اغلاق
آخر تحديث: 2018/5/31 الساعة 17:09 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/17 هـ

انضم إلينا
كيف ساهمت الحرب الباردة بنشأة التيارات الراديكالية بمصر وإيران؟

كيف ساهمت الحرب الباردة بنشأة التيارات الراديكالية بمصر وإيران؟

E-International Relations

موقع أكاديمي سياسي
  • ض
  • ض
في السنوات الأخيرة، حلل عدد متزايد من الباحثين أحداث الحرب الباردة من خلال عدسة متداخلة؛ فبدلا من التركيز على أحداث الصراع نفسه، بدأ العلماء "يفهمون الصراع من خلال دراسة كيف جرت أحداثه في المحيط الخارجي"، والشرق الأوسط هو واحد من هذه المناطق الخارجية. 

 
ورغم عدم وجود صراعات ساخنة مرئية بين القوى العظمى في المنطقة، فإن نظرة فاحصة على السياسات الخارجية لكل من الولايات المتحدة وروسيا السوفيتية تجاه الشرق الأوسط تظهر أن العديد من المعارك الدبلوماسية كانت تدور رحاها لتطحن معها المنطقة. يوضح هذا التقرير العلاقة بين اللاعبين الإقليميين في الشرق الأوسط والقوى العظمى، ويحاجج بأن، بغض النظر عن طبيعة العلاقات، المواجهة بين القوى العظمى تركت وراءها إرثا عميقا في الشرق الأوسط على شكل امتدادات شائعة للتيارات الإسلامية الراديكالية.

   

بعد تعريف مصطلح "الإسلاموية" سننظر إلى ثلاثة أجزاء؛ أولا تجربة مصر مع الحرب الباردة، وتحديدا حرب عام 1967 وما تلاها من أحداث، وعلاقتها بالقوى العظمى. ثانيا، تطور اتجاه جديد لتيارات الإسلام المتطرف وهو الجهادية العالمية التي تحركت من المملكة العربية السعودية وصولا إلى أفغانستان، ويزعم أن سبب ظهورها يرجع إلى حد كبير إلى الحرب بالوكالة التي خاضتها القوى العظمى. وثالثا، تطور الظروف التي أدت إلى الثورة الإسلامية في إيران، التي يقال إنها نجمت عن دعم الولايات المتحدة الثابت لنظام الشاه الملكي الاستبدادي.

 

وحيث لاحظت الباحثة النرويجية ميريام سورلي في كتابها "لا شيء في الإسلام بحد ذاته يؤدي إلى نمو الإسلام الراديكالي السياسي"، فإن من الضروري النظر إلى العوامل الخارجية لفهم سبب صعوده بشكل أفضل. ولذا فرغم أن تيارات الإسلام الراديكالي لم تظهر باعتبارها نتيجة مواجهات القوى العظمى، فإنها قد تأثرت بشدة من تنافس الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة.
   

الثورة الإسلامية في إيران (مواقع التواصل الاجتماعي)

   

قبل أي شيء يجدر بنا تقديم تعريف لمصطلح "الإسلاموية". فبشكل فضفاض، يُعرف بأنه من يعتقد أن "الإسلام يجب أن يرشد الحياة الاجتماعية والسياسية وكذلك الحياة الشخصية"، وأنه لا يلعب دورا مهما بما فيه الكفاية إذا ما انحصر في كونه اعتقادا روحيا فحسب. ومع ذلك فإننا سنتناول هنا نسخة أكثر دقة من الإسلاموية، وهي تلك التي تُعدّ "نقدا أيديولوجيا للدولة العلمانية في الشرق الأوسط"، حيث إن هدفها الأساسي هو "التخلص، أو الحدّ على الأقل، من التأثير الغربي [أو الشرقي]"، وهي التي تسعى إلى تغيير فوري للوضع العالمي الراهن، فيما يوصف الآن باسم الإسلام المتطرف، وكان هذا الاتجاه هو الأكثر تأثرا بالحرب الباردة.
    

مصر والحرب الباردة

بتتبع تجربة الإسلاموية في مصر على مدى ثلاثة عقود من الحرب الباردة، يمكننا فهم العلاقات التي جمعت بين مصر وكل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. ومع ذلك، فإن مد وجزر تأثير القوة العظمى، رغم أنه لم يتفاعل بشكل مباشر مع الاتجاه الإسلامي فإنه غذى بلا شك الظروف التي ازدهر فيها. فعندما اكتسحت حركة الضباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر السلطة عام 1952، تغيرت الساحة السياسية في مصر، ومعها عملية تطرف العلمانية التي أثرت على مصر وكذلك العالم العربي.

  

وكان التحالف مع زعيم مؤثر مثل قائد القومية العربية عبد الناصر أمرا مرغوبا لكلا القوتين العظميين. ما عنى حينها أنه إذا ظفر كلاهما بولائه، فإنهما سيملكان الهيمنة المطلقة على الشرق الأوسط. وقد عزز ناصر أكثر العلاقات تعقيدا مع القوى العظمى، وفي الواقع، أشار فريد هاليداي، الباحث البارز في العلاقات الدولية، أنه كان الرجل الذي "جلب الحرب الباردة إلى قلب العالم العربي" كما نوضح فيما يلي.

 

في عام 1954، بدأت خطط بناء السد العالي في أسوان بالتبلور، وسارعت كلتا القوتين العظميين إلى إثبات أنهما سيقدمان الدعم المالي للمشروع الضخم، ولكن لم يكن ذلك كافيا بالنسبة إلى ناصر، حيث أدرك أنه من خلال لعب القوى العظمى ضد بعضها البعض، يمكن لمصر أن تضمن الحصول على كميات ضخمة من المساعدات من كل منهما (ولم يكن يعني بذلك المساعدات المالية فقط).

             

   

وهكذا قام بدمج طموحاته العسكرية في عملية المساومة، ولكن بعد أن فشل في كسب الدعم الأميركي، لجأ إلى السوفييت. وفي عام 1955، أكمل صفقة الأسلحة التشيكية، وهي اللحظة التي أربكت إدارة أيزنهاور وأظهرت أن مصر لن تكون حليفا مباشرا لأي من الدولتين. وفي العام التالي، احتل ناصر صدارة السياسة في الشرق الأوسط، وأصبح رمزا لنجاح النظام الوطني العلماني بعد انتصاره على البريطانيين والفرنسيين والإسرائيليين خلال أزمة السويس (العدوان الثلاثي).

يؤكد د. عديد دويشا عالم السياسة أن أيزنهاور تمسك بمصر خلال الأزمة لأنه كان يخشى من أن يؤدي التحالف مع إسرائيل في هذه المرحلة إلى "دفع المجموعات القومية نحو الاتحاد السوفيتي"، رغم أنه من المحتمل أن يكون السبب هو السعي إلى تقويض الموقف البريطاني في الشرق الأوسط للحصول على نفوذ أكبر على احتياطيات النفط في المنطقة.
  
في عام 1954، أثارت محاولة لاغتيال ناصر عرفت باسم "حادث المنشية" اضطهادا وحشيا لجماعة الإخوان المسلمين. وفي هذا السياق، تم تصديرعقيدة الإخوان المسلمين إلى المملكة العربية السعودية، حيث لجأ الكثيرون إليها آنذاك. كانت الحاجة إلى معلمين مؤهلين، والانفتاح السعودي [تجاه التطور السياسي الإسلامي] تحت حكم الملك خالد يعني أن الإسلاميين المصريين سوف ينتقلون من قوة إلى قوة. ورغم أنه لم يكن للحرب الباردة أي تأثير على تجربة الإخوان في عهد عبد الناصر، فمن الضروري ذكرها بسبب التأثير العميق الذي تركته على الإسلام السياسي في المملكة العربية السعودية، وهو ما سنذكره لاحقا.
   
وكانت تلك اللحظات الفاصلة خلال فترة حكم عبد الناصر جزءا لا يتجزأ من صعود الإسلاموية المصرية، رغم أنها قد لا تبدو في البداية كذلك. إن تصور عبد الناصر باعتباره زعيما للعرب وشعبية القومية العربية العلمانية قد مهدا الطريق لسقوط عظيم لم يؤثرعلى مكانة عبد الناصر فحسب، بل دمر أيديولوجيته القومية كذلك، وهو ما حدث في حرب الأيام الستة (النكسة). وكان للقوى العظمى دور مهم في الفترة التي تسبق حرب 1967، حيث كان اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية والولايات المتحدة الأميركية هما من وفّرا الوسائل العسكرية للطرفين في الحرب بهذا القدر الهائل. وبغض النظر عن سياسات عبد الناصر المناهضة للشيوعية -والتي يدّعي عالم السياسة مالك مفتي أنها "كانت لإرضاء الولايات المتحدة"- بدأت مياه علاقات الولايات المتحدة مع مصر تتعكر منذ عام 1963.
       

  

خشيت الولايات المتحدة من أن سياسات ناصر الاشتراكية "قد فتحت الباب أمام السوفييت في المنطقة" وبالتالي بدأت "عملية التفكك التي لا يمكن احتواؤها". في الوقت نفسه، بدأت الولايات المتحدة بتحسين علاقتها مع إسرائيل، والتي "بدت متأخرة في سباق التسلح؛ فزادت المساعدات إليها بشكل كبير خلال السنوات القليلة التالية (في 1963 تلقت إسرائيل 44.2 مليون دولار المساعدة العسكرية الأميركية، مقارنة بمبلغ 995.3 مليون دولار في عام 1968)[1] . في هذه الأثناء، كان العالم العربي يحصل على كميات ضخمة من المساعدات العسكرية والتدريب من اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية (الاتحاد السوفيتي).

 

وهكذا، كانت حرب عام 1967 حربا بالوكالة، رغم أنه لم يكن بإمكان أي قوة عظمى أن تتجنب وقوعها. كان ذلك يعود إلى مبالغة ناصر في تقدير قوته وسعيه إلى "حل سريع آخر لإعادته إلى مجده السابق". وكان قد تم إيهامه بشعور زائف بالثقة في "الدعم النشط والواسع" للاتحاد السوفيتي والذي لم يوجد في أي مكان آخر، عندما أعلن في مايو/أيار 1967 قائلا: "إن هدفنا الأساسي هو تدمير إسرائيل، الشعب العربي يريد القتال".

 

كانت نتيجة الحرب كارثية على القومية العربية، ففي حين كان ينظر إليه في الغرب على أنه "انتصار للوكيل الأميركي على وكيل السوفييت"، كان ينظر إليه في الشرق الأوسط باعتباره رمزا لأكبر فشل للقومية العربية. وسعى العديد من المصريين إلى إيجاد بديل فوري، لذلك انضموا إلى صفوف الإسلاميين، الذين اعتبروا حرب 1967 بمنزلة "عقاب للثقة التي وضعت في غير مكانها وهو الوعد بالأيديولوجيات الغريبة". 

   

وحل أنور السادات محل ناصر بعد وفاته عام 1970، وتحت حكمه ازدادت شعبية الإسلاموية بسبب نتائج حرب أكتوبر/تشرين الأول عام 1973 التي كانت في صالح مصر ولكنها لم تكن كذلك بالنسبة إلى القوميين العرب، وهي حلقة أخرى فاقمت فيها المساعدات العسكرية للقوة العظمى من الصراع العنيف. وفي هذه المرحلة، لم تكن لدى القوتين العظميين خيار سوى تسليم سلاح لعملائها.
         

  

في الوقت الذي كان فيه الإحساس السائد بالإذلال الذي نشأ في أعقاب حروب مصر مع إسرائيل عاملا رئيسيا أدى إلى صعود الإسلاموية، فإنه لم يكن العامل الوحيد. شجع السادات أسلمة المجتمع في محاولة لموازنة قاعدته الضعيفة في السلطة بين الناصريين وافتقاره إلى الشعبية القومية، فمنح عفوا رئاسيا لعدد كبير من الإخوان المسلمين المحبوسين في السجون، وأصبح الإسلام دين الدولة والشريعة مصدر التشريع فيها.

  

في محاولة لتأمين الولاء الإسلامي، كان السادات قد تخلى فعليا عن "احتكار الدولة للأيديولوجية". كما أشار جيمس توث إلى التخلف الاقتصادي والظروف الاجتماعية الاقتصادية السيئة التي جاءت نتيجة لعملية السادات للتنسيق الاقتصادي مع الغرب (الانفتاح) باعتبارها التي ولدت الإسلاموية المعاصرة". كانت نقطة التحول الأخرى في رئاسة السادات هي السلام بين مصر وإسرائيل، وهو ثمرة مفاوضات كامب ديفيد عام 1979. فسر الكثيرون هذه الخطوة على أنها "إهانة من عدو صغير مقيت وترسيخ للاعتماد على القوى الغربية"، وهكذا منحت الإسلاموية قوة دافعة جديدة، وظل الحدث غير قابل للغفران، وأدى في النهاية إلى اغتيال السادات من قِبَل الجماعة الأصولية تنظيم الجهاد في عام 1981.

  

لذا إلى أي مدى تأثرت الحركة الإسلامية بمواجهة الحرب الباردة؟ يجادل هاليداي بأن أي تطور واكب هذه الأيدولوجية لم يكن "يعتمد بشكل مركزي على الحرب الباردة"، ووافقه عالم السياسة عديد دويشا، مشيرا إلى أن التغييرات الرئيسية "لم يكن لها علاقة بالحرب الباردة". لم تكن شعبية ناصر نتاج الحرب الباردة بلا شك، بل كانت ردة فعل على التجربة الاستعمارية في الشرق الأوسط، وهو أمر من شأنه أن يأسر خيال الجماهير في كافة أنحاء المنطقة بعد أزمة السويس عام 1956، وهي النقطة التي تم فيها استيراد الحرب الباردة إلى العالم العربي. من هذه اللحظة، لعبت الدولتان العظميان دورا كبيرا في التنمية الاقتصادية والعسكرية في المنطقة.

  

على الرغم من أن حرب عام 1967 كانت نتيجة للقوى المتجذرة في الشرق الأوسط، فإنها لم تكن لتحدث لو لم "تثر الدول العظمى سباق التسلح" في محاولة لتحقيق الهيمنة الإقليمية. وخلقت مشاركة الدول العظمى هالة من المناعة ضد إسرائيل، وهالة من الضعف والإهانة العميقين للعرب، الذين كانوا "يلومون أنفسهم وقادتهم" ويتحولون في النهاية إلى الإسلام السياسي باعتباره ترياقا لعلاجهم. إن السعي وراء الهيمنة الأحادية الجانب التي تشارك فيها كلتا القوتين العظميين "كان تذكيرا دائما بعدم التمكين العربي"، كما أنها أرست أرضا خصبة لحركة إسلامية سعت إلى قطع هذه الروابط "الإمبريالية الجديدة" المدمرة.
          

      

ميلاد الجهادية العالمية: الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وأفغانستان

خلال الحرب الباردة، كان الإسلام "جزءا مهما من الترسانة الأيديولوجية الأميركية" في الحرب ضد الشيوعية، بسبب رفضها مبدأ الإلحاد. لكن هذه الأداة لم تعرف تسخيرا مباشرا حتى نشر الجيش الأحمر في أفغانستان في الأيام الأخيرة من عام 1979. ومع ذلك، من المهم أولا أن نرى كيف شجعت الولايات المتحدة تنمية الإسلام كشكل من أشكال المقاومة المعادية للشيوعية في العقود التي سبقت الحرب الأفغانية السوفيتية.

    

بالنسبة إلى الجزء الكبير من النصف الثاني من القرن العشرين، كانت الكتلة الغربية تنظر إلى الإسلاموية نظرة استحسان باعتبارها ثقلا موازنا للاشتراكية العربية، التي بدأ الغرب يخشاها خلال ذروة عبد الناصر (اعتبر وزير خارجية أيزنهاور جون فوستر أن سوريا ومصر مغفلان شيوعيان). ولهذا السبب، فإن الممالك الموالية للغرب مثل المملكة العربية السعودية كانت مدعومة بقوة من الولايات المتحدة. كان للنظام السعودي ميزة إضافية لما وصفه عالم السياسة بيتر ماندافيلي "بالانتشار الديني": يمكن للمملكة العربية السعودية الموالية لأميركا، التي تروج للفصائل الإسلامية المناهضة للملحدين من جميع أنحاء العالم، أن تعمل في الوقت نفسه باعتبارها حائطا مانعا لانتشار الأفكار الشيوعية بين المسلمين.

  

وهكذا، فإن الحرب الباردة العربية، التي كانت فيها الدول القومية الاشتراكية المدعومة من السوفيتي مثل مصر وسوريا تتنافس ضد ممالك محافظة مدعومة من الكتلة الغربية مثل المملكة العربية السعودية والأردن، أصبحت حربا واسعة للوكلاء. ويقدم هاليداي ملاحظة مثيرة للاهتمام حين يقول إن الأحداث في العالم العربي الأوسع في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين تشبه تلك التي كانت تحدث في إيران؛ تأثير دولة علمانية حديثة [عبد الناصرالمدعوم من السوفييت] قوبل بمقاومة إسلامية صاعدة يدعمها الغرب، الذي لم يكن يعتبر الإسلاموية تهديدا بعد.

  

استخدام الولايات المتحدة المباشر للإسلام لضرب الشيوعية

أصبحت هذه الأحداث هي أبرز حالات المواجهة بين القوى العظمى ذات التأثير المباشر على الاتجاه الإسلاموي. في ديسمبر/كانون الأول عام 1979، طلب النظام الشيوعي المحاصر في كابول نشر الجيش الأحمر في أفغانستان. لكن هذا الطلب قوبل بالتجاهل في البداية في أبريل/نيسان 1979، وأصبحت الحكومة الأفغانية، خلال الفترة المتبقية من العام، أكثر إلحاحا وبؤسا في طلباتها للحصول على مساعدات عسكرية لإخماد التمرد الذي يقوده الإسلاميون والذي كان يكتسب زخما منذ الإطاحة العنيفة بمحمد داود خان رئيس أفغانستان في عام 1978.

       

بعد مدة قصيرة على اغتيال حفيظ الله أمين الذي تولى لفترة قصيرة بعد محمد داوود خان والذي كان بداية علامات الاستقلال عن موسكو، استبدل بـ "حصان طروادة" السوفيتي بابراك كارمال عام 1979، ونُشر الجيش الأحمر في أفغانستان لقمع بقية التمرد.

  

وكان الدافع وراء هذا النشر مثيرا للجدل، حيث يشير الصحفي روبرت فيسك إلى أنه في ذلك الوقت كان الفكر السائد هو أن نشر الجيش كان بسبب الرغبات التوسعية للاتحاد السوفيتي المريض. اقترح المؤرخ الأميركي أندرو هارتمان العكس من ذلك، وأن الاتحاد السوفيتي تدخل في أفغانستان لأنه "خشي من انتشار هذه الظاهرة [الأصولية الإسلامية] في جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية في الاتحاد السوفيتي"، وما تلاها من عدم استقرار.  وكان ذلك تهديدا حقيقيا في ضوء المكاسب العظيمة التي حققتها الإسلاموية في عام 1970 والنجاح الأخير للثورة الإيرانية. وبغض النظر عن دافع الانتشار، أكان التوسع السوفيتي أم محاولة الحفاظ على الوضع الراهن، فإن ما لا يقل عن 85 ألف جندي كانوا متمركزين في أفغانستان. أثار هذا رد فعل سريعا من الأميركيين، رغم حقيقة أن أفغانستان لم تظهر على الخريطة السياسية الأميركية حتى عام 1979.

   

        

في محاولة لتقويض النفوذ الإقليمي السوفيتي، أو منعه من النمو، أصبحت الولايات المتحدة تشارك في حرب أخرى بالوكالة. فزادت من دعمها للتمرد الديني المعادي للشيوعية، وبدأت "العملية السرية الأكثر غلاء منذ فيتنام". وقدمت الدعم المالي للمتمردين الإسلاميين، ترددت في البداية في تزويدهم بالأسلحة الأميركية للحفاظ على قدرة الإنكار. وهكذا سخّر الغرب الإسلام، من خلال المملكة العربية السعودية كأداة مضادة للشيوعية، حيث كانت مساهمات السعودية المالية تضاهي مساهمات الولايات المتحدة دولارا بدولار.

     
قامت إدارات كارتر ومن ثم ريغان بتمويل التمرد الإسلامي، وعملت على إحياء تقليد من الجهاد الدفاعي. وزُوِّد المجاهدون، كما أصبحوا يعرفون لاحقا، بالأسلحة، ودُرِّبوا على يد الاستخبارات الباكستانية، التي كانت تعمل بصفتها وكيلا لوكالة المخابرات المركزية الأميركية. وعبر المساعدة والتحريض على التمرد الذي من شأنه أن يساعد في الحد من التهديد الإستراتيجي الذي يفرضه اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية، كانت السعودية قادرة أيضا على شحن وتصدير المعارضة الإسلامية التي كانت تواجهها في ذلك الوقت للنضال المستمر في أفغانستان (وكان أسامة بن لادن بطبيعة الحال من العناصر غير المرغوب فيها).

   

بحلول عام 1985، انضم الآلاف من المقاتلين الأجانب (العرب الأفغان) إلى صفوف إخوانهم في الدين من الأفغان في محاربة الاحتلال السوفيتي، وكان في هذه المرحلة أن "أزالت الولايات المتحدة ورقة التوت عن إنكار دورها"، وبدأت في شحن الأسلحة الغربية إلى أفغانستان. وكان ريغان قد قرر أن كثرة العقبات أمام السوفييت ليس كافيا، فأراد تحقيق الانسحاب الكامل. نجح التمويل الأعمى والترويج المفتوح للتشدد الإسلامي -حيث عملت السي آي إيه على "دمج تدريب العصابات بتعاليم الإسلام"- في النهاية في إجبار الاتحاد السوفيتي على الانسحاب. ومع ذلك، فقد شكلت هذه المرحلة منعطفا خطيرا للغاية داخل الإسلاموية الراديكالية.

 
كان العرب الأفغان ظاهرة نتاج الجهود الباكستانية والسعودية والأميركية. هؤلاء كانوا مجندين من جميع أنحاء العالم الإسلامي (بما في ذلك إندونيسيا) جاءوا إلى أفغانستان لمحاربة القوة التي كان يُنظر إليها على أنها معتدية على العالم الإسلامي، وهي الاتحاد السوفيتي. ورغم أنه من غير المحتمل أن يكون لهم تأثير كبير على نتيجة الحرب الأفغانية السوفيتية، فإن "الجهاد الأفغاني أثر بأكثر من 100 ألف مسلم راديكالي".

 

اعتبر العديد من هؤلاء المتطرفين الحرب تدريبا عسكريا، وجاءوا بنية الاستعداد للجهاد المحلي ضد العدو القريب في بلدانهم. أصبحت المعسكرات التي تدربوا عليها أواني ذوبان عقائدية دمجت فيها كل الأفكار. في الواقع ظهرت العديد من التسميات والأيديولوجيات غير المتوقعة. في هذا السياق وصل أسامة بن لادن إلى أفغانستان، حيث طور عقيدة الجهاد العالمي مع المجاهد الفلسطيني عبد الله عزام، فخلقت مواجهات الحرب الباردة تيارا جديدا من الإسلاموية.
             

   

قبل عام 1980، "كانت كافة الجماعات الإسلامية المتشددة تقاتل من أجل تغيير النظام في بلادها" وكانن هذا الاتجاه يركز على صدّ العدوان الخارجي. وقد وفّرت أفغانستان ساحة معركة للاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة. ومن خلال أسلوب التجربة والدعم المالي والتدريب العسكري، نجحت الولايات المتحدة في طرد السوفييت. وبالفعل، فإن العديد منهم "يدينون بانهيار الاتحاد السوفيتي في نهاية المطاف إلى الحرب السرية مع أفغانستان"، ومع ذلك كان هناك ثمن يجب دفعه مقابل هذا الإنجاز.

   

لم يقم مسلحو أفغانستان بإلقاء أسلحتهم في اللحظة التي انسحب فيها الجيش الأحمر، بل استمر القتال، وتركت أفغانستان في حالة أسوأ مما كانت عليه عندما وصل السوفييت لأول مرة في عام 1979. ووسط هذا الفوضى ظهرت حركة طالبان، وهي حركة كان الأميركيون يدعمونها في البداية، وتوقعوا أن تكون مشابهة لحلفائهم السعوديين. ومع ذلك، فإن حركة طالبان كانت منتج سنوات طويلة من الحروب والهيمنة الأجنبية، وكانت الولايات المتحدة مخطئة. فأصبحت أفغانستان، التي كان الأميركيون يخشون أن تصبح محطة انطلاق للشيوعية، نقطة انطلاق للجهاد في جميع أنحاء العالم بدلا من ذلك.

  

وكانت الحرب الباردة في أفغانستان نقطة تحول للإسلام المتطرف الذي نشأت منه حركة الجهاد العالمي. في الواقع، يؤكد عالم السياسة والأخصائي في شؤون الشرق الأوسط فواز جرجس أنه "من المشكوك فيه أن الجهاد العابر للحدود كان ليتحقق بدون الحرب الأفغانية التي امتدت لفترة طويلة". فوجدت الأيديولوجيات الإسلامية المتشددة التي كانت تروج في معسكرات التدريب طريقها عبر العالم الإسلامي.
  

الإسلاموية في إيران والحرب الباردة

سيكون من الخطأ الادعاء بأن الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 كانت نتيجة مباشرة للتنافس في الحرب الباردة، بل كانت بمنزلة "رفض السكان للهيمنة الأجنبية والحكومة الفاسدة المرتبطة بالأجانب". وكما يشرح هاليداي، فإن السبب في حصول حركة آية الله روح الله الموسوي الخميني على السلطة السياسية في إيران هو التدخل الأجنبي، إلى حد كبير من جانب الأميركيين. وكان التنافس في الحرب الباردة مسؤولا جزئيا عن صعود الإسلاميين الإيرانيين المتطرفين، منذ عام 1953.

   

في أي دراسة تتناول ثورة 1979، يجب على المرء أن يأخذ في الحسبان التأثيرات الدائمة للانقلاب الذي قادته السي آي إيه عام 1953 والذي أطاح برئيس الوزراء القومي محمد مصدق، والذي وصفه المؤرخ الأميركي رشيد الخالدي "بالحالة النموذجية" لفشل القوى الكبرى في تعزيز الديمقراطية. ومع انقلاب 1953 انطلقت القوات التي تسببت، في غضون عقدين ونصف عقد من الزمن، في خلع الشاه محمد رضا بهلوي.

        

     

والنتيجة المباشرة للسرية التي تكتنف الانقلاب هي عدم القدرة على معرفة الدوافع الحقيقية وراءه. تم تحليلها من قِبَل البعض من منظور ثنائية الحرب الباردة، أعلن أيزنهاور بعد فترة وجيزة من خلع مصدق أن "خوف إيران من الشيوعية هو الذي أنقذ الموقف". وقال الصحفي فرهانج جهانبور، في مقالته عام 1984، إن "الخوف من تولي توده [الحزب الشيوعي الإيراني] السلطة، هو ما جعل القوى الغربية تدعم الانقلاب العسكري". ويؤكد تحليل بديل للانقلاب أن مشاركة الولايات المتحدة كانت بسبب المطالب البريطانية بالحفاظ على "السيطرة المطلقة فعليا على إنتاج النفط الإيراني"، إلى جانب بارانويا التوسّع السوفيتي لدى أيزنهاور.

   

قام رئيس الوزراء محمد مصدق بتأميم صناعة النفط التي يهيمن عليها البريطانيون في عام 1951 (وهو حدث معروف باسم أزمة النفط الأنجلو-إيرانية)، والذي شل حركة النفوذ الإمبراطوري في المنطقة وأضعفها اقتصاديا. طلبت بريطانيا مرارا مساعدة واشنطن في إزاحة مصدق، وهي مطالب وقعت في البداية على آذان صماء، لكنها حققت نجاحا أكبر مع الإدارة الجمهورية التي تولت السلطة الأميركية عام 1953.

   

ولخوفه الشديد من التوسع الشيوعي، يقال إن وزير الدولة السابق أيزنهاور كانت له نظرة متزمتة إلى أي تأميم باعتباره خطة طبيعية نحو أهوال الاشتراكية والشيوعية". وبغض النظر عن السبب وراء ذلك، بعد ثمانية أشهر فقط من تنصيب أيزنهاور، أسقطت عملية أميركية بريطانية سرية مصدق، وفي المستقبل المنظور دمرت الديمقراطية الإيرانية.

  

أدت ديناميكية الحرب الباردة إلى عقود من دعم الولايات المتحدة غير المشروطة تقريبا للشاه المعاد تنصيبه. بإرجاعه، اشترى الأميركيون فعليا ولاءه وإدانة الإدارة الإيرانية كدولة عميلة. في إزالة مصدق، أزيل أيضا تهديد السياسة الذي يمكن أن "يقوض التزام الشاه بالغرب". كما أثبت الانقلاب "حبس إيران في نظام تحالف الحرب الباردة"، وهو موقف كان من الصعب المناورة للخروج منه. وسرعان ما أصبح الشاه حليفا للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، رغم أنه كان، مثل العديد من القادة الآخرين في ذلك الوقت، يتعامل مع السوفييت. وكان تأمين النفط الإيراني أساسيا لاستقرار وأمن الحلفاء الغربيين للولايات المتحدة، ولهذا السبب كانت إيران تتلقى الكثير من المساعدات والدعم الدولي، في حين عزز الشاه سلطته تحت ذريعة سحق القوى الشيوعية الهدامة.

   

وفي أعين الغرب، كان الحليف المستقر والموثوق به يتطلب "مركزا قويا". وهكذا، فإن الخوف من قدرة الوكلاء السوفييت على تخريب النظام الملكي للشاه كان يعني أن الغرب كان على استعداد لغض الطرف عن الأنشطة القاتلة للسافاك (SAVAK)، الشرطة السرية الإيرانية الشهيرة. وبمساعدة السافاك، والموافقة الغربية الضمنية، أزال الشاه أي شكل ممكن من أشكال المعارضة السياسية في إيران.
     

عام 1953 عاد الخميني من المنفى بعد سقوط الشاه، وبدأ في ترسيخ سلطته ومتابعة سياسة عدم الانحياز

مواقع التواصل
     

كانت التعددية واحدة من أهم مزايا التنافس في الحرب الباردة، وكان غيابها يعني ظهور المعارضة الإسلامية الراديكالية. وفي الوقت الذي تم فيه إضفاء المزيد من الديمقراطية في الأفق، كان الشاه يبذل جهدا لتحويل الاقتصاد الإيراني وتدعيم توافقه مع الغرب. وكانت الثورة البيضاء لعام 1963 عبارة عن سلسلة من الإصلاحات التي كانت تهدف إلى إضفاء الصبغة الغربية على اقتصاد ومجتمع إيران، ولكنها أدت بدلا من ذلك إلى تفاقم "الضغط المتنامي في علاقات الدولة والمجتمع"، لأن الشاه كان يحاول إصلاح بلاده بسرعة كبيرة.
  
تطورت هذه الضغوط لتصبح معارضة علمانية للسياسات الداخلية للنظام الملكي، والتي أصبحت "المحرك الرئيسي للثورة". وفي السنة نفسها التي شهدت الثورة البيضاء، أدان روح الله الموسوي الخميني خطة النقاط الست للإصلاح، كما أدان حكم الشاه ومبادراته، قائلا إنهم كشفوا إيران أمام اتجاهات التغريب الخطيرة. ووقعت إدانته تلك على الآذان المتعاطفة من الشعب الإيراني، وشعر الشاه بأنه مضطر إلى نفيه إلى العراق لإسكات ما أصبح أحد أقوى أصوات المعارضة. وفي هذه المرحلة أكد الغضب الشعبي أن الخميني زعيم وطني للمعارضة.
  
إن هجوم الخميني على التدخل الأجنبي في السياسات الداخلية لإيران ودعم الغرب للنظام القمعي ضرب وترا حساسا لدى السكان المحرومين، فعبّر عن شكواهم بلغة الإسلام. وهكذا، فإن قاعدته للدعم توسعت بسرعة بعد نفيه. وبدأت الثورة بمظاهرات صغيرة قامت بها الطبقات الوسطى، كانت مظهرا للسخط الاقتصادي، والتي تضخمت تدريجيا إلى احتجاجات أكبر بكثير فيها الطبقات العاملة أيضا. بدأ المتظاهرون، بدافع من رجال الدين المناهضين للنظام، في وضع مطالب سياسية، لا اقتصادية فقط.
       

على الرغم من القمع الوحشي للحكومة انتشرت الانتفاضة على نطاق واسع، وكانت السعادة عند سقوط الشاه في 17 يناير/كانون الثاني 1979 ساحقا للغاية، لدرجة أنه في ذلك الوقت، قارن أحد المراسلين الثورة مع سقوط الباستيل عام 1789 وإطاحة عام 1917 بالقيصر.

   

وبغض النظر عن طبيعة الجهود التي بذلتها الولايات المتحدة وبريطانيا فإنها انهارت عام 1953 عندما عاد الخميني من المنفى بعد أسبوعين من سقوط الشاه، وبدأ في ترسيخ سلطته ومتابعة سياسة عدم الانحياز. وتزعم ما بدأ بوصفه انتفاضة اجتماعية علمانية، ومن نجاحها تشكلت جمهورية إيران الإسلامية. في السنوات التي أعقبت الثورة، أصبحت التعددية السياسية، التي بدت لها فرصة قصيرة، ضحية مرة أخرى للدمج المركزي للسلطة، وهذه المرة تحت حكم الخميني.

      

  

أشارت الحرب الإيرانية العراقية، التي بدأت بعد أمر صدام حسين قواته غزو إيران بعد الثورة في عام 1980، إلى نهاية الحرب الباردة في الشرق الأوسط. وفضلت كل من الولايات المتحدة والسوفييت العراق، خوفا من إمكانية هيمنة إيران الإقليمية، في حرب ثماني السنوات التي مات فيها أكثر من مليون شخص. ومع ذلك فإن النظام الإيراني لم يعترف بالهزيمة، بل احتشد الإيرانيون في وجه التهديد العراقي. وهكذا، ساعدت حرب صدام حسين ودعم الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي له الخميني على تعزيز سلطته وزادت من شرعية أيديولوجيته الراديكالية بعدم الانحياز.

  
ورغم أن التجربة الإيرانية للإسلاموية، مثل مصر، ليست نتيجة مباشرة للتنافس في الحرب الباردة، فإنها تشكلت به. ولعب انقلاب مصدق عام 1953 دورا أساسيا في خلق الظروف التي تزدهر فيها حركة الخميني الإسلامية، ودقت مسمارا في نعش الملكية الإيرانية التي -عبر قمعها- مهدت الطريق لصعود المعارضة الدينية للخميني.

     

كانت الثورة الإسلامية عام 1979، والتي جاءت إلى حد ما استجابة لتراث التدخل الغربي في إيران، نقطة تحول بالنسبة إلى الحركات الإسلامية في الشرق الأوسط. فقد أظهرت أن "الشعب المؤمن يمكنه أن يطيح بأقوى معتدٍ"، وعزز زخمها الأيديولوجي -والوعد بالدعم المالي والعسكري- العديد من الجماعات الإسلامية الناشطة، مثل حزب الله، مما شجعهم على تحويل النظرية إلى واقع عملي.

 

بعد الثورة، واجهت الأنظمة الاستبدادية موجة من الاضطرابات التي يقودها الإسلاميون، وكان على القوى العظمى الداعمة لهم أن تخشاه. في الواقع، يبدو أن دعم هذه القوى للأنظمة "خدم الغرض المعاكس تماما"، وأسهم في خلق عدم الاستقرار عميق الجذور واسع المدى.

  

خلاصة

بعد النظر إلى الحركة الإسلاموية في مصر وأفغانستان وإيران، ثبت أن التنافس بين القوى العظمى كان له تأثير أساسي على نموها وتعميمها. لم يتفاعل هذا التنافس مع الإسلاموية عبر العالم الإسلامي بالطريقة نفسها، ولم يكن تأثيره ثابتا. ومع ذلك، ليس هناك شك في أن التأثيرات الجيوسياسية غير المباشرة للحرب الباردة ساهمت بالتأكيد في ظهور هذه الفروع الثلاثة المتشعبة للإسلاموية الراديكالية.

      

أخرج انقلاب 1953 تجربة إيران الديمقراطية عن مسارها

مواقع التواصل
     

في مصر، كان للقوى العظمى دور مهم للغاية في تحديد المشهد السياسي والاقتصادي الذي فيه سيصبح الإسلام الراديكالي شائعا. ودعم القوة العظمى من كلا الجانبين كان يعني أن نتائج حرب 1967 كانت أكثر ضررا للدول العربية المعنية. وفي أعقاب هذا الفشل الكبير كانت الإسلاموية حلت محل القومية العلمانية. وفي وقت لاحق، أدى التحديث المصري القسري والسلام مع إسرائيل -اللذان شجعهما الغرب- إلى إشعال نيران السخط، مما دفع الكثيرين في نهاية المطاف إلى طريق الإسلام المتطرف الذي ظهر لأول مرة في سجون عبد الناصر.

  

وتقدم تصرفات القوى العظمى في أفغانستان أوضح مثال لتأثير مواجهات الحرب الباردة على صعود الإسلام الراديكالي. إن رد فعل الولايات المتحدة الانتقامي، ورد الفعل الذي شمل تمويل وتدريب الإسلاميين المتشددين، وتشجيع إحياء الجهاد الدفاعي، جاء فقط بسبب ديناميكية الحرب الباردة. وثبت أنه من المفارقات أن أمثال عبد الله عزام وأسامة بن لادن يدينان بالكثير لتنافس القوى العظمى، وخاصة الولايات المتحدة. كما عزز الصراع الأيديولوجيات الرافضة الوليدة التي كان من شأنها أن تعيث فسادا في جميع أنحاء العالم الإسلامي في السنوات التي تلت الانسحاب السوفيتي.

   

قد يتم تحديد الاختلافات بين تجربتي مصر وأفغانستان، لكنه في حالة إيران، يجب على المرء أن يضع في اعتباره أن الإسلاموية الشيعية والسنية تختلف اختلافا جوهريا، لذا فإن المقارنة بين أي منهما وتجربة إيران مهمة صعبة. ومع ذلك، ليس هناك شك في أن الولايات المتحدة، في سعيها للحد من النفوذ السوفيتي في المنطقة، أثرت تأثيرا عميقا على إيران سياسيا واجتماعيا واقتصاديا.
  
أخرج انقلاب 1953 -سواء كان ذلك بسبب خوف أيزنهاور من التوسع السوفيتي أم لا- تجربة إيران الديمقراطية عن مسارها. وفي السنوات التي تلت ذلك، وبغضه الطرف عن سياسات الشاه القمعية، أصبح الغرب بلا مصداقية. وبلغ الاستياء المتضخم من الشعب الإيراني ذروته بالثورة، التي قام بعدها الإسلاميون المتطرفون بالاستيلاء عليها. كان هذا إلى حد كبير لأن الجموع الإيرانية لم ترض بالرأسمالية ولا الشيوعية، نتيجة للعلاقة المضطربة للبلاد مع كليهما في العقود السابقة.
  

يظهر كل ما سبق أن تنافس الحرب الباردة حفّز صعود الحركة الإسلامية الراديكالية. فالدعم غير المشروط للأنظمة الاستبدادية، وإذكاء سباق التسلح الإقليمي، وتشجيع مشاريع التحديث الكبرى التي أدت إلى اقتصادات مستقطبة، والتمويل المباشر للتمرد الإسلامي، ساهمت كلها في صعود الإسلام الراديكالي المتطرف. ولعب كل من السوفييت والولايات المتحدة دورا مهما في تسهيل الظروف التي ظهرت فيها هذه الأيديولوجيات الراديكالية، مع وجود علاقة مباشرة مع أسلاف "القاعدة" رغم إنكارها في البداية. لا يزال تراث الحرب الباردة يتردد صداه في المنطقة اليوم، ولا يحتاج المرء سوى إلى إلقاء نظرة سريعة لرؤية أصداء الصراع.

  

-----------------------

ترجمة (الزهراء جمعة)

الرابط الأصلي

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار