اغلاق
آخر تحديث: 2018/7/20 الساعة 16:14 (مكة المكرمة) الموافق 1439/11/8 هـ

انضم إلينا
احتجاجات البصرة.. هل يدخل العراق عصر ما بعد الطائفية؟

احتجاجات البصرة.. هل يدخل العراق عصر ما بعد الطائفية؟

أسامة الصياد

محرر سياسة
  • ض
  • ض

لم تبدأ نيران شعلة احتجاجات البصرة الحالية من المحافظة العراقية الثرية والشهيرة، وإنما يمكن عنونتها من منتصف العاصمة العراقية "بغداد، في الـ 30 من شهر أبريل/ نيسان لعام 2016، عندما اقتحم متظاهرون المنطقة الخضراء، أو "المدينة المحرمة" كما يحب بعض العراقيون تسميتها. وقتها، أتى ذلك الحدث النادر عن طريق أنصار الزعيم الشيعي "مقتدى الصدر" وبرعايته، عندما حثهم على الالتزام بسلمية التظاهرات، وجاء الاقتحام كرفض عملي للتشكيل الحكومي الجديد الذي عرضه على البرلمان حينها رئيس الوزراء "حيدر العبادي"، مع جملة اتهامات طالت العبادي وحكومته بالتخاذل عن إجراءات سريعة وحاسمة في مواجهة الفساد كما وعد، وأزمة في برلمان اتهم أيضًا آنذاك بعدم قدرته على حسم الأمور وتلبية رغبات الشارع، حتى وصل الأمر لاقتحامه واقتحام المنطقة ككل من المتظاهرين وسط صمت أمني مريب في منطقة معروفة بكونها الأكثر تحصينًا في العراق ككل.[1]

 
    

كانت التظاهرات مختلفة ونادرة الحدوث من فئة شيعية ضد أخرى، ورُغم أنه سوق من البعض كـ «خلاف في البيت الشيعي الواحد»، إلا أن الصدر وأنصاره، القادمين من مدينة الصدر المعروفة بـ "حزام الفقر" الذي يطوق بغداد، قد بدأوا حراكهم قبل هذا المشهد بكثير، حين توافد الآلاف منهم بجوار متظاهرين إصلاحيين لساحة التحرير وسط بغداد أيضًا، وتجرؤوا على التوجه نحو مداخل المنطقة الخضراء حيث مقر البرلمان والحكومة العراقية، إلى أن حدث الاقتحام بعد أن حطموا أجزاءً في الأسوار الإسمنتية المحيطة بالمنطقة، ردًا على تأجيل جلسة تصويت البرلمان على تشكيل مجلس وزراء جديد "تكنوقراط".[2]

      

مضى يوم الاقتحام وعلى غير المتوقع لم يصعد الصدر أو رجاله، وأصدرت اللجنة المنظمة لاعتصام المنطقة الخضراء فجأة بيانًا يدعو المحتجين لمغادرة المنطقة بهدوء[3]، إلا أنهم عادوا إليها مقتحمين بعد أقل من شهر من هذه الواقعة، لكن الحزام الأمني للمنطقة استقبلهم هذه المرة بقنابل الغاز المسيلة للدموع والرصاص الحي، وكانت الفجوة في هذا التوقيت قد اتسعت بين الأحزاب الشيعية، ووصلت الخلافات للمحافظات الجنوبية مع مظاهر قلما شوهدت قبل ذلك من تمزيق لصور قائد الثورة الإيرانية "الخميني" والمرشد الإيراني الحالي "علي خامنئي"، من قبل تجمعات إصلاحية ترفض ما أسمته بـ «الهيمنة الإيرانية» على القرار العراقي، مقابل أعلام إيرانية جابت الشوارع العراقية من قبل أطراف أخرى.[4]

   

سيطر السخط وقتها على المشهد السياسي العراقي وخاصة ضد رموزه السياسية والدينية والأمنية، وحُرقت مقرات لفصائل بالحشد الشعبي، والمجلس الأعلى الإسلامي، وسرايا الخرساني، وحزب الدعوة، وحزب الفضيلة، وميليشيا "عصائب أهل الحق"، وجند الإمام، وكتائب الإمام علي، ولواء أبو الفضل العباس، وغيرهم، من قبل شباب ما عُرف بـ "الثورة الشعبية الكبرى"، وازدادت فرص المواجهات الشيعية–الشيعية خاصة في محافظات الوسط والجنوب[5]، وكانت الرسالة شديدة الوضوح: يمكن للعراق أن يشهد انفجارات شعبية غير طائفية بحال ويصعب التحكم بها.

    

بعد أكثر من عامين وفي عامنا الحالي، التقطت شعلة التظاهرات مجددًا البصرة، ثالث أكبر المدن العراقية والواقعة في أقصى الجنوب على ضفة نهر "شط العرب" الغربية، العاصمة الاقتصادية الفعلية للعراق. وانطلقت شرارة الاحتجاجات الأولى يوم الأحد الموافق 8 يوليو/ تموز الحالي، وكعادة الأمور بدأت كرة الثلج صغيرة، حين أقام مواطنون وقفة احتجاجية أمام مقر إحدى الشركات النفطية العاملة في المنطقة مطالبين بحق التوظيف، ليتطور الأمر لمواجهة مع قوات أمن المدينة أدت لمقتل أحد المتظاهرين وإصابة أربعة آخرين، ثم اشتعل الغضب حتى وصل ذروته في الثالث عشر من الشهر عندما اقتحم المئات مطار مدينة النجف وأوقفوا حركة الملاحة الجوية، لتمتد التظاهرات لحقول النفط وتحديدًا حقلي غرب القرنة والمجنون في شمال المدينة، إضافة لاعتصام متواصل أمام ميناء أم قصر في جنوب المدينة، وأمام مبنى المحافظة في الوسط، ومن ثم استمرت المواجهات مع قوات الأمن، ثم امتدت التظاهرات إلى محافظات جنوبية أخرى مثل ذي قار، وميسان، والنجف وبابل، وكربلاء والناصرية والسماوة، والديوانية، وسط ترقب حذر لاشتعال العاصمة بغداد التي تمثل تظاهراتها خطرًا أكبر بالنسبة للنظام.

     

     

تحيا العراق في ظل حالة فراغ سياسي منذ تأجيل إعلان نتائج الانتخابات الأخيرة لإعادة فرزها، ورغم حر يوليو/ تموز في هذه المناطق التي تصل درجات الحرارة فيها لما يزيد عن 50 درجة مئوية، إلا أن شوارع المدن عجت بالاحتجاجات والمواجهات مع الأمن، حتى جاء وقت حرق مقار الأحزاب الشيعية مثل حزب الدعوة وتيار الحكمة والفضيلة في المدينة، ليتكرر المشهد حاملًا نفس تساؤل احتجاجات ما قبل عامين عن إمكانية تجاوز العراق لثنائياتها الطائفية والأمنية لصالح مشروع إصلاحي ينطلق من الشارع.

   

سؤال الجنوب

لم يكن انطلاق التظاهرات العراقية العابرة للطائفية هذه المرة من البصرة عفويًا، وإنما يحتفظ بسياقه ومسوغاته في محافظة تجاوز حجم إنتاجها اليومي من النفط ثلاثة ملايين برميل، بجانب حقول الجنوب الأخرى عند حدود البصرة مع محافظة ميسان، ورغم هذه الثروة النفطية فإن المدينة تعاني من فقر اقتصادي شديد، وهو ما يفسر توجه المتظاهرين نحو الشركات النفطية وحقولها بداية لشعورهم بالظلم نتاج عدم استغلال ثروات مدينتهم، وهو ما حدث بالفعل في مقر شركة "لوك أويل" الروسية التي تدير حقل غرب القرنة النفطي، عندما أحرق المتظاهرون استعلامات الشركة ومقار الحراسة بها[6]، كذلك تصدت قوات الأمن لاحتجاجات على بعد نحو أربعة كيلومترات من حقل "الزبير" النفطي الذي تديره شركة "إيني" الإيطالية قرب البصرة.

 


 

لم يكن النفط وحده ثروة البصرة الكبيرة، بل الموقع الجغرافي الذي أهلها لتكون مركزًا وممرًا تجاريًا كبيرًا للنفط كأكبر وأهم صادرات العراق، ولغيره من السلع الاستهلاكية المستوردة، عبر احتوائها على موانئ العراق الوحيدة المطلة على الخليج، أما شرقًا فتقع نقطة الشلامجة الحدودية التي تمر من خلالها البضائع المستوردة من إيران، ومن جهة الكويت يقع مركز صفوان الحدودي مصدر التبادل التجاري بين البلدين. أما على الجانب الآخر فإن تلك الثروات لا يجني منها أهالي البصرة شيئًا، ويرزح أكثر من نصفهم تقريبًا (حوالي مليون ونصف مواطن) تحت خط الفقر وفق تقديرات حكومية[7]، وفي غياب أي تنمية حقيقية للبصرة فقد وصلت نسبة البطالة الحكومية بها بين الجامعيين لقرابة 50%، مع معدلات أخرى للأمية والأمراض هي الأعلى بين نظيراتها في مدن العراق التي تعد أفقر بكثير في مواردها.

       

لم تولد هذه المعطيات سوى الشعور بالغبن لدى مواطني المدينة الذين طالبوا في السابق بحقهم من ثروات النفط التي تخرج من باطن أرضهم، بدلًا من الاكتفاء باستنشاق دخانه من الهواء الملوث، وبالفعل تم الدفع في البرلمان بمشروع "البترودولار" الذي يقضي بتوزيع نسبة من العائدات النفطية على سكان المناطق المنتجة للنفط، وفي مقدمتهم البصرة، ليدخل حيز التنفيذ في العام الماضي بعد إقرار البرلمان ومجلس الوزراء، لكن عوائق بيروقراطية حالت دون تطبيقه فعليًا حتى اللحظة، الأمر الذي كان يعول عليه شباب البصرة الذين خيم عليهم شبح البطالة بعد توقف العديد من المشروعات الخاصة بسبب الموازنة، وبسبب تفضيل شركات النفط العمالة الوافدة من الخارج على العمالة المحلية، لأمور بعضها يتعلق بالكفاءة والبعض الآخر بتجنب المشكلات العشائرية.[8]

   

تقف المدينة وسط هذه الثروات بلا بنية تحتية سليمة خاصة فيما يتعلق بالمياه والكهرباء، فقد تصاعدت شكاوى أهل المدينة من زيادة درجة ملوحة المياه، خاصة بعد أن حولت إيران مجرى نهر الكارون، فوصلت مياه الخليج المالحة لشط العرب إثر فتح قنوات تصريف إيرانية للمياه المالحة، لتصل المياه لمنازل البصرة غير صالحة للاستخدام، فضلًا عن انخفاض منسوب مياه نهري دجلة والفرات وتوقّف محطة التحلية الرئيسية في المدينة، وبات شراء المياه العذبة الصالحة للاستخدام عبئًا ماديًا كبيرًا على الأهالي، إضافة لانقطاع شبه مستمر للتيار الكهربائي خاصة في فصل الصيف شديد الحرارة لمدة قد يصل متوسطها لـ 10 ساعات كاملة، رغم أن المدينة تضم محطات توليد الكهرباء الكبرى في العراق، وهي محطات الهارثة والرميلة والنجيبية.[9]

   

لم يكن الأمر أحسن حالًا في مدن الجنوب التي تضامنت سريعًا مع البصرة والتي تعاني من نفس مشكلاتها تقريبًا، حيث انخفاض منسوب المياه في نهري دجلة والفرات، تبعه تردي في خدمات الكهرباء بسبب اعتماد محطات التوليد الحرارية البدائية على تدوير المياه فيها بالدرجة الأولى، ولم يعد المسؤولون المحليون قادرين على معالجة الأوضاع القائمة، فدعوا الحكومة الاتحادية للتدخل لمعالجة أزمة نقص منسوب المياه التي ظهرت بشكل بالغ في مدينة المثنى جنوب العراق، وهي المدينة التي تواجه أزمة مائية غير مسبوقة، وتتجلى في منطقة "الأهوار" المدرجة على لائحة التراث العالمي بقائمة "المناطق الجافة".[10]

     

    

كانت وزارة الزراعة العراقية ووزارة الموارد المائية كذلك قد حذرتا في وقت سابق قبل دخول الصيف من أزمة مياه كبيرة متوقعة لسبب رئيس متعلق بملء سد أليسو التركي الذي افتتح في شهر فبراير/شباط من هذا العام على نهر دجلة، وبدأ في تخزين مياهه، ما أثر بشكل مباشر على الأوضاع المائية المحلية، التي اتجهت لاتخاذ تدابير زراعية ومائية لمواجهة أزمة شح المياه، ولكنها لم تفلح حتى اندلعت الاحتجاجات في الجنوب، والتي فاقمتها أوضاع المياه في نهري دجلة والفرات[11]، في بلد تبلغ نسبة البطالة فيه رسميًا نحو 10,8 % ويشكل من هم دون 24 عامًا نسبة 60 % من سكانه، مما يجعل معدلات البطالة أعلى مرتين بين الشباب، حسبما أوردت وكالة فرانس برس.[12]

   

ما بعد الطائفية

تدرك تحالفات الحكم في بغداد جيدًا خطورة خروج مثل هذه التظاهرات التي تبتعد تمامًا عن الحسابات السياسية واللعبة الطائفية في العراق، ولديها أسبابها الحقيقية والمنطقية للاستمرار ورفع الأسقف دون وجود قائد لتوجيهها والتلاعب بها لإحراز مكاسب، كما حدث مع تظاهرات الصدر قبل عامين، لذلك تحاول حكومة العبادي الآن وحتى بعض خصومه في البيت الشيعي احتواء الموقف بشتى الطرق، عبر الإعلان عن إجراءات فورية لعلاج الأزمات الاقتصادية والمعيشية المستوطنة في الجنوب العراقي، ومنع انتقال العدوى الاحتجاجية إلى المدن الأخرى وخاصة بغداد التي بدأت في التظاهر بالفعل، وهو ما يبرر الإجراءات الأمنية القلقة في العاصمة بعد ظهور دعوات للتضامن مع حراك الجنوب.

   

لم يقف الأمر عند محاولات الاحتواء الناعمة بالتدخل لدى وجهاء وأعيان البصرة للتهدئة، وإنما حضرت المحاولات الخشنة عبر المواجهات الأمنية ومحاولات فرض حظر التجوال في المدينة، وكذلك بإضعاف خدمات الإنترنت في عموم العراق، وحظر بعض تطبيقات الاتصال لمنع التواصل بين المتظاهرين، في محاولة لحصار رقعة الاحتجاجات في عموم البلاد[13]، مع استدعاء لأكثر من 30 ألف عنصر من قوات الجيش وجهاز مكافحة الإرهاب ووحدات التدخل السريع، وسط روايات حكومية تحاول إلصاق العنف بالمحتجين دومًا.

   

إلا أن كل ذلك لم ينجح للآن في احتواء الموقف مع طول مدته، وهو أمر لم يعتده ساسة العراق الحاكمين الذين يواجهون أحد أكبر الأزمات الشرعية لهذه الوجوه التي تحكمت في قرار العراق منذ الغزو الأمريكي للعراق وحتى الآن، ففي غياب المعضلة الأمنية التي كانت تبرر تردي الأوضاع المعيشية، وفي غياب البعد الطائفي تمامًا من التظاهرات، تختفي في نفس الوقت مبررات النخب الحاكمة التي تواجه حالة سيولة بسبب غياب الجسم السياسي الحاكم جراء عدم حسم الانتخابات، وعدم حسم التحالفات والتنافسات الداخلية حتى اللحظة، وهو ما أعطى الاحتجاجات نقاط قوة حينما لم تنطلق من دوافع سياسية معلنة، بل من مطالب أساسية تشكك بشكل مباشر في تاريخ ومستقبل النخب الشيعية الحاكمة.

     

     

تغيب حاليًا فرص الاحتواء بسبب تجارب أهالي مدن الجنوب السابقة للمسكنات الحكومية التي أدت لانفجار الوضع مؤخرًا على صعيد الخدمات، ولعدم وجود خطة إصلاح حقيقية في مناطقهم فيما يتعلق بالخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء، وبينما لم يتوانى المرجع الأعلى للشيعة في العراق "آية الله علي السيستاني" عن التماهي وإشعار الشارع الشيعي الغاضب ببعض التعاطف، معربًا عن تضامنه مع المحتجين ومصرحًا بأنهم يواجهون «نقصًا حادًا في الخدمات العامة»، فإن الصدر يمارس عادته الأثيرة في عدم خسارة الشارع حينما دعا لـ «حماية المتظاهرين وعدم الاعتداء عليهم»، إلا أنه لم ينس سياقه الحالي كرجل دولة وسلطة وشيك مؤثرًا لخطاب النخب الحاكمة ومكملًا: «كما نتمنى من المتظاهرين الحفاظ على الممتلكات العامة فهي ملك للشعب وليست للفاسدين».[14]

   

يواجه تحالف الحكم في العراق الآن تجربة ما بعد طائفية جديدة يغيب عنها "تنظيم الدولة الإسلامية" أو المظلومية السنية في العراق، وبطلها الشارع الشيعي الغاضب على ممارسات ساسته المسؤولين عن توفير الخدمات له، الأمر الذي غاب على مدار 15 عامًا تقريبًا في العراق، لذا فالأرجح أن خلطة مواجهة الاحتجاجات بالتجاهل والقمع لن تفلح، فهذه ليست احتجاجات 2012-2013 السنية التي انتهت باعتصام الأنباء الشهير والأحداث التي تلته، ونجح تحالف الحكم الشيعي في تجاوزها بنكهة طائفية، لكنها تحدٍ كبير أمام الشارع العراقي لفرض أجندة إصلاحية لصالح المواطن لا يتم إجهاضها بحل أمني تقليدي أو طائفي كما هي العادة.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار