اغلاق
آخر تحديث: 2018/8/16 الساعة 10:51 (مكة المكرمة) الموافق 1439/12/5 هـ

انضم إلينا
صراع النفوذ.. كيف سيحول "سد النهضة" إثيوبيا لقوة إقليمية؟

صراع النفوذ.. كيف سيحول "سد النهضة" إثيوبيا لقوة إقليمية؟

آدم المخزنجي

محرر اقتصاد
  • ض
  • ض
تقديم
يستعرض التقرير الاقتصادي التالي عبر الأرقام والإحصائيات، كيف سيحول "سد النهضة" إثيوبيا لقطب الطاقة الإفريقي من خلال مركزية تصديرها للكهرباء لدول إفريقيا، وهو ما سينعكس على الصعيد المحلي في تنمية قطاع التصنيع والاستثمار وتقويته، كما أنه سيمكّن إثيوبيا على الأرجح من أن تصبح قوة إقليمية كبرى في مجال الطاقة، ولاكتساب أديس أبابا لنفوذ سياسي في منطقة شرق القارة الإفريقية، وهو نفوذ بدأت بوادره تلوح في الأفق، ليجعل لإثيوبيا اليد العليا على أغلب دول القرن الإفريقي، وهو الأمر الذي يفسر المواقف المتباينة بين دول الإقليم كمصر والسودان حول هذا المشروع.

نص التقرير
في الركن الشمالي الغربي من إثيوبيا وبالقرب من الحدود مع السودان، وعلى بعد أربع ساعات من مدينة أسوسا، المدينة الأقرب لموقع بناء السد، يعمل نحو 8500 عامل ومهندس في مشروع السد الإثيوبي الأضخم، ويخضع الموقع لحراسة مشددة، فلا يسمح إلا للسيارات المفوضة رسميًا فقط بالمرور من إحدى نقاط التفتيش الثلاث الرئيسة. وعلى مدى النظر، يكشف موقع السد العملاق عن نفسه مع آلاف الأطنان من الحصى المتراكم، ومساحات شاسعة من البطانة الخرسانية المدمجة أسفل وادي جوبا، بينما تحيط التلال القاحلة بموقع العمل، ولأجل ذلك، تم نقل مئات العائلات من السكان الأصليين الذين ينتمون إلى شعب "جوموز" وقتها عام 2014، والذين كانوا يعيشون على صيد الأسماك، إلى مكان يبعد عدة عشرات من الكيلومترات لإتاحة مساحة من أجل بناء محطة الطاقة الكهرومائية الأكبر في أفريقيا، والتي خرجت للنور في العام الفائت.

      

يعمل "سيميجنو بيكيلي" لصالح شركة الطاقة الكهربائية الإثيوبية "EEP"، وقد عمل سابقًا على مشروعين لبناء سدود أخرى في إثيوبيا على نهر أومو في الجنوب الغربي(1)، وفي حديثه مع الجارديان البريطانية يصف إمكانيات السد، بينما خلايا من النحل تعمل من خلفه، قائلًا إن طوله 1780 مترًا، وارتفاعه 145 مترًا، مع خزان يغطي أكثر من 1.8 كيلومترًا مربعًا من المتوقع أن يحتوي على 70 مليار متر مكعب من المياه، و16 توربينًا ستنتج 6000 ميجاوات من الكهرباء.


لكن سيميجنو بيكيلي، وجه السد الأشهر والذي أصبح مديرا للمشروع، تم قتله بطلق ناري في رأسه بظروف غامضة وعثر على جثته في سيارته بميدان ميسكل وسط أديس أبابا، ولم يعلن من وراء الحادثة حتى الآن.
     

حادثة تعيد التأكيد على أهمية المشروع بالنسبة لإثيوبيا على الصعيد الداخلي والإقليمي، ومدى إمكانية تأثيره على الدول المنافسة لأديس أبابا على الصعيد الإقليمي. وبعيدا عن حادثة القتل وتداعياتها، فإنه وفي العالم 2011، في شهر أبريل/نيسان تحديدا، وقف رئيس الوزراء الإثيوبي السابق "ميليس زيناوي" على ضفاف النيل الأزرق عند موقع السد ليضع حجر الأساس لبنائه، مرددًا بطريقته المعهودة التي يجيد بها إلهاب مشاعر الجماهير أن البلاد ستتغلب على جميع العقبات التي تعترض إنشاء أكبر محطة للطاقة الكهربائية في إفريقيا، وأنه «سيستمر منفردًا» في بناء السد لو لم يقف أحد بجانبه. (2)

    

حينما بدأت إثيوبيا البحث عن مصادر تمويل أجنبية لتوفير السيولة المادية الضخمة للمشروع العملاق، واجهت صعوبات جمة من تردد المؤسسات الدولية والدول الأجنبية عن المشاركة في تمويل مشروع ينبئ بمشاكل مستقبلية قد لا تستطيع الدولة الإفريقية الفقيرة معالجتها ومن ثم سداد الديون، خاصة مع وضعها الاقتصادي المتعثر، وعند تلك النقطة، قرر زيناوي الانتقال للتمويل الذاتي، بطريقة «غير أخلاقية» كما وصفها البعض(3).

     

     

كل رجال النهضة

لجأت أديس أبابا لجمع الأموال اللازمة لبناء سد النهضة من خلال إصدار شركة الكهرباء الإثيوبية التابعة للحكومة لسندات للإثيوبيين في الداخل والخارج. ومن أجل رفع ثقة المشتركين فقد ضمن البنك الوطني الإثيوبي NBE السندات. وتبلغ نسبة الفائدة على السندات 4%، و4.5%، و5% لـ 5، و7، و10 سنوات على التوالي، بينما تبلغ القيمة الاسمية للسند، كما ذكر بنك التنمية الأفريقي، 100 دولار، وتطلب الحكومة حدًا أدنى من الاستثمار قدره 500 دولار أو ما يعادلها بعملات حددها البنك الوطني(4).

     

وقتها أيضًا تم تشجيع الموظفين الحكوميين على تخصيص شهر أو شهرين من رواتبهم لشراء سندات سد النهضة GERD Bond، وتم تسويق المشاركة في المشروع باعتباره إظهارًا للوطنية الإثيوبية، ورغم أن معظم العمال الإثيوبيين يتقاضون أجورًا منخفضة نسبيًا، ويواجهون تكلفة معيشية مرتفعة، وكان من المتوقع أن يُحجم عدد لا بأس به منهم عن التضحية بجزء كبير من راتبه من أجل الاشتراك في بناء السد، إلا أن العديد منهم اشتروا سندات السد بفعل ضغوط حكومية مورست عليهم أجبرتهم على الشراء(5). كما خصم جزء من مرتبات الموظفين المدنيين سنويًا دون موافقتهم.

   

وكما بدا، فإن الحكومة الإثيوبية ألزمت القطاع الخاص، وتحديدًا البنوك المحلية الخاصة وغيرها من مؤسسات الأعمال، بشراء ملايين السندات، كما لجأت لإصدار سندات للمغتربين والأجانب من أصل إثيوبي المنتشرين في بقاع الأرض، والمعروفة باسم "سندات الشتات"، بيد أن العديد منهم رفض الاستثمار في المشروع بسبب الفساد المنتشر في القطاع العام والسياسات الحكومية الديكتاتورية وقتها، ومنع انتقال البلاد للديمقراطية من خلال إسكات الأحزاب المعارضة واستخدام قوانين مكافحة الإرهاب(6).

     

ولكن موقف المغتربين الإثيوبيين تغير بشكل درامي عقب وفاة زيناوي في العام التالي لبدء بناء سد النهضة، إذ تمكنت الحكومة الإثيوبية حتى الآن من جمع مئات الملايين من الدولارات من سندات الشتات، آخرها 56 مليون دولار بنهاية مارس/آذار الماضي، وتخطط حاليًا لإصدار 500 ألف تذكرة يانصيب للمغتربين أيضًا، قيمة الواحدة منها 10 دولارات لزيادة دعمهم لسد النهضة(7). كما تمكنت من جمع نحو 500 مليون دولار من الموظفين والشركات والمزارعين ودوائرها البيروقراطية نفسها، علاوة على جمعها الكثير من الأموال عن طريق الضرائب. وبالإضافة لتلك المبالغ، فقد طرحت إثيوبيا سندات سيادية دولية، جمعت منها بحلول نهاية عام 2014 حوالي مليار دولار، يتولى إدارتها بنكا "جي بي مورجان تشيس" و "دويتشه بنك"(8). ومع تمويل البنوك الصينية المشروع بحوالي 1.8 مليار دولار لشراء الأجهزة اللازمة للتوربينات ومحطة الكهرباء، تقترب إثيوبيا من تقليص فجوة تمويل السد، الذي من المتوقع أن تتجاوز تكاليفه 4.8 مليار دولار.     

      

ميليس زيناوي رئيس وزراء إثيوبيا (رويترز)

تضع إثيوبيا لمساتها الأخيرة على سد النهضة الآن استعدادًا لبدء ملء خزانه الضخم، ومن المقرر أن يصبح السد عقب الانتهاء منه أكبر السدود الكهرومائية في القارة والسادس في قائمة أكبر السدود العالمية المنتجة للكهرباء، وهو واحد من ثلاثة سدود في إثيوبيا لتوليد الطاقة الكهرومائية(9). وتم تحديد موقعه الحالي من خلال المسوح الجيولوجية التي أجريت بين عامي 1956 و1964من قبل مكتب الاستصلاح الأمريكي USBR، وتصوره الحكومة الإثيوبية كمنارة تقدم من شأنها أن تقضي على الجوع والتبعية، وأنه سيخرج إثيوبيا من براثن الفقر من خلال إضفاء القوة على قطاع التصنيع في البلاد وجعلها مركزًا إقليميًا للطاقة، وبتدقيق اقتصادي، تبدو الأمور بهذه الصورة المشرقة على الأرجح وأكثر.

     

قطب الطاقة الأول

تمتلك إثيوبيا حاليًا القدرة على إنتاج 3200 ميجاوات فقط من الكهرباء فقط، لذا يعتبر استهلاك الإثيوبي من الكهرباء من بين أدنى المعدلات في العالم، حيث يستهلك 65 كيلو واط/ساعة فحسب، بينما يبلغ المتوسط العالمي 3104 كيلو واط/ساعة. وجراء تلك النسب المتدنية ولعدم وجود كهرباء كافية (يحصل ربع مواطني إثيوبيا فقط على الكهرباء بشكل منتظم)؛ يعتمد العديد من الإثيوبيين في الطهي والتدفئة على مصادر بديلة للطاقة مثل الخشب والروث وغيرها من أنواع الوقود الحيوي(10)، ما يؤدي بالتالي لزيادة عمليات إزالة الغابات وتآكل التربة.

  

أما عند انتهاء سد النهضة فسوف ينتج حوالي 6000 ميجاوات من الكهرباء للاستهلاك المحلي والتصدير، وللمقارنة فهو إنتاج يزيد بأكثر من ثلاثة أضعاف ما ينتجه السد العالي في مصر، ما سيجعل إثيوبيا أكبر مصدر للطاقة في إفريقيا، بعد أن ينضم سد النهضة لسدي نهر "أومو جيلجل جيب" الثاني والثالث، ما يساعدها على تنفيذ خطتها الإستراتيجية الإقليمية الطموحة لتحويل البلاد لواحدة من أكبر وأرخص موردي الطاقة في القارة.

   

ويقدر البنك الدولي أن إثيوبيا قد تحصل على مليار دولار سنويًا من تصدير الكهرباء بحلول عام 2023 إذا تم الانتهاء من جميع مشاريعها الكهرومائية كما هو مخطط لها(11). وبعد انتهاء سدي نهر أومو فضلًا عن سد النهضة الذي تتأهب إثيوبيا لملء خزانه خلال الأشهر القليلة القادمة، فمن المتوقع أن تحصل على المليار دولار قبل الموعد الذي حدده البنك الدولي.

        

   

تخطط إثيوبيا أيضًا، عن طريق مشروع مدعوم من الاتحاد الإفريقي بتكلفة 22 مليار دولار، لتطوير طريق سريع كهربائي قاري يتوقع الانتهاء منه عام 2020 لزيادة صادراتها من الطاقة لجيبوتي وكينيا والسودان، وإنشاء شبكات لجنوب السودان وأوغندا ورواندا وتنزانيا، وحتى إلى اليمن عبر البحر الأحمر. وتهدف الخطة الإثيوبية للكهرباء لزيادة صادرات الطاقة من 223 ميجاوات سنويًا إلى 5000 ميجاوات على الأقل.

    

وتساعد المؤسسات الإقليمية والدولية إثيوبيا في تحقيق طموحها لتصبح قطب الطاقة الإفريقي، فيقدم البنك الإفريقي للتنمية والبنك الدولي تمويلًا مشتركًا لتسهيل خروج صادرات الكهرباء من إثيوبيا، بما في ذلك 1.5 مليار دولار لشبكة ربط مع كينيا بقدرة نقل تصل لـ 2000 جيجاوات، وهي شبكة كانت الشركة الصينية للمعدات وتكنولوجيا الطاقة الكهربائية (CET) قد أعلنت عنها في شهر أغسطس/آب عام 2016، ومن المقرر الانتهاء منها خلال عامنا الحالي 2018(12).

    

وعلى مدار العامين الماضيين، وقعت إثيوبيا عقود تصدير كهرباء مع العديد من دول الجوار، وفي شهر أغسطس/آب عام 2016 وقعت تنزانيا مع إثيوبيا اتفاقية شراء الطاقة بقوة 400 ميجاوات، ويعني ذلك توقيع اتفاق مماثل مع كينيا الواقعة بين الدولتين، من خلال الشبكة التي تم الإعلان عنها بداية نفس الشهر. وتقوم إثيوبيا بالفعل بتصدير الكهرباء لجيبوتي والسودان كما ذكرنا، كما وقعت مذكرات تفاهم مع بوروندي ورواندا ودول أخرى أبدت اهتمامًا باستيراد الكهرباء منها(14).

  

ومن بين الفوائد المتوقعة الأخرى لسد النهضة هو التدفق المستمر للمياه خلال موسم الجفاف وعند حدوث فيضانات أقل في موسم الأمطار، ويمكن لهذا التنظيم والتحكم في المياه أن يكون مفيدًا لأن تغير المناخ يجعل هطول الأمطار في شرق إفريقيا غير قابل للتنبؤ(14). وبالإضافة لعائدات تصدير الكهرباء باعتبارها مورد متجدد للنقد الأجنبي، فمن المتوقع أن ينخفض استيراد إثيوبيا للنفط، مع تحقيق إستراتيجيتها الطموحة للتصنيع التي شرعت فيها مؤخرًا.

       

    

علاوة على ذلك، فقد أدى إنشاء السد لخلق فرص عمل لأكثر من 10 آلاف شخص، كما شجعت عملية تعبئة الموارد ثقافة الادخار، وكانت نتيجة ذلك أن ارتفع معدل الادخار الوطني من 9.5% إلى 22% خلال السنوات الخمس الماضية. كما أن خزان السد الضخم، الذي سيحوي داخله نحو 75 مليار متر مكعب من المياه؛ سيخلق بحيرة صناعية تفتح إمكانات هائلة للتنمية الزراعية والصيد والسياحة.

   

في المقابل يرى البعض أن الاعتماد على الطاقة الكهرومائية في إثيوبيا يعد أمرًا محفوفًا بالمخاطر في مواجهة المناخ المتقلب بشكل متزايد، لاسيما في ضوء توقعات انخفاض هطول الأمطار وارتفاع وتيرة الجفاف في شرق أفريقيا(15)، وبالتالي قد يؤدي ذلك لضعف منظومة الطاقة داخل البلاد، في حين كان من الصواب لإثيوبيا تنويع مصادر الطاقة لديها كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح. فعلى سبيل المثال، يبلغ متوسط الإشعاع الشمسي فيها 5.2 كيلو واط/ساعة للمتر المربع في اليوم، وتم استغلال أقل من 1% من هذا المورد المتجدد. ولا يخلو اللجوء للتمويل الذاتي من مخاطر، فهو يستنزف موارد الدولة المالية، مما يقلل من قدرة البلاد على الاستثمار في مشروعات التنمية الأخرى، هذا في حال عدم زيادة الدين الوطني من الأساس(16).

    

وقد تضرر السكان الأصليين الذين كانوا يعيشون حول موقع السد، إذ قامت الحكومة بتهجيرهم وإعادة توطينهم، وتقدر أعدادهم بنحو 20 ألف شخص. ولكن الحكومة ترد على ذلك من خلال رئيس هيئة حماية البيئة الإثيوبية السابق، بأن النزوح ليس مشكلة لأن النازحين قد مُنحوا الأرض والمال لإعادة توطينهم فضلًا عن فرص العمل التي يوفرها السد لهم(17).

   

كما تضغط تكاليف بناء السد على المالية العامة للدولة، ففي أوائل شهر يوليو/تموز الحالي قال رئيس الوزراء "أبي أحمد"، متحدثًا عن الموازنة العامة التي أقرها البرلمان الإثيوبي وخُصص ثلثيها لبرامج الحد من الفقر، أنها «جاءت في صالح الفقراء رغم حاجة الحكومة لنحو 7.5 مليار دولار لإنهاء المشاريع الضخمة بما في ذلك سد النهضة ومصانع السكر»، ونتيجة لذلك فلن يُبدأ في مشاريع جديدة خلال السنة المالية الجديدة 2018/2019(18).

   

بناء على ذلك، فيبدو أن سد النهضة يوفر فرصًا ضخمة للاقتصاد الإثيوبي بالفعل، وسيمكّن إثيوبيا على الأرجح من أن تصبح قوة إقليمية كبرى في مجال الطاقة، وربما يؤدي ذلك أيضًا لاكتساب أديس أبابا لنفوذ سياسي في منطقة شرق القارة الإفريقية، وهو نفوذ بدأت بوادره تلوح في الأفق، ليجعل لإثيوبيا اليد العليا على أغلب دول القرن الإفريقي.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار