هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
أزمة الليرة وإف-35..هل ترسم نهاية التحالف بين تركيا وأميركا؟

أزمة الليرة وإف-35..هل ترسم نهاية التحالف بين تركيا وأميركا؟

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
 
في فصل آخر من فصول التوتر بين أنقرة وواشنطن، تبرز أزمة الليرة وما يصاحبها من تهديدات متبادلة بين مسؤولي البلدين لتحتل عناوين الصحف واهتمام مراكز الدراسات حول مستقبل العلاقة بين "حليفين تقليديين"، وتأثير ذلك على تشكل أحلاف جديدة على المستويين الدولي والإقليمي.

وفق المشهد الحالي، وتصعيد لهجة أردوغان بالاتجاه نحو المقاطعة الاقتصادية للولايات المتحدة، وما سبق تلك التصريحات من تصعيد شنه مسؤولون أميركيون تجاه سياسات أردوغان وحكومته، والتي جاءت قضية القس المعتقل في تركيا أندرو جونسون على السطح منها، لتطرح وفق تلك النبرة المتبادلة أسئلة عدة حول مستقبل هذا التحالف، والذي بدت أنقرة وفق تحركاتها الحالية متجهة نحو توسيع علاقاتها وتحالفاتها بالاتجاه شرقا، بينما يتجه ترامب بسياساته الحالية نحو نهج الحروب الاقتصادية.

تاريخ التوتر بين تركيا وأميركا، شهد العديد من التقلبات والمسارات المنحدرة، لذلك، تعد قراءة الأحداث المفصلية في تاريخ العلاقة هامة لفهم أبعاد المشهد بصورة أكثر تفصيلا عن تلك التصريحات الإعلامية التي تخفي أكثر مما تظهر، حيث إن الأزمة الحالية لا تمثل سوى قمة جبل الجليد الذي يحمل في القاع منه تفاصيل مليئة بالخلافات الإستراتيجية.


بداية التوتر

بالنسبة إلى الجنرالات والسياسيين الأتراك كليهما، كان إدخال تركيا في مقايضة أمريكية مع الاتحاد السوفييتي إبان أزمة الصواريخ الكوبية أمرا مهينا (1)، فليس من المعقول أن تقارن تركيا ببلد صغير في مثل كوبا، لكن الأميركيين نجحوا في إقناع الأتراك أن يكونوا جزءا من المقايضة في نهاية المطاف، حيث أزالت الولايات المتحدة صواريخ جوبيتر القادرة على حمل رؤوس نووية من تركيا استجابة لمطالب موسكو، كجزء من صفقة لإقناع الأخيرة بنزع صواريخها من كوبا، وأسدل الستار على أزمة الصواريخ الكوبية في نهاية المطاف ولكنها خلفت جُرحا في علاقات تركيا مع أميركا يبدو أن الأتراك تواطؤوا على تجاهله بشكل ما.
  

لكن عدة أشهر فقط كانت كافية لواشنطن لتنكأ الجرح التركي الحديث بكل قوتها حين أن اندلعت أعمال العنف بين القبارصة اليونانيين والأتراك في جزيرة قبرص خلال أحداث أعياد الميلاد الدموية في ديسمبر عام 1963، دافعة الرئيس التركي جمال غورسيل للاستنجاد بنظيره الأمريكي ليندون جونسون للضغط على اليونانيين لإيقاف الاقتتال، محذرا من تدخل عسكري تركي حال فشلت الولايات المتحدة في ذلك، لكن رد جونسون على تركيا كان مفاجئا وصادما، حيث كانت تلك هي المرة الأولى التي تعلن (2) فيها واشنطن صراحة أنها لن تقف خلف تركيا حال دخلت في نزاع ضد اليونان حتى لو تدخل الاتحاد السوفيتي في الصراع، والأكثر من ذلك أنها لن تسمح للقوات الجوية التركية باستخدام ترسانتها من الأسلحة الأمريكية حال انخرطت في هذا الصراع.

    

جمال غورسيل، الرئيس التركي السابق (مواقع التواصل)

 

بالنسبة إلى تركيا، لم يكن خطاب جونسون مجرد رسالة عادية تناقش أزمة بين حليفين ولكنه تحول إلى حجر زاوية (3) في السياسة الخارجية التركية بشكل عام وعلاقتها مع الولايات المتحدة بشكل خاص، حيث كانت تلك هي اللحظة الأولى التي تختبر فيها تركيا العواقب الكاملة لسياسة الاعتماد العسكري على حليف أوحد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في منتصف الأربعينيات، دافعة توجها تركيا جديدا لموازنة محفظتها الدفاعية وكسر جمود علاقتها مع السوفييت، وبعد عقد واحد من الزمان كانت تركيا تغزو قبرص بالفعل محملة بترسانة هجينة بين الأسلحة الغربية والسوفيتية والمحلية غير مبالية بالاعتراض الأمريكي أو الحظر الذي فرضته واشنطن على مبيعات الأسلحة للبلاد في ذلك التوقيت.

  

لا شك أن المسؤولين الأتراك استحضروا تلك الحوادث مؤخرا في مناورتهم الأخيرة مع واشنطن، فحين أعلنت تركيا للمرة الأولى نيتها الحصول على نظام الدفاع الصاروخي الروسي إس-400، بدا أن تركيا تلعب من جديد نفس لعبتها المعتادة التي دأبت عليها على مدار نصف قرن، فلم يعد من الممكن بالنسبة لأنقرة أن تبقي نفسها رهينة بشكل كامل لمنظومة التسليح الغربية، وفي الوقت نفسه فإنها تعلم أن تلك المناورات لا تأتي بلا عواقب، وكالمعتاد فإن واشنطن اختارت معاقبة تركيا بالطريقة التي اعتادتها أيضا وهي المزيد من الحظر، وفي هذه المرة يبدو أن واشنطن تحاول حرمان تركيا من الحصول على الجيل الأحدث من المقاتلات الأميركية الأكثر تطورا، رغم أن أنقرة تعد شريكا رئيسيا في برنامج تطوير المقاتلة الأحدث منذ تدشينه قبل قرابة 20 عاما، ولديها خطة لاقتناء مائة وحدة من المقاتلة.

  

ففي الرابع والعشرين من يوليو/تموز الحالي، أقر الكونغرس الأمريكي مسودة قانون يمنع نقل مقاتلات الجيل الخامس إلى تركيا، رغم أن الدفعة الأولى من المقاتلات أصبحت في حوزة أنقرة من الناحية النظرية قبل شهر تقريبا ولكنها بقيت في الولايات المتحدة لاستكمال أغراض تدريب الطيارين الأتراك، وطالب المجلس التشريعي الأميركي وزارة دفاعه بتقديم تقييم لمشاركة تركيا في اتحاد صناعة الطائرة والتأثير المحتمل لاستبعاد أنقرة من الاتحاد، ولم يستجب المشرعون الأميركيون لتحذير وزير دفاعهم جيمس ماتيس أن منع تركيا من الحصول على المقاتلة يمكن أن يهدد سلاسل التوريد والتجميع ومواعيد تسليم الطائرة الأمريكية لمدة تصل إلى عامين لحين الحصول على موردين بدلاء للأجزاء التي تصنعها الشركات التركية.
  

أثارت الأزمة حرب تصريحات جديدة أضافت المزيد من أسباب الاشتعال للتوتر الكامن بين واشنطن وأنقرة منذ سنوات، توتر يقود العلاقات بين البلدين إلى أدنى مستوى (4) لها منذ الحرب القبرصية، حاملا معه دعوات لإعادة النظر في ذلك التحالف طويل الأمد بين الجانبين، فعلى الجانب الأمريكي، يجادل البعض أنه مع نهاية الحرب الباردة، فإن تركيا فقدت دورها الرئيسي في إستراتيجية الأمن الأميركية كحاجز ضد توسع القوة السوفييتية في الشرق الأوسط، أما من المنظور التركي، فإن أنقرة أيقنت مرة بعد أخرى أنها لم يعد بإمكانها الاعتماد على المظلة الأمنية الأميركية بأي حال، والواقع أنه لم يكن بإمكانها ذلك في أي وقت، فباستثناء التحالف المشترك في وجه السوفييت، فإن أمريكا لم تكن يوما ضامنا للمصالح الأمنية التركية، والحقيقة أن أنقرة لم تذق في علاقتها مع واشنطن على مدار تاريخها سوى مرارة الخذلان عاما بعد عام ومرة تلو المرة.

    

    

التحالف الكبير

تعود البدايات الأولى للعلاقات العسكرية بين تركيا والولايات المتحدة إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية حين اختارت تركيا دخول الحرب إلى جانب الحلفاء مطلع عام 1945، فمع نهاية الحرب، كثف الاتحاد السوفيتي مطالبة بالاحتفاظ بقواعد عسكرية في المضايق التركية، ما دفع الولايات المتحدة لإعلان عقيدة ترومان التي التزمت بموجبها بضمان أمن تركيا واليونان، لتبدأ من ذلك الحين المساعدات العسكرية والاقتصادية الأمريكية في التدفق  بشكل مكثف إلى بلاد الأناضول.

  

وقد عمل الاهتمام المتبادل في احتواء التوسع السوفييتي كأساس للعلاقات التاريخية بين تركيا وواشنطن على مدار العقود الأربعة التالية، ونتيجة لذلك دعمت (5) تركيا  بشكل كامل استراتيجية الولايات المتحدة الشاملة للحرب الباردة، وشاركت بقواتها تحت مظلة الأمم المتحدة في الحرب الكورية مطلع الخمسينات وبحلول عام 1952 انضمت تركيا بشكل كامل إلى منظمة حلف الشمال الأطلسي الناتو، المظلة الأمنية الأكبر التي دشنتها الدول الغربية للدفاع ضد السوفييت.

  

ولاحقا في عام 1957 أعلنت تركيا تبنيها لمبدأ أيزنهاور وبموجب ذلك فإنها تعاونت مع حلفاء أمريكا الآخرين في الشرق الأوسط مثل إيران وإسرائيل في احتواء الأنظمة المدعومة من السوفييت، ومن أجل القيام بتلك المهمة استضافت تركيا قاعدة أنجرليك الجوية التي ستلعب فيما بعد دورا حاسما في العمليات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط بداية من الحرب الباردة إلى حرب العراق ومرورا بحرب الخليج.

  

بيد أن العلاقات الأميركية التركية اختبرت منعطفا قاسيا منتصف السبعينيات حين وقع الانقلاب العسكري المدعوم من المجلس العسكري اليوناني في قبرص الواقعة على بعد 75 كيلو مترا فقط من تركيا، وحينها قررت تركيا إرسال قواتها إلى قبرص تحت ذريعة حماية سلامة القبارصة الأتراك، ونتيجة لتلك العمليات العسكرية سيطرت تركيا على الجزء الشمالي من قبرص، وردت الولايات المتحدة آنذاك بفرض حظر على توريد الأسلحة الأمريكية إلى تركيا للمرة الأولى في تاريخ العلاقات بين البلدين.

      

دبابات الجيش التركي في قبرص (رويترز)
 

لكن التغيرات السياسية التي وقعت في الشرق الأوسط وعلى رأسها قيام الثورة الإيرانية دفعت الولايات المتحدة إلى احتواء خلافاتها مع تركيا، ومع مطلع الثمانينيات استعادة العلاقات وتيرتها المعتادة بعد أن وقع البلدان اتفاقية التعاون الاقتصادي والدفاعي (ديكا) التي منحت بموجبها تركيا واشنطن حق الوصول إلى 26 منشأة عسكرية تركية مقابل محفظة بقيمة 450 مليون دولار من الأسلحة الأمريكية لتركيا استهلك معظمها في برامج الطائرات الهيلوكوبتر والطائرات المقاتلة التي استخدمت في قمع التمرد الكردي، إضافة إلى دعم واشنطن لسياسات رئيس الوزراء تورغوت أوزال الاقتصادية والضغط على صندوق النقد الدولي لتقديم مساعدات اقتصادية لتركيا، وبالإضافة إلى ذلك وافقت واشنطن لأول مرة على دخول تركيا كشريك في برنامج تصنيع المقاتلة الأميركية إف-16 ودعمت من أجل ذلك تأسيس شركة الصناعات الجوية التركية.

  

وبفضل هذه الجهود نجحت واشنطن في استعادة ثقة النخبة التركية من جديد، غير أن نهاية الحرب الباردة دفعت عملية تقييم استراتيجي واسعة النطاق في أنقرة، فمع اختفاء (6) التهديد السوفيتي بدأت أنقرة تشعر أنها صارت منبوذة من قبل الغرب وعلى الأخص أوروبا بشكل متزايد وهو ما كان يعني أن تبحث تركيا عن عمق إستراتيجي جديد في آسيا أو في محيطها التاريخي في الشرق الأوسط،  ولكن رئيس الوزراء تورغوت أوزال، وعلى النقيض من طبقات البيروقراطيين العسكريين في جيشه، ظل يعتقد  أن أمن تركيا لا يزال يعتمد بشكل وثيق على علاقاتها القوية مع الولايات المتحدة.

  

ونتيجة لذلك، ألقى (7) أوزال بثقله كاملا خلف واشنطن، ولدهشة الأميركيين أنفسهم، فإن رئيس الوزراء التركي لم يفتح قاعدة أنجرليك أمام القوات الأمريكية فحسب، ولكنه قام بنشر 100 ألف جندي تركي على الحدود من العراق، وقام بإغلاق خط أنابيب تصدير النفط العراقي متجاهلا روابط تركيا الاقتصادية الوثيقة مع بغداد وتأثير الحرب على اقتصاد بلاده. وحتى بعد الحرب، واصل أوزال دعم مبادرات الولايات المتحدة الرئيسية في المنطقة، بما في ذلك إنشاء منطقة حظر جوي فوق شمال العراق ، وعملية السلام العربية الإسرائيلية وهي سياسة لم تكن مقبولة من قبل جميع الأتراك إلى درجة أن استخدام أميركا لمنشآت العسكرية التركية أثناء قصف العراق تسبب في اندلاع مظاهرات في عدة مدن تركية صاحبتها هجمات محدودة ضد المنشآت الأميركية.

  

وخلال الحقبة التالية، يبدو أن توافقا ما في الآراء بين النخبة السياسية في تركيا على الإبقاء على التحالف الإستراتيجي مع الولايات المتحدة طوال العقد الأخير من الألفية إبان فترة حكومتي سليمان ديميريل وتانسو تشيلر التي  تزامنت مع إدارتي الرئيسين جورج بوش الأب وبيل كلينتون، ولكن العلاقات كانت على وشك أن تختبر منعطفا جديدا مع مطلع الألفية الجديدة والحرب الأمريكية الناشئة على الإرهاب.

  

سليمان ديميريل (رويترز)

  

وللمفارقة، فإن أحداث 11 سبتمبر وما تلاه جاءت متزامنة مع عملية تغيير درامي في الطبقة السياسية في واشنطن مع صعود حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية، وما صاحب ذلك من تنبؤات بنشوء مناخ فلسفي مختلف في أنقرة يهدد علاقتها مع الغرب، لكن بدا للوهلة الأولى أن النخبة التركية الجديدة تحمل ذات النظرة إلى القيمة الاستراتيجية لتحالف تركيا مع واشنطن.

  

أبقت تركيا الجديدة على تحالفها الوثيق مع الولايات المتحدة ودعمتها في حربها على الإرهاب على الرغم من أن السياسيين الحاكمين الجدد مثل رجب طيب أردوغان وعبد الله جول فشلوا (8) في الضغط على نوابهم للحصول على أغلبية تسمح للقوات الأمريكية بمهاجمة العراق من تركيا، لاسيما بعد واقعة القلنسوة الشهيرة حين احتجزت القوات الأمريكية مجموعة من العسكريين الأتراك شمال العراق واستجوبتهم بشكل مهين أثناء تغطية رؤوسهم.
  

تلقت العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة قفزة كبرى خلال فترة ولاية أوباما الأولى حيث قام الرئيس الأمريكي بأول زيارة رسمية إلى تركيا متوقفا في كل من أنقرة واسطنبول وقامت تركيا بالرد على تلك البادرة بالتعهد بمزيد من الدعم للعمليات الأميركية في أفغانستان، رغم الضغوط الأوروبية التي كدرت صفو ذلك التقارب وأهمها دعوة ألمانيا وبلجيكا لإزالة الأسلحة النووية الأمريكية من قاعدة إنجرليك الجوية في تركيا.

  

ولكن العلاقات غير المستقرة بين الحليفين سرعان ما ذهبت إلى التوتر من جديد في عام 2010 حين تصدت أنقرة لجهود واشنطن لفرض حزمة جديدة من العقوبات على إيران وهو ما دفع الكونغرس لتعليق منح بعض الأسلحة للجيش التركي، توتر فاقمته تسريبات لبرقيات دبلوماسية أمريكية أظهرت ازدراء المسؤولين الأمريكيين لرئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان وتوجهاته الإسلامية وأيضا لميوله العثمانية.

    

     

وكان الربيع العربي، والحرب السورية على وجه الخصوص، نقطة الافتراق الكبرى في مسار العلاقات التركية الأمريكية مع التجاهل الأميركي المتعمد للمطالبات والمخاوف التركية، بداية من تراجع واشنطن عن خططها للإطاحة برئيس النظام السوري، وتجاهلها مقترح تركيا للمنطقة العازلة وصولا إلى الاختلاف طويل الأمد حول دعم المقاتلين الأكراد على الحدود السورية مع تركيا، وجاءت محاولة الانقلاب الفاشلة منتصف عام 2016 لتطلق رصاصة الرحمة على جسد العلاقات المتهالكة، فبخلاف نظرية المؤامرة الرائجة التي تبناها بعض كبار المسؤولين الأتراك حول تورط مسؤولين كبار في البنتاغون وحلف الناتو في دعم الانقلاب، فإن رفض واشنطن المتكرر لطلبات الحكومة التركية لتسليم رجل الدين ذي الأصول التركية فتح الله كولن الذي تتهمه أنقرة بالوقوف خلف محاولة الانقلاب، أسهم في تعزيز الموقف التركي المتشكك الذي بدأ في التحول تدريجيا من خلاف مع حليف سياسي إلى خط ثابت من السياسات المضادة لأميركا في المنطقة.

  

البحث عن الأمن

ترجع الاضطرابات في العلاقات التركية الأميركية في المقام الأول إلى تباين (9) نظرة كلا البلدين للتهديدات الأمنية التي تواجههما، فالمقارنة مع فترة الحرب الباردة حيث كانت تركيا ترى أن التهديدات قادمة من الشمال بشكل رئيسي، ترى تركيا اليوم أن التهديدات الكبرى لأمنها تأتي بشكل رئيسي من جنوب المحيط التركي وتبقى المشكلة الكردية في مقدمة هذه التحديات، فعلى مدار تاريخها كانت أنقرة حذرة بشكل كبير من قيام دولة كردية على حدودها تلهم تمردا للأكراد على أراضيها، ونتيجة لذلك خاضت الدولة حربا قاسيا ضد حزب العمال الكردستاني في الثمانينات فقد خلالها أكثر من 40 ألف شخص حياتهم.

  

وقد أدى غزو العراق بقيادة الولايات المتحدة إلى تفاقم المشكلة الكردية، فرغم أن صدام لم يكن من ذلك النمط المحبب من الحكام بالنسبة إلى الأتراك، فإنه مثل عاملا هاما للاستقرار على الحدود الجنوبية للبلاد، ونتيجة لذلك فإن حرب العراق جلبت أبشع مخاوف الأتراك إلى أرض الواقع بعد أن جددت التمرد الكردي وأقامت دولة بحكم الواقع للأكراد في شمال العراق، ولكن الخطأ الذي لم تغفره أنقرة لواشنطن حقا هو قيامها بجلب التمرد الكردي إلى حدودها مع تقدم الحرب في سوريا إثر الربيع العربي، بداية من قيام واشنطن بنقل الأسلحة لأول مرة لوحدات حماية الشعب الكردية في مدينة كوباني السورية ومرورا باعتماد واشنطن على الأكراد كركيزة أساسية لمحاربة تنظيم الدولة الأمر الذي دفع تركيا للتغلب على حذرها التقليدي والتدخل عسكريا في سوريا دون انتظار الضوء الأخضر الأميركي بعد أن قررت واشنطن لأول مرة في تاريخها الانحياز إلى الأكراد على حساب تركيا.

  

وبخلاف التهديد الكردي الناشئ، فإن أنقرة طالما اعتبرت (10) سوريا – وبالأخص خلال حقبة الثمانينيات والتسعينيات- اعتبرتها تهديدا أمنيا كبيرًا لأنها قدمت الدعم والملاذ الآمن لحزب العمال الكردستاني، حيث وصلت العلاقات بين البلدين إلى نقطة الأزمة عام 1998 حين هددت تركيا بغزو سوريا إذا لم توقف دمشق دعمها لحزب العمال الكردستاني، ما اضطر دمشق في نهاية المطاف إلى طرد عبد الله أوجلان وإغلاق معسكرات التدريب الكردية على أراضيها.

     

 

وبالمثل مع إيران، وبالرغم من العلاقات الاقتصادية المتنامية بين الدولتين، وتوفير تركيا قنوات لإيران للتحايل على العقوبات الأمريكية، فإن هذا التقارب كانت في حقيقته هو الطريقة التي اختارت بها تركيا الاستجابة للتحدي الأمني الذي تمثله إيران على المدى الطويل خاصة بعد ترسيخ الدولة الفارسية لنفوذها في العراق كأحد النتائج المباشرة للغزو الأمريكي، ومعارضة تركيا طويلة الأمد للحلول الأمريكية بالتعامل مع إيران عسكريا أو عبر العقوبات، وهي حلول ترى أنقرة أنها تعمق الاضطراب السياسي في المنطقة.
  

وحتى في ملف علاقتها مع اليونان في قبرص وبحر إيجه، وعلى الرغم من أن التحدي القادم من أثينا اليوم صار أقل إلحاحا مما كان عليه قبل عقد من الزمان، فإن واشنطن لا تزال تشعر بالخذلان الأمريكي بعد انحياز أمريكا الضمني ضدها وترك الملف العلاقات التركية اليونانية للمعالجة الأوروبية المنحازة ضد أنقرة، خاصة مع تراجع الدعم الأمريكي لملف انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي ورضوخ واشنطن للموقف الأوروبي المنحاز ضد تركية على أساس هوياتي في المقام الأول.

  

غير أن تلك الاختلافات الجوهرية لم تمنع في معظم الأوقات من استمرار الخطوط الرئيسية للعلاقات وبخاصة على المستوى العسكري، فعلى مدار السنوات العشرة الماضية واصلت واشنطن تمرير الأسلحة للجيش التركي من خلال مجموعة برامج مختلفة على رأسها برنامج السلام والأمن الهادف إلى تعزيز التعاون التركي مع حلف الناتو و برنامج التمويل العسكري الأجنبي  الذي يقدم قروضاً أو منحا للسماح للجيوش الأجنبية بشراء المعدات الأمريكية إضافة إلى برامج منع انتشار الأسلحة النووية ، ومكافحة الإرهاب ، وإزالة الألغام وبرنامج التدريب العسكري الذي يقوم بتدريب الجيوش الأجنبية بهدف زيادة تعاونها مع القوات العسكرية الأمريكية.

   

مثلت مبيعات الأسلحة ركيزة مهمة للدور الأميركي العميق في السياسة العسكرية التركية مع ما يقرب (11) من 63% واردات الأسلحة التركية في السنوات الأخيرة التي قدمت من الولايات المتحدة واضعة تركيا في المرتبة الثالثة لمتلقي الأسلحة بعد اسرائيل والإمارات العربية المتحدة  أسلحة تراوحت من الطائرات المقاتلة وطائرات الهيلوكوبتر إلى أسلحة المدفعية والصواريخ، عززت قوة الجيش التركي عاما بعد عاما وأسهمت في وضعه ضمن مصاف الجيوش الأكثر قوة في المنطقة والعالم بأسره.

  

دبابات الجيش التركي في الأراضي التركية (رويترز)

  

الاستقلال العسكري

ورغم ذلك، فإن المخازن العسكرية الأميركية لم تكن مفتوحة أمام أنقرة بالشكل الذي تمنته وفي أكثر من مناسبة امتنعت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوربيون عن تلبية طلبات أنقرة من الأسلحة مثل منع الكونغرس الأمريكي فرقاطتين من نوع أوليفر هازارد طراز بيري (12) إلى أنقرة في عام 2014 بسبب مواقفها أنقرة المعادي لإسرائيل ومعارضتها للتنقيب عن الغاز الطبيعي من قبل الشركات الأمريكية بالقرب من قبرص، وقيام ألمانيا برفض 11 طلبا تركيا على الأٌقل للحصول على أسلحة خلال النصف الأول من عام 2017، ناهيك عن الحظر طويل الأمد على بيع تكنولوجيا الطائرات بدون طيار إلى تركيا.

  

بالإضافة إلى ذلك، فإن واشنطن ودول الناتو الأوروبية فرضوا دائما حظرا ضمنيا على نقل المعارف التقنية والتكنولوجية المرتبطة بتكنولوجيا الأسلحة إلى تركيا دافعين أنقرة في بعض الأحيان للبحث عن موريد لأسلحة أقل كفاءة طالما أنها ستكون مصحوبة بنقل التكنولوجيا، ومثال على ذلك ما حدث (13) في عام 2013  حين أعلنت أنقرة نيتها التوحه إلى الصين للحصول على نظام الدفاع الصاروخي إتش كيو 9 لحماية الأجواء التركية، مفضلة إياه على النظم الأوروبية والأمريكية، حيث كان القرار التُركي نابعًا من الرغبة في الحصول على المعرفة التقنية بتصنيع تلك النظم، متجاهلة العقوبات الأميركية المفروضة على الشركة الصينية المصنعة للنظام.

  

لم تحصل أنقرة على المنظومة الصينية في نهاية المطاف مختارة تغليب المنطقة التقليدي حول الفجوة الهائلة بين التقنية الأميركية ونظيرتها الصينية، وعدم جدوى زرع نظام عسكري دخيل وسط منظومة أسلحة الناتو الغربية، لكن تلك الصفقة ومثيلاتها شكلت دائما أوراق ضغط هامة لأنقرة في سعيها لتنويع محفظة حلفائها والحصول على شروط أفضل في صفقاتها مع أمريكا وأوروبا في الوقت الذي تتجه فيه أنقرة لاقتناء تكنولوجيا عسكرية خاصة بها كأحد شروط التحرر العسكري من الهيمنة الأمريكية.

 

لفترة طويلة، كان امتلاك صناعة عسكريا مستقلة هوسا لم يفارق أذهان المسؤولين الأتراك منذ استقلال دولتهم منتصف العشرينيات إلى درجة أن أحد أول (14) المشاريع القومية للدولة التركية الحديثة كانت اكتتابا شعبيا طويل الأمد استمر لأكثر من 10 سنوات لتمويل نفقات 250 طائرة عسكرية تركية وهو ما خلق رابطة بين الأتراك وحلم التصنيع العسكري منذ اللحظة الأولى لتشكيل دولتهم الجديدة.

     

     

كانت القيود التي فرضتها معاهدة فرساي على صناعة وتصدير الأسلحة الألمانية بمثابة فرصة كبرى للصناعة العسكرية التركية الناشئة، فمع حرصها على الإفلات من العقوبات، توجهت شركات الأسلحة الألمانية إلى تركيا سعيا لإنتاج مقاتلاتها العسكرية من طراز أي -20 وحتى الطائرات المدنية من طراز إف -13، في مدينة قيصري في قلب الأناضول، ورغم أن تلك المحاولات باءت بالفشل في نهاية المطاف، فإن تلك المحاولات مهدت الطريق لقيصري لتصبح مركزا لتجميع الطائرات التي استوردتها تركيا من الولايات المتحدة وبريطانيا في وقت لاحق.

  

ولكن حلم إنتاج طائرة مقاتلة تركية لم يفارق خيال الأتراك في أي وقت، ولذا حرصت تركيا حرصت دوما على تنويع محفظتها ما بين بريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة وبولندا، إلا أن قيام الحرب العالمية دفع تركيا قد ألقت بيضها كله في يد المعسكر الغربي وخاصة الولايات المتحدة. ورغم الدور الهائل الذي لعبته المساعدات والأسلحة الأمريكية في بناء الجيش التركي، وجدت تركيا نفسه للمرة الأولى مضطرة للاعتماد على مورد وحيد للسلاح واضطرت للتخلي نسبيا عن طموحاتها في استقلال صناعتها العسكرية، حيث لم تكن النماذج التركية البسيطة وقدرات الإنتاج المحدود قادرة على الصمود في ظل تدفق المعدات الأمريكية المتطورة.

  

ولكن التوترات المستمرة في علاقة تركيا مع الولايات المتحدة وأوروبا ندفع تركيا اليوم لإحياء أحلامها القديمة لتطوير صناعتها العسكرية الخاصة التي لا تهدف فقط لمنح أنقرة استقلالا عسكريا نسبيا عن الولايات المتحدة وأوروبا، ولكن أيضا لتلبية احتياجات قوتها العسكرية المتزايدة واستبدال أسلحتها القديمة وتخفيف الأموال التي تنفقها على المشتريات العسكرية الأجنبية ناهيك عن ترسيخ دور أنقرة كقوة إقليمية من خلال توريد الأسلحة، وهو توجه يحظى باهتمام الرئيس التركي أرودغان الذي يشرف بنفسه على اللجنة التنفيذية للصناعات الدفاعية بموجب التعديلات الدستورية التي تم إقرارها في استفتاء أبريل/نيسان 2016.

    

    

تريد الحكومة التركية إقامة صناعة محترمة تستند إلى مجموعة واسعة من المشاريع الدفاعية تمتد من السفن البحرية إلى سيارات الجيش إلى مشروعات الجو والفضاء ففي المجال البحري ، تمتلك تركيا أحواض إسطنبول لبناء السفن وحوض غولكوك البحري اللذين مكناها من من تأمين عقود بمليارات الدولارات مع دول مثل باكستان وإندونيسيا والمملكة العربية السعودية فيما تصدر شركة أسيلسان المنتجة لإلكترونيات الدفاع منتجاتها إلى أكثر من 60 دولة على مستوى العالم.

  

 وقد حققت شركة نيورول ماشيناري المنتجة للمركبات المدرعة التركية زيادة في المبيعات بلغت عشرين ضعفا خلال أربع سنوات وبدأت في تصدر سيارات المدرعة إلى العالم، في وقت تقوم فيه شركة سيديف لبناء السفن ببناء أول سفينة هجومية برمائية في تركيا للبحرية التركية ، وهي سفينة ستشكل في نهاية المطاف أساس برنامج حاملة طائرات تركية، فيما تقوم شركة الصناعات الجوية التركية "إيروسبيس إنداستريز" بدور رائد في الجهود الرامية إلى تطوير (15) طائرات بدون طيار باسم أنكا  إضافة إلى المروحية الهجومية "تي 129"  التي تطورها شركة شركة الصناعات الجوية التركية (تاي)، وتقوم أنقرة اليوم باستبدال ترسانتها القديمة من الدبابات القتالية لصالح الدبابة ألتاي الرئيسية، التي طورتها شركة الدفاع التركية أوتوكار، بخلاف دخول شركات الدفاع التركية إلى التعاون الاستراتيجي مع الشركات الأجنبية في تطوير العديد من برامج الأسلحة للتعويض عن أوجه القصور المستمرة في معارفها التكنولوجية.

   

يبدو أن تركيا قطعت شوطا طويلا (16) في تطوير صناعة الدفاع المحلية، فمنذ عام 2002، ارتفع معدل تلبية صناعة الدفاع التركية لمتطلبات الشراء الداخلية من من 24 إلى 64 في المائة وما زال يرتفع رغم أن أنقرة لا تزال بعيدة عن الاستقلال العسكري الكامل حيث لاتزال تلك البرامج المحلية في كثير من الأحيان لا يزال مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالشراكات الأجنبية وتعتمد على أنظمة فرعية مستوردة بما يعني أن أنقرة من التخلي عن اعتمادها على الأنظمة الأجنبية المهمة في أي وقت قريب.

  

معركة الطائرات.. والصواريخ

في ضوء ذلك، يتم قراءة الامتناع الأميركي عن توريد طائرات إف-35 إلى أنقرة، والجلبة التي أحدثتها واشنطن حول نية تركيا الحصول على منظومة إس-400 الروسية مؤخرا من قبل الأتراك كفصل جديد في رحلة استقلال القرار العسكري التركي، فرغم كون أنقرة عضوا في ائتلاف تصنيع المقاتلة الأمريكية بما يعني أنها أنفقت مليار دولار على الأقل على رحلة تطوير الطائرة، ورغم أن هناك 10 شركات تركية (17) تشارك في مراحل مختلفة لإنتاج وتجميع وتشغيل الطائرة، وحتى رغم تسلم الاحتفال بتسلم أنقرة لأول مقاتلين في حفل في ولاية تكساس الشهر الماضي ووصول أول دفعة من الطيارين الأتراك إلى أريزونا لأجل التدريب، يسعى الكونغرس الأميركي لمنع أنقرة من الحصول على الطائرة وطردها من التحالف المصنع بشكل كامل.

     

    

تشير (18) مسودة الصيغة النهائية لقانون تفويض الدفاع الوطني الذي يهدف لمنع تركيا من الحصول على الطائرات الأمريكية إلى أن حصول أنقرة على نظام دفاعي روسي يمثل انتهاكا من دولة حليفة للولايات المتحدة للعقوبات المفروضة على روسيا، فضلا عن أن عمل النظام الروسي بجوار الطائرات الأمريكية يمثل (19) تهديدا لتلك الطائرات مع قدرة رادار النظام على جمع المعلومات والإشارات من الطائرة، وهو ما سيمنح موسكو معرفة مفيدة حول قدرات مقاتلة حلف الناتو المستقبلية.

  

وقد انخرطت الحكومة التركية والولايات المتحدة في محادثات حول هذه القضية منذ ديسمبر / كانون الأول 2017 على الأقل واستخدم  البيت الأبيض ووزارة الدفاع تهديد العقوبات إلى جانب عرض محسن لنظام الدفاع الصاروخي الأمريكي باتريوت أو  نظام سامب/تي الأوروبي المتوافق مع معدات الناتو لكن الحكومة التركية قاومت الضغوط وتمسكت بالنظام الروسي الذي يأتي مع امتيازات متقدمة لنقل التكنولوجيا إضافة إلى ميزة تنويع المحفظة الدفاعية.
 

في غضون ذلك تأمل واشنطن أن التلويح بالعقوبات والامتيازات يمكن أن يقنع تركيا بالتراجع هذه المرة أيضا فيما تعول أنقرة على قدرة الرئيس الأمريكي ترامب على تنفيذ تعهداته بتسليم الطائرات، وكذا على حقيقة قدرة أنقرة على تعطيل (20) تأخير ما يقرب من 75 طائرة أميركية حال امتنعت الشركات التركية عن توريد مكونات الطائرة الأمر الذي سيؤدي إلى توقف إنتاجها لمدة تقترب من عامين، ناهيك عن أوراق الضغط الأخرى التي تمتلكها تركيا وأقلها المطالبة برد الأموال التي استثمرتها في صناعة الطائرة، وأعلاها منع الوصول الأميركي إلى قاعدة أنجرليك الجوية.

 

تظهر بذلك أزمة الليرة، وما صاحبها من تهديدات متبادلة بين واشنطن وأنقرة مسارا منطقيا للتصعيد المتبادل بين الطرفين، ليظهر الاقتصاد بذلك كأداة إخضاع وهيمنة وتصفية حسابات يسعى من خلالها الطرف المهيمن على فرض شروطه.

وبغض النظر عما يمكن أن تسفر عنه الأزمة وهوية الطرف الذي سيكون قادرا على فرص رهاناته في نهاية المطاف فإن الوصول إلى هذا المستوى من العلاقات والتهديدات المتبادلة باتخاذ إجراءات أكثر قسوة هي علامة (21) على الانحدار المستمر في العلاقات بين الولايات المتحدة وتركيا، فعلى الرغم من أن كلا البلدين لا ينوي التخلي عن الآخر تماما في وقت قريب إلا أن الأسس الراسخة للعلاقة بينما تعاني تآكلا متزايدا في الوقت الذي تشق فيه أنقرة طريقها بعيدة عن المظلة الأمريكية في حين تراجع واشنطن بشكل فعلي أسس تحالف دام لسبعة عقود ويبدو اليوم أنه في طريقه إلى الانهيار بشكل بطيء.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار