اغلاق
آخر تحديث: 2018/6/11 الساعة 15:07 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/28 هـ

انضم إلينا
"في خدمة الجلاد".. هكذا يمهد الإعلام الأميركي لرصاص الاحتلال

"في خدمة الجلاد".. هكذا يمهد الإعلام الأميركي لرصاص الاحتلال

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
 

عندما تقوم دولة بإطلاق النار على العشرات من أفراد جماعة مضطهدة وهم ينفّذون عصياناً مدنياً، فإنه من الطبيعي أن يشعر المرء بالصدمة، والحزن، والغضب. ولكنك إذا شعرت بأي شيء من هذا القبيل بعد رؤية قمع إسرائيل الوحشي للمتظاهرين الفلسطينيين  في الأيام والأسابيع الماضية، فإن الصحافة السائدة لديها رسالة لك: لا داعي لهذا على الاطلاق!

   

فلقد وصفت هيئة تحرير صحيفة واشنطن بوست الاحتجاجات في غزة - التي حاول خلالها الفلسطينيون عبور السياج الحدودي الفاصل بين غزة وإسرائيل قبل أن ينهال عليهم وابل من الغاز المسيل للدموع والرصاص، الحي والمطاطي على حد سواء - وصفتها على أنها نوع جديد من "الحرب"، زاعمةً أن حماس ترسل "مدنيين فقط بالاسم" لتنفيذ عصياناً مدنياً "في حين أنه في حسابها أن العديد من الناس سوف يقتلون"، حيث أن هدف الحركة النهائي، وفقا للافتتاحية، هي إنزال "هزيمة أخلاقية وسياسية بإسرائيل ".

    

أما في صحيفة نيويورك تايمز، فلقد اتهم توماس فريدمان حماس - التي تحكم قطاع غزة والتي تتهم جزافاً بأنها القوة الكامنة وراء الاحتجاجات - بالقيام بـ"التضحية البشرية"! كتب فريدمان: "عندما ترمي بالآلاف من شبابك، زهرة شبابك، نحو سور إسرائيلي، من المفترض من أجل عبوره نحو إسرائيل، وبعضهم محاط بمقاتلي حماس، فإنه من المحتم أن الكثير من الناس سوف يقتلون...في إسرائيل لن تفتح الحدود لهم، وحماس تعرف ذلك".

    

           

وكتب الكاتب المحافظ بريت ستيفنز: "سنسمع بالتأكيد الكثير عن الوضع البائس في غزة...لكن حاول ألا ننسى أن المتسببين بهذا البؤس هم أيضًا الضحايا المفترضون له"!

    

تساءل ستيفنس عن سبب عدم وجود غضبة ضد حماس قائلا إن الحركة "تواصل تحريض الفلسطينيين على التحرك نحو السياج" حتى بعد أن حذرت إسرائيل المحتجين من مغبة القيام بذلك، كما تساءل لماذا النساء والأطفال هم في الخطوط الأمامية للتظاهرات. وأضاف غاضبا: "في أي مكان آخر من العالم، فإن هذا النوع من السلوك سوف ينظر إليه على أنه يعرّض (المدنيين) للخطر بشكل متهور ..(و) سيتم إدانته على أنه من سبيل إرسال الناس إلى هلاكهم بشكل جبان وماكر بلا حدود."

     

وأعرب كتاب تايمز المحافظون الآخرون عن آراء مماثلة. فلقد وصف ديفيد بروكس تحرّكات الفلسطينيين بأنها نتيجة "التفكير المسرحي" لهم، الذي يهدف إلى خلق "مشهدية استشهادية تظهر للعالم مدى مظلوميتهم"، بشكل "ماكر" ويذكّر بصلب السيد المسيح.

       

     

 في الوقت نفسه، اشتكت باري وايس على البرنامج الذي يقدّمه بيل ماهر أن توقيت الاحتجاجات يبدو أنه قد اختير ليتزامن مع افتتاح السفارة الأمريكية الجديدة في القدس من أجل خلق أكبر صورة دراماتيكية ممكنة عن ذلك الحدث. وقالت: "دعونا لا نقع في مصيدة تنصبها مجموعة دينية استبدادية ترسل النساء والأطفال ليكونوا دروعًا بشرية".

     

من الصعب تخيل أن تستخدم مثل هذه الحجج البغيضة ضد أي مجموعة مضطهدة أخرى. ولكن ليس علينا أن نتخيل، لأنه منذ خمسين سنة فقط كان أسلاف بروكس، وستيفنز، وويس يستخدمون نفس هذه الحجج لمهاجمة مارتن لوثر كينغ وحركة الحقوق المدنية للأمريكيين من أصول أفريقية.

     

في 20 نيسان 1965، في مقالة عنوانها "عنف اللاعنف" في مجلة ناشونال ريفيو، زعم رئيس التحرير فرانك ميير بأن نهج كينغ اللاعنفي له "جوهر عنفي"، من حيث أنه يستند على محاولة "استدراج للعنف"! فلقد ادّعى ميير أنه من خلال محاولة دفع مؤيدي الفصل العنصري نحو العنف، لم يكن كنغ مذنباً بـ "النفاق" فحسب، بل كان يهدف في النهاية إلى "تدمير العملية الدستورية" نفسها. وتماماً كما تم توصيف العصيان المدني الفلسطيني مؤخراً على أنه نوع جديد من "الحرب"، اشتكى ميير  يومها من أن حملة مارتن لوثر كينغ لمناصرة الفقراء والعصيان المدني الذي أطلقته تستعمل "أساليب تمرد على القانون".

    

بدوره، اشتكى ليونيل لوكوس، كاتب محافظ آخر من تلك الحقبة الذي ألف سيرة حياة هاجمت كينغ بعد وفاته، اشتكى بالمثل من أن نجاح كينغ اعتمد على "التهديد واستدراج العنف"، وبأنه قد ترك وراءه "إرثاً من الفوضى". عندما فاز كينغ بجائزة نوبل، كتبت صحيفة "يو إس نيوز آند وورلد ريبورت" أن العديد من الأمريكيين اعتقدوا أنه "من الغريب أن تذهب هذه الجائزة إلى رجل تستند شهرته على معركته من أجل الحقوق المدنية للزنوج - في حين أن أنشطته قد أدت في كثير من الأحيان إلى العنف". قبل ذلك بعدّة سنوات، عندما انتشرت الاحتجاجات في جنوب ولاية جورجيا، اتهم السناتور ريتشارد راسل منظمة المساواة العرقية بمحاولة "إثارة أعمال الشغب في الجنوب" حتى يتمكنوا من الاشتكاء من "حادث مروع" يحدث لهم، وأخذه الى مجلس الشيوخ لتبرير تمرير تشريعات الحقوق المدنية!

       

       

إذن، لا عجب أن خطاب المدافعين عن إسرائيل اليوم يشبه ما كان يقوله نقاد كينغ العنصريين يومها، إذ أن الاحتجاجات الفلسطينية الأخيرة تشبه إلى حد بعيد مسيرات الحقوق المدنية من تلك الحقبة. ففي الستينيات، كان المتظاهرون السود المطالبون بحقوقهم المدنية ينظمون مسيرات سلمية فيما كانوا يعرفون أن السلطات المحلية سوف تردّ بوحشية، كما أن صفوف المحتجين الذين هاجمتهم الشرطة في الولايات الجنوبية بالكلاب وخراطيم المياه والهراوات تضمنت أيضا نساء وأطفالا.

    

فهل كان أي من هؤلاء الكتاب سيستخدم هذه اللغة لإدانة المحتجين من حركة الحقوق المدنية للسود، وحث القراء على التخلي عن شعورهم المبرر بالغضب والظلم اتجاههم؟

    

هل كان توماس فريدمان ليدين أفعال "التضحية البشرية" كما سمّاها، التي ارتكبها كنغ ومنظمو حركة الحقوق المدنية الآخرون، لقيامه بإرسال متظاهرين غير مسلحين لمواجهة الشرطة المسلحة؟ هل كان بريت ستيفنز ليغضب من تصرفات قادة حركة الحقوق المدنية لأنها "تؤدي الى "التهلكة، بشكل جبان وماكر بلا حدود" كما كتب عن احتجاجات غزة؟ وهل كانت باري وايس ستحثنا ألا "نسقط من في الفخ" الذي نصبته جماعات الحقوق المدنية بإرسال "النساء والأطفال ليصبحوا دروعًا بشرية"؟ هل كانت ستقوم صحيفة واشنطن بوست بإبداء الرأي حول الطريقة التي "حاول فيها مدنيون بالاسم" مثل "راكبي الحرية" إنزال "هزيمة معنوية وسياسية" بالجنوب الأمريكي؟ الجواب على كل هذا هو: على الأغلب لا!

    

لقد تكرّست حركة الحقوق المدنية منذ زمن طويل على أنها حركة مجيدة، حتى بين أولئك الذين كانوا سوف يعارضونها بشدة لو كانوا هناك شخصياً قبل خمسين عاماً. وهذا هو السبب في أن السياسيين أنفسهم الذين يثنون بشكل منافق على زعماء مثل كينغ ونيلسون مانديلا، يحاولون اليوم أيضاً أن يحظروا أدوات المقاومة التي استخدمتها هذه الشخصيات نفسها يوماً، لأن إسرائيل هي المستهدفة منها الآن.

       

      

في الوقت الذي كان فيه المفكرون المحافظون مثل وليام باكلي يهاجمون حركة الحقوق المدنية ويدافعون عن الفصل العنصري، فإن المحافظين اليوم من المفترض أنهم قد "تطوّروا". فكتاب الأعمدة مثل بروكس، ووايس، وستيفنز يحبّون ذكر كينغ لدعم أي حجة يقدّمونها. ومع ذلك، يبدو أن كل ما يعرفونه هو كيفية تطويع كينغ والحركة التي يمثلها لاكتساب نوع من الشرعية الأخلاقية التي تتناسب مع أغراضهم، بينما هم يتجاهلون العبرة الفعلية لها.

     

في الواقع، كان لدى كينغ نفسه حججا جاهزة لشرح العصيان المدني الذي نفّذه هو، كما ينفّذه اليوم الرجال والنساء والأطفال في غزة - والذي له تكلفة بشرية عالية - على أنه فعل مبرّر تماماً. فلقد أوضح في عام ١٩٦٥ قائلاً: "إن برنامج العمل المباشر اللاعنفي لنا لا يهدف إلى خلق توترات، ولكن لإظهار التوترات القائمة بالفعل"، مضيفًا: "لقد شرعنا في التعجيل بحدوث أزمة، والتي لا بد وأنها سوف تفتح الباب أمام التفاوض. . . أنا أعارض العنف بشدة، لكن الأزمة البناءة والتوتر البناء أشياء ضرورية للتقدّم ".

   

بعد مسيرات سيلما إلى مونتغومري، كتب كينغ أنه أراد "توضيح وجود الظلم بشكل مشهدي". فلقد كان يدرك جيداً أن "قيام العنصريين بالردّ عن طريق إطلاق العنان للعنف" ضد المحتجين السود، هو خطوة أساسية نحو تحقيق أهداف الحركة، إذ أن هذا كان من شأنه أن يوقظ ضمير هؤلاء الأمريكيين الذين سوف يرون ما يحدث.

     

      


عندما أصبح واضحًا أنهم سيقابلون بجدار من رجال الشرطة خلال المسيرة الثانية، لم يكن باستطاعة كينغ أن يسمح للمتظاهرين بانتهاك التزامهم باللاعنف من خلال اختراق الجدار، ولكنه قال "شعرنا أنه كان علينا أن نسير على الأقل إلى النقطة التي يقوم عندها أفراد القوات بالاعتداء على الناس في يوم أحد، حتى لو كان ذلك يعني تكرارًا للعنف أو الاعتقال أو حتى الموت."

    

إن كتاب الرأي الذين قضوا الأسبوع الماضي وهم يبرّرون مجازر إسرائيل ويهاجمون المتظاهرين الفلسطينيين، هم دون شك يعتقدون أنهم كانوا سيؤيدون المئات من المتظاهرين السود الذين تم التعامل معهم بوحشية بالعصي والغاز المسيل للدموع على جسر إدموند بيتيس (المترجم: في "يوم الأحد الدامي"، ٧ مارس ١٩٦٥، خرج نحو ٦٠٠ من المتظاهرين السود من سيلما متجهين نحو مونتغومري شرقا، لكنهم وصلوا فقط إلى جسر إدموند بيتيس، حيث هاجمهم رجال الشرطة والعنصريون البيض واجبروهم على العودة). ولكن لو وضعناهم هناك في ذلك اليوم، فإنه من الواضح في أي جهة من الجسر كانوا سيقفون.

-------------------------------------------------

ترجمة (كريم طرابلسي)

(الرابط الأصلي)    

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار