اغلاق
آخر تحديث: 2018/7/14 الساعة 15:51 (مكة المكرمة) الموافق 1439/11/2 هـ

انضم إلينا
بعد انحساره.. هل يستطيع تنظيم الدولة إعادة بناء كيانه؟

بعد انحساره.. هل يستطيع تنظيم الدولة إعادة بناء كيانه؟

Chatham House

المعهد الملكي للشؤون الدولية
  • ض
  • ض
رغم انحسار تنظيم الدولة من عديد المناطق، إلا أنه لم ينته بعد. مع تشتت الآلاف من مقاتليه الذين لا زالوا على قيد الحياة، اختفى التنظيم واختبأ لبعض الوقت، ليُطرح السؤال التالي: أين سيذهب تنظيم الدولة بعد ذلك؟ يدرس دان بايمان الرغبات والحقائق التي تواجه قيادة التنظيم وأفراده، وأين سيكون المركز التالي لعمليات التنظيم الجهادي العالمية. 

  

حقق تنظيم الدولة نجاحًا هائلًا ولكن لفترة قصيرة، في ذروة نجاحه بين عامي 2014  و2015، حكم تنظيم الدولة منطقة بحجم بريطانيا، تضم ثمانية مليون نسمة. وتجاوزت قواته العسكرية الحدود بين سوريا والعراق، وبدت -ولو لعدة أشهر- قادرة على الصمود أمام ضربات الولايات المتحدة الجوية والعمليات المشتركة لمكافحة الإرهاب التي ضمت عشرات من اللاعبين الإقليميين والحكومات الأخرى.

    

     

هاجر الآلاف من المسلمين لدولة الخلافة التي أعلن التنظيم عن إقامتها، وقد استُخدمت أموال الجزية والغنائم (ما يقدر إجماليًا بحوالي مليار دولار سنويًا) لمكافأة أنصارهم. لقد هاجر إليها ما يزيد على 40 ألف أجنبي. وقاتل عشرات الآلاف من المسلمين السُنّة المنتمين إلى المدن التي يحكمها في صفوفه كذلك. ورأى بعضهم بأن التنظيم يدافع عن مجتمعهم، في حين رأى فيه آخرون حليفًا مؤقتًا لهم، وانضم آخرون له لأنهم شعروا بأنه لا يوجد أمامهم خيار آخر. وقد تعهدت مجموعات محلية بالولاء للتنظيم، وأعلنت من الأماكن التي تسيطر عليها "مقاطعات" تابعة للخلافة الجديدة في أماكن متفرقة وبعيدة من العالم الإسلامي مثل نيجيريا وليبيا وسيناء وأفغانستان.

 

ومع ذلك، فقد كانت هزيمته درامية مثل نشأته: فتنظيم الدولة اليوم هو شبح خيال للتنظيم السابق، إذ خسر كل المناطق التابعة له تقريبًا، والكثير من موارده، والعديد من مقاتليه.

  

ورغم زوال "دولة الخلافة"، إلا أن التنظيم نفسه لم يزُل. اختفى التنظيم لبعض الوقت، في حين  تشتت الآلاف من مقاتليه الذين لا زالوا على قيد الحياة. ربما يكون السؤال الذي يصلني كثيرًا هو: أين سيذهب تنظيم الدولة بعد ذلك؟ تتطلب الإجابة التأمل في رغبات التنظيم والواقع الذي يواجه أفراده وقيادته، وهناك سؤال آخر حول المكان التالي الذي ستتخذه الجماعة الجهادية العالمية مركزًا لها.

  

"الولايات" التابعة لتنظيم الدولة

 قد تكون المدن المرشحة لتكون مركزًا للتنظيم هي واحدة أو أكثر من الولايات التي أعلنت الولاء لتنظيم الدولة.

 

ليبيا:

ربما تكون ليبيا هي أعلى الولايات التابعة لتنظيم الدولة نشاطًا، وبدا طوال عام أنها تشكل دولة صغيرة حقيقية، فهي تقوم بقطع الرؤوس وغيرها من الأمور التي تنافس بها أساتذتها في دولة الخلافة. ومع ذلك، استطاعت القوات المحلية في عام 2016 بمساندة القوات الجوية الأمريكية، طرد تنظيم الدولة من معقلهم في سرت، وجعلت الضربات المتوالية التي أصابت التنظيم في حالة عدم اتزان. رغم هذه المعوقات، لا زال هناك الآلاف من المقاتلين الأجانب محتدشون هناك، وقد حذر المسؤولون في الولايات المتحدة من أن عدم الاستقرار لا زال يهدد البلاد.

    

    

سيناء:

تمثل سيناء كذلك واحدة من أقرب الولايات للتنظيم الأساسي في العراق والشام. إلا أن منطقة سيناء تعد ملجأ ضعيفًا، لأنها تدع التنظيم عرضةً للهجمات المصرية (والإسرائيلية السرية)، مما يحد من إمكانية جعلها قاعدة كبيرة للعمليات.

  

نيچيريا وأفغانستان:

لتنظيم الدولة وجود في نيجيريا أيضًا، ولكن اللجوء إليه سيمثل استمرارًا فعليًا لجماعة "بوكو حرام" وفصائلها المتعددة، هذه الجماعات المستقلة بشكل كبير عن التنظيم الأب. كما يمتلك تنظيم الدولة وجودًا في أفغانستان التي طالما مثلت أرضًا خصبة للجماعات المتطرفة، مثلها في ذلك مثل العديد من البلدان الأخرى. عاد بعض المقاتلين إلى هذه الولايات، وسوف يفعل المزيد منهم ذلك حتمًا.

  

تعاني هذه الولايات من مشكلات متعددة مثل المنازل الجديدة التي يجب أن توفر للمجموعة الأصل، بالإضافة إلى خلق قضية كذلك. كما تمثل العديد من هذه الولايات أماكن معرضة بشكل مباشر لهجمات الولايات المتحدة وحلفائها المقربين -مثل إسرائيل-، مما يجعل من العسير على تنظيم الدولة أن يكتسب الأعداد والزخم اللذين تمتع بهما سابقًا في العراق وسوريا. وفي حالة انتقال قيادة تنظيم الدولة إلى إحدى الولايات بأعداد كبيرة، فإن الولايات المتحدة سوف تضاعف من جهودها.

  

بالإضافة إلى ذلك، فمن بين الكثير من الولايات المزعومة التابعة لتنظيم الدولة، يشيع بين صفوف المقاتلين المحليين تفضيل لأن يكون الجهاد محليًا وأن تكون القيادة محلية أيضًا - والواقع أن هذا الأمر صحيح في أقوى مقاطعاتها، مثل نيجيريا. ونتيجةً لذلك، قد يصل قادة التنظيم الأساسي ويكتشفون فجأة أنهم إما سيصبحون تابعين، أو سوف يُنحون جانبًا. بالإضافة إلى أن كل الولايات بعيدة عن ساحة المعركة الحالية، أي أنه يتوجب على قادة تنظيم الدولة ومقاتليه أن يتحاشوا القوات المحلية والأمريكية التي تطاردهم، وأن يعبروا الحدود إلى تركيا أو غيرها من البلدان، ثم يشقوا طريقهم إلى منطقة الحرب، وهو تصرف محتمل، ولكن من الصعب القيام به بشكل جماعي دون إثارة الانتباه. وحتى بالنسبة لليبيا، التي تمثل واحدة من الوجهات الأفضل، حيث لا توجد حكومة حقيقية لتتحدث عن الحفاظ على حدود البلاد، لن تكون رحلة سهلة. كما أنه ليس من السهل نقل القضية. فلم تستطع أي من مناطق الحرب هذه أن تثير اهتمام المسلمين بقدر ما فعلت الحرب في سوريا.

    

    

تركيا:

تعتبر تركيا هي المرشح الأقرب -وربما الأفضل- ليحيي فيها تنظيم الدولة نفسه على أرضها. ففي السنين الأولى من الحرب السورية، تسامحت تركيا مع تدفق الجهاديين وغيرهم من المقاتلين جيئة وذهابًا إلى منطقة الحرب. وقد دخلت الأغلبية الكبيرة من مقاتلي تنظيم الدولة الأجانب إلى البلاد عن طريق تركيا، مشكلين شبكات مكثفة للتجنيد والدعم اللوجستي هناك.

  

بدأت حملة تركيا لفرض النظام بشكل متقطع في عام 2015، وأصبحت أكثر قوة في عام 2016، وشملت العمل العسكري ضد التنظيم في سوريا. أدت هذه التحركات إلى استهداف تنظيم الدولة للحكومة التركية ذاتها، تضمنت هجمات مدمرة على أماكن تاريخية في إسطنبول، وهجوم على أكبر مطارات البلاد، بالإضافة إلى هجمات عديدة قريبة للحدود، وغيرها. وفي عامي 2017 و 2018، ومع فرار المقاتلين من دولة الخلافة المنهارة، وجد الكثير منهم نفسه عابرًا للحدود التركية ثانيةً - ولكنهم هذه المرة علقوا هناك دون وجود وجهة واضحة يذهبون إليها إليه.

  

تمثل تركيا نقطة جذب وخطر على السواء بالنسبة لتنظيم الدولة. فمن ناحية، هي قريبة، وهناك شبكات مؤسَّسة بها، وهي تمثل خصمًا للتنظيم بسبب "خيانتها" له، وهذا يجعلها مكانًا جذابًا لتصير منطقة حرب جديدة. ومن ناحية أخرى، يتمتع الجيش والأمن التركيان بكفاءة عالية عندما يركزان الاهتمام على مجموعة ما، وسيكون من العسير على مقاتلي تنظيم الدولة والشبكات الخاصة به أن يبقوا بعيدين عن الأعين أمام مجهود متواصل وقوي.

   

العراق وسوريا:

يُعد أفضل مكان ممكن لاستبدال الخلافة السابقة في العراق وسوريا، هو العراق وسوريا. فقد دفعت في كلا البلدين، مجموعة مختلطة من القوات النظامية والقوات المحلية المدعومة من السلاح الجوي الأمريكي (بالإضافة إلى المساعدات والقوات الإيرانية، والمدعومة أيضًا في سوريا من قبل القوات الجوية الروسية) الجماعة إلى التواري عن الأنظار والعمل في الخفاء. إلا أن التخفي لا يعني أنه قد قُضي عليها بالفعل. ففي عام 2010، واجهت التنظيمات السابقة لتنظيم الدولة في العراق، مأزقًا مماثلًا بعد أن دفعتها زيادة القوات الأمريكية والاستراتيجية الجديدة التي اتبعتها إلى حافة الانهيار. إلا أنها عادت إلى الظهور مجددًا، مُستغلة التمييز ضد السُنة الذي مارسته الحكومة العراقية، والفوضى التي اجتاحت سوريا، والحملة الوحشية والفعالة من التخويف والقتل التي شنتها لتجبر المعارضة المحلية على التزام الحياد.

    

    

أصبحت الأمور الآن سيئة للغاية أمام تنظيم الدولة إلا أن وجود العديد من مواطن الضعف المتواترة في العراق جعلت حال الجماعة أفضل من سابقتها في عام 2010. ولا تزال الجماعة تضم الآلاف من الأعضاء. مما لا شك فيه أن القوات العسكرية التابعة للحكومة العراقية، التي تدعمها بقوة الميليشيات الشيعية الموالية لإيران والقوات الجوية الأمريكية، قد تحسنت كثيرًا بعد أن تدهورت حالتها ووصلت إلى الحضيض في عام 2014 - عندما فر عشرات الآلاف من المقاتلين العراقيين في الموصل من مواجهة بضع مئات من مقاتلي تنظيم الدولة - بالإضافة إلى أن القوات تضم عدد قليل من الجنود على قدرٍ عالٍ من الكفاءة. كما ينظر العديد من العراقيين السنة إلى وجود الميليشيات الشيعية باعتباره دليل على أن إيران والحكومة العراقية في بغداد يتآمران على إضعاف السُنة، الأمر الذي يستغله تنظيم الدولة في محاولة تصوير نفسه بصفته المدافع عن المجتمع السُني. كما لا يزال العراق نفسه يعاني من حالة فوضى، إذ تكافح الحكومة هناك لترسيخ شرعيتها ومواجهة الانقسامات داخل طوائف الشيعة والأكراد وفيما بينها، إلى جانب المجتمعات الأخرى التي لا تؤدي سوى إلى زيادة انقسام البلاد.

  

بالإضافة إلى الاستفادة من مواطن الضعف الموجودة في العراق، سيجد تنظيم الدولة العديد من الفرص في سوريا. في حقيقة الأمر، عند مقارنة المشاكل التي يواجهها كلا البلدين، قد تكون العراق في موقف تُحسد عليه بالنسبة لسوريا. سيتطلب اقتلاع تنظيم الدولة الذي يعمل في الخفاء الآن حُكمًا قويًا وعلى درجة عالية من الكفاءة، لكن لا يوجد أحد في سوريا قادر على توفير ذلك: إذ يعاني النظام السوري الذي يبدو مُنتصرًا من حالة ضعف وإرهاق شديدين. بالإضافة إلى أن تركيا تسيطر على جزء من البلاد، وتتطلع المملكة العربية السعودية والدول السنية الأخرى إلى دحر نفوذ إيران في المنطقة - مما يُمثل وصفة مثالية لمواصلة القتال، يُمكن لتنظيم الدولة أن يستغلها. قد تكون القبائل والمجتمعات المحلية قادرة على إضفاء بعض النظام، ولكن يمكن بسهولة أن تطغى عليها بعض العصابات الصغيرة نسبياً من المقاتلين.

   

الآن بعد أن أصبح تنظيم الدولة في وضع أضعف، من المحتمل أن تركز الفصائل المحلية والإقليمية على مواجهة بعضها البعض، ويُمكن أن يعتبر بعضها تنظيم الدولة بوصفه حليفًا محتملًا على المدى القصير (حتى وإن كان لا يزال عدوًا على المدى البعيد) من بين الأطراف الفاعلة الرئيسية في سوريا. ولذلك قد تكون البلاد الآن موقعًا مليئًا بالفرص بالنسبة الجماعة.

    

    

القوى الإقليمية قد تُقدم فرصة سانحة للعودة من جديد

تشهد المنطقة بأسرها حالة من التمزق، مما يتيح المزيد من الفرص لعودة تنظيم الدولة. فقد أدى تركيز تركيا على الاضطرابات الكردية إلى تبنيها أولويات مختلفة عن غيرها من حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، الذين ينصب تركيزهم على إيران أو النظام السوري. كما دفعت محاولة فرض السلطة والتناحر الطائفي بين المملكة العربية السعودية وإيران، كلتا القوتين إلى دعم الفصائل المتناحرة في لبنان واليمن وكذلك العراق وسوريا، تاركين وراءهما حالة من عدم الاستقرار. تُعد الحماسة الطائفية التي تُغذي النزاع القائم بينهما واحدة من أفضل النقاط التي يستغلها تنظيم الدولة للترويج إلى نفسه: فهو يدعي أن قواتها تُمثل الخط الأمامي في القتال ضد المحور الشيعي في بغداد - طهران - دمشق (وحزب الله اللبناني) الذي يضطهد السنة.

  

مما لا شك فيه أن أخطاء الولايات المتحدة الأمريكية سهلت عودة تنظيم الدولة مجددًا. وعلى الرغم من أن الجيش الأمريكي يحاول بقوة بناء شراكات لمحاربة تنظيم الدولة في أفغانستان وأفريقيا وأماكن أخرى، لكن مثل هذه الجهود الجديرة بالثناء لا تُمثل بديلًا عن الدور الذي تقوم به القيادة العليا. فقد أشارت إدارة ترامب إلى أنها لا تريد البقاء في سوريا أو غير ذلك من الأمور التي تنطوي على المشاركة في الجهود الشاقة المتعلقة بالحكم وبناء الدولة على المدى البعيد. كما وجه البيت الأبيض انتقادات إلى أوروبا بشأن الإنفاق العسكري والمبادلات التجارية، مما قلل من الدعم الشعبي للتعاون مع الولايات المتحدة. وبدلًا من دفع تركيا والمملكة العربية السعودية والحلفاء الإقليميين الآخرين إلى توحيد الجهود، أدت الإدارة إلى تفاقم الخصومات الإقليمية.

    

     

قد لا تكون الجهود الدبلوماسية والمشاركة الإقليمية والتعاون العسكري منخفض المستوى أمرًا مُبهرًا، كما أنه ينطوي على العديد من التنازلات المؤلمة، إلا أنه سيُعد أمرًا ذو أهمية حاسمة إذا تمكنت الولايات المتحدة من خلاله من منع تنظيم الدولة من إعادة بناء نفسه مرة أخرى في العراق أو في سوريا أو في أي مكان آخر.

---------------------------------------

ترجمة (فريق الترجمة)

(الرابط الأصلي)

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار