اغلاق
آخر تحديث: 2018/6/21 الساعة 13:21 (مكة المكرمة) الموافق 1439/10/8 هـ

انضم إلينا
مباغتة في الخاصرة.. أردوغان وتقويض نفوذ أبوظبي بالبحر الأحمر

مباغتة في الخاصرة.. أردوغان وتقويض نفوذ أبوظبي بالبحر الأحمر

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
 

مع دخل لأسرة كاملة يتراوح ربما بين دولارين لثلاثة دولارات في أفضل الأحوال، يمكننا أن نصنف جزيرة "سواكن" النائية على البحر الأحمر كإحدى أكثر مناطق العالم فقرا، لا بالمعايير العالمية فقط، ولكن حتى بمعايير بلد شديد الفقر مثل السودان التي تنتمي إليه الجزيرة المنعزلة، على الأقل من الناحية الجغرافية. وحين نقترب بالصورة أكثر، سرعان ما تتكشف
(1) تفاصيل الحياة في تلك البقعة على البحر الأحمر التي تبدو أبعد ما يكون عن الرفاه، فالمشفى الوحيد الذي يخدم البلدة يعود تاريخه لما قبل استقلال السودان في الخمسينيات، في حين يشكو سكان الجزيرة الذين لا يتخطى عددهم 50 ألفا مما يرونه إهمالا طويل الأمد من قبل الحكومات المتعاقبة في الخرطوم، إهمال دفع العديد من سكان البلدة للتخلي عنها والبحث عن فرص أخرى ربما في "بورت سودان" المجاورة على بعد حوالي 60 كليومترا إلى الشمال من الجزيرة.

         

قبل مائة عام فقط لم تكن الأمور بمثل هذا السوء، حيث كانت سواكن الميناء الأوحد للسودان، وإحدى الموانئ الاستراتيجية على البحر الأحمر، حتى مع تفكك تركة الدولة العثمانية التي خضعت الجزيرة الصغيرة لسيطرتها على مدار أربعة قرون متعاقبة، منذ غزاها السلطان سليم الأول عام 1571، لتصبح منذ ذلك الحين مقرا لحاكم مديرية الحبشة العثمانية، وملتقى لحكام المقاطعات والقادة العسكريين العثمانيين، ومركزا حكموا منه لقرون طويلة مساحات شاسعة في أفريقيا.

      

في ذلك التوقيت، تمكنت(2) سواكن الصغيرة بفعل موقعها الاستراتيجي من العمل كمركز للتبادل التجاري بين الهند وجزيرة العرب، كما عملت كنقطة ربط حيوية في طريق الحجاج القادمين من شرق آسيا لأداء الفريضة المقدسة، حين استخدمت كمحطة عبور إلى "جدة" على الضفة الأخرى من البحر الأحمر، ما خلق علاقة توأمة روحية بين المدينتين لا تزال قائمة لليوم، حيث تسير المراكب يوميا بينهما. لكن الجزيرة سرعان ما فقدت كثيرا من قيمتها التجارية بعد أن اكتشف الأوروبيون طريقا جديدا للتجارة حول أفريقيا دافعين ذلك اللسان الصغير داخل البحر الأحمر إلى المزيد من الانزواء.

               

     

مع انهيار الدولة العثمانية، فإن السيطرة على سواكن آلت إلى البريطانيين، ومعها انحدرت الأوضاع في الجزيرة إلى مزيد من السوء حيث هُجرت(3) سواكن وفقدت أهميتها لصالح المرفأ الجديد الذي شيدته بريطانيا في بورت سودان المجاورة بين عامي 1905 و1909، وكان السبب المعلن لاستبدال سواكن حينئذ هو أن مرفأها لا يمكن الوصول إليه سوى من خلال طريق ضيق بين الشعاب المرجانية الخطرة، وهو ما جعله غير مناسب لعبور البواخر الأكبر حجما. وقد كان ذلك بمثابة حكم أبدي بالموت، فبحلول عام 1922 كانت سواكن قد تحولت بشكل فعلي لمدينة للأشباح.

     

فبعد أن فقدت مكانتها على طرق التجارة والحج، سقطت المدينة والميناء في حالة من الخراب وانحدرت من سيء لأسوأ منذ عشرينيات القرن الماضي. وعلى مدار قرن كامل، تحولت أبنيتها التاريخية العتيقة بشكل تدريجي لأطلال لم تنجح في إنقاذها تلك المحاولة الحيية للتدخل من قبل الحكومة بين الحين والآخر لحماية الإرث التاريخي للجزيرة، قبل أن تعود سواكن من جديد لدائرة الضوء في الأيام الأخيرة من العام الماضي 2017، إبان زيارة تاريخية لوفد تركي يتقدمه رئيس البلاد رجب طيب أردوغان للسودان، حين أعلن الطرفان عن اتفاق تنمية خصصت بموجبه السودان الجزيرة للأتراك للعمل على إحياء الطريق القديم للحجاج الأفارقة، وإنشاء رصيف بحري لتشغيل السفن المدنية والعسكرية ضمن حزمة اتفاقات استثمارية تعهدت بها أنقرة للخرطوم.

    

في سواكن، قوبلت تلك التعهدات التركية بقدر كبير من التفاؤل الحذر، حيث لم تكن تلك هي المرة الأولى التي تجذب فيها الجزيرة الصغيرة أنظار القوى الطامحة لموطئ قدم على البحر الأحمر. فقبل قرابة عقدين من الزمان، كانت سواكن محطا لاهتمام الإيرانيين في ظل العلاقة المزدهرة بين "الجمهورية الإسلامية" الناشئة وبين النظام الإسلامي الجديد في السودان، حين تعهدت طهران بتأسيس وجود لها في الموانيء السودانية على البحر الأحمر في بورت سودان وسواكن، ضمن شراكة أمنية واسعة النطاق أشرفت(4) بموجبها الجمهورية الإسلامية على تأسيس وتدريب أجهزة الأمن السودانية، في وقت استخدمت فيه الأراضي السودانية كقاعدة لتقديم الدعم والتدريب للمقاومة الفلسطينية وبشكل خاص لحركتي حماس والجهاد الإسلامي.

    

لكن التنمية الاقتصادية لم تكن حاضرة في أي وقت على جدول أعمال الإيرانيين في السودان، لذا فقد واصلت "سواكن" الغرق في صمت متجهة نحو مزيد من الفقر والانعزال، وفي انتظار مناورة أخرى لنظام "عمر البشير" يبحث فيها عن قوة إقليمية طامحة جديدة يفتح لها أبواب بلاده أملا في إنقاذ اقتصاده المتداعي. ولما كانت مناورة البشير قصيرة الأمد للتقرب للسعودية على حساب حليفه التقليدي في طهران من خلال إرسال آلاف من جنود قوات الدعم السريع، أو ميليشيا "الجنجويد" -كما يطلق عليهم عالميا- للمشاركة في حرب اليمن، وشن حرب غير مسبوقة على المؤسسات الإيرانية في بلاده، لما كانت مناورته تلك قد باءت بفشل ذريع حين لم توف المملكة بوعودها بالاستثمارات الضخمة في قطاعات السدود والزراعة السودانية، قرر البشير كعادته المناورة مع راع جديد، فاتحا أبواب بلاده هذه المرة لتركيا التي قابلت بدورها تذكرة العبور السودانية بترحاب غير مسبوق ويكأنها كانت تنتظرها.

          

    

العثمانية الجديدة
تستحق زيارة أردوغان للخرطوم أواخر العام الماضي أن توصف بكونها "زيارة تاريخية"، ليس بالتعبير المستهلك المعتاد وإنما وفقًا للكثير من الاعتبارات، فمن ناحية فإن تلك أول زيارة لرئيس تركي للسودان منذ حصولها على استقلالها عام 1956، ومن ناحية أخرى فإن زيارة الوفد التركي جاءت محملة بحزمة من الاتفاقات الاستثمارية المفاجئة في ضخامتها بالمقارنة مع الحجم الحالي للتجارة بين البلدين والذي يبلغ بالكاد 500 مليون دولار فقط.

    

كان الاتفاق الخاص بسواكن مجرد واحد من حزمة(5) مكونة من 12 اتفاقا بقيمة 650 مليون دولار تعهدت بها تركيا للسودان، والتي شملت أيضا مطارًا جديدًا في الخرطوم، وجامعة، ومنطقة تجارة حرة في بورت سودان على البحر الأحمر، واستثمارات للقطاع الخاص التركي في محطات الطاقة وإنتاج القطن وصوامع الحبوب وتجهيز اللحوم، والأهم من ذلك، وعد الأتراك برفع حجم التجارة التركية السودانية مباشرة لمليار دولار خلال عام واحد، مستهدفين وصول حجم تلك التجارة لعشرة مليارات دولار خلال السنوات المقبلة.

   

على الرغم من الضجة الكبيرة التي أثارتها الزيارة، وبالأخص حول سر اهتمام أنقرة _التي لا تملك أي حدود على البحر الأحمر_ في امتلاك موطئ قدم لها في تلك المنطقة، فإن تحرك أنقرة نحو السودان لم يكن بحال جملة اعتراضية في السياسة الخارجية التركية في السنوات الأخيرة، وهي سياسة تميزت بمساع واضحة(6) لتقديم نفسها كقوة إقليمية كبرى عبر توسيع أراضيها، واكتساب مواطئ نفوذ واضحة خارج حدودها، وعلى الأخص في المناطق الحيوية التي وقعت تاريخيا تحت سيطرة الإمبراطورية العثمانية. ولكن في الوقت نفسه، فإن تركيا كانت حريصة على ألا تصبغ طموحاتها الجديدة بصبغة إمبراطورية استعمارية بقدر ما قدمت سياسة أشبه لظاهر السياسة التي طرحتها الصين في مبادرة الحزام والطريق، وهي سياسة تقوم على نموذج الاستثمار والتكامل الاقتصادي وتقديم المساعدات، أكثر مما تقوم على نشر الآليات والجنود والقوات.

   

ويبدو هذا النهج متوافقا بشكل كبير مع مبدأ الدفاع التركي الجديد المسمى باسم "القوة الفاضلة"، والذي تم إعلانه لأول مرة من قبل الرئيس التركي السابق عبد الله جول في عام 2012، أمام جمع من الضباط في أكاديمية إسطنبول العسكرية، حيث كان جول حريصا على وصف القوة التركية بأنها «قوة فاضلة ذات عقيدة قوية تحاكم جميع خطواتها إلى مبادئ الكرامة الإنسانية والسعادة». كما يتوافق ذلك السلوك أيضا مع النموذج الاقتصادي التركي المتنوع والقائم على فتح أسواق جديدة، وتوسيع استثمارات تركيا على أطراف مجال نفوذها التاريخي وفي مقدمة ذلك منطقة شرق أفريقيا.

         

    

في ضوء ذلك، يمكننا النظر لمغامرة أردوغان السودانية كخطوة واضحة في سلسلة ممنهجة لدفع المزيد من النفوذ في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي استنادا لركيزتين أساسيتين، أولهما الروابط التاريخية والثقافية التي تعود للعصر العثماني، وثانيهما الاستثمارات والمساعدات الاقتصادية. فقبل عام من زيارة السودان، وتحديدا في ديسمبر/كانون الأول عام 2016، كانت أنقرة قد وقعت اتفاقية مع جيبوتي لإنشاء منطقة تجارة حرة تبلغ مساحتها 12 مليون متر مربع، وبسعة اقتصادية قد تبلغ 1 تريليون دولار.

   

وبالإضافة إلى ذلك، فإن أنقرة حازت نفوذا طويل الأمد في الصومال يعود تاريخه لعقد سابق على الأقل، فمع امتلاكها للسواحل الأطول في إفريقيا، ووفرة الفرص الاستثمارية في قطاعات البنية التحتية المتداعية، والروابط الدينية التاريخية التي تعود للعصر العثماني حين تدخل العثمانيون للدفاع عن مقديشيو في القرن السادس عشر في مواجهة الإمبراطورية البرتغالية، كانت الصومال نقطة انطلاق مثالية لأنقرة لبسط "قوتها الفاضلة" تلك كما تسميها، حيث اندفعت المؤسسات الحكومية والخاصة التركية للصومال الممزقة بالحرب لتقديم يد المساعدة، وأسست الحكومة بالتعاون مع الوكالة التركية للتعاون الدولي والتنمية "تيكا" أكبر مجمع للمستشفيات في الصومال، كما قامت مؤسسة الإغاثة الإنسانية التركية ببناء أكبر دار للأيتام في إفريقيا بمقديشيو، في وقت أصبحت فيه الخطوط الجوية التركية الناقل الوحيد الذي يسير رحلات منتظمة للعاصمة الصومالية خلال أكثر من 20 عامًا.

     

لكن نفوذ تركيا الجديد لا يبدو أنه يقف اليوم عند حدود القوة الناعمة فقط، ففي سبتمبر/أيلول من العام الماضي، افتتحت تركيا بشكل رسمي أكبر قاعدة عسكرية خارج أراضيها في العاصمة الصومالية بتكلفة 50 مليون دولار وبتواجد 200 عسكري تركي، مع منشأتين خاصتين لتدريب جنود الجيش الصومالي، لتصبح بذلك ثاني قاعدة عسكرية لأنقرة خارج حدودها بعد قاعدتها في قطر التي تم التوصل لاتفاق بشأنها أواخر عام 2014، ودخلت حيز التنفيذ الفعلي إبان الأزمة الخليجية الأخيرة.

    

بخلاف ذلك، ترتبط أنقرة باتفاقيات أمنية مع كل من كينيا، وإثيوبيا، وتنزانيا، وأوغندا، لتدريب قوّات الأمن في تلك الدول على "مكافحة الإرهاب"، بما يعكس اهتمام أنقرة بلعب دور أكبر في أمن الممرات المائية وامتلاك قواعد عسكرية في المناطق الحيوية حول هذه الممرات الاستراتيجية.

            

        

لا تأتي تلك التحركات التركية منفردة، ولكنها تشير في الواقع لاتجاه أوسع، حيث تتسابق قوى أخرى في الشرق الأوسط وخارجها لإنشاء قواعد عسكرية أو وجود عملي حول البحر، حيث تمتلك مصر أسطولا جنوبيا مخصصًا للبحر الأحمر يدير أربعة قواعد عسكرية كاملة على سواحله، في حين تحتفظ إسرائيل بقاعدتها العسكرية في ميناء إيلات، وتمتلك السعودية قاعدة الملك فيصل البحرية في ميناء جدة، وتمتلك الإمارات وجودا عسكريا على سواحل اليمن في عدن وسقطرى وفي ميناء عصب الإريتري وكذلك في موانئ مقاطعات الصومال الانفصالية مثل "صوماليلاند"، في الوقت التي تستخدم(7) فيه إيران موانئ إريترية كقواعد للإمدادات، كما أن إسرائيل مرة أخرى لا تكتفي بإيلات، حيث تقوم بمهام تزويد غواصاتها البحرية في أرخبيل دهلك الإريتري، بينما تمتلك كل من الولايات المتحدة وفرنسا واليابان والصين وإيطاليا - وقريبا السعودية - قواعد عسكرية في جيبوتي، في حين تسعى روسيا هي الأخرى للحصول على موطئ قدم عسكري في السودان وهو أمر تمت مناقشته خلال اجتماع بين بوتين والبشير في سوتشي العام الماضي.

 

في خضم ذلك، فإن أنقرة تسعى أيضا لاستغلال نزعة العسكرة المتزايدة لدول البحر الأحمر وهشاشة البنية التحتية الأمنية لحكوماتها في فتح سوق جديد أمام صادرات الأسلحة التركية. فقبل يوم واحد من زيارته السودانية، أصدر أردوغان مرسوما طارئا وضع بموجبه صلاحية إبرام الصفقات العسكرية لتركيا تحت سلطته المباشرة، وهو قرار وضع وكالة الصناعات الدفاعية التي تمتلك أكبر الأسهم في معظم شركات الدفاع التركية تحت السيطرة المباشرة للرئيس، من صار أكثر حرصا على الترويج لصناعات بلاده العسكرية كإحدى أدوات حيازة النفوذ في صراع القوة الناعمة.

    

لعبة العسكرة

على الرغم من حرص أنقرة على تأكيد أن الاقتصاد يلعب دور رأس الحربة في سياستها الخارجية، فإن العسكرة المتزايدة للسياسة التركية أثارت فيما يبدو مخاوف العديد من جيران تركيا ومنافسيها، مع مخاوف خاصة بشأن وجود عسكري تركي على البحر الأحمر في سواكن على الطريق البحري بين القاهرة وداعمها الرئيس في الرياض.

    

لذا، أسهمت الطريقة التي منحت بها السودان تركيا موطئ قدم على البحر الأحمر في تعزيز هذا القلق بشكل خاص، حيث بدا التقارب السوداني التركي من جهة ردا على القضايا العالقة بين السودان والولايات المتحدة والمناوشات المتكررة بين واشنطن ونظام البشير، في ظل سعي الخرطوم لتنويع محفظة شركائها العسكريين لمحاربة المتمردين في دارفور. ومن ناحية أخرى، فإنه بدى تعبيرا ملائما عن الاستياء السوداني تجاه الوعود الجوفاء للاستثمارات السعودية، إضافة لإقدام المملكة على ترحيل عشرات الآلاف من السودانيين بدعوى عدم امتلاكهم لتصاريح إقامة.

     

   

في الواقع، تعي دول البحر الأحمر الكبرى وفي مقدمتها مصر والسعودية، أن موقع تركيا عند تقاطع الشرق والغرب سيجبرها على متابعة مواقف استراتيجية مماثلة لتلك التي اتبعتها الإمبراطورية العثمانية سابقا بطول شبه الجزيرة العربية والشاطئ الغربي للبحر الأحمر. ويعتبر إنشاء قاعدة عسكرية في سواكن تضاف للقاعدتين العسكريتين الأخريين في الصومال وقطر موازيا بالفعل للسياسة العثمانية.

    

ولكن الأمر لا يتعلق(8) بالأيديولوجيا أو إعادة التاريخ فقط، فهناك منطق استراتيجي وراء تحركات تركيا التي هيمنت تاريخيا على الملاحة في شرق المتوسط وغرب البحر الأحمر، ووراء محاولاتها لاكتساب الوصول للمناطق الساحلية في شبه الجزيرة العربية. لذا فإنه، منذ الوهلة الأولى، كان من الواضح أن هناك مخاوف خاصة لرباعي حصار قطر تجاه القاعدة التي أقامتها تركيا داخل الإمارة الخليجية الصغيرة، وهو ما ظهر بوضوح في إدراج إغلاق القاعدة التركية كأحد المطالب الـ 13 المثيرة للجدل لرفع الحصار عن قطر، حيث تنظر المملكة بعين القلق لتواجد عسكري تركي في شبه الجزيرة العربية، مع قلق أكبر من وجود مماثل لأنقرة على الضفة الأخرى من البحر الأحمر، في واجهة الميناء الرئيس للمملكة في جدة.

  

بشكل تاريخي، استخدمت الإمبراطورية العثمانية سواكن  السودانية كقاعدة لتوفير الحماية للحجاز على الضفة الأخرى من البحر الأحمر، ولكن السعودية تخشى اليوم من استخدامها كقاعدة لأي تهديد محتمل لأمنها خاصة في ظل احتدام المنافسة مع تركيا، وفي ظل اهتمام مماثل(9) لإيران بحوز وصول استراتيجي للبحر الأحمر وباب المندب للحفاظ على خطوط إمداد للحوثيين الذين يواجهون الرياض في اليمن، وتعزيز قدراتها على تهديد الملاحة عبرهما، فإن هناك مخاوف سعودية لا يمكن مقاومتها من تنسيق(10) تركي إيراني تستفيد خلاله إيران من التواجد التركي في شرق إفريقيا، بينما تستفيد تركيا ضمنه من التواجد الإيراني في العراق وسوريا، ما يعني وقوع السعودية ودول الخليج العربي تحت حصار نفوذ تركي إيراني.  وفي أدنى الأحوال، مع طرح الهواجس العسكرية جانبا، فإن الرياض تخشى من أن التواجد التركي في سواكن سيهدد خطط المملكة لزيارة إيراداتها من السياحة الدينية، حيث تخطط المملكة للحصول على 150 مليار دولار من الإيرادات من الحج والعمرة بحلول عام 2020، ومن المرجح أن تنظر المملكة لخطط أنقرة لإحياء طريق الحجاج الأفارقة القديم كتهديد محتمل لجزء من هذه الأرباح.

   

لدى الإمارات بدورها مخاوفها الخاصة من تحركات أنقرة في ظل توتر العلاقات بين البلدين والتي تصل أحيانا لمرحلة التراشق العلني. فمن ناحية، فإن وجود ميناء خاضع للسيطرة التركية على البحر الأحمر يهدد استراتيجية الدولة الخليجية المعتمدة على إنشاء شبكة داعمة من الموانئ تحافظ من خلالها على هيمنة دبي على طرق الشحن الرئيسة في المنطقة، خاصة بعد أن تعرضت هذه الشبكة لضربتين قاصمتين خلال الأسابيع الأخيرة بعد استبعاد شركة موانئ دبي من الإشراف على ميناء ومحطة حاويات دوراليه في جيبوتي، وتصعيد الحكومة الصومالية ضد التواجد غير الشرعي للإمارات في مقاطعات أرض الصومال وأرض النبط.

     

    

في ضوء ذلك، تظل أبوظبي حاملة لمخاوف كامنة من تحول سواكن أو أي ميناء سوداني آخر لمركز لوجيستي لإمداد السفن قد يعفيها(11) من المرور لبحر العرب، ويمنحها طريقا أقصر وأقل تكلفة. والأهم من ذلك، أن تطوير تركيا لوجود عسكري في هذه المنطقة من شأنه أن يمنحها القدرة على تحدي الهيمنة الإماراتية على سواحل اليمن الجنوبية، حيث تحظى أبوظبي باليد العليا هناك.

    

لكن القدر الأكبر من القلق تجاه التواجد التركي في السودان يتركز في القاهرة بكل تأكيد، في ظل توتر غير مسبوق لعلاقاتها مع الخرطوم وهو توتر يتجلى في ملفات عدة. أولهما الدعم الذي يقدمه كلا النظامين للمعارضين السياسيين للآخر، ففي حين تستضيف السودان الآلاف من الإسلاميين المعارضين للنظام المصري بعد فرارهم من القمع الأمني أعقاب انقلاب 3 يوليو/تموز 2013، تتهم السودان الحكومة المصرية بتقديم الدعم للمتمردين ضد نظام البشير في دارفور، كما تجدد النزاع الحدودي المطول بين القاهرة والخرطوم حول مثلث حلايب، الواقع اليوم تحت السيادة المصرية، والذي تطالب السودان باسترداده منذ استقلالها عن مصر منتصف الخمسينيات.

   

إلا أن القضية الأكثر إثارة للنزاع بين مصر والسودان اليوم هي مسألة سد النهضة الإثيوبي، وهو السد الكبير الذي تبنيه إثيوبيا على النيل الأزرق وهو الرافد الرئيس لنهر النيل، وهو البناء المرجح أن يؤثر بشكل درامي على حصة مصر من المياه. فمع سعة تخزين تبلغ 63 مليارات متر مكعب، فمن المرجح أن تتقلص حصة مصر من المياة بمقدار 22 مليار متر مكعب خلال سنوات ملء الخزان، بما يعني 40% من الحصة المقررة للقاهرة. وخلال السنوات الأولى لبناء السد، الذي بدأ العمل فيه عام 2011، عمل السودان كوسيط بين إثيوبيا ومصر، ولكن هذا الموقع يبدو أن تغير في السنوات الأخيرة،  ذ تنحاز السودان بشكل متزايد لإثيوبيا في النزاع حيث لن يمس السد حصة المياة السودانية كثيرا، في حين سيكون بإمكان الخرطوم الاستفادة من الكهرباء الهائلة التي سينتجها السد الذي سيكون بمجرد إتمامه سابع أكبر محطة طاقة كهرومائية في العالم.

    

تخشى القاهرة من أن أي تواجد عسكري لأنقرة على البحر الأحمر من شأنه أن يمنح الحكومة في الخرطوم المزيد من الجرأة(12) لاتخاذ إجراءات أكثر عدائية ضد مصر، سواء في مثلث حلايب الذي نشرت مصر قواتها العسكرية عليه في 2017، أو في ملف سد النهضة، حيث سيجعل التواجد التركي الخيارات العسكرية - المعقدة بالأساس- للقاهرة أكثر تعقيدا، خاصة مع احتمالية انضمام إثيوبيا نفسها للمحور الإقليمي الذي تتزعمه تركيا، مع تراجع رهان الولايات المتحدة على إثيوبيا واتجاه واشنطن لمزيد من الاعتماد على كينيا.

         

    
حلبة الصراع

يبدو الصراع في البحر الأحمر بالنسبة لأنقرة إذن أشبه بلعبة شطرنج جيوسياسي تقوم على حساب التحركات والتحركات المضادة، ففي حين أن أنقرة قد لا تمتلك مصالحًا أمنية أو عسكرية مباشرة في منطقة البحر الأحمر، فإن التواجد الفعال في الجنوب المصري، ذي العلاقات المتوترة مع تركيا، يقدم الكثير من الإغراءات بالنسبة للأخيرة، ويمكنها من ورقة مناورة هامة وهي حوزها لنفوذ نسبي حول أحد نقاط الاختناق الضيقة على المدخل الجنوبي للقناة. ولكن ما يهم تركيا حقا أن تحركا كذلك بإمكانه أن يرسل رسالة قوية للقاهرة حول عواقب انحيازها إلى قبرص واليونان وإسرائيل في الصراع حول تقسيم النفوذ ومناطق التنقيب عن الغاز في البحر المتوسط، وهو الصراع الذي يهم تركيا بشكل رئيس.

    

ولا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة إلى نظرة تركيا تجاه السعودية أو الإمارات، فرغم أن أنقرة لا تخطط لإلحاق الأذى بالمصالح الأمنية لأي من الدولتين الخليجيتين، فإنها تبدو راغبة في إظهار قدرتها على المنازعة حال تطلبت الظروف ذلك، حيث سرعان ما اكتشفت تركيا أنها لم تكن عاملا هامشيا في الأزمة الخليجية التي ولدت الحصار طويل الأمد على الدوحة، وأن ذلك الحصار كان بشكل ما موجها لأنقرة نفسها وإن حالت الجغرافيا دون وقوعه بشكل فعلي.

    

ومع تعمق الأزمة ومرور الوقت، كانت المناورات الفردية التركية تتحول بشكل تدريجي لمساعٍ تهدف لتشكيل اصطفاف إقليمي، حيث صارت أنقرة ترى حتمية تعزيز مصالحها من خلال تقوية المحور الإستراتيجي التركي القطري، وتطوير العلاقات مع الحلفاء المحتملين في منطقة البحر. وفي حين نجح ذهب الخليج وسيفه في استقطاب كل من جيبوتي وإريتريا لتأييد الحصار الخليجي ضد قطر، استخدمت تركيا وقطر نفوذهما من أجل إبقاء كل من الصومال والسودان وإثيوبيا على الحياد.

   

في واقع الأمر، فإن بوادر(13) الاصطفاف كانت قد بدأت قبل الحصار، ولم تسهم الأزمة إلا في تعزيزه. في الصومال، قدمت أنقرة الدعم السياسي والعسكري لحكومة الرئيس عبد الله فارماغو، في حين تدخلت الدوحة لدعمه(14) ماليا من خلال ضخ المزيد من الاستثمارات. وفي السودان شاركت وزارتا الدفاع مطلع عام 2017 في كلا البلدين في افتتاح مصنع سور للملبوسات العسكرية بشراكة بين أنقرة والدوحة، على أن ينتج المصنع ألفي زي عسكري للقوات المسلحة السودانية، ويصدر فائض إنتاجه لقطر وتركيا إضافة لكينيا والصومال.

          

   

وفي أبريل/نيسان من العام نفسه، استضاف أمير قطر وزير الدفاع السوداني عوض محمد بن عوف في الدوحة، وفي يوليو/تموز وبعد أسابيع قليلة من الحصار الخليجي أعلنت السودان وقطر توصلها لاتفاق لتطوير ميناء بورت سودان لاستيعاب عدد أكبر من الحاويات، ولاحقا في العام نفسه التقا وزيرا المالية القطري والسوداني واتفقا على استثمارات للدوحة في البنية التحتية والسدود، في وقت تقدر فيه إجمالي استثمارات الدوحة في السودان بـ 3.8 مليار دولار.

   

حضرت الدوحة أيضا أثناء زيارة أردوغان الأخيرة للسودان، وهي الزيارة التي شهدت ترتيبا عسكريا وإستراتيجيا بين الدول الثلاث، خلال اجتماع(15) خلف الأبواب المغلقة، حضره رئيس أركان الجيش خلوصي آكار، ونظيريه السوداني عماد الدين مصطفى عدوي والقطري غانم بن شاهين الغانم، حيث تم النقاش حول إنشاء ميناء على البحر الأحمر يأوي الوحدات العسكرية ويستضيف التدريبات العسكرية السودانية والقطرية المشتركة، ويتم من خلاله توجيه المساعدة الفنية التركية للجيش السوداني.

    

يبدو إذا أن توجه تركيا الجديد لتعزيز نفوذها خارج حدودها، إضافة لتداعيات تحركات الأنظمة الخليجية، يسهمان في ظهور ديناميات جديدة للتفاعل في منطقة البحر الأحمر، في الوقت الذي يبدو فيه أن الممر الاستراتيجي سيظل مكتظا باضطراد مع تزايد التجارة من الصين وسائر بلدان شرق آسيا المتعطشة للطاقة، والتي تشهد نموا ديموغرافيا مضطردا مثل الهند. ومع عمله كبوابة بين أوروبا والشرق الأقصى، فمن المرجح أن موانئه الاستراتيجية التي تربط الثلاث قارات سوف تزداد أهميتها من الناحيتين الاقتصادية والجيوسياسية على حد سواء، وسوف يزداد الصراع حولها بين مختلف القوى، ولن تكون تركيا بأي حال في معزل عن ذلك الصراع المحتدم.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار