اغلاق
آخر تحديث: 2018/6/12 الساعة 15:10 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/29 هـ

انضم إلينا
هل تنجح السعودية باستمالة "شيعة العراق" في لعبة النفوذ؟

هل تنجح السعودية باستمالة "شيعة العراق" في لعبة النفوذ؟

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع


على الأرجح، لم يشعر الملك عبد الله يوما بهذا القدر من اليأس تجاه دولة ما كما شعر به تجاه العراق. في مطلع عام 2007، كان عبد الله يجري محاولة يائسة أخيرة لإقناع الأميركيين بوجهة نظره، وخلال اجتماع خاص عُقد في الرياض عرض مسؤولون سعوديون رفيعو المستوى على "زلماي خليل زاده"، السفير الأميركي في العراق آنذاك، ما ظنوا أنه دليل دامغ على وجهة نظرهم، وكانت وجهة نظرهم بالنسبة إليهم بسيطة: لا يُمكن لواشنطن الوثوق برئيس الوزراء العراقي وقتها "نوري المالكي".

   

كان الدليل(1) الذي عرضه السعوديون آنذاك هو مجموعة من الوثائق ادعوا أن الاستخبارات السعودية حصلت عليها تُثبت أن المالكي كان عميلا لإيران، وكانت أبرز هذه الوثائق هي برقية منسوبة للمالكي موجهة لرجل الدين الشيعي "مقتدى الصدر"، تحذره من أن التعزيزات الأميركية الأخيرة في العراق موجهة بشكل أساسي لمحاربة الميليشيات التي يتزعمها، إضافة إلى وثيقة(2) أخرى تكشف عن صلات مزعومة للمالكي بـ "حزب الله" اللبناني استنادا إلى اجتماعات رصدها السعوديون لمستشاره "عباس الموسوي" مع قيادات وممثلين عن المجموعة اللبنانية الموالية لطهران، ولكنّ السعوديين فوجئوا برد الفعل الباهت لـ "زاده" وغيره من المسؤولين الأميركيين الذين زعموا على الفور أن الوثائق مزورة، وأن المالكي لم يكن غبيا بما يكفي لكتابة مثل تلك الأمور على قصاصات رسمية من الورق.

   

كان الاستياء المتبادل بين الرياض وواشنطن قد بلغ ذروته خلال الأشهر الأخيرة حينها، حيث بدأ المسؤولون الأميركيون يعبّرون علنا عن غضبهم المتزايد حول الدور السعودي المزعوم في تغذية تمرد الجماعات المسلحة وعلى رأسها تنظيم القاعدة في العراق، وزعمت الاستخبارات الأميركية آنذاك أنه من بين 60 إلى 80 من المقاتلين الأجانب الذين يدخلون العراق كل شهر يأتي نصفهم من السعودية التي لم تفعل شيئا لوقف ذلك التدفق.


في المقابل، بدا وأن الملك عبد الله كان قد فقد تماما ثقته في إدارة جورج بوش الابن بعد أن خذلته مرة تلو الأخرى، أولها حين رفض بوش الضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي "أرييل شارون" للقبول بمبادرة السلام التي طرحتها الرياض، وليس آخرها حين همّشت واشنطن مخاوف السعودية من التوغل الإيراني في العراق تماما، متناسية المخاطرة التي خاضها عبد الله حين سمح للقوات الجوية الأميركية باستخدام بلاده مقرا للعمليات الجوية ضد نظام صدام حسين ثم معبرا سريا للقوات الخاصة الأميركية للأراضي العراقية. وبحلول عام 2006 أدرك عبد الله أن بلاده تواجه تحديا لم تواجهه أبدا على مدار تاريخها القصير، وهو أن عليها أخيرا أن تعمل بمفردها بمعزل عن الأميركيين.

        

بحلول ذلك التوقيت، كان الملك قد توصل إلى قناعة أن بلاده عليها أن تتخلى عن سياستها الحذرة تجاه إيران من أجل تبني مقاربة أكثر هجومية، ونتيجة لذلك فقد قرر أن يفرغ اهتمامه للقضايا الداخلية مسندا(3) إدارة الملف العراقي بأكمله إلى ولي عهده ووزير الدفاع الأمير "سلطان بن عبد العزيز"، ليستعين الأخير بدوره بخدمات نجليه، المخضرم "بندر بن سلطان" الأمين العام لمجلس الأمن القومي، و"خالد بن سلطان" الرجل الثاني في وزارة الدفاع، إضافة إلى أخيه غير الشقيق "مقرن بن عبد العزيز"، رئيس جهاز الاستخبارات السعودي.

   

كان سلطان أكثر حزما من أخيه الملك فيما يبدو في التعامل مع الأميركيين، حيث أخبر بحزم نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني أن الرياض لن تقف مكتوفة الأيدي أمام انسحاب أميركي متسرع من شأنه أن يؤدي إلى مذابح ضد السنة، وتزامنا مع ذلك تم إعطاء الضوء الأخضر لـ "نواف عبيد" -مستشار السفير السعودي في واشنطن آنذاك تركي الفيصل- بنشر مقال في صحيفة واشنطن بوست بشّر فيه بجيل جديد من العائلة المالكة السعودية يتولى مناصب حكومية إستراتيجية، حريص على رؤية المملكة تلعب دورا أكثر قوة في المنطقة.

   

ولكن السياسة الحازمة لبندر بن سلطان ومقرن بن العزيز لم تفلح في تغيير الوضع الإستراتيجي السيئ للسعوديين في العراق، فبدلا من أن تتوجه مساعدات بندر لإنشاء ظهير سياسي قوي للسنة العراقيين، فإنها تدفقت بشكل شخصي للسياسيين ورؤساء العشائر المقربين من الرياض، ولم يدم الخط الساخن الذي فتحه الأمير مقرن مع المسؤولين العراقيين طويلا، حيث انقطعت العلاقات تماما وعادت الأمور إلى نقطة الصفر بعد فترة قصيرة.

    

في الوقت نفسه فشلت المحاولات الحيية للرياض في اختراق صفوف طبقة الحكم الشيعية، ومنها لقاء(4) للملك عبد الله مع مقتدى الصدر مطلع عام 2006 خلال موسم الحج، بسبب سمعة المملكة كـ "داعم للتنظيمات السنية الأكثر تشددا"، كما تسببت سياسة السعودية بدعم المسلحين العراقيين، أو التغاضي عنهم في أقل الأحوال، في إغضاب السياسيين الأميركيين الذين تحولوا بشكل مفاجئ ضد المملكة، متهمين (5) "إياها بلعب دور تدميري في العراق أكثر حتى مما تلعبه إيران".

      

  

في نهاية المطاف اضطر السعوديون للتراجع خلف القيادة الأميركية من جديد، ولكن مع قدوم أوباما للسلطة واستعداد الولايات المتحدة لمغادرة العراق، كان الأميركيون حريصين على دمج الرياض من جديد في السياسة العراقية، ولكن المملكة قاومت(6) الضغوط الأميركية للانخراط مع حكومة المالكي، ورفضت فتح سفارة لها في العراق، وتباطأت في الاستجابة لإلحاح واشنطن لتقديم المساعدات الاقتصادية، ولم يعد الملك عبد الله راغبا في استثمار أي من أصوله السياسية أو المالية في بغداد وقتها، وعلى مدار الأعوام التالية استمرت السعودية في سياسة التجاهل المتعمد للعراق رغم الأحداث الدرامية المتتالية التي شهدتها المنطقة، قبل أن تشهد الأمور تحولا أكثر درامية في عام 2015، حين قرر البلدان بشكل مفاجئ استئناف العلاقات الدبلوماسية بينهما، وبدا لوهلة أن المسار طويل الأمد للعلاقات المضطربة بين بغداد والرياض في طريقه إلى تحول تاريخي حقيقي، وأن الصورة ستختلف تماما.

  

الصراع الأزلي

كانت العلاقات السعودية العراقية تكافح على مدار تاريخها في مواجهة خلفية معقدة من التنافس الوطني والعائلي والديني، وحتى الجيوسياسي كون الدولتين بجانب إيران عضوتين في مثلث الدول المهيمنة طبوغرافيا وديموغرافيا على منطقة الخليج. ففي عام 1921، كان مؤسس الدولة السعودية الحديثة "عبد العزيز آل سعود" قد أسس سلطنة نجد بعد صراع طويل مع منافسيه من آل رشيد الذين حظوا بدعم "الشريف حسين"، حاكم مملكة الحجاز الذي كان ينظر(7) لابن سعود كمنافس رئيس له على السلطة في جزيرة العرب. وفي أعقاب استيلائه على نجد، قام "آل سعود" بغزو الحجاز عام 1924 وطرد الشريف حسين ووحد الأراضي تحت سيطرته ممهدا الطريق لإنشاء المملكة عام 1930.

  

ولكن أبناء "حسين" استعادوا سلطتهم لاحقا، بدعم بريطاني، على إمارة شرق الأردن وما صار يعرف باسم "مملكة العراق"، وهي مملكة أسست من قبل "عصبة الأمم" كإقطاعية بريطانية، وتم تنصيب أحد أبناء الشريف حسين وهو "فيصل الأول" ملكا عليها، لينتقل بذلك التنافس العشائري والسياسي في جزيرة العرب إلى علاقة ناشئة بين السعودية والعراق.

  

تسببت النزاعات حول التاريخ والشرعية في تزايد الصراعات الإقليمية بينهما مع مطالبات الهاشميين بالسلطة في الحجاز قبيل الغزو السعودي، ما دفع بريطانيا عام 1922 إلى فرض ما يعرف بمعاهدة العقير التي خطت الحدود الأساسية للعراق والمملكة العربية السعودية وكذلك الكويت، صانعة منطقة محايدة بين الدول الثلاث. ومع ذلك ظل التنافس على الشرعية السياسية قائما حتى تدخلت بريطانيا من جديد، وتوسطت للوصول إلى اتفاق عام 1930 اعترفت بموجبه الدولتان السعودية والعراقية ببعضهما البعض، اعتراف تم تعزيزه باتفاق آخر عام 1936 بين العراق والمملكة العربية السعودية واليمن، ومع قدوم الخمسينيات كان ملك العراق فيصل الثاني قد تخلى رسميا عن المطالبة بأي أحقية في الحجاز في اتفاق رسمي مع السعوديين.

    

الملك فيصل الثاني (مواقع التواصل)

     

لكن العلاقات بين السعودية والعراق عادت للتوتر من جديد منتصف الخمسينيات مع دخول العراق في حلف بغداد المضاد للشيوعية، والذي اعتبرته المملكة محاولة لتوطيد الهيمنة البريطانية في الخليج، ومع نهاية الخمسينيات كانت المخاوف الكبرى للرياض بدأت تتوجه بشكل أكبر إلى أيديولوجية النظام البعثي الجديد في العراق المتأثر بـ "القومية العربية" للرئيس المصري جمال عبد الناصر، متزامنة مع صعود الحركات الاشتراكية أو الشيوعية المؤيدة للسوفييت في العالم العربي، حيث غالبا ما تم الخلط (8) بين هاتين الظاهرتين في الأعين السعودية، وكان النظام البعثي العراقي مثالا حيا على هذا التهديد المزدوج حيث جمعت أيديولوجيته بين العروبة وبين الاشتراكية المؤيدة للسوفييت.

    

لم يخيب النظام البعثي العراقي ظنون الرياض، ونجح في تكريس مخاوفها سريعا عندما هدد رئيس الوزراء "عبد الكريم قاسم" بالاستيلاء على الكويت تزامنا مع استقلالها عن بريطانيا عام 1961، وقادت السعودية جهود المقاومة ضد مزاعم بغداد في جامعة الدول العربية، وقامت بنشر 1200 جندي سعودي في الكويت تزامنا مع انسحاب القوات البريطانية. وطوال حقبة السبعينيات ظلت الكويت المصدر الرئيس للتوتر بين الرياض وبغداد، توتر تفاقم بفعل استمرار الدعم العراقي للحركات الثورية والجمهورية المعارضة في جميع أنحاء الخليج واليمن، وهو دعم اعتبرته المملكة تحديا مباشرا لمصالحها الإقليمية وحتى لاستقرارها الداخلي.

  

لكن قيام "الثورة الإيرانية الإسلامية" عام 1979 مثّل نقطة تحول جوهرية في علاقات الرياض وبغداد، حيث دفعتهما مخاوفهما المشتركة من النظام الثوري الديني إلى ردم الهوة بينهما، فأبرما في عام 1981 معاهدة لتقسيم الحدود بينهما، واتفقا على تقاسم عائدات النفط في المنطقة المحايدة. ومع قيام الحرب بين العراق وإيران قدمت السعودية (ومن خلفها الكويت) دعما ماليا وسياسيا مفتوحا لنظام صدام حسين طوال سنوات الحرب، ولكنها في الوقت نفسه رفضت(9) الاستجابة للمطالب العراقية برفع أسعار النفط لتمكين نظام صدام من تمويل تكاليف الحرب.

  

ومع اقتراب الصراع العراقي الإيراني من نهايته، بدا أن التقارب المؤقت المدفوع بالشعور بالتهديد المشترك لم يفلح أبدا في إنهاء الفجوة بينهما، فجوة لم تكن فقط حول التاريخ والخلافات الأسرية، ولكن أيضا حول السياسات والنيّات المتبادلة. وسرعان ما أثبتت هذه المخاوف صحتها من جديد حين غزا صدام حسين الكويت عام 1990، ما وضع المملكة في مواجهة مباشرة مع بغداد، حيث تم قطع جميع العلاقات الدبلوماسية والتجارية بينهما، وأغلقت الحدود، وعملت الرياض كواجهة لتحالف عاصفة الصحراء الذي قادته واشنطن لإبعاد العراقيين من الكويت عام 1991.

  

أدت الحرب الأميركية ونظام العقوبات الدولية الذي أعقبها إلى تراجع الإحساس بالتهديد العراقي لدى السعودية وممالك الخليج العربية، ورغم الإرث الحاضر للغزو الكويتي وما تلاه، ظلت السعودية ترى العراق البعثي حائلا لا غنى عنه بينها وبين إيران، لذا فإن الغزو الأميركي للعراق كان حدثا فارقا بالنسبة إلى السعودية لأنه مثّل ببساطة انتكاسا دراميا لتلك الرؤية الإستراتيجية التاريخية.

       

    

المغامرات السعودية

لعقود من الزمان، ارتكزت(10) السياسة السعودية على ركيزتين أساسيتين لتحقيق أمنها الخاص والأمن الخليجي بشكل عام: أولاهما الاعتماد على مظلة الحماية الأميركية، وثانيهما الحفاظ على توازن القوى بين العراق وإيران لضمان عدم تهديد أي منهما لأمن الرياض ومصالحها في المنطقة، وقد سمحت هذه البيئة الإستراتيجية للسعودية بتجنب الانجرار إلى أي نزاع مباشر، والاكتفاء باستخدام أصولها الاقتصادية والسياسية للتأثير على الأحداث لخدمة مصالحها حسب الحاجة.

    

على سبيل المثال، قبل الثورة الإسلامية في إيران، كانت لدى المملكة علاقة ودية مع شاه إيران، مستعينة بتلك العلاقة في مواجهة مخاوفها من عراق جمهوري ثوري راديكالي عسكري، وفي أعقاب الثورة الإسلامية تم عكس المقاربة السعودية تماما، حيث بدا نظام صدام مستأنسا بالنسبة إلى الرياض في مقابل النظام الثوري الديني في طهران، وعندما غزا صدام حسين الكويت مطلع التسعينيات، اعتمد السعوديون على الولايات المتحدة لمواجهة الغزو العراقي، لكن غزو الكويت وما تبعه لم يتسببوا في تغيير الإستراتيجية السعودية باستخدام العراق كموازن للثقل الإيراني.

  

في ضوء هذه السياسة المتقلبة كان الموقف السعودي تجاه الغزو الأميركي للعراق عام 2003 مرتبكا بشدة، ففي حين أن الرياض لم تكن تمانع من الإطاحة بنظام صدام على وجه التحديد، فقد كانت تخشى من عواقب انهيار الدولة العراقية كحاجز إستراتيجي بينها وبين طهران. ورغم ذلك، وخوفا من إغضاب واشنطن، ورغبة منها في المساهمة في تشكيل المشهد العراقي بعد الغزو، قدمت الرياض دعما مفتوحا للغزو الأميركي، حيث استضافت مقر قيادة العمليات الجوية الأميركية، وفتحت مجالها الجوي أمام الطائرات الأميركية، رغم حرصها على إبقاء تفاصيل مشاركتها سرا خوفا من تحمل النظام السعودي التبعات الشعبية العربية للمشاركة في الغزو.

  

ولكن المملكة اكتشفت لاحقا أن علاقتها مع الولايات المتحدة ودورها السري في الغزو لم يكونا(11) كافيين للعب دور حاسم في عراق ما بعد الاحتلال، حيث كانت المملكة تراقب بقلق متزايد، من مقاعد المشاهدين، سقوط العراق في أيدي الجماعات والأحزاب الموالية لإيران، وخاصة حملة "اجتثاث البعث" التي لم تكتف بتقويض رموز نظام صدام حسين، الذين تحولوا في تلك اللحظة إلى حلفاء محتملين للرياض، ولكنها امتدت لقمع القواعد السنية التي تعد المجال الطبيعي للسعودية لبسط نفوذها. ومع تراجع ثقة السعوديين في واشنطن، قرروا التصرف بمفردهم وبالطريقة التي اعتادوها، معتمدين على نهج شخصي لا مؤسساتي في محاولاتهم لاكتساب النفوذ داخل الدولة العراقية الناشئة.

  

حينها، أعدت الاستخبارات السعودية قوائم للشخصيات السياسية وزعماء العشائر المرشحين لتلقي الدعم السعودي المالي أو السياسي، قوائم طويلة بدأت(12) من رئيس الوزراء المؤقت حينها ونائب رئيس الجمهورية الحالي "إياد علاوي"، من تلقى 2000 تأشيرة حج لتوزيعها كما يشاء، مرورا بنائب رئيس الجمهورية الأسبق "طارق الهاشمي"، وصولا إلى زعماء العشائر مثل أمير عشائر الدليم "علي حاتم السليمان" الذي طلب(13) زيارة المملكة لفتح قناة تواصل داخل العراق، وكذا "أحمد عبد الله الديلمي" الأمين العام للمجلس الوطني الموحد لشؤون عشائر العراق آنذاك، والذي وصفته برقية(14) مسربة من السفارة السعودية بأنه "قومي عروبي".

        

     

امتدت الجهود السعودية أيضا لتشمل محاولات يائسة لتشكيل المشهد الإعلامي في عراق ما بعد الاحتلال لصالحها، حيث أقامت المملكة جسرا مع عضو مجلس النواب المثير للجدل "مشعان الجبوري" صاحب العلاقة الوثيقة بنظام القذافي، والذي عرض(15) على الرياض تسليمها وثائق تتعلق بمؤامرات مزعومة للقذافي ضد المملكة مقابل الحصول على دعم الأخيرة. كما تواصلت(16) الرياض أيضا مع رجل الأعمال العراقي ومالك قناة البغدادية "عون حسين الخشلوك"، من طلب من المملكة دعم مشروع سياسي يهدف كما قيل إلى "الحفاظ على عروبة العراق من خلال تشكيل تحالف شيعي مناهض لإيران".

     

لكن الجهد السعودي الأكثر إثارة للجدل تمثل في الاتهامات الأميركية بدعم المملكة لـ "تمرد إسلامي مسلح" ضد الاحتلال الأميركي للعراق وضد السلوك العدواني للميليشيات الشيعية التي ظهرت بعد الاحتلال ضد المجتمعات السنية، وهو تمرد أثمر ظهور وازدهار "تنظيم القاعدة" في العراق، حيث كان السعوديون حاضرين ضمن مصاف المقاتلين الأجانب الذين تم جذبهم للعراق، رغم أن الوجود الأجنبي لم يكن طاغيا حيث كان التمرد محليا ويسيطر عليه المقاتلون العراقيون بنسبة تقترب من 90%، لكن مصادر أميركية أكدت أن نصف الأجانب الذين شاركوا في القتال كانوا من السعوديين.

    

ورغم ذلك، فإن أيا من المغامرات السعودية في العراق لم تؤت أكلها أبدا، حيث سقطت رهانات الرياض واحدا تلو الآخر، فلم تفلح محاولاتها لاستخدام القوة المالية لتشكيل السياسة العراقية، وأثبتت التجارب أن النخب التي راهنت عليها الرياض كانت أضعف بكثير مما تصورت، وفي النهاية كانت المملكة مضطرة للخضوع للضغوط الأميركية بخصوص دعم المسلحين، حيث تدخلت الولايات المتحدة بمساعدة "الصحوات القبلية" لوأد تنظيم القاعدة.

  

في نهاية المطاف، اختار(17) السعوديون الانزواء عن المشهد العراقي بشكل كبير، وخلال الأعوام التالية حافظت المملكة على مسافة بعيدة عن العراق بعد أن اعتقدت بالفعل أنها خسرته لصالح الإيرانيين، وأنه حتى إن لم تخسره فإن الولايات المتحدة وحدها هي من يجب أن يضطلع بمهمة(18) حل المشاكل التي صنعتها مع غزوها، وفي أكتوبر/تشرين الأول لعام 2006 بدأت الرياض في التخطيط لبناء سياج عالي التقنية بطول 550 ميلا لإغلاق حدودها مع العراق ودرء تسلل المسلحين، مدشنة بذلك ما رؤي على أنه الحجر الأخير في سياسات الانزواء.

    

المالكي

جاءت نتائج غزو العراق أكثر كارثية(19) مما توقع السعوديون، حيث تسببت الحرب في خضوع العراق بشكل فعلي للسيطرة الإيرانية، وبخلاف ذلك فإن تكاليف فشل الغزو دفعت الولايات المتحدة نحو موجات مطولة من التقييم الإستراتيجي انتهت بانسحاب تدريجي من الشرق الأوسط، وعنى ذلك أن الرياض فقدت الضمانين الرئيسين لأمنها دفعة واحدة.

     

    

تسببت تلك الخسارة الجسيمة في دفع السياسة السعودية نحو المزيد من الارتباك، حيث تفرغت الرياض لإلقاء اللوم على نظام "نوري المالكي" وسياساته الطائفية، وقاومت المقترحات الأميركية لإعادة الانخراط، في حين رد المالكي باتهام السعودية بدعم تمرد الجماعات المسلحة في العراق، ومع تزايد وتيرة التصريحات النارية المتبادلة، تحول(20) الأمر إلى حالة من العداء الشخصي بين الملك عبد الله والمالكي، عداء دفع العلاقات إلى التدهور أكثر فأكثر.

  

خلال تلك الفترة، حاولت السعودية التدخل لإزاحة المالكي في انتخابات عام 2010 عبر تقديم الدعم لتحالف القائمة العراقية الذي رأسه حليفها "إياد علاوي"، وهو تحالف جمع الشيعة القوميين مع بعض الفصائل السنية، في مواجهة قائمة "ائتلاف دولة القانون" بزعامة المالكي، ونجحت القائمة العراقية بالفعل في الحصول على أكثرية المقاعد البرلمانية بزيادة مقعدين عن قائمة المالكي، ولكن المالكي كُلّف بتشكيل الحكومة في نهاية المطاف لينجح بدعم إيراني في بناء أغلبية مكّنته من البقاء في السلطة.

   

لم تكن ولاية المالكي الثانية أفضل حالا من ولايته الأولى، حيث شهدت انتفاضة(21) للمحافظات السنية احتجاجا على سياساته الطائفية، كما شهدت انهيار الجيش العراقي في مواجهة "تنظيم الدولة الإسلامية"، وهو تنظيم أعاد تأسيس نفسه وقتها وقبل ذيوع صيته فوق بقايا تنظيم القاعدة الذي تم سحقه من قبل الصحوات، ومع اقتراب نهاية فترة ولاية المالكي الثانية، استغل الفزع الناشئ عن ظهور "تنظيم الدولة" من أجل مأسسة الميليشيات الشيعية الطائفية تحت إطار "قوات الحشد الشعبي" التي تلقت دعما حكوميا، في وقت كانت فيه تلك الميليشيات تخضع فعليا لسلطة أشخاص يدينون بالولاء التام لطهران.

  

مع تدهور العلاقات مع المالكي، وغياب أفق للاتصال مع القوى الشيعية وانهيار جميع الرهانات على السنة، حولت الرياض وجهتها بهدوء نحو مد جسور هادئة مع الأكراد، حيث زار رئيس حكومة إقليم كردستان العراق "مسعود بارزاني" الرياض في أبريل/نيسان 2010، تبعه اجتماع سعودي آخر مع منافسه الكردي وهو الرئيس العراقي آنذاك "جلال طالباني"، وفي عام 2012 قررت المملكة الاستجابة للضغوط الأميركية وعينت سفيرا غير مقيم لها في العراق، ثم تزايدت الضغوط على "المالكي" ما دفعه في النهاية إلى تقديم استقالته في سبتمبر/أيلول 2014 ليحل محله "حيدر العبادي"، ولتشهد العلاقات تحولا كبيرا مرة أخرى.

  

دراما ابن سلمان

رغم انتمائه إلى حزب الدعوة، وهو ذات الحزب الذي ينحدر منه المالكي، فإن العبادي قرر من البداية تبني خطاب أكثر تصالحية، وفي ديسمبر/كانون الأول وبعد بضعة أسابيع فقط من تولي العبادي للسلطة، وصل الرئيس العراقي "فؤاد معصوم" إلى الرياض لإجراء مشاورات، وبحلول يونيو/حزيران من العام التالي كانت الرياض قد عينت "ثامر السبهان" كأول سفير مقيم لها في العراق منذ 25 عاما، قبل أن تقرر استبداله وتعيين(22) عبد العزيز الشمري بعد ذلك بعامين، بعد أن تورط السبهان في ملاسنات مع العديد من الساسة العراقيين ما دفع العبادي إلى الضغط على المملكة لاستبداله.

  

خط زمني لأبرز المحطات في العلاقات السعودية العراقية

خلال الأشهر التالية شهدت العلاقات السعودية العراقية تحسنا غير مسبوق، قبل أن تشهد قفزة جديدة مع زيارة وزير الخارجية السعودي "عادل الجبير" لبغداد في فبراير/شباط 2017، في أول زيارة سعودية بهذا المستوى منذ عام 1990، تبع ذلك لقاء في الشهر التالي بين الجبير والعبادي، وفي وقت لاحق من الشهر نفسه التقى دبلوماسيون سعوديون وعراقيون في الرياض واتفقوا على إنشاء لجنة لتنسيق التعاون بين البلدين.

        

       

وفي مايو/أيار من العام الماضي انضم العراق إلى اتفاق قادته السعودية لخفض أسعار النفط بعد زيارة تاريخية قام بها وزير النفط السعودي خالد الفالح لبغداد، وفي 19 يونيو/حزيران زار العبادي الرياض من جديد ضمن جولة إقليمية خليجية شملت أيضا إيران والكويت، وكانت بمنزلة رسالة واضحة حول السياسة المتوازنة الجديدة للعراق. ثم في تطور لاحق، قام وزير الداخلية العراقي "قاسم الأعرجي" -المصنف على أنه مقرب من إيران- بزيارة الرياض، مجتمعا مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ومعلنا تشكيل لجنة مشتركة مع وزارة الداخلية السعودية لتأمين الحدود ومكافحة المخدرات وتبادل المعلومات الاستخبارية، فضلا عن تسهيل تأشيرات زيارة العراقيين للمملكة العربية السعودية لأداء المناسك الدينية.

    

مهّدت الكثير من الظروف الطريق للتقارب الناشئ بين الرياض وبغداد، وعلى رأسها تنامي الشعور الوطني العراقي بعد هزيمة "تنظيم الدولة"، والضربة التي منيت بها المطالبات الانفصالية الكردية في أعقاب التداعيات الكارثية لاستفتاء استقلال كردستان نهاية العام الماضي، وجاء ذلك تزامنا مع صعود قيادات شيعية جديدة بدا أنها أقل تقبلا لهيمنة إيران على السياسة العراقية، وأكثر سعيا لإحداث التوازن في علاقات البلاد الخارجية عبر التقرب للسعودية.

  

في مقدمة هذه القيادات جاء رئيس الوزراء حيدر العبادي نفسه، فمنذ اللحظة الأولى لانتخابه عام 2014 عمل العبادي جاهدا لإثبات(23) استقلاليته عن طهران في سياساته الخارجية والأمنية، مبرهنا على ذلك بمعركة طويلة الأمد خاضها لوضع وحدات الحشد الشعبي تحت سيطرة الدولة بما في ذلك الوحدات المتحالفة مع طهران. وبإيعاز من واشنطن، وضع السعوديون أكبر رهاناتهم على العبادي، وقدموا له دعما واضحا في مؤتمر المانحين لإعادة إعمار العراق الذي استضافته الكويت في فبراير/شباط لعامنا الحالي، حيث حرصت دول الخليج على تقديم دليل ملموس قبل الانتخابات العراقية على أن العبادي وحده يمكنه أن يضمن تدفق مليارات الخليج لإعادة إعمار العراق.

  

ولكن رهانات السعودية لم تقف عند حدود العبادي وحده، ففي يوليو/تموز 2017 اجتذبت صور رجل الدين الشيعي العراقي "مقتدى الصدر" مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في مدينة جدة على السواحل السعودية أنظار العالم، حيث لم تكن زيارة الصدر للسعودية تحولا في موقف الصدر وحده، ولكنها مثلت تغيرا دراميا في موقف الرياض التي لم تمانع احتضان رجل دين شيعي ثوري يملك تاريخا حافلا من العداء لها.

  

كان مقتدى الصدر قد نجح خلال فترة قصيرة في إعادة إنتاج نفسه من قائد ميليشيا دموي متورط لأذنيه في السياسات الطائفية إلى سياسي قومي شعبوي، وقد هندس(24) الصدر صعوده الشعبي على قاعدتين رئيستين، أولاهما مغازلة الطبقات العراقية الأكثر فقرا من خلال الهجوم على النخب الحكومية الفاسدة كما رآها، وثانيهما مقاومة التغلغل الإيراني طويل الأمد في المؤسسات السياسية والأمنية العراقية، وهي دعوة لاقت آذانا مصغية لدى الرياض بكل تأكيد.

       

   

هناك الكثير من المصالح المشتركة التي حفزت التقارب بين الصدر والرياض، من جانبه كان الصدر طامحا لإعادة إبراز نفسه بوضوح كشخص مختلف عن بقية الحشد الشعبي الشيعي حتى يتمكن من البقاء في المشهد السياسي العراقي، لذا كان اتخاذ نهج مختلف تجاه السعودية وسيلة مناسبة للقيام بذلك، في وقت كان الصدر يأمل فيه أيضا بتأمين الدعم من الجماعات السنية العراقية المدعومة من السعودية ومن الشيعة المقربين منها، مثل رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي، وفي الوقت نفسه، فإن نجاح الصدر المحتمل في تخفيف القبضة الحادة للرياض تجاه المجتمعات الشيعية الخليجية، وتعزيز قبول الشيعة في الأوساط الخليجية، سيكون -إن حدث- إنجازا جديدا يضيف إلى رأس ماله الرمزي كأحد أشهر قيادات الشرق الأوسط الشيعية.

  

على الجانب الآخر، كان التواصل مع الصدر جزءا من خطة سعودية لاستعادة موطئ قدم لها في العراق وتقليل النفوذ الإيراني هناك، وهي خطة لم تعتمد الرهان السعودي التقليدي على المجتمعات السنية، ولكنها تجاوزته للتواصل مع النخب السياسية والدينية الشيعية في محاولة لتأسيس روابط طويلة الأمد تتجاوز خطوط الانقسام الطائفية السعودية التقليدية، جنبا إلى جنب مع استخدام المساعدات الاقتصادية بشكل أكثر دقة وتوجيها.

  

مملكة محبي الشيعة

كجزء من عملية إعادة تقييم طويلة لسياستها في الرياض، وصلت المملكة إلى قناعة مفادها أن الغالبية العظمى من الشيعة العراقيين على استعداد لوضع هويتهم العرقية العربية فوق هويتهم الشيعية الطائفية، ولم يكن هناك مثال على ذلك أبرز من كون الشيعة العراقيين في طليعة المقاتلين ضد نظام الفقيه الإيراني خلال حرب الثماني سنوات رغم خلافاتهم العميقة مع نظام صدام حسين، وعاد ذلك إلى أن معظم العراقيين يتبعون المدرسة الدينية في النجف، وهي منافس تاريخي لحوزة قم الإيرانية معقل نظرية ولاية الفقيه الإيرانية، وبالإضافة إلى ذلك فإن نظرة شيعة العراق إلى نظرائهم الإيرانيين قد هيمن(25) عليها بشكل تاريخي الاختلاف العرقي بين العرب والفرس أكثر من الاتفاق المذهبي الظاهري، ناهيك عن كون رجال الدين الشيعة في العراق يحملون إرثا من المخاوف حول هيمنة رجال الدين المنحدرين من أصول إيرانية على الحوزة الشيعية العراقية.

  

قامت فلسفة الرياض على أن تعزيز الهوية العربية المشتركة بين السعوديين والعراقيين يمكن أن يسهم في إنهاء هوة الخلاف المذهبي بين الطرفين، ولكن ذلك يتطلب في المقام الأول تخفيف نبرة الخطاب العدائي الذي يتبناه رجال الدين السعوديون تجاه كل ما هو شيعي أو يمت لهم بصلة، وهو ما طلبه مقتدى الصدر من ابن سلمان بشكل صريح أثناء زيارته لجدة، حيث عرض تسهيل التواصل بين زعماء القبائل الشيعية العراقية وبين الرياض، مقابل أن تبدأ الرياض في الاعتراف بالمذهب الشيعي كأحد مدارس الإسلام، كما طلب الصدر من الرياض فتح قنصلية في النجف لتسهيل الحج للمدينة المقدسة الشيعية من قبل الشيعة من المملكة العربية السعودية، وأيضا تسهيل حج الشيعة العراقيين لمكة والمدينة.

  

لم يكن مقتدى الصدر هو "النجفي" الوحيد الراغب في علاقات أكثر حميمية مع السعودية، فبالتزامن مع ذلك كانت الرياض تغازل أيضا "عمار الحكيم"، قائد المجلس الإسلامي الأعلى للعراق، وهو حليف فضفاض للصدر والعبادي، داعية إياه لزيارتها، ومقدمة مبلغ 10 ملايين دولار دعما لقناة الفرات المملوكة له كما أشارت تقارير (26) استخباراتية. فمثله مثل الصدر، ينحدر الحكيم من عائلة دينية بارزة في النجف، ويعد ابن عمه آية الله العظمى "محمد سعيد الحكيم" ثاني أكبر رجل دين في النجف بعد آية الله السيستاني، وعلى غرار الصدريين، يرى الحكيميون أهمية الانخراط مع السعودية كطريقة لإعادة التوازن إلى علاقات العراق الإقليمية.

       

   

بالتزامن مع ذلك، يبدو أن الرياض أعطت الضوء الأخضر لمؤسساتها الدينية السنية للتواصل بشكل غير رسمي مع علماء الشيعة في النجف، بعد عدة إيماءات رمزية من الملك وولي عهده ومسؤولين بارزين حول انفتاح المملكة على التنوع الديني، بما في ذلك لقاءات مع بابا الكنيسة الأرثوذكسية المصرية، ومسؤولين رفيعي المستوى في الفاتيكان، وحتى حاخامات يهود في واشنطن.

  

وبالإضافة إلى تعزيز السياسات المتجاوزة للطائفية، كان لدى السعودية أيضا مصالح أمنية في نجف أكثر اعتدالا، حيث ترى الرياض أن المرجعية الدينية في النجف يمكن أن تعمل كقوة موازنة للنظام الإيراني، كما تدرك أن "آية الله السيستاني" لا يزال يتمتع بقدر كبير من النفوذ على الحشد الشعبي، ورغم أن السيستاني شجب في مناسبات متعددة معاملة السكان الشيعة في الخليج، وخاصة في البحرين، فإنه يتمسك بسياسة اللاعنف، على العكس من نظرائه الإيرانيين، ويُعتقد أن السيستاني نفسه يحتفظ بقناة خلفية للتواصل مع الرياض.

  

الاختراق السعودي

تشجع حوزة النجف والسياسيون المقربون منها أيضا على المزيد من الوجود السعودي في الاقتصاد العراقي، ويعد الاقتصاد هو الأداة الأقوى للنظام السعودي لإعادة تشكيل ارتباطه بالعراق، وهو المجال الوحيد الذي تتفوق فيه المملكة على إيران، حيث تتمتع منتجاتها الاستهلاكية بجودة أعلى ولدى شركاتها بنية تحتية أقوى وخبرة استثمارية أكثر، والأهم: محافظ مالية أكثر تكدسا.

 

ومع ذلك فإن معظم السلع الاستهلاكية العراقية تأتي اليوم من إيران، ولا تزال مصالح طهران الاقتصادية راسخة (28) بجذورها في العمق العراقي، حيث تمثل العراق سوقا مربحة للصادرات الإيرانية تبلغ قيمتها أكثر من 12 مليار دولار سنويا، الأمر الذي يساعد على جلب المليارات من العملات الأجنبية الثمينة للاقتصاد الإيراني، سواء من خلال العقود الحكومية، أو عبر الاستفادة من شبكاتها السياسية والاجتماعية الواسعة الممتدة من المدن الدينية في كربلاء للأسواق الكبيرة في البصرة وبغداد.

  

خارطة العلاقات السعودية العراقية الجديدة

تسعى الرياض لمزاحمة طهران سريعا في الأسواق العراقية التي تحتكرها مستفيدة من تفوقها المالي، ففي أغسطس/آب 2017 فتحت المملكة معبر عرعر الحدودي مع العراق لتسهيل التجارة، مع مساعٍ لتخفيض التعريفات الجمركية على السلع السعودية، ولاحقا في أكتوبر/تشرين الأول تم استئناف الرحلات الجوية بين بغداد والرياض بمعدل 140 رحلة شهريا بعد انقطاع تاريخي، بينما تتركز معظم الجهود السعودية على البصرة، أغنى المحافظات العراقية، والمعقل التاريخي لعرب الخليج الذين امتلكوا قصورا فخمة على نهر شط العرب خلال عهد صدام حسين.

      


      

بدأت المملكة رحلة (29) اختراقها للبصرة بالإعلان عن نيتها افتتاح قنصلية في فندق شيراتون يجري الآن وضع اللمسات الأخيرة عليها، بالتزامن مع تدفق غير مسبوق من الشركات المملوكة للمملكة للاستثمار، وفي مقدمتها عملاق البتروكيماويات السعودي "سابك" الذي يسعى لإحياء مصنع البتروكيماويات المتهالك في المدينة بهدف تقليص قبضة المنتجات الإيرانية هناك، كما تتطلع الرياض للاستثمار في حزام الأراضي الخصبة على طول الحدود مستغلة وجود المياه الجوفية في هذه المنطقة، بينما يأمل المسؤولون العراقيون في دفع المملكة إلى إعادة فتح خط الأنابيب الذي أُغلق عام 1990 لنقل النفط العراقي عبر البحر الأحمر.

  

لكن إعادة الإعمار يظل هو الملف الأكبر الذي تأمل السعودية من خلاله في ترسيخ نفوذها وتفكيك القبضة الإيرانية، حيث تأمل الرياض في أن استخدام الأموال الخليجية لملف إعادة الإعمار سيكون وسيلة محتملة للتأثير على التحالفات السياسية في العراق بشكل دائم وهيكلي، خاصة في ظل سياسة إدارة ترمب التي تدفع بقوة تجاه إقامة شراكة سعودية وخليجية-عراقية قوية تعفي واشنطن من تبعات تمويل عمليات إعادة الإعمار.

  

وقد تعهدت البلدان والمنظمات المانحة بتقديم 30 بليون دولار لإعادة إعمار العراق في مؤتمر الكويت الدولي منذ أربعة أشهر، حيث تعهدت الرياض بالتزام مبدئي بقيمة 1.5 مليار دولار، إضافة إلى ستة مليارات دولار تعهدت بها الإمارات، وشملت التعهدات المهمة الأخرى خمسة مليارات دولار من جانب تركيا، و4.7 مليار دولار من صندوق النقد الدولي، وملياري دولار من الكويت، و1.5 مليار دولار من الصندوق العربي للتنمية الاقتصادية، ولكن الأمر الأكثر لفتا للانتباه هو أنه رغم حضور وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف للمؤتمر، فإن طهران لم تتعهد بأي مبالغ واضحة لبرنامج الإعمار.

  

يرجع ذلك على الأرجح إلى نمو مزيد من التحفظ (30) بين صفوف المسؤولين الحكوميين الإيرانيين تجاه توجيه المزيد من الأموال للأنشطة الخارجية، خاصة وأن الدعم المالي والعسكري السخي الذي تقدمه حكومتهم للدول والوكلاء الأجانب يقع في قلب موجات الاحتجاج التي تجتاح طهران منذ مطلع العام الحالي، في وقت تبدو فيه الشركات الخاصة الإيرانية مترددة في المساهمة في عملية إعادة الإعمار في ضوء كون الكثير من تلك الشركات لم تتلق مدفوعاتها المتأخرة لدى الحكومة العراقية، وهو ما أدى إلى تقلص نسبي لحصة إيران من صادراتها للعراق خلال النصف الثاني من العام الماضي.

  

لكن ذلك لا يعد مؤشرا على أن إيران تنوي الاستسلام في مواجهة الغزو الاقتصادي السعودي، لذا، وردا على الإجراءات السعودية، افتتحت إيران منطقة تجارة حرة بجوار معبر شلمشة بالقرب من البصرة، ورفعت من جانب واحد متطلبات التأشيرة للعراقيين لتسهيل جولات التسوق في خوزستان الإيرانية على الحدود، في حين تسعى للاستفادة من انخفاض قيمة العملة الإيرانية لتشجيع العراق على زيادة محفظتها من الصادرات الإيرانية وتسهيل تدفق السياح الإيرانيين إليها.

        

  

ورغم المنافسة الشرسة، فإن الهجوم الدبلوماسي السعودي أثبت فاعليته، حيث بدا أن ديناميات السياسة العراقية المتغيرة تسير في صالح الرياض، خاصة في ضوء النتائج البرلمانية التي أُجريت منتصف الشهر الماضي التي تصدرتها قائمة القيادي الشيعي مقتدى الصدر بواقع 54 مقعدا، في حين حلت قائمة العبادي في المرتبة الثالثة بحصة 41 مقعدا، وكلاهما يتمتع بعلاقة جيدة مع السعودية. ويحتاج (32) أي ائتلاف حاكم إلى تأمين 165 مقعدا على الأقل من أجل تشكيل حكومة أغلبية محصنة ضد محاولات سحب الثقة، ورغم أن التحالف الذي يقوده زعيم ميليشيات الحشد الشعبي "هادي العامري"، وهو الممثل الرئيس للمصالح الإيرانية في العراق، قد حل في المرتبة الثانية بحصة 47 مقعدا، فسيظل من الصعب تشكيل تحالف حاكم مستقر يتجاوز كتلتي العبادي والصدر بحال.

    

يقودنا ذلك إلى استنتاج مفاده أن أي حكومة عراقية قادمة من غير المرجح أن تكون شديدة الولاء لإيران في ظل القوة الكبيرة التي يتمتع بها الصدريون حتى لو لم يشاركوا في الائتلاف الحاكم، وأن أي حكومة يدعمها أو يشارك فيها الصدر ستسعى لموازنة علاقاتها بين القوى الأجنبية عبر منح مزيد من المساحات للرياض، ورغم أن العبادي يبدو أكثر استعدادا من الصدر للتماهي مع المصالح الإيرانية، فإن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وما صحب ذلك من موجة عداء إقليمي لطهران ستجعل أي حكومة عراقية حذرة من أن تلقي برهاناتها كلها على طهران.

   

بالنسبة إلى المملكة، يمثل العراق تجربة استثنائية لاستخدام الدبلوماسية الناعمة تتناقض بشكل صارخ مع "سياسة متكبرة" ميزت مقاربة الرياض للقضايا الإقليمية، بداية من البحرين إلى اليمن ووصولا إلى لبنان، ورغم أن الديناميات المحلية والإقليمية المناهضة لإيران في بغداد منحت السعودية موطئ قدم مفاجئ في ساحة ظنت أنها خسرتها منذ زمن طويل، فإن دبلوماسية المملكة حققت الكثير من التقدم في العراق خلال العامين الماضيين.

  

ولكن ذلك لا يعني بحال أن طريق السعودية سيكون مفروشا بالورود، حيث لا يزال حلفاء إيران متغلغلين في البيروقراطية العراقية ويمكن أن يعوقوا المصالح السعودية، كما يمكن لطهران أن تصرف جهودها لتقويض المكانة الشعبية للسياسيين الشيعة الذين انخرطوا مع الرياض، وبإمكان طهران أيضا استخدام قوات الحشد الشعبي من أجل إزعاج المملكة ومناوشتها على حدودها، في حين لا يستبعد أن يتطور الأمر إلى استهداف الموالين لإيران للمصالح السعودية حال قيام مواجهة أوسع نطاقا بين الغريمين، وقبل ذلك، هناك الهشاشة الكامنة بالأصل في أي تحالف طويل الأمد بين الرياض وبغداد حيث سرعان ما تفقد تلك التحالفات مغزاها في مواجهة ذلك الإرث الطويل من التنافس الديني والوطني والجيوسياسي الذي يفرض نفسه على الجميع، ولو بعد حين. 

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار