اغلاق
آخر تحديث: 2018/7/6 الساعة 13:49 (مكة المكرمة) الموافق 1439/10/23 هـ

انضم إلينا
"تصفية سيناء".. هل نشهد صفقة تيران وصنافير أخرى؟

"تصفية سيناء".. هل نشهد صفقة تيران وصنافير أخرى؟

مهند صبري

باحث في الشأن الأمني والعسكري
  • ض
  • ض

في (نوفمبر/تشرين الثاني) 2017، أمر الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، باستعادة الأمن في سيناء خلال ثلاثة أشهر، وبدلًا من الالتزام بالموعد أطلق الجيش المصري حملة "سيناء 2018" التي وصفها بالأشمل والأكبر، والمفتوحة الأمد حتى تحقق أهدافها. تسببت الحملة العسكرية الأخيرة في أزمة غير مسبوقة طالت كل أهالي شمال سيناء وعرضتهم لخسائر باهظة وشلل تام لحياتهم اليومية، وبالرغم من حجم المعاناة، لم تحقق الحملة ما يمكن به تبرير السياسات القمعية المستمرة لليوم بعد سبعة أشهر من المدة الزمنية التي حددها السيسي. 

 

شهدت شهور الحملة إفشاء أمور حاول النظام المصري إخفاءها على مرِّ سنوات واعتبرها الكثيرون فضائح مدوية تطول سمعة المؤسسة العسكرية المصرية، كان أكبرها الكشف عن سماح السيسي للقوات الجوية الإسرائيلية بتنفيذ ضربات في سيناء، والسماح للقوات الإماراتية بتنفيذ عمليات على الأرض، وبين هذا وذاك، تتواتر أنباء شبه مؤكدة عن اقتراب بداية تنفيذ ما يسمى بـ"صفقة القرن" على الأراضي التي أصر الجيش المصري على إخلائها من البشر والشجر بحجة الحرب على الإرهاب.

 

"سيناء 2018": حملة من الخسائر والشبهات، وأيضًا مفتوحة الأمد

بعد أيام من مذبحة مسجد الروضة، التي وقعت في منطقة بئر العبد بشمال سيناء، يوم 24 (نوفمبر/تشرين الثاني) 2017، وراح ضحيتها أكثر من ثلاثمئة قتيل لتصبح بذلك المذبحة الأكبر للمدنيين العزل في تاريخ مصر الحديث(1)، أصدر الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، أوامره لرئيس أركان القوات المسلحة المصرية آنذاك، الفريق محمد فريد، بأن يستعيد الأمن في شبه جزيرة سيناء خلال ثلاثة أشهر(2). لم يكن لأي متابع لشؤون سيناء، عوضًا عن أهلها أو المختصين في الشأن الأمني والعسكري، أن يقتنعوا بموضوعية الفترة الزمنية التي حددها الرئيس، والتي أعادت إلى الأذهان وعود قيادات الجيش المصري السابقة بتطهير سيناء خلال أسابيع.

 

لم تمض أيام حتى وقع هجوم آخر استهدف وزيري الدفاع والداخلية السابقين(3)، الفريق صدقي صبحي واللواء مجدي عبدالغفار، بينما كانا في زيارة سرية للإقليم داخل مطار العريش الذي تحول لثكنة عسكرية حصينة منذ العام 2013، وكان هذا الهجوم أيضًا هو الأول من نوعه في تاريخ مصر الحديث(4). بعد أن نجا الوزيران، وبينما كثرت الأسئلة حول اقتراب نهاية الفترة التي حددها الرئيس السيسي لاستعادة الأمن في سيناء، أعلنت القوات المسلحة، يوم 9 فبراير/شباط 2018، عن حملة أخرى شاملة و"مفتوحة الأمد" أُطلق عليها اسم "سيناء 2018"(5).

 

 

اليوم، وبعد مرور أكثر من سبعة أشهر على أوامر السيسي باستعادة الأمن في شمال سيناء خلال ثلاثة أشهر، وبعد مرور قرابة خمسة أشهر على بداية الحملة "سيناء 2018"، تحول موضوع الفترة الزمنية المحددة للحملة من سؤال إلى أمر مسلَّم به، خصوصًا بعد الإعلان صراحة أن العمليات العسكرية وكل ما يصاحبها من سياسات مستمر حتى "تحقق الحملة أهدافها"(6).

 

اليوم، أصبح سؤال الفترة الزمنية أمرًا ثانويًّا، وغير ذي شأن، مقارنة بكمِّ الخسائر التي تسببت فيها سياسات الجيش وأجهزة الدولة منذ (فبراير/شباط) 2018 وانعكاسها المدمر على حياة المدنيين، وأيضًا الشكوك المتزايدة حول أهداف الحملة الفعلية في ظل تعتيم إعلامي وأسئلة بلا إجابات عن نوايا السيسي لسيناء، ودوره فيما عادت تُعرف إعلاميًّا بصفقة القرن.

 

إغلاق تام وأزمة مفتعلة وتعديات صارخة

في صباح يوم 9 (فبراير/شباط) 2018، وبدون أي سابق إنذار، قامت قوات الجيش والشرطة المصرية بإغلاق إقليم شمال سيناء إغلاقًا تامًّا بالتزامن مع إعلان المتحدث العسكري بدء العملية "سيناء 2018". لم يكن هذا القرار الوحيد، فقد تم إغلاق محطات الوقود لأمد غير مسمى، وتم تعليق الدراسة في كل مدارس الإقليم وأيضًا أغلقت الطرق جميعها بين المدن والقرى لتسبب حالة من الشلل التام لحياة المدنيين اليومية ولكل الأعمال الصغيرة كالمحلات التجارية وما يعرفون بعمال اليومية كالسائقين وعمال البناء وكذلك الأعمال الأكبر كالمزارع وحركة الصيد في بحيرة البردويل(7).

 

تسببت قرارات الدولة المفاجئة في حالة من الذعر بين مئات الألوف من مواطني شمال سيناء، وكان رد الفعل الطبيعي أن غمر المواطنون الأسواق في محاولة لتخزين مستلزمات الحياة بعد قرارات إغلاق الطرق ومنع التنقل. وفي أقل من يومين، ضربت حالة من الفوضى أسواق المدن التي كانت تعاني بالفعل من تبعيات أربع سنين من العمليات العسكرية والسياسات الأمنية المشددة. بعد بداية العملية العسكرية بأسبوع، اختفت غالبية المواد الغذائية الأساسية من الأسواق وتضاعفت الأسعار بشكل جنوني في ظل غياب تام للدولة ومؤسساتها وعلى رأسها القوات المسلحة التي أصبحت الآمر الناهي والمسيطر الوحيد على كل أمور الإقليم. وبالرغم من جفاف الأسواق تمامًا خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من العملية، إلا أن السلطات استمرت في منع عبور شحنات المواد الغذائية والأساسية من مداخل إقليم شمال سيناء في محافظة الإسماعيلية.

    

 

استمرت أزمة الغذاء في شمال سيناء أكثر من شهرين؛ الأمر الذي دعا منظمة هيومان رايتس ووتش لنشر تقريرها عن الأزمة المتفاقمة تحت عنوان "مصر: أزمة إنسانية تلوح في الأفق بسيناء"، وهو التقرير الذي طالبت فيه المنظمة بالسماح لمنظمات الغوث المحلية كالهلال الأحمر المصري بالتدخل الفوري لإيجاد حلول لحالة اختفاء المواد الغذائية والأدوية والمتطلبات الأساسية للسكان(8).

 

نظرًا للتعتيم الإعلامي التام على كل مجريات العملية العسكرية في الإقليم، لاقى تقرير هيومان رايتس ووتش انتشارًا واسعًا وهو ما قابله النظام المصري كعادته بالنفي التام وكيْل الكثير من الاتهامات للمنظمة(9). ولكن ما لم تفسره السلطات المصرية هو صور المواطنين في مدن العريش والشيخ زويد وهم يصطفُّون في انتظار صناديق المواد الغذائية التي قام الجيش بتوزيعها في بعض الأيام في محاولة بائسة لاحتواء الأزمة التي بدأت واستمرت نتيجة سياساته.

 

طرحت أزمة الغذاء التي تسببت فيها حملة "سيناء 2018" أسئلة عدة، كان أكبر هذه الأسئلة هو مدى مراعاة القوات المسلحة المصرية للآثار السلبية وانعكاس قراراتها على المدنيين وحياتهم اليومية، خصوصًا وأن الجيش المصري يمتلك مصانع متعددة للمواد الغذائية والمشاريع الزراعية ومشاريع الإنتاج الحيواني والاستزراع السمكي والصيد، بجانب هيئة مخصصة للمركبات والنقل، والتي كان بإمكانها تجنب أزمة كهذه بتكاليف ضئيلة وفي أي وقت تحدده. وإن لم تكن هناك أزمة غذاء كما ادَّعت الدولة والقوات المسلحة، فلماذا قامت القوات المسلحة بتوزيع صناديق الغذاء على المواطنين المصطفين في صور تشبه تلك المعتادة في مخيمات اللاجئين في مناطق الحرب.

 

بالتزامن مع جفاف الأسواق وتحت ستار نفس التعتيم الإعلامي المتعمد، استمرت القوات المسلحة المصرية في إزالة البقية الباقية من مدينة رفح الحدودية. وبالرغم من صعوبة التنقل وعدم توفر الوقود وهي الأمور التي ضاعفت من أسعار سيارات الأجرة والنقل، وجد الباقون من أهالي مدينة رفح أنفسهم خاضعين للمرحلة للرابعة من التهجير القسري بدون سابق إنذار. وبحسب تقرير آخر لمنظمة هيومان رايتس ووتش، فإن الجيش المصري هدم أكثر من ستمئة بناية في (يناير/كانون الثاني) 2018 فقط؛ الأمر الذي وصفه التقرير بـ"الحملة الأكبر من نوعها منذ بدأ الجيش رسميًّا أعمال الإخلاء في 2014"(10).

  

 

وللمرة الثانية، خرج المتحدث العسكري -العقيد تامر الرفاعي- نافيًا التقرير(11)، ولكن هذه المرة كانت مختلفة عن سابقتها؛ حيث صدر بيان آخر هذه المرة من مديرية الزراعة في مدينة العريش -عاصمة إقليم شمال سيناء- تؤكد فيه إزالة 90 في المئة من مزارع رفح والشيخ زويد والعريش(12). وأضاف السيد عاطف عبيد، مدير عام الزراعة بشمال سيناء، في ذات البيان "أن خسائر محصول الزيتون لهذا العام وصلت إلى نسبة 80% نتيجة لتجريف المزارع" وهو المحصول الزراعي الأساسي في المنطقة ومصدر الدخل الأكبر لمئات الأسر.

 

بعد حوالي 10 أسابيع من بداية الحملة، في شهر (أبريل/نيسان) من العام 2018، بدأت انفراجه تدريجية في أزمة الغذاء بعد أن سمحت أجهزة الدولة بعبور شحنات المواد الغذائية من المحافظات الأخرى إلى شمال سيناء. ولكن تستمر حتى اليوم سياسات أخرى خانقة من أهمها فرض تنسيق أمني لأي فرد يود السفر من أو إلى شمال سيناء، حيث يتعين على الأفراد الذهاب شخصيًّا إلى مبنى المحافظة بالعريش للحصول على تصريح بالسفر لخارج سيناء بينما عليهم التسجيل على موقع المحافظة للعودة إلى مدنهم أيًّا كان موقعها في الإقليم(13). أما عن الوقود فالأزمة طاحنة، وبعد أن قامت السلطات المحلية بالسماح لأصحاب السيارات بكميات محددة من الوقود كل أسبوعين تم إلغاء القرار وتعميم الغلق الكامل لمحطات الوقود مرة أخرى.

 

الآثار المترتبة على غلق محطات الوقود كانت وما زالت كارثية لآلاف المواطنين، حيث توقفت المواصلات العامة وسيارات الأجرة عن العمل نهائيًّا بسبب عدم توفر الوقود وفقْد السائقين مصدر رزقهم الوحيد. بينما ارتفعت أسعار النقل بشكل رهيب ووصلت لقرابة الألفي جنيه مصري في المسافة ما بين العريش ومدينة الإسماعيلية وهي المسافة التي لا تتعدى مئتي كيلومتر وكانت لا تتعدى تكلفتها الأربعمئة جنيه حتى بداية الحملة الأخيرة. وبالرغم من حجم المعاناة التي لم يعهدها أحد في شمال سيناء حتى في أوج قوة الضربات الإرهابية المتتابعة على مر السنين الخمس الماضية، تظل أحوال غالبية السكان أفضل بكثير من مهجَّري رفح الذين حملوا ما تبقى من ممتلكاتهم ورحلوا عن مسقط رأسهم، موقنين أن ما يعد حياة وذكريات لا تقدر بمال بالنسبة لهم لن يتعدى تعويضه بضعة آلاف من الجنيهات تصرفها الدولة وقتما تشاء.

  

لقد تجاوز التدمير منازل المواطنين، ليشمل كذلك آلاف الأفدنة من المزارع التي تم تجريفها ومئات المحال والأعمال التجارية التي توقفت ومصادر الدخل التي انتهت تمامًا في كل من رفح والشيخ زويد والعريش، ورغم ذلك فقد اختصر بيان المتحدث العسكري الأخير، الذي خرج لينفي فيه التقارير التي توثِّق وحشية التهجير والهدم، سياسة المؤسسة العسكرية المصرية ونظرتها لعشرات الآلاف من المدنيين "القوات المسلحة تنفذ الإجراءات القانونية التي تقوم بها طبقًا للقرارات الرئاسية بشأن إقامة المنطقة العازلة على الشريط الحدودي وحول مطار العريش مع تعويض الأهالي بالتنسيق مع كل الأجهزة المعنية بالدولة ووصول حجم التعويضات للأهالي المتضررين لأكثر من 900 مليون جنيه مصري"، كان هذا نص بيان العقيد تامر الرفاعي(14).

  

  

وبالرغم من أن الرقم المذكور قد يبدو ضخمًا حين سماعه، إلا أن حسابات الواقع تختلف تمامًا. فتعداد سكان مدينة رفح وأحيائها يبلغ 81 ألف نسمة(15)، أي إنه في حال أن هذا المبلغ تم رصده فقط لرفح وسكانها سيكون نصيب الفرد أحد عشر ألف جنيه مصري، أي أقل من 700 دولار أميركي. والواقع أدهى وأمر، فهذا المبلغ هو ما رصدته الدولة، التي لم تبخل بمليارات من الدولارات على مشاريع غير مدروسة وإنفاق عسكري مفتوح.

 

إنجاز عسكري ضئيل وفضائح مدوية

قبل أن تنتهي مهلة الثلاثة أشهر التي حددها الرئيس السيسي وقبل بداية عملية "سيناء 2018" بأيام قليلة، فجرت صحيفة النيويورك تايمز الأميركية فضيحة عن تعاون عسكري مصري-إسرائيلي مستمر منذ قرابة العامين، سمح خلالهما النظام المصري لسلاح الطيران الإسرائيلي بتنفيذ أكثر من مئة ضربة جوية في شبه جزيرة سيناء(16).

 

"لأكثر من عامين، قامت طائرات إسرائيلية بدون طيار، ومروحيات ومقاتلات لا تحمل شارات بتنفيذ أكثر من مئة ضربة جوية داخل مصر، وفي أحيان كثيرة كانت تقوم بأكثر من ضربة في الأسبوع الواحد، كل هذا بموافقة من الرئيس عبد الفتاح السيسي"، كتب ديفيد كيركباتريك مراسل النيويورك تايمز الأشهر في الشرق الأوسط والذي أمضى أعوامًا في العاصمة المصرية القاهرة. 

 

لم تكن الفضيحة بمثابة مفاجأة للمختصين في الشأن العسكري المصري، ولكنها كانت التوثيق الأول والأقوى لما حاول نظام السيسي إخفاءه وإنكاره منذ بدء العمليات العسكرية في سيناء عام 2013. أججت مقالة النيويورك تايمز شكوكًا كبرى حول النجاحات المزعومة التي يدعيها الجيش المصري في مواجهة مسلحي تنظيم ولاية سيناء التابع لـ"تنظيم الدولة الإسلامية"، والأهم من ذلك حول الهدف الأساسي من السرية الشديدة التي يحيط بها الجيش المصري كل أعماله وشراكاته الخفية مع قوى إقليمية كبرى خصوصًا تلك التي يعتبرها الشعب المصري عدوه التاريخي.

 

اخترق مسلحو تنظيم ولاية سيناء 23 (فبراير/شباط) كل القيود الأمنية والتحصينات التي تحوط "الكتيبة 101"

الجزيرة
 

كما جرت العادة، انهمرت الاتهامات على صحيفة النيويورك تايمز، ولم تجرؤ الدولة أو المؤسسة العسكرية المصرية على مناقشة لب الموضوع أو أن تسمح للتغطية الإعلامية أو سبل الرقابة من مؤسسات المجتمع المدني بمباشرة عملها في شمال سيناء(17). ولكن بمجرد بدء العملية "سيناء 2018"، أتت الهجمات الإرهابية مرة أخرى لتجيب على أكبر الأسئلة حول أداء قوات الجيش المصري الفعلي على الأرض، حتى لو كانت تحت غطاء جوي إسرائيلي.

 

في نهار يوم 23 (فبراير/شباط) 2018، اخترق مسلحو تنظيم ولاية سيناء كل القيود الأمنية المفروضة على مدينة العريش وأيضًا التحصينات المنيعة التي تحوط "الكتيبة 101" حيث تتمركز قيادة العمليات العسكرية في شمال سيناء. حسب بيان للتنظيم نُشر بعد الهجوم بيوم واحد فقد شارك في التنفيذ أربعة أفراد مسلحين بأسلحة رشاشة وسترات ناسفة، كان من بينهم فلسطينيان. ادَّعى بيان التنظيم إسقاط عدد من القتلى والجرحى بينما جاء بيان الجيش المصري نافيًا وقوع أي قتيل في الهجوم. وبالرغم من أن التفاصيل الحقيقية تبقى حبيسة التسويد الإعلامي المفروض على المنطقة، إلا أن الذي لا يقبل النقاش هو انهيار سياسات الخنق والتضييق التي منعت الوقود والغذاء ولكنها فشلت في إيقاف أربعة مسلحين من اقتحام قيادة الجيش المصري في الإقليم الأهم أمنيًّا في البلاد (18).

 

لم يكن هجوم الكتيبة 101 الاختراق الأكبر أو الوحيد في ظل عملية "سيناء 2018" التي وصفها المتحدث العسكري بالأقوى والأشمل. ففي منتصف شهر (أبريل/نيسان) 2018، تمكَّن تنظيم ولاية سيناء من تنفيذ هجوم نوعي آخر بعدما استطاع مسلحو التنظيم تسلق أسوار معسكر القسيمة بوسط سيناء ودخول ساحة المعسكر قبل أن يفتحوا نيرانهم ويفجروا ستراتهم الناسفة في القوات المتواجدة. أوقع الهجوم عشرين قتيلًا بينهم سبعة ضباط ميدانيين، ونفذه أكثر من أربعة عشر مهاجمًا يرتدون زي الجيش المصري(19).

 

كانت الهجمات الأخرى أصغر وأقل في الخسائر، ولكنها أيضًا أصابت أهدافها في أماكن من المفترض أنها تحت سيطرة الجيش التامة؛ ففي يوم 18 (مايو/أيار) 2018، نجا قائد قوات الأمن المركزي بالعريش، اللواء ناصر الحسيني، من تفجير استهدف موكبه في وسط المدينة لتصبح هذه المحاولة الثانية التي ينجو منها، ولكن هذه المرة بإصابات بالغة، بينما قُتل مدير مكتبه (20).

  

 

الفترات المتباعدة بين هجمات ولاية سيناء جعلت النظام المصري وأبواقه الإعلامية تروج لنجاحات في تحجيم والقضاء على المسلحين في إقليم شمال سيناء، ولكن تكرر الهجمات الشهرية ذات التخطيط المعقد والتنفيذ الدقيق مثل استهداف موكب مدرع يقل قيادة أمنية كبرى، أو ضرب الجيش المصري في عقر دار قيادته، تحمل دلالات غير ذلك أهمها أن التنظيم تبنى استراتيجية تفادي مواجهة لا يقدر عليها مع جيش بكامل عتاده الجوي والمدفعي ومدد لا ينتهي من المجندين والضباط، ويوفر قدراته لعمليات نوعية قد تكون متباعدة زمنيًّا لكنها ذات وقع شديد وتستمر في هدم رواية الدولة عن إنجازات صلبة ومستمرة.

 

اليوم، وبعد سبعة أشهر من العمل العسكري، تختلف الآراء حول أداء الجيش المصري واستراتيجية المسلحين في شمال سيناء، ولكن بيانات المتحدث الرسمي للقوات المسلحة المصرية لا تترك مجالًا للاختلاف أو النقاش، فهذه البيانات الرسمية أصبحت المصدر الأكبر للشكوك التي تحوط الرواية الرسمية لنظام السيسي.

 

منذ بداية العملية "سيناء 2018"، أصدر المتحدث العسكري، العقيد تامر الرفاعي، أربعة وعشرين بيانًا عن تطورات العملية وإنجازاتها. ادَّعت البيانات مقتل 263 مسلحًا على مرِّ الشهور الأربعة الماضية، وهو العدد الذي يمكن اعتباره نجاحًا بالرغم من طول الفترة الزمنية والخسائر الجانبية الممتدة على طول الإقليم والتي تقدر بمئات الملايين جرَّاء الإغلاق الكلي وحالة الخنق التي يعيشها المدنيون. ولكن بالنظر للتفاصيل الأخرى التي جاءت في نفس البيانات، يتحول قبولها على مضض لقناعة شبه تامة بأن القوات المسلحة المصرية تقدم رواية عن الفشل الذريع وليس النجاح (21).

 

في بيانات شهر (فبراير/شباط) 2018 فقط، ادَّعى المتحدث العسكري أن القوات المسلحة المصرية نفذت 185 ضربة جوية على أهداف مختلفة، و598 ضربة مدفعية، وقامت بتدمير 1650 وكرًا ومخبئًا ومخزن سلاح على حد وصف المتحدث. هذه الأرقام التي أعلنتها الدولة تعني أنه بالرغم من خمس سنوات من العمل العسكري المستمر ومئات الأرواح من الجنود والضباط والمدنيين تمكَّن تنظيم ولاية سيناء من الإبقاء على 1650 وكرًا ومخبئًا من بينها ما وصفته البيانات الرسمية بالأماكن الحصينة كالأنفاق الأرضية وأماكن تخزين السلاح، وتعني أن كل مسلح من إجمالي الرقم 263 الذي جاء في البيانات كلَّف الدولة ملايين الدولارات من الطلعات الجوية والقصف المدفعي. بينما أفقد 14 مسلحًا الدولة 20 قتيلًا من الضباط والجنود في هجوم واحد على معسكر القسيمة في أبريل/نيسان 2018، بمدافع رشاشة وسترات ناسفة مصنعة يدويًّا. 

  

 

حتى وإن أغفلنا خسائر المدنيين في شمال سيناء، والتي تقدر بمئات الملايين وتستمر حتى اليوم في ظل سياسة العقوبة الجماعية والقمع والتضييق، تظل رواية الدولة الرسمية وبياناتها توثيقًا وافيًا، على لسان المتحدث الرسمي للقوات المسلحة، لمدى ضآلة الإنجاز في مواجهة الخسائر. فشل منقطع النظير ليس فقط على مستوى العمل العسكري، ولكن أيضًا إدارة الموارد والإنفاق وحتى سياسة المواصلات والنقل والرقابة على أسواق المواد الغذائية.

 

بيانات الدولة الرسمية حول عملها في سيناء تفرض احتمالين لا ثالث لهما: إما أنها بيانات كاذبة وفبركات دعائية لتبييض وجه نظام السيسي والمؤسسة العسكرية، أو أنها بيانات حقيقية تترجم لإعلان النجاح الساحق لولاية سيناء، فرع تنظيم الدولة الإسلامية، في استنزاف الدولة والنظام المصري وإجبارهما على تطبيق سياسات تضاعف الخسائر التي تقدر حتى اليوم، أيضًا حسب البيانات الرسمية، بالمليارات وآلاف الأرواح. الاحتمال الأول مصيبة، والثاني كارثة، وكلاهما غير مستبعد.

 

سيناء والسيسي وصفقة القرن

سماح الرئيس عبد الفتاح السيسي لسلاح الجو الإسرائيلي بتنفيذ ضربات جوية مستمرة على مدى أكثر من عامين في سيناء لم يكن الفضيحة الوحيدة الذي لطخت سمعة المؤسسة العسكرية المصرية مؤخرًا. فبعد أسابيع قليلة ظهر تقرير آخر لمجلة النيويوركر الأميركية المرموقة تحدث عن إنزال عسكري إماراتي في شبه جزيرة سيناء بأمر من حاكم أبوظبي، الأمير محمد بن زايد، بهدف تدريب القوات المصرية، وهو الأمر الذي صوحب أيضًا بموافقة من السيسي على قيام القوات الإماراتية بتنفيذ عمليات لمكافحة الإرهاب على الأراضي المصرية(22).

 

لو كان التعاون العسكري بين مصر وإسرائيل وحتى الإمارات العربية المتحدة أمرًا علنيًّا وواضح المعالم في سياق مساعدة المؤسسة العسكرية المصرية على تحسين أدائها والحد من فشلها المستمر في مواجهة الإرهاب لكان من الممكن قبوله تحت بند المصلحة المشتركة الذي يسوقه البعض، حتى مع إسرائيل التي كانت في يوم من الأيام جيشًا محتلًّا لشبه جزيرة سيناء وخاضت حربًا امتدت أكثر من عشر سنوات مع مصر. ولكن السرية التي يفرضها الرئيس السيسي على شراكاته الإقليمية والدولية من ناحية، ودوره المريب فيما صار يُعرف إعلاميًّا "بصفقة القرن" وتقارير متزايدة حول موقع سيناء ومستقبلها في ظل هذه الصفقة، يجعل تصديق أن هذا التعاون يتسم بالبراءة والأهداف النبيلة أمرًا ساذجًا أو تعاميًا مقصودًا.

  

 

وبينما يسارع الجيش المصري في تهجير المدنيين وتدمير كل معالم الحياة في مدينة رفح الحدودية وبعمق خمسة كيلومترات داخل الأراضي المصرية، ويقوم ببناء سياج عازل بطول عشرات الكيلومترات ليقتطع به مئات من الأفدنة المطلة على قطاع غزة، خرجت صحيفة هآرتس الإسرائيلية بتقرير تفصيلي عن أمل الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في أن تستثمر دول الخليج -وعلى رأسها السعودية والإمارات- مبلغ مليار دولار لدعم اقتصاد غزة عبر مشاريع بنية تحتية كبرى من بينها ميناء بحري ومحطة كهرباء وأخرى لتحلية المياه. لكن هذه المشاريع، حسب التقرير، لن تكون في قطاع غزة ولكنها ستقام وتعمل بكامل طاقتها في شمال سيناء، وتحديدًا في المنطقة التي هجَّر الجيش المصري سكانها ودمرها عن بكرة أبيها بحجة الحرب على الإرهاب(23).

 

على مر السنين الماضية من دعاوى المؤسسة العسكرية المصرية تضحيتها بالغالي والنفيس في حربها المزعومة على الإرهاب في شمال سيناء، ظلت الأسئلة تتكاثر حول سياسات يتم تنفيذها على الأرض بالرغم من كونها بعيدة كل البعد عن مكافحة التطرف والجماعات المسلحة، وفي أغلب الحالات كانت هذه السياسات تصب مباشرة في مصلحة الجماعات الإرهابية وعملها المستمر على تجنيد مسلحين جدد، وكان على رأس هذه الأمور: تدمير الاقتصاد المحلي وآلاف الأفدنة الزراعية وترك عشرات الآلاف من المواطنين بلا خيار سوى الرحيل تمامًا عن المنطقة الحدودية أو مواجهة الموت بطلقة عشوائية أو قذيفة مجهولة المصدر. اليوم، وفرت "صفقة القرن" إجابات متعددة جلها يؤكد أن السنين الماضية من العمل العسكري المصري في سيناء لم يكن مرتبطًا بالإرهاب أو الاستقرار ولكن بتغييرات جغرافية وسياسية وشيكة ستعيد رسم خريطة المنطقة من جديد. 

  

 السيسي وكوشنر  (الجزيرة)

  

اجتمع منذ أيام صهر الرئيس الأميركي ومستشاره، جاريد كوشنر، مع الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في القاهرة، ليخرج السيسي بتعليقات لم تختلف عن بيانات مصر الدبلوماسية منذ أكثر من خمسين عامًا "شدَّد الرئيس السيسي على موقف مصر الداعم للجهود والمبادرات الدولية للوصول لتسوية شاملة مبنية على حل الدولتين وعلى حدود 1967". كان هذا ما جاء في بيان السفارة المصرية بواشنطن بعد اجتماع السيسي بكوشنر، بلا أي تفاصيل تُذكر لتضع حدًّا للتساؤلات والشكوك المتزايدة(24).

 
وكما هي الحال منذ انقلاب يوم 3 (يوليو/تموز) 2013، الذي سيطر بعده عبد الفتاح السيسي على مصر بقبضة حديدية، لا عزاء لأهالي سيناء في مصابهم المستمر، ولا خيار لهم سوى توقع وانتظار الأسوأ، وكما تنازل السيسي بين عشية وضحاها، وبقرار غير دستوري، عن جزيرتي تيران وصنافير بجنوب سيناء للمملكة العربية السعودية، فلن يفاجأ أهالي شمال سيناء الباقون منهم أو المهجَّرون قسريًّا إذا تم التنازل عن جزء آخر من أرضهم في ظل صفقة أخرى سرية.

المصادر

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار