هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
السياسة الخارجية التركية.. إلى أين تتجه أحلام الإمبراطورية الجديدة؟

السياسة الخارجية التركية.. إلى أين تتجه أحلام الإمبراطورية الجديدة؟

أسامة الصياد

محرر سياسة
  • ض
  • ض

 

اضغط للاستماع
 

لم يكن مناخ الأحداث السياسية بين تركيا وهولندا، في الثالث من (مارس/ آذار) من العام الماضي، بمثل أجواء البلدين الربيعية في تلك الفترة من السنة، وإنما كانت أجواءً عاصفة بامتياز، حيث قررت الحكومة الهولندية، وبصورة مفاجئة، عدم استقبال وزير الخارجية التركي "مولود جاويش أوغلو"، من أعلن عزمه التوجه لهولندا للقاء الجالية التركية، ضمن جولات دعائية للتعديلات الدستورية التركية المطروحة وقتها للاستفتاء منتصف شهر (أبريل/ نيسان) من نفس العام. ورغم عدم ترحيب أمستردام بـ "أوغلو"، إلا أنه أصر على الانطلاق بطائرته نحو مطار روتردام، في موقف متحدٍّ للقرار الهولندي وحادثة غير مسبوقة، وحينها ظلت طائرة وزير الخارجية التركي فوق الأجواء الهولندية دون إعطائها إذن الهبوط، بعدما نفذت السلطات تهديدها بعدم استقباله لأسباب ادعت أنها أمنية، إلى أن عادت الطائرة أدراجها لأنقرة. [1]

  

كان الحدث بداية فقط، فبعد عدة ساعات لا أكثر تكرر التصعيد الهولندي مع وزيرة الأسرة والشؤون الاجتماعية التركية "فاطمة بتول سايان كايا"، ومُنعت هي الأخرى من دخول القنصلية التركية بمدينة روتردام، وهي المنطقة التي أعلنتها حكومة أمستردام كمساحة محرمة على المسؤولين الأتراك آنذاك حتى إشعار آخر، ما جعل الشرطة الهولندية توقف موكب الوزيرة التركية القادم من الحدود الألمانية، وأرغمته على العودة، لتشكل الحادثتان بتفاصيلهما إشارات متتالية نحو بدء الحرب بين الحكومتين.

  

حينها، طلبت تركيا من السفير الهولندي لديها بلهجة دبلوماسية شديدة استكمال عطلته في هولندا وعدم العودة إلى أنقرة في هذا التوقيت، في نفس الوقت الذي امتدت فيه موجة المظاهرات التركية المناهضة لهولندا إلى روتردام وهي الاحتجاجات التي واجهتها الشرطة الهولندية بعنف، وهو عنف تزامن مع سيل التصريحات الرسمية التركية التي صعدت لغة الرد لحدود إعلامية غير مسبوقة، شُحن الأتراك على إثرها ضد التصرفات الأوروبية "العدائية" في خضم صراع سياسي داخلي حول تغيير نظام الحكم التركي من برلماني لرئاسي.[2]

 

على ما يبدو، كانت لتصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في الأزمة مفعولًا سحريًا أيضًا بعد أن وصف هولندا بـ "جمهورية موز" والهولنديين بـ «بقايا النازية والفاشية»، وانعكس ذلك على نتيجة التصويت لصالح التعديلات الدستورية الجديدة لدى الجالية التركية المقيمة في هولندا، والتي صوت 71% من الأتراك المقيمين بها بـ "نعم" للتعديلات، وهو المعدل المتوسط لنتائج أتراك أوروبا وقتها المؤيدين للتعديلات الدستورية التي مرت بـ 51.3% في النتيجة الإجمالية، بعد أن بدت الأزمات التركية الخارجية وعلى رأسها أزمة هولندا أحد عوامل الحشد للتصدي لتدخلات أوروبية في الاستفتاء.[3]

   

  

لم يعد ذلك المشهد غير مألوف في الاستحقاقات الانتخابية التركية بشكل عام، إذ تحضر توجهات النظام الخارجية وصداماته في الدعاية والحشد قبيل الانتخابات، وهو ما حدث تمامًا في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة التي جرت في 24 (يونيو/ حزيران) الماضي[4]، وانتهت بفوز الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بولاية جديدة في ظل النظام الرئاسي، كما حاز تحالف حزبه العدالة والتنمية بالأغلبية في مقاعد البرلمان، فحضور القضية الفلسطينية في الشارع التركي قبيل الانتخابات كان ملاحظًا إلى حد كبير، خاصة مع قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الإسرائيلي، الأمر الذي رفضته تركيا وصعدت من لغة خطابها في انتقاده، وبالتبعية كان الشارع التركي حاضرًا في عدة مشاهد مناصرة للفلسطينيين على الأرض، ليس هذا فحسب بل مثلت عملية "غصن الزيتون" إحدى ركائز ذلك التصعيد، وهي التي أطلقتها أنقرة في (يناير/كانون الثاني) الماضي صوب منطقة "عفرين" السورية لتطهيرها من قوات حزب الاتحاد الديمقراطي "PYD" وقوات الحماية الكردية "YPG" المتمركزة في مناطق غرب الفرات، عقب استعانة القوات الأمريكية بهم في حملتها ضد تنظيم الدولية الإسلامية "داعش".[5]

   

انطلقت العملية وسط تكهنات بتبكير الانتخابات رغم إصرار الحكومة على نفي الأمر، إلا أن الأمور سارت في هذا الاتجاه. وبالفعل تم تقديم موعد إجراء الانتخابات على وقع نجاحات عسكرية تركية في جيوب الشمال السوري، وهو ما عده البعض انطلاقا حقيقيًا لحملة أردوغان الانتخابية، خاصة مع ميل القوميين الأتراك نحو تأييد شديد لمواجهة التنظيمات الكردية على الحدود السورية، وهو ما أعطى صورة أفضل عن مدى ثقل الملفات الخارجية في تحريك أوراق شعبية أردوغان وحزب العدالة والتنمية من ورائه، وهو الذي كان يتحاشى كثيرًا أن تؤثر السياسات الخارجية على أوضاع حزبه في السلطة، إلا أن لحظة الانقلاب العسكري المُجهَض عام 2016 كانت فارقة في إطلاق يد الرجل لانتهاج سياسة خارجية أكثر حدية من ذي قبل، إلا أنها سياسة تبدو وكأنها في طريقها للتصفير عكس المتوقع.

  

ساعدت الأزمات الخارجية في حشد أتراك الخارج والداخل خلف أردوغان، إلا أنه وبعد عبوره للمحطة التركية الأهم في السنوات الأخيرة وجدت أوروبا نفسها على الأرجح في مواجهة الأمر الواقع، وبدأت في اتجاه تهدئة الأمور مع النظام الرئاسي الجديد، وتمثلت بادرة ذلك في لقاء أردوغان بأنجيلا ميركل، المستشارة الألمانية، في بروكسل بابتسامتين ندرا أن يلتقيا بهما في الفترة الأخيرة، قبل أن تسير برلين خطوة أكبر ويتوارد أنها دعت الرئيس التركي لزيارة رسمية، وبعدها بأيام قليلة وبطبيعة الحال تم تطبيع العلاقات التركية الهولندية بعد حرب التصريحات المستعرة طوال العام الماضي، فيما بدا وكأنها الملامح الجديدة لبرجماتية أوروبا، وهي برجماتية بدأت تعترف بالأمر الواقع: أردوغان باقٍ معنا ولا مفر، بينما يتحلى الرئيس التركي على ما يبدو بنفس السلوك تجاه القارة العجوز، إحدى أكبر مساحات التقاطع السياسية والاقتصادية لبلاده، خاصة في زمن كل توترات أنقرة-واشنطن.

   

الملامح "الأردوغانية"

 

وصل حزب العدالة والتنمية الحاكم بزعامة أردوغان إلى السلطة عام 2002 بسياسة خارجية معتدلة إلى حد كبير، سياسة أزالت انغلاق الحكومات السابقة وفي نفس الوقت بحثت عن دور إقليمي فعال يجعل تركيا جسرًا رئيسًا بين الغرب والشرق الأوسط، وتدريجيًا تخلصت أنقرة مع صعود تجربتها بالحكام الجدد من الإرث الانطوائي القديم لتبدأ رحلة البحث عن دور إقليمي أكبر. وبدأت هذه الرحلة وارتكزت على سياسة تصفير المشاكل مع محيطها، مع الحرص على الاتجاه شرقًا في وقت لم تعان فيه كثيرًا في علاقتها مع الغرب، مما دعا أردوغان ورجالات العدالة والتنمية لمحاولة إعادة صياغة أنشطة تركيا الإقليمية في الشرق الأوسط تحديدًا. [6]

  

ظلت تركيا على هذه الحالة قرابة سبع سنوات من السياسات المتوازنة، مع انخراط أكثر في السياسات الشرق أوسطية، لا سيما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية بالصدام مع الاحتلال الإسرائيلي على خلفية انتهاكاته رغم تاريخ العلاقة بين الجانبين، إلا أن هذه السياسة _التي كان مهندسها الأول وزير الخارجية "أحمد داوود أوغلو"_ لم تتغير بالقدر الكافي إلا مع لحظات الربيع العربي الذي مثل نقطة تحول فاصلة في السياسة التركية الخارجية، بعدما تبنت أنقرة خيارات أكثر ديناميكية في تحركاتها الخارجية أدخلتها في مربع الداعمين لأطراف داخل الثورات العربية، لتصطدم بحلف إقليمي عربي مضاد تمامًا لهذه الثورات.[7]

  

اصطدم ذلك الموقف التركي بالأزمة السورية شديدة التعقيد، ثم بالتغيير السريع في مصر بعد أن عاد الجيش للواجهة مرة أخرى، بالإضافة لصدامات تركية داخلية أخرى، الشيء الذي تطلب من العدالة والتنمية إعادة النظر في سياساته الخارجية تجاه التحولات الإقليمية، وهي تحولات أثبتت أن سفينة الاحتواء التركية لن تلائم المحيط الشرق أوسطي الثائر، وهو أمر أحدث على ما يبدو تباينات داخلية حسمها أردوغان سريعًا في وضع رؤية أكثر حدية من نهج السياسة القديم، ولكن رغم الحدية الجديدة ظل أردوغان مكبلًا إلى حد كبير باعتباراته الداخلية.

  

  

جاءت لحظة محاولة الانقلاب العسكري في (يوليو/ تموز) 2016، وعاد أردوغان بعد فشلها أكثر قوة من ذي قبل بطبيعة الحال، وفرض ملامح سياسته الخارجية على التوجهات التركية وبدأ صدامًا مع الأوروبيين والأمريكيين على خلفية مواقف رآها لا ترفض الانقلاب العسكري بالقوة المناسبة، تزامنًا مع توجهه لإصلاح العلاقات مع روسيا في خضم لعبة محاور دخلتها أنقرة لإحداث توازن مع الغرب، من بدأ في عدم استساغة تحركاتها الخارجية فيما بعد الانقلاب. ثم جاء الدور على المحيط الإقليمي بالدخول التركي في معارك بالشمال السوري لطالما ترددت أنقرة لسنوات في خوضها، معاركًا بدأت بـ "درع الفرات" ثم "غصن الزيتون"، ثم العمليات العسكرية في العراق، مع الدخول في سياسة إعادة ترميم للعلاقات مع الجارة إيران في نهج انفتاحي تجاهل المحاذير الغربية التقليدية، مع بدء المبادرات التركية الذاتية في الملف السوري والانخراط في عمليات تسوية تحفظ مصالحها في شمال سوريا بعيدًا عن الأجندة الأمريكية. [8]

  

أدرج بوتين أردوغان في عملية سلام أستانا، وهو ما عنى أن أردوغان أصبح أحد الشخصيات الثلاث المؤطرة بالقوة العملية لمستقبل سوريا (إلى جانب بوتين نفسه وروحاني)، وعلى الرغم من أن أردوغان لم يغير سياساته تجاه الأسد على الأقل ظاهريًا، إلا أنه يستطيع نظريًا أن يستغل ذلك التموضع من أجل ضمان نفوذ تركي أوسع في الشمال السوري، عبر قنوات حوار مفتوحة وعالية المستوى مع الروس والإيرانيين -حلفاء الأسد الفاعلين على الأرض- على نحو قد يسعى من خلاله لإعادة مجموعات من اللاجئين السوريين الذين استقروا في تركيا لمناطق متفق عليها.[9]

  

  

بدأت مرحلة جديدة بهذه الملامح عندما قرر الرئيس التركي خوض غمار تجربة خطرة بتقديمه لموعد الانتخابات، كان أحد أهم الأهداف واضحًا بما يكفي ومتمثلًا في حسم سيطرته على السياسة الخارجية ورسم ملامحها الخاصة بالنظام الرئاسي الأكثر فعالية في إدارة الملفات الخارجية، وبعد الانتخابات تم بالفعل إعادة هيكلة فاعلي السياسة الخارجية الأتراك الراسخين، مع تعيين مسؤولين جدد من قبل رجل أنقرة القوي رأسًا مضطلعين بدور مستقبلي أكثر مركزية في صنع القرار والتنفيذ[10]، ومع نجاح الرجل في إخضاع جميع المؤسسات ذات الصلة بالسياسة الخارجية لوزارة الخارجية، يتوقع وجود منصب مماثل لمستشار الأمن القومي يشرف على مسائل الأمن القومي والسياسة الخارجية الحيوية، ما يعني دورًا أكثر تنفذًا لمكتب الرئيس في عمليات اتخاذ القرارات الخارجية، رغم أنه نمط يحمل في طياته مخاطرًا أبسطها جمع أوراق النفوذ في مكان واحد عكس التوزيع المؤسساتي المتعارف عليه غربيًا.

  

كل أسلحة الإقليم

تضع الحكومة التركية منذ فترة وقبيل الانتخابات الأخيرة أولوية قصوى في جدول أعمال السياسة الخارجية والأمن لاستهداف حزبي "العمال الكردستاني" والاتحاد الديمقراطي (PYD) وجيوب مجموعات "فتح الله غولن"، وعليه ستظهر هذه الأولوية بقوة على الأرجح من خلال استمرار سياسة العمليات العسكرية الحدودية ضد عناصر حزب العمال والمجموعات المرتبطة به عبر اتجاه التوسع في المحيط المباشر بالعراق وسوريا. ولتحقيق ذلك، تحاول الآن أنقرة في هذا الملف التعاون مع الشركاء المحليين، بداية من المجموعات السورية المعارضة المسلحة، والاتجاه لتشكيل تحالفات جديدة للتعامل مع النزاعات في منشئها كالوضع في العراق مثلًا (جبال قنديل)، مع إنجاز جهود مشتركة مع الحكومات المركزية في إيران والعراق لتسهيل السياسة الأولى، وسوف يأتي هذا الأمر عبر تعزيز الروابط الاقتصادية خاصة في الفترة الحرجة التي تمر بها كل من بغداد وطهران وحاجتهما للتعاون الاقتصادي مع تركيا.

   

أما على صعيد قضية ملاحقة حركة الخدمة في الخارج فيتوقع أن يكثف أردوغان جهود نظامه الجديد لملاحقة المنظمة خاصة في الغرب، ربما عبر ممارسة ضغوط دبلوماسية على حلفاء أنقرة في الناتو، وعليه ستضطر أوروبا وأمريكا) إلى إيجاد صيغ تفاوضية جديدة مع نظام أردوغان بنسخته الجديدة بعدما راهنت بعض الأطراف على إسقاطه أو تقويضه. على الأرجح، فإن أردوغان يعلم جيدًا أن الغرب يحتاج لأنقرة في عدة ملفات استراتيجية، وبعد نتائج الانتخابات الأخيرة، بدأ الطرفان يدركان بحتمية التعامل الواقعي في إدارة أزماتهم، إلا أن سياسة أردوغان الجديدة لا تزال تنضوي على كثير من التحدي خاصة فيما يخص ملف الأكراد في سوريا[11]، وكذلك ملف القس الأمريكي بونسون المحتجز في تركيا والذي هدد "ترمب" بتوقيع عقوبات على أنقرة إن لم تفرج عنه، وكذا عدم الانصياع حتى الآن للتوجهات الأمريكية في المشاركة بإعادة حصار إيران.

  

   

على ما يبدو، فإن واشنطن لا تستطيع في الوقت الحالي اتخاذ إجراءات قاسية وفعلية ضد أنقرة إلا في صعيد ضيق، نظرًا لأن خسارة تركيا في هذا الوقت الحساس سيؤثر غالبًا على النفوذ الأمريكي في المناطق المحيطة بتركيا، بداية من القاعدة العسكرية في "إنجرليك" جنوب غربي تركيا؛ نهاية بملف التسوية طويلة الأمد في سوريا التي لا يمكن أن تتم دون مباركة أنقرة، فضلًا عن النظرة التاريخية شديدة الأهمية التي ترى فيها الإدارات الأمريكية تركيا عازلًا رئيسًا أمام تهديد دائم بتوسع روسي في البحر الأسود والقوقاز والبلقان، وهي مناطق باتت تشكل أولوية قصوى في السياسة الخارجية التركية الجديدة[12].

  

أما على صعيد أوروبا، فإن خسارة نقطة الدفاع التركية أمام هواجسهم المستمرة نحو الهجرة واللاجئين لا يبدو خيارًا واقعيًا، رغم إن توجهات أردوغان الجديدة تعطي لتركيا متنفسًا بعيدًا عن أوروبا بإظهاره عدم الحماسة لاستكمال مفاوضات الانضمام الأزلية للاتحاد الأوروبي، خاصة وأن المزاج العام الأوروبي أيضًا -رُغم التطبيع الدبلوماسي الاضطراري- يميل لتجميدها. وفي وقت يحاول أردوغان فيه جاهدًا تخطي هذا الملف بالبحث عن تجمعات اقتصادية أصغر واعدة للانضمام إليها كمجموعة "بريكس"، إلا أن الطرفان سيجنحان غالبًا لسياسة أكثر برجماتية تتمسك بالعلاقات الاقتصادية ولو عند حدها الأدنى المتاح، مع عدم المغامرة باستفزاز النظام التركي الناشئ مما يؤثر على مفاتح ملف اللاجئين. [13]

   

في ظل هذه الظروف، قد تصبح العلاقات بين تركيا والاتحاد الأوروبي معاملات وظيفية بحتة لا تغطي سوى عدد قليل من المجالات ذات الاهتمام المشترك مثل اتفاق اللاجئين، حيث تلتزم تركيا، مقابل مساعدات مالية من الاتحاد الأوروبي، بإبقاء أكثر من 3.5 مليون لاجئ سوري على أراضيها، وكذلك التعاون في ملف مكافحة الإرهاب[14]، وسيؤدي تضييق التعاون مع الاتحاد الأوروبي بالأتراك إلى التشكيك في هذه العلاقات خاصة مع تحالف العدالة والتنمية مع حزب الحركة القومية ذي التوجه القومي الشديد[15]، وهو ما يعني أن مستقبل العلاقات السياسية ليس مبشرًا بين الطرفين، ولكن بشكل عام سوف يجعل الملف الاقتصادي أردوغان أكثر حذرًا في تصعيده مع الغرب، أي أنه سيشكل كابحًا لعدم المغامرة بتدهور اقتصادي داخلي أيضًا.[16]

 

لم يعد أردوغان معترفًا بالعالم القديم كما أوضح في بيانه الانتخابي، الذي عُرض في (مايو/ أيار) الماضي، وهو مبرر سيدفعه للتخلي عن مفاهيم تصفير المشاكل القديمة التي طرحها "داود أوغلو"، ليتحول بحسب رأيه لسياسة تستند لواقعية مستمدة من تغير وضع عالمي لم يعد عالم «قطب أوحد» كما قال، عالم أميل للمشاكسة السياسية والاقتصادية أكثر من التصفير. [17]

 

رأس الحربة
أردوغان ووزير الخارجية "مولود جاويش أوغلو" (رويترز)

 

كان العمل في السابق بالخارجية التركية محصورًا بشكل كبير على الدبلوماسيين التكنوقراط الذين رسموا سياسة تركيا الخارجية وأنفذوها لعقود، ولهذا كان ينظر للخارجية التركية باعتبارها واحدة من الركائز الثلاث الرئيسة للدولة جنبًا إلى جنب مع الجيش ووزارة المالية، ومنذ بداية فترة رئاسة أردوغان الأولى عام 2014، بدأت وزارة الخارجية تدريجيًا في فقد نفوذها لصالح فرعها التنفيذي الذي بات يخضع لتعليمات الرئاسة بشكل شبه مباشر، وذلك بعدما بدأت الخارجية في استقبال أعداد متزايدة من تعيينات السياسيين، واليوم يتحول الأمر تدريجيًا ليصبح 10% من ممثلي سفراء تركيا في 151 بعثة هم دبلوماسيون غير ممارسين.[18]

   

هذا الاتجاه الأردوغاني سيتسارع على ما يبدو بعد الانتقال لنظام رئاسي بشكل كامل، فمن المرجح أن يتم إعادة تشكيل السلك الدبلوماسي التركي على غرار النظام الأمريكي، مع مزيج من التعيينات السياسية والتكنوقراط، وستكون إعادة تصميم الإدارة العامة لوزارة الخارجية بحيث لا تكون الكلمة العليا للحرس القديم، إذ أن جميع الوزارات سيكون لديها نواب معينين بشكل سياسي، فيما تعد أحد أبرز التحديات الأساسية على المدى القريب بالنسبة للدبلوماسية التركية الجديدة هو تشكيل ثقافة مؤسساتية مختلفة قادرة على إدارة عملية التسييس داخل الصف الدبلوماسي دون تعريض سلامة وأداء الخدمة الخارجية للخطر.

    

الرئيس التركي أرودغان (يسار) ووزير دفاعه "خلوصي آكار" (رويترز)

  

بشكل عام، وعبر النظام الرئاسي الجديد، سيستمر أردوغان في الخط الذي دشنه عقب محاولة الانقلاب الفاشلة قبل عامين على صعيد رؤيته للسياسة الخارجية التركية، ويؤكد ذلك إبقائه على فريقه للسياسة الخارجية والأمنية، حيث احتفظ كل من وزراء الخارجية والداخلية بمواقعهم في الحكومة الجديدة، وكان التغيير الوحيد من نصيب رئيس الأركان العامة "خلوصي أكار" الذي تولى منصب وزير الدفاع مؤخرًا، فيما ستواصل الحكومة التركيز بشكل أكبر على تطوير القدرات العسكرية ومعالجة المخاوف الأمنية، كما سيحرص أردوغان على أن يكون أكثر حزما في التأكيد على استقلال القرار الخارجي التركي، ومقاومة ضغوط حلف الناتو والغرب بشكل عام، وفي المدى القصير إلى المتوسط ​، من المرجح أن تؤثر التغييرات في السياسة الخارجية على صعيد الخطاب وليس على الجوهر والاستراتيجية، لكن مع نقل مركز نفوذ هذا الجوهر لقبضة القصر الرئاسي بدلًا من أروقة الوزارة. [19]

  

من بعيد، يربح أردوغان معاركه قصيرة المدى منذ أن حيد ما رآه خطرًا بعيدًا إن ترك موعد الانتخابات التركية كما هو ولم يقدمه كما فعل، وبتغييراته يقوم بإحكام قبضته بشكل أكثر وتأسيس الجمهورية الجديدة مع اقتراب ذكرى التأسيس المئوية الثانية، إلا أن هذه التغيرات المتسارعة تحمل في داخلها أخطارًا لا يصلح تجاهلها، ليس أهونها تراشقات خارجية مرتقبة في الأفق خاصة في ظل إدارة "ترمب" شديدة التقلب، وليس أكبرها ما قد يحدث إن قررت أوروبا في حالة تصادم حدي مفاجئ كعادتها إهداء ثمرة ذلك الصدام لموسكو المنتظرة لفرصة كتلك، وهي فرصة إن أتت فعلى الأرجح لن تحل في نفس الفترة القصيرة التي تجاوز فيها النظام السياسي التركي ونظرائه في بروكسل وما حولها مشاكلهم الأخيرة. [20]

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار