطرا بحياته بسبب دفاعه المستميت عن المفاوضات أمام جماعات منشقة عن المنظمة رفضت هذا الحل، وصولا بعدها بعامين عندما اصطحبه عرفات إلى واشنطن للتوقيع بدلا منه على اتفاقية أوسلو بصفته أمين سر اللجنة التنفيذية، ومنذ ذلك الحين لم يخلُ أي اتفاق بين الإسرائيليين والفلسطينيين من توقيع أبو مازن، حيث كان من الموقعين على الاتفاق الانتقالي الذي تم تبنيه في سبتمبر/أيلول عام 1995 بعد إنشاء السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية بعام واحد، والتي هندس عباس مساحات حكمها مع الإسرائيليين في الضفة الغربية وقطاع غزة، بتنسيق أمني كامل بين الطرفين، تنسيق أصبح مقدسا بعد ذلك لدى عباس أكثر من الإسرائيليين أنفسهم على ما يبدو(7).

      

   

حملت السلطة الفلسطينية الناشئة توجهات عكس المأمول منها تماما، ورغم كثرة الاتفاقات، لم يفلح عباس سوى في إقامة أجهزة السلطة الفلسطينية التي تنسق مع الاحتلال، ولم ينجح في استعادة الأرض كما وعد في منظوره عن السلام، وتنصلت إسرائيل كما هو متوقع من اتفاقية تلو أخرى، وبدا كأن تل أبيب قد تخلصت من أعباء إدارة الاحتلال لصالح كانتونات إدارية فلسطينية هشة تُعفيهم من أي تكاليف حقيقية، وسط نمو لشريحة رجال سلطة من سياسيين ورجال أعمال حامت حولهم شبهات فساد ما زالت مستمرة حتى الآن.

  

وفي وقت أدرك فيه عرفات فداحة ما بعد أوسلو، أيّد الانتفاضة عام 2000 تحت ضغط شعبي، لتجتاح قوات الاحتلال كافة مقرات أجهزته الأمنية محاصرة إياه (8)، لكن أبو مازن وبشكل غير تقليدي كان مُصِرًّا على مطاردة سراب "الدبلوماسية الإسرائيلية الأليفة"، ورفض الانتفاضة الفلسطينية ووقف ضدها متهما عرفات بـ "ممارسة استبداد في اتخاذ القرارات كرئيس للسلطة". وفي وقت آخر كان ذلك كفيلا بإخراجه من دوائر التأثير الفلسطينية كاملة، لكن الرجل -المقرب قلبا من إسرائيل- قد نجح في كسب مساحات دولية وإقليمية شكّلت ضغطا على عرفات لتسميته رئيسا لوزراء فلسطين عام 2003.

  

كان أبو مازن دائما أضعف من عرفات، حتى في أوج قوته، فلم يكن يملك كاريزما عرفات كونه الرجل الأول في الشارع الفلسطيني وقتها، ولم يُراهن على عباس كثيرا أيضا، بينما تمثل الفارق الرئيس بينهما في أن عرفات كانت لديه القدرة دائما على اتخاذ قرار السلام مع إسرائيل وتفعيله حتى وإن لم يكن عن قناعة كاملة، بينما كان لدى عباس رغبة دائمة في اتخاذ القرار دون وجود أي قوة شعبية وراءه لتنفيذه بشكل فعلي، لذا لم يدم عباس في منصبه سوى أربعة أشهر فقط حتى ذاعت خلافاته مع عرفات حول صلاحيات السيطرة على أجهزة الأمن تحديدا، ليضطر للاستقالة سريعا، وهو ما دفع عرفات إلى الإتيان بالبديل الجاهز دائما "أحمد قريع"، لكن هذه المرة كان عباس أقدر على المواجهة من بداياته، لكن القدر لم يمهل الفلسطينيين لمشاهدة هذه المعركة، ولم يمهل عرفات أيضا.

        

  

الرئيس

حسم الموت خلافات عباس مع عرفات ليتوفى الثاني عام 2004، وليعيّن عباس بعدها رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية، وفي يناير/كانون الثاني عام 2005 انتُخب رئيسا جديدا للسلطة الفلسطينية، بادئا ولايته كعادته بما أسماه "ضرورة إنهاء فصائل المقاومة العنيفة تجاه إسرائيل"، وكعادة الزعماء العرب في مستهل فترات الرئاسة، أعلن أبو مازن أنه لن يسعى لإعادة انتخابه في نهاية فترة رئاسته البالغة أربع سنوات، قائلا لوسائل الإعلام الفلسطينية: "سأكمل فقط السنوات الثلاث الباقية في منصبي، ولن أجدد مرة أخرى"، ليجدد حتى بعد انتهاء مدته الدستورية، وليمكث على كرسيه 13 عاما حتى الآن.

  

استمر عباس في ملاحقة سراب السلام الدافئ، فظهرت أجندته في أشهرها الأولى هادفة إلى فتح فصل جديد في العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية، لكنه اصطدم بأجندة أخرى فرضتها الانقسامات الحادة داخل "فتح"، وكذلك دخول حركة المقاومة الإسلامية "حماس" على خط المنافسة السياسية في انتخابات عام 2006، ففي يناير/كانون الثاني من العام المذكور، أجرت السلطة الفلسطينية انتخابات عامة شاركت فيها حماس وفتح لأول مرة، فازت حماس في الانتخابات بفارق كبير حيث حصلت على 76 مقعدا من مقاعد البرلمان الفلسطيني البالغ عددها 132 مقعدا، وبعد فوز حركة مقاومة بأغلبية مقاعد البرلمان الفلسطيني أوقفت إسرائيل والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والعديد من الدول الغربية والدول العربية جميع المساعدات الخارجية للسلطة الفلسطينية.

   

جراء ذلك، فشل طموح عباس باستجلاب دعم خارجي سخي في ولايته الأولى، بعد أن تعهدت الولايات المتحدة قبيل الانتخابات بتقديم 350 مليون دولار من المساعدات للفلسطينيين للمدارس والمستشفيات والمرافق الأمنية، ورغم وقف تلك المساعدات، كانت حماس لا تزال قادرة على توفير الاحتياجات الأساسية للسكان الفلسطينيين بعد أن اختاروها طواعية، لكن الأمر لم يستغرق كثيرا حتى بدأ عباس في مواجهة رئيس الوزراء الحمساوي إسماعيل هنية، ثم انتقلت المواجهة إلى الشارع سريعا بعد تشكيل حكومة وفاق وطنية لم تدم طويلا هي الأخرى، لتسيطر حماس بعدها على غزة بالكامل بعد مواجهات مع أمن القطاع الفتحاوي وقتها، بينما أعلن أبو مازن حالة الطوارئ وشكّل حكومته برئاسة "سلام فياض" وبدعم إسرائيلي أميركي.

   

على الأرجح فإن عباس قد رأى أن سلطته في خطر بعدما انحسرت في الضفة، فشرع في بناء كيانه الاستبدادي الخاص في هذا الحيز الضيق خوفا من حماس، وظهرت تقارير أكدت أن عباس كان يقوم بالتنصت على آلاف الفلسطينيين بمساعدة الاستخبارات الفلسطينية (9)، ومع اشتداد أزمته الداخلية مع جناح محمد دحلان، وخلال عام 2008 حاول عباس استعادة ثقة الإسرائيليين كهواية مفضلة عبر لقاءات عدة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت، لكنها لقاءات لم تسفر عن شيء بحال، مع ازدياد الشقاق الداخلي في حركة فتح عاما تلو الآخر مع جبهة دحلان تحديدا، ليقضي على رأسها بشكل مباشر عبر تحريك قضايا فساد ضد دحلان، ليفرّ الأخير إلى الإمارات.

      

  

كانت مزاعم الفساد ضد السلطة الفلسطينية ثابتة منذ إنشائها، ففي عام 1997 ذكرت وكالة أسوشيتد برس أن تقريرا إداريا فلسطينيا كشف أن 326 مليون دولار من ميزانية السلطة الفلسطينية -البالغة نحو 800 مليون دولار- قد تم تبديدها عام 1996 من خلال الفساد أو سوء الإدارة، وازدادت هذه المزاعم مع تولي محمود عباس للسلطة وظهور أسماء أبنائه كرجال أعمال على هامشها، بالتزامن مع تعيين عباس لصديقه "رفيق النتشة" رئيسا لقسم مكافحة الفساد في السلطة الفلسطينية للمرة الثانية، خلافا للقانون الفلسطيني واللوائح الداخلية لإدارة مكافحة الفساد التي لا يسمح لرئيسها بالبقاء في منصبه بعد انتهاء فترة ولايته.

  

شهدت رئاسة عباس أيضا وحتى الآن قوانين مقيدة لحرية الصحافة، وأخرى قوّضت السلطة القضائية بعدما شكّل محكمة دستورية مطيعة لإرادته، وكانت هذه وسيلة مثلى للتحايل على المحكمة العليا، ورَفع الحصانة عن العديد من أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني الذي لم ينعقد لأكثر من عقد من الزمان، وكانت هذه المناورة موجهة ضد منافسه السياسي اللدود محمد دحلان (10).

 

بعد تلاعبه بالاتفاق الأخير مع "حماس" وتطبيق أجندة عدم تنفيذ اتفاقات مشابهة للأساليب الإسرائيلية(11)، يرقص عباس رقصته الأخيرة على الأرجح في ظل هرمه وزياراته المتكررة للمستشفيات الفلسطينية(12)، محاولا ترتيب البيت من الداخل قبل رحيل منتظر ومرجح، بلا ظرف إقليمي مواتٍ لذلك(13)، فيسعى للاشتباك في الأمم المتحدة، ثم يطلب الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية، ويهدد بالانسحاب من أوسلو، ولكنه في الوقت نفسه يحضر جنازة رجل الدولة الإسرائيلي "شيمون بيريز" ويصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بحرارة، ليصطدم بعدها بواقع نقل السفارة الأميركية للقدس، فيحاول المراوغة مجددا بورقة غزة وحماس بلا نتيجة تذكر سوى مزيد من الاضطراب، وفي كل ذلك، وفي مناخ لا يوضح ماهية خليفته المنتظر ومستقبل سرابه الدائم، فإن فلسطين تشهد على الأرجح غياب شمس رجل التنسيق الأمني الأول في طريق بلا رجعة (14).

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار