انضم إلينا
اغلاق
إيكاروس في الصحراء.. هل ينجح ابن سلمان بتغيير السعودية؟

إيكاروس في الصحراء.. هل ينجح ابن سلمان بتغيير السعودية؟

أيمن نبيل

كاتب وباحث
  • ض
  • ض

 

"وكل مظهر حداثي عندنا ينطوي على باطن رجعي"

عبد الله الغذامي (١)

 

منذ صعود نجم محمد بن سلمان بعد اعتلاء والده عرش المملكة العربيّة السعوديّة، وخاصّة مع تسميته وليا للعهد مطلع صيف العام الماضي، انشغلت الصحافة الأوروبيّة والأميركيّة والرأي العام العربي بأحاديث وسياسات ابن سلمان ونقاش "التحوّلات" التي تجري حاليا داخل الطبقة العليا في السلطة وبعض التغييرات التي تلامس ثوابت تاريخيّة طوال عهد الدولة السعوديّة الثالثة (1932-..). وإذا كان الأمر مهما للقوى الدولية الكبرى فإنه أشد أهمية للعرب بسبب الدور الخطير الذي لعبته السياسات السعوديّة في تاريخ الدولة العربيّة منذ مطلع النصف الثاني من القرن العشرين وحتى يومنا هذا، وبالتالي فإن ما يحصل الآن داخل السعوديّة هو بالتأكيد -أو يفترض أن يكون- من المواضيع الملحة في النقاش العام العربي. بالإضافة إلى ذلك، تُقدّم الحالة السعوديّة مسرحا جيدا لنقاش كثير من المسائل النظريّة والأسئلة الثقافيّة التي شغلت المثقفين العرب طوال عقود. 

 

 يقدم هذا التقرير قراءة لسياسات ابن سلمان وتقييم حدودها ومستقبلها عبر تقديم فهم تحليلي موجز للدولة والمجتمع السعوديّين في سياق تاريخي، وتحليل لسياسات ابن سلمان في سياقها الراهن مُجدَّلا بخلاصات السياق التاريخي لمحاولة استشراف المستقبل. 

 

أولا: المتاهة (أ)

دولة سلطانيّة ولّى زمانها (1932-1953)

مثل كل دول الخليج العربي، للأسرة المالكة في السعوديّة تاريخ يرجع إلى القرنين 18 و19 (2)، ولكن ما يميّزها -وإلى حد ما عُمان- هو أنها كانت دوما دولة واسعة الجغرافيا قائمة على الغزو والإلحاق بعد تناحر عوائل حاكمة قبليّة/بدويّة وحضريّة مختلفة. 

 

الملك "عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود" (مواقع التواصل)

  

والدولة الثالثة التي بناها عبد العزيز آل سعود طوال الثلث الأول من القرن العشرين لا تختلف في هذا عن سابقاتها، وهنا تظهر صفتان بنيويتان في الدولة السعوديّة: هشاشة الشرعيّة التاريخيّة للأسرة الحاكمة بالقياس إلى عوائل النواحي الخليجيّة مثل ساحل عُمان (الإمارات) وقطر والكويت -والتي أصبحت لاحقا دولا-، والاختلافات الجغرافية والسكانية الهائلة على عكس ما هو شائع في الصورة المتكوّنة عند العرب وغيرهم عن السعودية -نتيجة أمور كثيرة لا مجال هنا لنقاشها- باعتبارها كُلًّا "مُملًا" من فرط تجانسه. 

 

في السعوديّة بدوٌ وحضر، والصراع الاجتماعي بينهما كان مطمورا في كثير من الصراعات الأيديولوجيّة أو السياسيّة وبلغ أقصى مداه في حدثين: حين تمكّن البدو القبليون "الإخوان" -المتحالفون مع الملك عبد العزيز- بقيادة فيصل الدويش من غزو الحجاز، وحين تحالف حضر نجد مع عبد العزيز للقضاء على حليفه "الإخوان" عام 1929. وثمّة أيضا تنوّع مذهبي وطائفي كبير: عرب شيعة في الشرق، وحنابلة وهّابيّون في نجد، وشافعيّة في الحجاز، بالإضافة إلى الزيديّة والإسماعيليّة وبقايا الصوفيّة في عسير وجيزان من أيام دولة الأدارسة، ونذكر أيضا التنوّع العرقي والإثني -والذي لا نمتلك عنه صورة دقيقة- نتيجة مواسم الحج والوجود العثماني (في الحجاز) والتواصل والتصاهر بين أدارسة عسير ونجران وجيزان ونظرائهم وحلفائهم في شرق ليبيا والمغرب العربي والسودان، ونتيجة الموانئ على طول الساحل الغربي والرّق، وهذا الأخير ظل موجودا في السعوديّة حتى عام 1962.

  

أحكم الملك عبد العزيز سيطرته على البدو الرحل بتوطينهم في "الهجر"، وبهذا أضعف مقدرتهم التاريخيّة على التمرّد

مواقع التواصل
   

بالإضافة إلى ذلك، جابهت الدولة الوليدة اختلافات في التمدّن والاقتصاد، فبالإضافة إلى الاختلاف التقليدي بين البدو والقبائل ونشاطاتهما الاقتصاديّة، وبين حواضر نجد، كان ثمّة أيضا فروق في درجة التنظيم الاجتماعي؛ فالحجاز والساحل الغربي لشبه الجزيرة العربيّة توطّدت فيه الإمبراطوريّة العثمانيّة ونظمها الإداريّة (المدارس، وسائل النقل، الصحف، المطابع، نشوء البيروقراطيّة) كما أن للطبقة التجاريّة فيها جذورا ناشبة في التاريخ وكوّنت تقاليد عريقة (ب).

 

أما مُشكلة الشرعيّة فقد قاربها عبد العزيز بمنطق الدولة السلطانيّة -وبالتأكيد هو لم يفهم أو يفكر حتى بمصطلح "الشرعية" كما نستخدمه هنا- في اتصال مفهوم مع البيئة المحليّة وانعزال عن الإقليم. وهكذا سار عبد العزيز على خطى أسلافه مع علماء الوهابيّة لحشد القبائل والغزو، واستمر على هذه السياسة إلى أن أتت اللحظة الفاصلة في مولد الدولة السعوديّة وهي انفصال طبقة العلماء الوهابيين عن التشكيلات الوهابية/القبليّة-البدويّة المقاتلة "الإخوان"، وانحازت ضد الأخيرة في صف عبد العزيز والذي تمكّن بعدها فعليا من تأسيس وحكم الدولة وتحويل الطبقة العليا من علماء الوهابيّة من شريك تاريخي مؤثر إلى تابع مهم مهمته الأولى لم تعد المساعدة في الحشد للغزو بل تبرير السلطة، وهكذا أطلق عبد العزيز، بعد انتهائه من غزو الجزيرة العربيّة، يد العلماء لغزو المجتمع ووَهبَنَته بقوة الدولة السلطانيّة لغرض الحصول على شرعيّة أكثر دواما من شرعية التغلب والقوة، وساعده في هذا بالطبع ضم الحجاز التي فيها الأماكن الإسلاميّة المقدسة (ت)، وبدأ إحكام سيطرته على البدو الرحل بتوطينهم في "الهجر"، وبهذا أضعف مقدرتهم التاريخيّة على التمرّد والآتية من عدم الارتباط بالأرض وسهولة التنقل. 

  

 

نُقب عن البترول وأُنتِج بكميات تجاريّة في السعودية تحت سيطرة تامة من قِبل رأس المال الأميركي وبرعاية خاصة أولتها إدارة الرئيس روزفلت للسعوديّة بعد أن انتقل الملك عبد العزيز من تحالفه المُعقّد مع البريطانيين إلى التحالف المُريح مع الأميركيين أثناء الحرب العالميّة الثانية. عمليات التنقيب واستخراج النفط هذه كان يفترض أن تفتتح عهدا جديدا ليس فقط في التحالفات السياسيّة الخارجيّة ولكن أيضا في اقتصاد الدولة والتركيبة السكانيّة والثقافة الاجتماعيّة خاصة مع تقاطر الخبراء والعمال الأميركيين والأوروبيين والعرب لاحقا إلى السعودية واستيطانهم في شرق البلاد. ولكن رغم ذلك، ظل الملك عبد العزيز حبيس دولة سلطانيّة ببلاغة وهّابيّة مع تطوير وئيد لجهاز دولة بدائي، ولهذا فقد كانت وفاته عام 1953 مع بداية مرحلة دولة الاستقلال في العالم العربي من الموافقات التاريخيّة، لأن زمنه فعليا قد ولّى منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وهنا نذكر ملمحا آخر سيلازم الدولة السعوديّة حتى اليوم وهو التأخّر السياسي الدائم للسلطة عن المجتمع والإقليم، وقد يبدو هذا للوهلة الأولى وصفا معياريا غير مفيد ولكنه في السعودية تحديدا، وباستخدامه كوصف وصفي، سيعيننا على فهم بعض الأحداث وردود الفعل عليها داخل الدولة والمجتمع.

  

المجتمع يَعي ذاته (1954-1973)

بعد وفاة عبد العزيز اعتلى الملك سعود العرش، وهذا الأخير تكاد تُجمع الآراء أنه كان مهزوزا ضعيف الشخصيّة، بدون أن تُفسر لنا هذا الضعف الغريب في شخص هو ثاني الأبناء والبِكرُ الفعلي لعبد العزيز بعد وفاة تركي الأول، ولازم والده وزاول الحُكم بالنيابة عنه في نجد بل وحتى سار على خطاه في الإنتاج المفرط للذريّة.

 

المشكلة عند الملك سعود تتلخص في جانبين: 

الأول: أن تقليديّته وعدم توافقه مع الواقع كانت متطرّفة بحيث لم يستطع التمييز بين عرشه وعرش أبيه وتقديم صيغة مُعدّلة للحكم، فحاول تركيز السلطة في يده وأيدي أولاده دون إخوته، مع إفراط في التصرف بريع النفط، مما جعل الدولة تعجز في الخمسينيات عن دفع رواتب موظفيها! 

 

والثاني: أنه جاء في خضم مرحلة تاريخيّة عربيّة موّارة بالتيارات السياسيّة القومية واليساريّة والليبرالية وعمليات الأدلجة والحركات العُماليّة وتطلعات التحرر من الاستعمار والتخلف الاجتماعي مع انطلاق المَد القومي، وسُعُود كان ابن دولة أبيه ولم يكن مؤهلا لمواجهة هذا الإعصار.

  

الملك سعود بن عبد العزيز (مواقع التواصل)

  

من الأمور المهمة في جينالوجيا المجتمع السعودي أنه أدرك ذاته كمجتمع في لحظة تاريخيّة يمكن بشيء من التجوّز تعيينها: لحظة تلاقح المد القومي مع بواكير نتائج حركة الدولة السعوديّة والتي لا مندوحة عنها حتى في دولة لها ملامح حديثة ولكنها تصر على طابعها السلطاني؛ فهي ببساطة دولة في عصر حديث لا تستطيع مهما حاولت أن تعزل نفسها عن كل سياقها الراهن لأن لها ضرورات وجود: أنشأت بيروقراطيّة تطوّرت مع الوقت لكي تدير العائلة الحاكمة البلد فنتج عن هذا هجرة داخلية نَكَأت شيئا من المشكلة الجهويّة. واستقدمت -وجذبت- كوادر وقوى عاملة عربيّة من مصر والشام واليمن للمساعدة في إدارة البيروقراطية وتشغيلها، وهؤلاء أتوا بأفكار مجتمعاتهم ومشاكلها وتيّاراتها. واحتاجت البيروقراطية إلى كوادر فاضطرت الدولة لبناء المدارس ثم الجامعات واضطرت لابتعاث طلاب للخارج. وبكلام آخر: بينما كانت الأسرة الحاكمة تحاول تأمين الدولة بطابعها القديم، كانت في ذات الوقت وبدون قصد، تخلخل المعطيات الاجتماعيّة والثقافيّة التي قامت عليها. 

 

كان المجتمع طوال الخمسينيّات والستينيّات فوّارا على المستويين السياسي والثقافي: ظهر المُسيّسون والمناشير والصُحف والتنظيمات وكُتاب المقالة والتشكيلات الأيديولوجيّة والعماليّة وتجمعات طلبة المدارس والنوادي الأدبيّة. وظهر كذلك المثقّفون في اللحظة التاريخيّة نفسها التي تكوّن فيها الشأن العام، وحاول المجتمع فيها إدراك نفسه، وأيًّا كان المضمون الذي نعطيه لمفهوم المثقّف، فإنه غير قابل للتخيُّل بدون مجتمع وشأن عام ومدينة، ولهذا لم يظهر المثقفون في السعوديّة إلا في الخمسينيّات مع موجة التسيُّس والتشكيلات الأيديولوجية وتراكم سياسات العائلة الحاكمة. وبالإضافة إلى ذلك، في مجتمع لا يزال يتشكّل في دولة سلطانيّة تعايش زمنا حديثا، كانت طبقة العُلماء الوهابيّة هي القادرة على تأدية شكل أولي من وظيفة المثقّف، ولكن الملك عبد العزيز منذ معركة "السبلة" استطاع التهام هذه الطبقة وهضمها في الدولة وبالتالي لم تعد تشكّل مركز قوّة على مسافة من السلطان حتى تؤدي دورا نقديا، وسيبقى هذا الضعف البنيوي في طبقة العلماء صفة ثابتة فيها مع تعضّي أجهزة الدولة واستكمال بقيّة الملوك المتلاحقين عمليّات بَقرَطة العلماء.

   

نضج النضال العُمالي المتراكم طوال الأربعينيّات وبدأ في الاشتداد والتنظيم وممارسة الإضرابات، وأهم من يمثل المرحلة كان لجنة العُمال في أرامكو

 
مواقع التواصل
  

بالعودة إلى التشكيلات السياسية (ث)، يجب القول إن ضيق القاعدة الاجتماعيّة لهذه التشكيلات آنذاك طبيعي في مجتمع يُدار بعقلية دولة سلطانيّة مُطعمة بجهاز أمن حديث، وتغلب فيه الأميّة وتتحالف السلطة مع طبقة من أكثر علماء الدين المحافظين تطرّفا ألا تكون لدى قواه الاجتماعيّة والسياسيّة في البدايات قواعد صلبة وعريضة خاصة في أجيال الكهول. وبالعكس، كان تناسل هذه التنظيمات واختلافات تياراتها، وجرأة صوتها خاصة في مطالب حقوق المرأة ومصادمة السلطة الأمنية لطبقة العلماء ممثلة في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (وقد تصدى لها طلبة المدارس آنذاك) في مناخ كهذا كل هذه الاعتمالات دليل حراك سياسي/ثقافي واعد، وقد أنتج هذا الأخير ظواهر سياسيّة فيها بعض التمايز اللافت. 

 

ظهرت مثلا إلى جوار القوى القومية واليسارية السائدة عربيا، قوى اشتراكية ويساريّة تتبنى أفكارا وقيما ليبراليّة وتنادي إلى جانب السياسة الاشتراكيّة بملكيّة دستوريّة ومجالس نيابيّة منتخبة ديمقراطيا وحريات سياسية واجتماعيّة (ج)، وهذا كان على تضاد جزئي مع عقد الخمسينيّات العربي الذي انفصلت فيه القيم الليبراليّة والديمقراطية التمثيليّة عن التوجهات الاشتراكيّة-القوميّة، بل وكرّست دولة الاستقلال في المشرق التضاد بينهما لأسباب كثيرة. عند هذه المرحلة نستطيع أن نحدد مسافات الانفصال ونقاط الاتصال بين المجتمعات العربيّة وخصوصيات حالاتها، فلأن السعوديّة لم تعرف نُخبا ليبرالية بين الحربين، استطاعت بعض قواها السياسيّة التجاوب مع كلٍّ من خصوصيّة تكوّن الدولة الوليدة والتيّارات العربيّة وإنتاج طرح أولي مُناسب. وهذه هي الطريقة الصحيحة لمقاربة خصوصيات المجتمع القُطري في السياق العربي، وليس التذرّع بالخصوصيّة لإدامة الاستبداد.

 

صورة أرشيفية لحركة الأمراء الأحرار (مواقع التواصل)

  

بالإضافة إلى ذلك، نضج النضال العُمالي المتراكم طوال الأربعينيّات وبدأ في الاشتداد والتنظيم وممارسة الإضرابات وتقديم المطالب، وأهم من يمثل هذه المرحلة كان لجنة العُمال في شركة أرامكو، وقد استمر العمال بعد ذلك بالاشتراك مع الطُلاب (وضباط الجيش كذلك) في تمثيل القواعد الصلبة للتنظيمات السياسية المختلفة (قومية ويسارية وليبرالية) تعاطفت قطاعات اجتماعيّة معها بسبب تعاطفها الأصلي مع نضال العمال خاصة في المنطقة الشرقيّة. لم تترك هذه المرحلة قطاعا في الدولة إلا ولفحته بلهيبها: في الجيش، جرت محاولات انقلابية بقيادة ضباط مسيّسين (خاصة في القوات الجويّة) (ح) وقمعتهم السلطة آنذاك بعنف، واضطرت العائلة الحاكمة لاحقا إلى قيادة عمليات تطهير واسعة في القطاعات العسكرية لم تؤتِ أُكلها إلا بعد سنوات. وفي العائلة الحاكمة ظهرت مجموعة "الأمراء الأحرار" المعارضة، والتي لعبت سياسات الملك سعود دورا في تشكيلها. 

 

استمر الملك سعود في سياساته الداخلية تجاه العائلة إلى أن خلعته الأخيرة بقيادة فيصل بن عبد العزيز الذي تولى العرش، وعلى يد الأخير صيغ الأساس الأولي لمعادلة الحُكم في السعودية وهو نظام الإقطاعيات البيروقراطيّة، وفي هذه الصيغة يقتسم الإخوة وأُسَرُهم البيروقراطية وإدارة المناطق الجغرافيّة مع بقاء الملك عليهم لموازنة المصالح حينا والخضوع لتياراتها حينا آخر ولكن دون أن يملك الكلمة الفصل في كل شؤون الدولة؛ فالنفوذ مقتسم بين الإخوة مع الملك.

 

وإلى جانب حسن تقدير فيصل للصيغة الجديدة للحكم، كان دوره لتثبيت المُلك في السعوديّة مسنودا بكثير من الظروف الجيّدة: أولها وقوع هزيمة 1967 والتي ساهمت السعوديّة بنصيب في تهيئة ظروفها عبر التحريض السياسي والديني (وأنهكت الجمهوريين وقوات عبد الناصر في اليمن، ولكننا، على عكس الرأي الشائع، لا نعتقد أن حرب اليمن لعبت دورا كبيرا في هزيمة يونيو/حزيران). كانت هزيمة يونيو/حزيران انهيارا لأيديولوجيا القومية العربية وبالتالي شهدت التنظيمات القومية في السعودية ضربة نفسيّة قاصمة، في مقابل تكثّف التنظيمات الشيوعية والماركسيّة كرد فعل على الهزيمة شمل المنطقة العربيّة وليس السعوديّة فحسب. والظرف الثاني هو حدوث الطفرة النفطية بعد قطع السعودية للبترول في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 (خ)

   

الملك فيصل بن عبد العزيز والرئيس جمال عبد الناصر (مواقع التواصل)

     

تحولات الدولة الريعيّة (1973-1985)

في تاريخ الدول والشعوب مفاصل بالإمكان اتخاذها مرجعا يُحَقَّبُ التاريخ بها، والطفرة النفطية في عام 1973 والتي امتدت إلى منتصف الثمانينيّات هي هذا المفصل في تاريخ المملكة السعوديّة. منذ أن بدأ إنتاج النفط بكميات تجاريّة تحولت المملكة إلى دولة ريعيّة، ولكنها مع الطفرة النفطيّة أصبحت -وبقية دول الخليج- نموذجا رئيسيا لها. الدولة الريعيّة وسياساتها موضوع مهم في الاقتصاد السياسي، ولا تزال الطروحات والأفكار حولها مستمرّة مثل تمييز الدولة الريعيّة من الاقتصاد الريعي وعلاقتها بالديمقراطيّة وغيرها من الأمور، ولكن التعريف الأبسط للدولة الريعية هي تلك التي تعتمد في دعم شرعيتها وتسيير المجتمع والتنمية على ريع قادم من الخارج نتيجة تصدير ثروة طبيعية (نفط، غاز، معادن، إلخ) أو تصدير البشر (تحويلات العمالة المغتربة إلى الداخل، وهذه حالة اليمن). 

 

تدفقت نتيجة ارتفاع أسعار النفط أموال هائلة على الدولة التي كانت قد عدلت قبلا الشروط المجحفة التي فرضها رأس المال الأميركي بخصوص حصة الدولة من العائدات، وقد حصل هذا التعديل بعد نضال عمالي وتفاوض طويل بين الدولة و"أرامكو". ولأن النفط من ممتلكات الدولة، استطاعت الأخيرة بسط سيطرتها تماما على المجتمع والفضاء العام عبر سكب جزء من عائداته الضخمة إليه، وهنا بدأت تحولات ضخمة ومفاجئة في الدولة والمجتمع (د)

 

  

 

كانت الوظيفة العامّة أحد مداخل الترقي الاجتماعي في السعوديّة منذ ظهور النفط، ولكنها بعد الطفرة النفطيّة تحوّلت إلى وعاء تحتوي به السلطةُ المجتمعَ والعائلة المالكة الممتدة معا؛ فتضاعف حجم البيروقراطيّة واتسعت أروقتها بشكل غير عقلاني. في بداية الطفرة النفطيّة لم تكن الآثار الكارثيّة لهذه السياسات ملموسة اقتصاديا واجتماعيا، لأن البيروقراطية كانت لا تزال قادرة على ابتلاع المزيد من المواطنين، وكانت الثروة النفطيّة قادرة على تغطية هذه المصروفات التي ليس منها عائد ولا لها ضرورة اقتصادية أو إداريّة، كما أنها تؤدي إلى سد الطريق أمام البيروقراطيين أصحاب الشهادات لتحصيل الخبرة؛ فهم فعليا بسبب هذه السياسات لا يعملون، وبالتالي حتى شهاداتهم الجامعيّة تفقد قيمتها في سوق العمل لاحقا. ولكن الهدف السياسي كان تحويل الدولة إلى راعٍ و"أب" للمجتمع وجعل الأخير مُعتمدا عليها مباشرة في تأمين معاشه اليومي. وربما كانت عملية التوسيع البيروقراطي هذه واحدة من أضخم الرّشى الاجتماعيّة في القرن العشرين.

 

في هذه الفترة أنجزت الدولة مشاريع تنمويّة فيها الكثير من العشوائية والتبذير (3) -وهو تبذير ذو غرض سياسي- مثل المدارس والمشافي والطرقات والجسور وتوفير الخدمات، وانطلقت حركة عمرانيّة عالية الزخم، ولأن القطاع الخاص كان لا يزال متواضع الخبرات (4) وصغير الحجم بالقياس إلى المشاريع المطلوب إنجازها، تكفّلت الدولة بقيادة هذه المشاريع عبر المؤسسات العامة، وهكذا تكون الدولة هي موظّفة المجتمع والمسيطرة على حركته الاقتصاديّة، وتحولت الدولة الريعيّة، كما يقول عالم الاجتماع الكويتي خلدون النقيب، إلى دولة تسلطيّة.

  

في داخل البيروقراطيّة المترهلة هذه، التقى الاقتصاد والمجتمع والأسرة الحاكمة في مصب واحد لتنتج السعوديّة الجديدة؛ فمع المصروفات والمخصصات الهائلة للوزارات والهيئات الحكومية، أصبحت الإقطاعية البيروقراطيّة مصدر ثراء فاحش للأمير الذي يديرها، وتكونت حوله مجموعات من المنتفعين من العقود الحكوميّة وإرساء المناقصات التي كانت مصدر الإثراء الأول لرجال الأعمال الناشئين والصغار، بالإضافة إلى أن الإقطاعيّة البيروقراطيّة مع تضخمها أنتجت داخلها مراكز قوية تتحلق حولها مجموعات أصغر (ذ)، وأن المسؤولين الحكوميين الصغار والمتوسطين -بالإضافة طبعا إلى الأمير حاكم الإقطاعيّة البيروقراطيّة- دخلوا سوق العمل الخاص عبر إنشاء شركات يديرونها في الباطن ويستفيدون من موقعهم داخل البيروقراطيّة وعلاقاتهم مع الأمراء في إرساء العقود والمناقصات عليها، كما أن قطاعا موزونا من المواطنين استفاد من الطفرة النفطيّة في دخول سوق العقارات وأعمال السمسرة وتمثيل الشركات الأجنبية في تكوين ثروات سريعة وكبيرة. 

 

   

في هذه المرحلة تكوّنت ثلاثة ملامح جديدة للدولة السعوديّة: 

الأول: الفساد المالي والإداري. لم يكن الفساد ظاهرة عابرة رافقت دوران دواليب "التنمية"، بل كانت صفة بنيويّة داخل البيروقراطيّة فرضتها سياسات السلطة في بنائها وجاءت أموال النفط لكي تزيد فقط من سطوة الفساد ولكي تخلق له دورات وأروقة مؤسساتيّة وسّعت من حجم المستفيدين منه: الأمراء، ورجال الأعمال، والموظفون، والمواطنون الذين دخلوا في عمليات السمسرة وتجارة العقارات. ورغم بعض التحولات في الدولة والمجتمع لاحقا، سيظل الفساد عنصرا أساسيا في دوران دواليب البيروقراطيّة حتى يومنا هذا. 

   

الثاني: أن البرجوازيّة أضحت مدينة تاريخيا للدولة في ظهورها وازدهارها. فرغم التشابه الكبير بين الدولة الريعيّة في السعوديّة ورأسمالية الدولة الاشتراكيّة (مثل مصر الناصريّة) في هيمنتها على المجتمع، فإن أحد الفروق الأساسيّة كان الفئات التي أنتجتها سياسات الدولة: رأسمالية الدولة الناصريّة وسّعت البرجوازيّة الصغيرة، في حين أن الدولة الريعيّة السعوديّة خلقت بالأساس طبقة رجال الأعمال والموسرين الذين أثرَوا بلا جهد يُذكر. 

  

الثالث: أن العائلة الحاكمة بموازاة إحكام قبضتها على المجتمع، أحكمت قبضتها على الاقتصاد كذلك ليس فقط عبر تحكمها باتجاهات عائد النفط، بل وعبر سياسات أخرى: دخل الأمراء عالم رجال الأعمال والتجارة والاستثمار في الصحف والمجلات، وهذا بالإضافة إلى أنهم أصبحوا المدخل الرئيسي لمن يريد الإثراء من المواطنين عبر التراخيص وإرساء العقود ووهب الأراضي والتعيين داخل جهاز الدولة والذي كان منفذا للإثراء بحد ذاته. 

 

 

 

هذه صورة مختصرة عن تحولات البيروقراطيّة وعلاقاتها بالسلطة والمجتمع، فماذا حصل داخل المجتمع نفسه في علاقاته بجهاز الدولة؟ 

"صحّحت" السلطة "أخطاءها" السابقة في تلك الفترة تدريجيا، فبدأت تعتمد على العمالة الوافدة من غير الدول العربيّة بعد أن ظهرت مخاطر الاعتماد على العمالة العربيّة -والمحليّة- على استقرار السلطة والأسرة الحاكمة السياسي في الخمسينيّات، خاصة وأن العمالة العربيّة حينها كانت تشكل قرابة 90% من مجمل العمالة الوافدة (5). هذه العمالة الأجنبيّة كوّنت مع الوقت أحزمة وبؤر فقر في المدن تطابقت مع السياسة المحوريّة في السلطة وهي تقسيم كل شيء في البلاد وخلق جيوب مدينيّة منفصلة لا يحصل بينها تواصل اجتماعي ويستحيل أن يكون بينها تواصل سياسي بطبيعة الحال. 

 

هذا التغيُّر الديمغرافي الذي عرفه الخليج العربي عموما ترافق مع تكريس جيوب و"جُزر" اجتماعيّة أخرى؛ فبرغم الإشكال الجهوي عميق الجذور في السعوديّة -كما أشرنا آنفا- لم تقم السلطة ببناء الأمة والهويّة الوطنيّة لتلافي هذا الإشكال الخطير، بل على العكس، قامت بتكريسه أكثر عبر اعتمادها مثلا على بؤر وعوائل معينة في منطقتي نجد والحجاز في تكوين الشريحة العليا من البيروقراطيّة (6) وفي الابتعاث إلى الخارج للدراسة، وبطبيعة الحال، أدى هذا إلى أن الأثرياء ورجالات الأعمال قدموا غالبا من تلك المناطق (7) أو شكلوا حلقات انتفاع حول القادمين منها، في حين أن البدو والقبائل تم استيعابهم في شريحة البيروقراطيّة الدنيا والأمن والجيش وخاصة الحرس الوطني الذي عدت القبائل والبوادي خزّانه البشري الأول. بالإضافة إلى أن مشاريع البنية التحتيّة والتنميّة كانت فيها تفضيلات واضحة لمنطقتي نجد والحجاز على حساب الجنوب وعسير. 

  

الدولة السعوديّة من جهتها كانت تبرر دوما ظاهرة عزوف المواطنين عن التعليم المهني بالثقافة الاجتماعيّة

مواقع التواصل
  

على جانب آخر، تسبّبت سياسات السلطة في تلك الفترة برضوض عنيفة في أخلاق الفرد والمجتمع؛ فالدولة مثلا رغم تشجيعها الظاهري في خططها التنموية المتلاحقة المواطنين على دخول المعاهد الفنيّة والمهنيّة فإن غالبية المواطنين الساحقة اتجهت نحو الدراسات الجامعيّة والعليا، مما أدى إلى اعتماد دائم على العمالة الوافدة من جهة، وتكريس الاحتقار الاجتماعي التقليدي للعمل اليدوي من جهة أخرى، وتكوّنت البذور الثقافيّة والأساس الاقتصادي لكلٍّ من السلوك الاستهلاكي المفرط وتقديس مظاهر البذخ والنزعة الشوفينيّة تجاه العمالة الوافدة والمحيط العربي الفقير، وهكذا أمّنت الدولة قاعدة اجتماعيّة محافظة، متينة، وعريضة، ولها أساس اقتصادي وقيمي، وخطاب ومؤسسات ممثلّة بعلماء الوهابيّة المتذيلين للنظام ومؤسساتهم من هيئات وجامعات وإعلام. 

 

هنا نواجه موضوع جدل طويل في الثقافة العربيّة عموما حول الدولة والثقافة الاجتماعيّة ودور الأخيرة في التغيير السياسي. فالدولة السعوديّة من جهتها كانت تبرر دوما ظاهرة عزوف المواطنين عن التعليم المهني بالثقافة الاجتماعيّة. وعلى الجانب الآخر، أي بعض العقول الاقتصاديّة النقدية تجاه السياسات السعوديّة، يُقال إن البيروقراطيّة في نهاية المطاف نتاج مجتمعها وعاكسة لقيمه الثقافيّة (8)

 

نبدأ أولا بحُجّة الدولة، وهي مخاتلة بطبيعة الحال، لأن الدولة بموازاة "تشجيعها" المتواضع المواطنين على التورّط في العَمَل المهني، كانت في ذات الوقت تقدّم دعما هائلا لحملة الشهادات العليا بالبعثات الدراسيّة وبسياساتها التي وسعت البيروقراطيّة وجعلتها منفذا للثراء الذي لا يمكن أن يصل إليه العامل الفنّي مهما كان مجتهدا ومتمكنا. كما أنها أيضا فتحت بابين آخرين للإثراء السريع وهما المضاربات وأعمال السمسرة وأخذ القروض الصناعيّة، ونظام "الكفيل" المنفلت الذي سمح نظريا لأي مواطن سعودي بأن يؤمّن مصدر دخل له عبر امتصاص جهد الوافدين والتحكّم بهم بشكل يذكر كل إنسان بالرق والاستعباد في دولة لم تزل ثقافة الرق فيها حاضرة وضاربة الجذور، وبحكم أن الفساد كما أسلفنا جزء بنيوي في الدولة وليس مجرد ظاهرة، تحول نظام الكفيل ليس فقط لوسيلة تأمين دخل ولكن أيضا لثروة عبر تسجيل أسماء كبيرة والتجارة بالتأشيرات ورفع نسبة المقتطعات من مرتبات العمال وغيرها من الأمور. 

  

   

من الواضح بعد هذه المقابلة بين الخيارين أن المواطن سيفضّل بالضرورة الإثراء السريع والمكانة الاجتماعيّة المرموقة أو مصدر الدخل الذي يأتي بدون جهد على العمل اليدوي والمهني. أما القول إن البيروقراطية والسلطة هي منتج المجتمع فإنه أحد تمظهرات الفكرة القائلة إن النُّخب عموما مُنتج المجتمع وحاملة أمراضه ومشاكله. هذا القول فيه خطأ فادح لسببين: الأول هو أنه يتعامل مع المجتمع والدولة كجزء من الطبيعة، وهما ليسا كذلك. والثاني أن أي نخبة اجتماعية (سياسية وثقافية واقتصادية وإلخ) ليست مُنتجا خاما للمجتمع، وإلا فقدت وظيفتها ولم تعد نخبة في الأساس! 

 

النخبة "تنشغل" بمُشكِل الثقافة الاجتماعيّة وظروف المجتمع، وأطروحاتها متورطة دوما فيها، ولكنها كبناء فكري وأخلاقي ليست منتجا خاما للمشكل الاجتماعي بل تقوم بعمليات تهجين ذاتي-نقدي. بدون هذا الفهم لن يستطيع أحد إحداث تغيير في العالم العربي لأنه سينتظر المجتمع الذي سيصلح نفسه، والمجتمع لا يفعل ذلك، بالإضافة إلى أن تلك الفكرة تقدّم تبريرا جاهزا لكل كوارث النخبة السياسيّة باعتبارها جزءا من المجتمع يحمل أمراضه الجهويّة والثقافيّة. على سبيل المثال، وللبقاء في حالة السعودية، كانت الدولة قادرة على تغيير الثقافة الاجتماعيّة لو أنها فعلا عَقَدت العزم على ذلك؛ فمن يريد حل الإشكال الجهوي عليه أن يدعم تخلّق نخب من كل المناطق وإيلاء تلك التي تعاني من الحرمان أولويّة حتى تستطيع مواكبة باقي المناطق المتقدّمة، وعليه أن يتبع كل الإجراءات الممكنة لتعزيز الاندماج الاجتماعي ويتوقف عن التحريض الطائفي. 

 

ومن يريد تغيير نظرة الثقافة الاجتماعيّة إلى العمل ليس عليه أن "يشجّع" على العمل المهني ببعض المنح والبنود في الموازنة والمغريات البسيطة، بل عليه أن "يجبر" المجتمع على قبول الواقع الجديد، وذلك عبر سد أبواب الإثراء السهل وإعادة هيكلة البيروقراطية وعلاقتها بالأسرة الحاكمة، وعليه أن يضع خططا لتنويع مصادر الدخل وبناء قاعدة إنتاجيّة وجعل العمالة الوافدة مُقننة ومحدودة ومن محيط المجتمع الثقافي حتى تتسنى عمليات تواصل ثقافي وحتى لا يحس المواطن بغربة في أرضه، حتى لو أدى ذلك إلى بطء في عملية التنمية في البداية، وبناء الدول والأمم على كل حال يستثمر عادة في الإنسان وهذا استثمار لا تظهر نتائجه إلا بعد فترة متأخرة نسبيا. وعليه أن يُكرّس نظاما تعليميا "يفلتر" الطلاب إجباريا بحيث يضمن للجامعة هويّة نخبويّة (ر) من جهة ويشكّل قوى عاملة ماهرة منن  جهة أخرى، وهكذا تتغير الثقافة الاجتماعيّة. 

     

كانت سياسات الدولة الريعيّة السعوديّة ليس فقط المُكرّس الأول للتخلف الاجتماعي وأمراض المجتمع المستعصية، بل ومن أمدته بأساسات اقتصاديّة وقيميّة متينة.

 
مواقع التواصل
    

هذا ما كانت الدولة قادرة على فعله ولكنها لم تفعله عن فهم جيد وسابق إصرار خوفا من قدرة المجتمع، في حال اندماجه الاجتماعي من جهة وتكوّن طبقة عاملة ماهرة من جهة أخرى، على امتلاك قوة تستطيع زعزعة استقرار السلطة، وهنا نصل إلى خلاصة مهمة في صيرورة الدولة السعوديّة: تاريخيا، كانت سياسات الدولة الريعيّة السعوديّة ليس فقط المُكرّس الأول للتخلف الاجتماعي وأمراض المجتمع المستعصية، بل ومن أمدته بأساسات اقتصاديّة وقيميّة متينة.

  

عهد الزلازل (1985-2015)

كانت قيادة الدولة -والبناء البيروقراطي الفاسد الذي أنتجته- متلهفة لابتلاع كل هذه الأموال التي انهمرت عليها فجأة، فقامت بعمليات صرف عشوائي رغم الخطط الموضوعة، وقد وصل الأمر إلى أن الدولة عانت من عجز في الموازنة عام 1977 (9) ليس لقلة فوائض الأموال ولكن من فرط العشوائية والعَجَلة في المشاريع المختلفة. ولهذا، كان انتهاء زمن ارتفاع أسعار النفط ضربة موجعة للسلطة أمام المجتمع. وحصلت حينها بعض الأمور الرمزيّة ذات الدلالة، مثل عدم إعلان الحكومة السعوديّة في عام 1986 موازنتها العامة! (10) 

  

بالتزامن مع انخفاض أسعار النفط، بدأت تظهر الجوانب الكارثيّة في سياسات فترة الطفرة؛ فلم تعد البيروقراطيّة قادرة على التوسع غير المحسوب بدون أن تتحمل أعباء ثقيلة، وهنا وقعت الدولة في الفخ الذي نصبته لنفسها في فترة الطفرة: فخّ دولة الرعاية. لم تعد الدولة قادرة بسهولة على رعاية المجتمع وتوفير الوظائف التي توفر الثراء، ولكنها لا تستطيع كذلك أن تقوم بهيكلة البيروقراطية وإعادة بنائها أولا لارتباطها الأساسي بصيغة الحكم داخل الأسرة المالكة، وثانيا لأنها "الرشوة" التي قدمتها للمجتمع مقابل القبول السياسي، وأصبحت مشكلة البطالة مُنذ ذاك قضيّة اجتماعيّة مُلحّة حتى يومنا.

    

   

كنتيجة لذلك، أصبحت البيروقراطيّة لا تقبل بسهولة الوافدين الجدد من المواطنين، وهذا أدى إلى أن القطاعات التي كانت قد دخلتها أيام الطفرة ثبتت مواقعها فيها ومواقع المجموعات المنتفعة حولها وضربت بجذورها بحيث أصبحت البيروقراطية مغلقة عليها إلى حد كبير. ثم تبعتها ضربة جديدة وهي حرب الخليج الثانية والزلزال الذي سببته للنظام وشرعيّته واقتصاده بعد استدعائه للقوات الأميركيّة وتوفير قواعد لها داخل البلاد (11)

  

بدأ التململ الاجتماعي يظهر كنتيجة لهذه المتغيرات، وغيرها مثل انهيار الاتحاد السوفياتي وزوال "الخطر الشيوعي" وظهور القوى الإسلاميّة باعتبارها التيّار الأقوى اجتماعيا. في مطلع التسعينيّات غداة حرب الخليج، قامت مجموعة منظمة من النساء بقيادة السيارة في تحدٍّ للمنع الرسمي، واشتد عود "علماء الصحوة" -وهؤلاء فئة معارضة خارجة من رحم النظام- الذين انتقدوا سلوك العائلة الحاكمة وتحالف الدولة مع الأميركيين وطالبوا بتطبيق "صحيح" للشريعة الإسلاميّة، وتكوّنت جمعيات حقوقيّة إسلاميّة معارضة مثل لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعيّة، ووصل الأمر لذروته مع ظهور الجماعات المتطرفة بقيادة أسامة بن لادن والذين نفذوا عمليات داخل المملكة طوال عدة سنوات.

 

من الملحوظ بخصوص بعض المعارضات السعوديّة في القرن العشرين -وخاصة في التسعينيات- أنها تتبع النمط السائد في أي نظام أيديولوجي: المعارضة القويّة تخرج غالبا من رحم النظام، وهذا يحدث لسببين: الأول هو أن النظام يُقدّم نفسه كرمز وتجلٍّ للأيديولوجيا، وبالتالي فهو يفترض طهرانيّة معينة فيه، ويسهل على المُعارضين حينها أن يزايدوا على النظام عبر الأفكار الأيديولوجية ذاتها، وهذا قطعا يوجع النظام. والسبب الثاني أن النظام الأيديولوجي يوفّر البنية التحتيّة لخطابه: جامعات، هيئات، أحزاب، إلخ، كما أنه ينتج منابرها: الإذاعة والكتب والقنوات والمحاضرات، وهذه العمليات توسّع مع الوقت تيارا اجتماعيا قويا يؤمن فعلا بهذه الأيديولوجيا، وحينها ليس على القوى المعارضة -والتي أنجبتها غالبا مؤسسات النظام- إلا النشاط والمثابرة، فالأساس الفكري والبنية التحتيّة والجو العام جاهز لاستقبالها. يصح هذا على حركة تضامن البولندية مع النظام الشيوعي، ومظاهرات 1968 مع النظام الناصري، وجماعة جهيمان العتيبي وعلماء الصحوة مع النظام السعودي، وغيرها من الحالات.

 

على الصعيد الاقتصادي، دخلت الدولة في عملية استدانة حتى تتمكن من الوفاء بالتزامات دولة الرعاية الباهظة، وقامت ببعض الإصلاحات القانونيّة المحدودة لكي تجذب الاستثمارات وتتمكن من دخول منظمة التجارة العالميّة (12)، ورافقتها ممارسات سياسية -لا قيمة حقيقية لها ولكنها في السياق السعودي المغلق تُذكر كثيرا كعلامات "إصلاحيّة"- مثل مؤتمرات الحوار الوطني في مطلع القرن الحالي برئاسة ولي العهد آنذاك عبد الله بن عبد العزيز، وإنشاء الملك فهد هيئات إسلاميّة أخرى خلخلت من سطوة هيئة العلماء، وإصداره بعيد حرب الخليج الثانية مرسومي النظام الأساسي للحكم وتأسيس مجلس الشورى، وهذا الأخير كان قد صدر قانونه بُعيد حادثة جهيمان العتيبي (13) ولكنه احتاج إلى كل هذه الزلازل حتى يتم بعثه من جديد! وهذا إحدى العلامات الكثيرة على التأخر السياسي للأسرة المالكة عن المجتمع والسياق العربي. 

 

   

ولكن من جانب آخر، بدأت تظهر قوة القطاع الخاص الذي توسع وراكم الخبرات في عقدي السبعينيات والثمانينيات، ومع مرور العقد الأول من القرن العشرين لم تعد البرجوازيّة السعوديّة تعتمد على العقود الحكوميّة في تكوين ثرواتها، لأن الاقتصاد الذي نشأ في مرحلة الطفرة قد كوّن مجالا اقتصاديا له ميكانزمات ذاتيّة كانت تنتظر لكي تنطلق تراكم رأس المال والخبرة وارتخاء سطوة الدولة واحتكارها لمداخل الإثراء، بل ووصل الأمر إلى أن الموجودات المتراكمة للقطاع الخاص فاق نظيرتها للدولة (14)، وبسبب هذه التجربة "الجيدة" في تكوين الثروة حبذت البرجوازية الاستثمار أساسا داخل السعوديّة ودول مجلس التعاون الخليجي. يقول الباحث الاقتصادي جياكومو لوتشياني بخصوص هذا الوضع الجديد للقطاع الخاص شيئين: الأول هو أن البرجوازيّة حققت استقلالا جزئيا عن الدولة، والثاني أنها تستحق عن جدارة وصفها بالبرجوازية الوطنيّة (15).

 

بالنسبة للفكرة الأولى، هذه الاستقلالية الجزئية صحيحة بشكل نسبي، أي بالقياس إلى فترة سطوة الدولة الريعيّة أيام الطفرة، ولكنها من النواحي الاجتماعيّة والسياسيّة لا تزال في رأينا تابعة للدولة، وهذا متوافق مع النموذج التسلطي الذي عرفته دول عربية أخرى مثل سوريّة ومصر في العقد الأول من هذا القرن، حيث أقرباء الرئيس يقابلون أعضاء الأسرة الحاكمة والأمراء في السعودية، وترتبط التراخيص للمشاريع الاقتصادية الكبرى بهم وبالبيروقراطيّة. ورجل الأعمال السعودي الذي يستطيع أن يقارب شؤونا سياسيّة بوجهة نظر مختلفة قليلا عن النظام إنما يفعل ذلك لأنه أولا أمير ومركز قوّة داخل الأسرة الحاكمة وليس لأنه رجل أعمال كبير، والوليد بن طلال مثال على ذلك.

 

 أما وصفها بالبرجوازيّة الوطنيّة فهو ينطلق من نظرة اقتصاديّة بحتة ترى أن درجة الاستثمار في الداخل هي مبرر التوصيف، ولكننا نعتقد بأن هذا المعيار ينتج برجوازية محليّة (domestic) وليس وطنيّة، مع أخذنا هنا بالاعتبار أن لوتشياني قد لا يعطي صفة "الوطنيّة" أي محمول عاطفي. البرجوازيّة الوطنيّة في العالم العربي تتحدد في رأينا بثلاثة أمور إذا قمنا باستثناء واقعي للموقف من السلطة السياسية: درجة استثمارها في الداخل، وموقفها من المجتمع، ودورها الثقافي.

 

 لنبدأ بالموقف من المجتمع: كما هو معروف لكل المهتمين بالشأن السعودي، تقف البرجوازيّة السعوديّة ضد كل محاولات توظيف قوى عاملة سعوديّة وتفضّل عليها العمالة الوافدة، ولأن العمالة السعوديّة صغيرة الحجم وغير مؤهلة، يصبح موقف البرجوازيّة هنا مفهوما ومُبررا، ولكن غير المُبرر هو أن هذه البرجوازيّة لم تدفع نحو تأهيل هذه العمالة وتدريبها خاصة مع ارتفاع نسب البطالة وإمكانيّة تغيير الثقافة الاجتماعيّة تحت ضغطها، ولكن البرجوازيّة لم تفعل لأنها تفضل العمالة الوافدة جاهزة المهارة، ومتدنية الأجور. وبالتالي ما تقوم به طبقة رجال الأعمال هو استكمال السياسات الاجتماعيّة للدولة: إنتاج أجيال من الشباب بلا مهارات وتعميق الإشكال الديمغرافي وتكريس القيم التي زرعها النظام في عهد الطفرة.

 

الأمير "خالد الفيصل" (الأوروبية)

 

أما ثقافيا، ورغم أن الأمراء/رجال الأعمال السعوديّين ومن حولهم كان لهم السبق عربيا في بناء الإمبراطوريّات الإعلاميّة وشركات الإنتاج الفني الضخمة (ز) فإنه يكفينا النظر إلى مستوى ما تنتجه هذه المؤسسات ثقافيا وفنيا حتى نعرف دور البرجوازيّة السعوديّة التنويري شبه المعدوم، وربما لا يتذكر عربي مؤسسة سعوديّة فكريّة مرموقة ولها إنتاج محترم إلا مؤسسة الفكر العربي، ولكن مؤسسها، وهو الأمير خالد الفيصل، ليس رجل أعمال بل أحد إقطاعيي البيروقراطيّة في السعودية (كانت إقطاعيّته منطقة عسير وقد ظل أميرا عليها لعقود). وكانت آخر زلازل هذه المرحلة الثورات العربيّة عام 2011، والتي تصدّت لها الدولة السعوديّة بتطرّف وخاضت ضدها معارك صفريّة جرت المنطقة العربيّة وبخاصة في مصر وليبيا واليمن إلى كوارث ودمار كبير.

 

ثانيا: "إيكاروس" في المتاهة  

دولة "الجُزُر"

   

أ-عائلة آل سعود والبيروقراطيّة

مر قرابة نصف قرن على صيغة الحكم التي ظهرت في عهد الملك فيصل بن عبد العزيز، وهي الإقطاعيّة البيروقراطيّة، وما فعلته السنوات والتغيّرات الاقتصاديّة والسياسيّة في هذه الصيغة لم يكن تغييرها، ولكن ترسيخها إلى درجة أضحت فيها الإقطاعيّات البيروقراطيّة أشبه بالجزيرة المنفصلة. مثل أي إقطاعي زراعي تقليدي، تأبّد كثير من الأمراء على مناصبهم وأورثوها لأولادهم من بعدهم، ونذكر هنا مثلا أن عُمْر تولي سلطان بن عبد العزيز لوزارة الدفاع هو نفس عُمْر الجمهوريّة اليمنيّة الأولى (1962-2011)، وأن نايف بن عبد العزيز تولى وزارة الداخلية لقرابة أربعين عاما وورث ابنه، محمد بن نايف، منصب وزير الداخليّة بعد وفاته. 

 

المشكلة الأساسيّة هنا أن صيغة الحُكم هذه تضمن استقرار السلطة من داخل العائلة بين الإخوة، ولكنها لا تضمن فاعليّتها، لأن كل إقطاعيّة تحوّلت لاحقا إلى كيان منفصل له مصالحه وقطاعاته الاجتماعيّة ورجال أعماله وأمراؤه الصغار المرتبطون به، وأصبح واضحا للمهتمين بالشأن السعودي أن هذه "الجُزر" البيروقراطيّة مشغولة بنفسها ولا يوجد بينها تنسيق على المستوى الأفقي، ويظهر هذا بعد ذلك في تضارب القرارات وتناقض القوانين والتصريحات وهي حالات كثيرة تشكل ظاهرة وليست أمرا شاذا. 

 

  

وبسبب هذا الطابع الإقطاعي وارتفاع أعداد الأمراء الذي يصل إلى عدة آلاف، تقول مَضاوي الرشيد إن ما حصل هو أن آل سعود تحولوا من عائلة إلى قبيلة تحكم دولة (16)، في حين يصفها باحث آخر بأنها أقرب إلى الحزب بسبب كثرة الأعضاء (17). إلا أن الوصف الأقرب هو اعتبار الدولة السعودية بيروقراطيّة مُصغّرة منها إلى أي شيء آخر. فهي أولا ذات مصادر ومخصصات ماليّة مستقلة، كما أن لها هيئة تضم أفرادها (المجلس العائلي) -وهذا الأخير هو القناة الأولى للتعيينات في جهاز الدولة وفي الصفقات الاقتصاديّة (18)- وداخلها درجات ومراتب، ولديها منشآت عقابية وسجون خاصة (س) ونُظُم تسيّر الامتيازات والمخصصات والمناصب، وأخيرا هي تشهد تعضّيًا في "مؤسساتها" مع الوقت، وكان آخر مراحل التعضّي، قبل تولي سلمان العرش، هو قرار الملك عبد الله تأسيس هيئة البيعة السعوديّة. أي إن رأس جهاز الدولة السعوديّة جهاز بيروقراطي مُصغّر. وباستعارة للأدبيّات الناصريّة، ربما لا تصح هذه الجملة على بلد عربي كما على عائلة آل سعود في السعودية: دولة داخل الدولة. 

 

ب-المجتمع

من الأمور اللافتة في المجتمع السعودي أن سياسات السلطة وصيغة حُكمها قد تُرجمت بتطرّف إلى الواقع الاجتماعي؛ فالمجتمع السعودي أيضا مقسّم إلى قِطَع: فأولا يعاني من الإشكال الجهوي، وقد شرحنا دور الدولة فيه آنفا، حيث يتقوقع المواطنون في هويّات جهويّة مفترضة إزاء إحساس بالظلم من "مناطق" أخرى، وتتعاوره كذلك حزازات طائفيّة مرتبطة بكل من الإشكال الجهوي أولا، وبخطاب الدولة الطائفي ثانيا. ويعاني تاليا من الاغتراب في المدينة وضعف الاتصال الاجتماعي بفعل العمالة غير العربيّة؛ فالمدينة السعوديّة تعرف أحزمة فقر يسكنها هؤلاء العُمال المضطهدون والذين لا تربطهم بالمجتمع لغة أو ثقافة، بالإضافة إلى أن البدو حين نزحوا إلى المدن في الخليج شكلوا أحزمة حولها، ويبدو أن المدن المُخلخلة عجزت بالطبع عن صهرهم، فتكوّنت لهذه الأحزمة معالم هويّاتيّة بدورها.

 

وساعد على هذا أن الدولة منذ الخمسينيّات كانت تفضّل منطق الفصل هذا حتى داخل المعمار البيروقراطي، حيث كانت تبني مع الوزارات والمصالح الحكوميّة مؤسساتها الصحيّة والتعليميّة الخاصة بها مما يكوّن تجمّعات مغلقة صغيرة منفصلة في المُدن (19)، بالإضافة طبعا إلى أحياء الأثرياء التي تكونت في فترة الطفرة النفطية وما تلاها في المدن الكبرى مثل الرياض وجدّة.

 

وللعمال الأجانب الأميركيين والأوروبيين جيوبهم السكنيّة الخاصّة والمغلقة عليهم كذلك، ولكنها على النقيض من أحياء الفقر السعودية وأحياء العمال الآسيويين والأفارقة، تتميّز بالرفاهية وبنمط حياة غربي وضامن لكل "حريّات ممارسة اللذة" في وسط مجتمع تفرض عليه الدولة أشد أشكال المحافظة تخلفا (20)، في نمط يذكّرنا بالأرستقراطيّة العماليّة الأوروبيّة التي عرفها المغرب العربي في عهود الاستعمار. 

 

رغم الأعداد العالية للمبتعثين السعوديين إلى أوروبا وأميركا الشماليّة طوال عقود، لم يدفع هؤلاء عند رجوعهم نحو تغيير اجتماعي-سياسي

رويترز
   

وعلينا هنا أن نستحضر ونحن نستعرض حالة هذا المجتمع الذي تتعاوره كل صنوف الانقسام التي عززتها الدولة أمرا إضافيا حتى تكتمل الصورة، وهو أن كل الأحياز التي بإمكانها ضم المواطنين ممنوعة في القانون السعودي: النقابات والهيئات والأحزاب وحتى المظاهرات، وبالتالي لا توجد في السعوديّة تشكيلات للاندماج الاجتماعي، وهذا كلّه يسهّل كثيرا على السلطة إدارة مجتمع كبير -بالقياس إلى جيرانه الخليجيين- ومتوزع على جغرافيا بهذه الضخامة؛ فعوضا عن التعامل مع المواطن، وعوضا عن أن يتعامل المواطن مع الدولة، تقوم الأخيرة بالتعامل مع شيوخ القبائل أو وجهاء المناطق أو أمرائها، كما أنها تستفيد في أزماتها من استعمال النزعة الشوفينيّة -التي وفّرت أسسها داخل المجتمع- وتوجيهها نحو العمالة الوافدة وتحميلها مسؤوليّة فشل الدولة التنموي وتوجيه غضب المجتمع على الدولة نحو الوافدين (ش).

 

ومن هنا نفهم أمرين اثنين: 

الأول: أنه رغم الأعداد العالية للمبتعثين السعوديين إلى أوروبا وأميركا الشماليّة طوال عقود، لم يدفع هؤلاء عند رجوعهم نحو تغيير اجتماعي-سياسي ناتج عما رأوه وخبروه في الخارج، وهذا له عدة أسباب (ص) منها أنهم لا يعودون إلى مجتمع فيه أوعية تشكل اجتماعي وسياسي معتادة، بل إلى فضاء مفكك فيه قنوات محددة تفرض عليهم التورط فيها بدون وجود هيئات أخرى تعطيهم التوازن أو تمكنهم من التكاتف مع أمثالهم في تشكيلات تعاونيّة مدنيّة طوعيّة لإنتاج رؤى معينة للواقع السياسي. 

  

الثاني: هو اكتساح الشباب السعودي للمنتديات الافتراضيّة حين ظهرت مطلع هذا القرن -ولوسائل التواصل الاجتماعي الافتراضية حاليا-، فقد كانت تلك المنتديات هي الحيّز الاجتماعي الذي يوفّر ليس حرية الكلام في الشأن العام فحسب، بل يوفر أولا حريّة "الاجتماع" للكلام الحر حول الشأن العام.

 

في خضم هذا المجتمع وهذه الدولة.. جاء ابن سلمان. 

 

ملكٌ قوي

 

الآن يأتي السؤال: كيف استطاع ابن سلمان إذًا وسط كل هذه التعقيدات/المتاهة أن يبلغ ما بلغه من السلطة بهذه السلاسة، على الأقل حتى الآن؟ الجواب هنا لا علاقة له بمحمد بن سلمان نفسه. بعيدا عن المدائح المفرطة وماكينة الدعاية التي تعمل ليل نهار سعوديا وعربيا لإظهاره كشابٍ "فلتة" ومميّز، محمد بن سلمان شاب عادي -وربّما أقل من ذلك-، وفي كل مرّة يفتح فيها فمه ليتحدّث يتأكد لأي مراقب منصف أنه لا يتمتع بأي شيء مميز سواء على المستوى السياسي أو مستوى الثقافة والمعرفة، ويؤكّد هذا الانطباع سياساته التي ما زالت تتوالى. تفسير صعود شاب بهذه القدرات المتواضعة يتلخّص في السياق، ومن أهم أجزائه والدُه. 

 

سلمان بن عبد العزيز، ملكٌ قوي، بل ونقول إنه لم يتمتع ملكٌ سعودي، باستثناء الملك عبد العزيز في آخر سنوات حكمه، بالقوة التي ينعم بها سلمان، ونحن لا نتحدّث عن قوة "شخصيّة" في المقام الأول، فالقوّة السياسيّة تتحدد بالقاعدة الشعبيّة وبالموقع وإمكانيّاته وثقله النسبي وليس بقوّة الفرد مهما كان مميّزا. كان سلمان، مثل بقية إخوته الأمراء، من أصحاب الإقطاعيّات البيروقراطيّة، ولكن إقطاعيّته كانت مهمّة وحساسّة وهي منطقة الرياض التي ظلّ أميرها لنصف قرن، وهي المنطقة التي فيها القاعدة الاجتماعيّة التاريخيّة لآل سعود منذ قرون، وقد أشرنا آنفا إلى اعتماد الدولة السعوديّة على بؤر/عائلات معينة من هذه المنطقة في الشريحة العليا للبيروقراطيّة وتكوين نخبة المتعلمين وأصحاب الشهادات من الجامعات الغربيّة، وهذا يعني أن سلمان كان، لخمسين عاما، إحدى المحطّات الضروريّة التي يضطر أغلب المتسلّقين والمسؤولين ورجال الأعمال للمرور عليها حتى يتحصّل على المنافع والمناصب.

 

بالإضافة إلى أمر آخر وهو منصب سلمان في المجلس العائلي، فكثير من التقارير والمقالات تحدّثت أنه كان "أمين سر" العائلة والمسؤول الأول عن فض المشاكل بين الأمراء واحتوائها والقضاء في اختلافاتهم بل وسجنهم في سجون الأمراء إذا لزم الأمر، وهذا يعني أننا أمام شخص يعرف خبايا ومشاكل أمراء هذه العائلة الممتدة وقد تمرّس في التعامل معها، مع ما يؤمنه ذلك من سلطة معنويّة على باقي الأسرة الحاكمة من أمراء وأميرات. ولهذا، ومنذ بدايات العقد الماضي، كان المختصّون بالشأن السعودي يعدّون سلمان والدائرة الملتفّة حوله أحد مراكز القوة الخمس داخل المملكة السعودية (21). ثمّ حالفه "الحظ" بوفاة كل الأسماء القويّة بين أبناء عبد العزيز: ولي العهد سلطان بن عبد العزيز (عام 2011)، ثم ولي العهد نايف بن عبد العزيز (عام 2012)، وهكذا لم يتبقَ من الأقوياء سوى الملك عبد الله، وسلمان، وإن كانت الأجهزة البيروقراطيّة ورّثت للأبناء: الحرس الوطني لمتعب بن عبد الله، ووزارة الداخليّة لمحمد بن نايف. 

 

إثر وفاة سلطان، عيّن الملك عبد الله سلمانَ وزيرا للدفاع، وكانت هذه دفعة فائقة لقوة سلمان المستقبليّة، ولا توجد حاليا تقارير مستفيضة حول التغييرات والسياسات التي اتبعها سلمان آنذاك داخل وزارة الدفاع، ولكننا لا نشك أنه حاول أن يُحكم سيطرته تماما على هذا الجزء السيادي من البيروقراطيّة وتصفية الولاءات السابقة داخله لأسرة سلطان بن عبد العزيز. وبالتالي، وقبل أن يصعد سلمان إلى العرش، كان في الأصل قويا ولديه شبكة علاقات ومعلومات وأجهزة سياديّة واقعة تحت يديه ولا يصارعه منافسون أقوياء من إخوته.

 

الملك عبد الله (يسار)  والملك سلمان (مواقع التواصل)

  

ثم لدينا أمر آخر، وهو قوة العرش نفسه، فالعرش الذي استلمه سلمان من الملك عبد الله ليس هو ذاته عرشَ فيصل أو فهد: كان الملك عبد الله قد استكمل تنظيم مسألة الخلافة على العرش بتأسيسه لهيئة البيعة، وكانت الدولة منذ أيام الملك فهد قد بدأت بمراجعة سياساتها تجاه الجماعات الدينيّة واستطاعت مع مرور الوقت تفكيك شبكات الجماعات المتطرّفة داخل البلاد، وامتصّت الدولة السعوديّة صدمة الثورات العربيّة عام 2011 وتمكنت من إنجاح الثورات المضادة في مصر وليبيا، وساهمت في انزلاق اليمن إلى الاحتراب الأهلي، هذا بالإضافة إلى القلق والترقب الذي انتشر في أجواء العائلة الحاكمة بعد أن تيقن الجميع بأن صيغة الوراثة الأفقيّة للعرش مع اقتسام المناطق والبيروقراطيّة على وشك الانتهاء، ولا بد من صيغة جديدة تنظّم الوراثة في جيل الأبناء، وهي صيغة منتظرة يستحيل أن تكون مرضيّة للأحفاد بنفس قدر إرضاء الصيغة السابقة لأبناء عبد العزيز، لأن موارد الدولة يستحيل أن تلبي مصالح كل أمراء وأميرات آل سعود الذين يبلغون عدة الآلاف ولا وجود لمعيار "موضوعي" تقاس به أفضليّة بعضهم على بعض. 

 

الأب يصنع الأجنحة

بعد تولي سلمان للعرش، كان واضحا منذ البداية أنه مصمم على إعلان وفاة الصيغة القديمة في الحكم وأيضا في السياسة، وعلى توريث العرش لابنه؛ ففي أول أسبوع من حكمه عيّن سلمان نجله محمد في ثلاثة مناصب أولها شديد الخطورة: وزارة الدفاع (خلفا له) في أول يوم من حكمه، ورئاسة الديوان الملكي، ورئاسة مجلس الشؤون الاقتصاديّة والتنمية (22)

 

واستمر الأب منذ أول يوم له على العرش وحتى كتابة هذه السطور في لملمة الإقطاعيات البيروقراطيّة في يده ويد نجله: ولاية العهد، ووزارة الدفاع، ورئاسة المجلس الأعلى لشركة أرامكو، صندوق الاستثمارات العامة، مجلس الشؤون السياسيّة والأمنيّة وإلخ. وقام بعد شهر من عزل محمد بن نايف من منصبه كوزير للداخليّة ومن ولاية العهد، بإنشاء جهاز أمني جديد (23) يُفكك عمليا شبكات الولاء التي ارتبطت بآل نايف داخل وزارة الداخليّة، ليضم الداخليّة والدفاع والحرس الوطني -بعد عزل متعب بن عبد الله- إلى قبضته وبالتالي قبضة ولده، وعلينا هنا أن نشير إلى أن أغلب هذه التغييرات حدث والحرب في اليمن دائرة، وإلى الآن لم تظهر دراسات وأبحاث ترصد بدقّة كيف استفاد الملك سلمان من هذه الحرب في لملمة الإقطاعيات البيروقراطية وإعادة توزيعها وتعبيد طريق المُلك لولده، ولكننا نرجح أنها وفّرت عليه وقتا كثيرا ومخاطر أكثر. 

  

 

ثمّ كانت الضربة الشهيرة لمجموعة من الأمراء ورجال الأعمال بتُهم الفساد في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، والتي كانت درسا لكل المنزعجين داخل البرجوازيّة والعائلة الحاكمة من ما يفعله الملك سلمان ونجله، فحتى الانزعاج وعدم تقديم الولاء المحض ممنوع وتجب المعاقبة عليه. والسؤال المُلحّ هنا: كيف لم ينتفض أمراء الإقطاعيّات البيروقراطيّة على هذه السياسات العنيفة -كما انتفض الإخوة قديما على الملك سعود- وخاصة أن بيدهم آنذاك قوات الحرس الوطني ووزارة الداخليّة، وجزء من البرجوازيّة كما يرجح من اعتقالات نوفمبر/تشرين الثاني 2017؟

  

إلى جانب ما ذكرناه عن قوّة سلمان وقوّة العرش الذي يجلس عليه، يجب أن نتذكر أولا أن مراكز قوى العائلة الحاكمة -وخصوصا الأجيال الجديدة فيها- لا تتمتع كلها بسمعة طيّبة عند المواطنين بسبب تاريخ طويل من الممارسات السيئة والمتعجرفة، وبالتالي لا تجد العائلة سندا اجتماعيا قويا في معركة تدور داخلها بالأساس. ثانيا، لا بد أن الفراغات بين الإقطاعيّات البيروقراطيّة المختلفة وانقطاع التواصل بينها، كما سبق وبيّنا، سهّل من عمليّة خلع أمرائها وإعادة بسط السيطرة عليها؛ فالانقلاب على العرش يحتاج إلى تنسيق عالٍ وتواصل مستمر وإلا تحول إلى حرب أهليّة مع سيطرة سلمان على وزارة الدفاع. كما أن العدد الكبير للأمراء، وتعقد البيروقراطيّة، وتغيُّر البنية السكانيّة (وخاصة القبائل والبادية والتغيرات التي لحقت بهما منذ زمن الطفرة)، كل هذا يجعل من الصعوبة بمكان تنظيم انقلاب ناجح وسلس على ملك قوي. 

  

 

مخاطر التحليق

أ-إصلاحي أم أمير جديد؟

يُنظَر إلى ابن سلمان حاليا من قِبل بعض المثقفين والكُتّاب باعتباره قائدا لعمليّة "إصلاح" في السعوديّة، خاصّة مع القرارات التي تخص بعض حقوق النساء وإرخاء قبضة الخطاب الوهّابي الرسمي في هذا الموضوع. 

 

إن رؤية 2030 التي يروّج لها إعلاميا هي في واقع الأمر محاولة من ابن سلمان لاكتساب شرعيّة اجتماعيّة، وهذا ليس أمرا جديدا؛ فالشعوب العربيّة خبيرة بهذا النوع من الدعايات عن "المصلح القادم" لأنها رافقت كل "ولاة العهود" في الجمهوريّات: جمال مبارك وأحمد علي وسيف الإسلام القذافي وبشار الأسد، كما أن حاكم دبي، محمد بن راشد آل مكتوم، سبق وأعلن في عام 2010 عن رؤية الإمارات 2021. ولكن رؤية 2030 من حيث المضمون، تحوي بنودا لطالما لاكتها أفواه كبار المسؤولين في الدولة وأشار إليها كثير من المثقفين العرب منذ ثلاثين عاما: عدم الاعتماد على النفط، تنويع مصادر الدخل، تشجيع الاستثمارات، ضرورة التقشف وإنهاء دولة الرعاية بشكلها العشوائي واستغلال الإمكانات الاقتصادية الكبيرة في الدولة، معالجة البطالة، تأهيل قوى عاملة محليّة ماهرة، وغيرها. 

 

على كل حال، "قد" يتوقع البعض بأن ابن سلمان سيكون "خوان كارلوس" السعوديّة والذي سيحقق إصلاحات سياسيّة تؤدي إلى الديمقراطيّة وانفتاح المجال العام، وهنا لا بدّ أن نقول مجددا ما قيل سابقا عن الآمال الديمقراطيّة المعقودة على ولاة العهود الجمهوريّين: هذه أمنيات لا يسندها الواقع.  في واقع الأمر، ابن سلمان ليس مُصلحا، ولكن السياق التاريخي السعودي يجعله يبدو كذلك، وإلا فإنه حلقة متأخرة من السلسلة التي يمكن أن نسميها "الأمراء الجدد" الذين عرفتهم منطقة الخليج قبل عدة سنوات، وهؤلاء الأمراء ثمّة مشتركات تجمعهم في العموم -ويختلفون بشدة في السياسات ووسائل تنفيذ بعضها- تجعل منهم نَمَطا:

 

 

يمثلون الجيل الثاني (أو الثالث) من الحُكّام - أكثر إعجابا بنمط العيش الأميركيّ - رغبة في تحقيق نفوذ في المنطقة العربيّة - مهتمّون بتحويل البلدان التي يحكمونها إلى مراكز عالميّة لأنشطة اقتصاديّة غير النفط (وغير أي نشاط إنتاجي) وواحات ثقافيّة تلفت نظر حلفائهم الغربيين وتؤكد اعترافهم بهم (24) - ربط بلدانهم بشكل أقوى من السابق بالولايات المتحدة الأميركيّة - عدم الخجل من إقامة اتصالات وعلاقات علنيّة بإسرائيل - التنافس على حيازة رأس مال اجتماعي وثقافي عربي عبر التنافس على بسط السيطرة المادية والمعنويّة على الإنتاج الثقافي والإعلام في العالم العربي من خلال دعم المؤسسات الثقافيّة ودور النشر وإصدار مجلات ثقافية رفيعة الإخراج وطبع الكتب والإعلان عن جوائز سنوية للمفكرين والروائيين والصحفيين والكتاب العرب وغيرها من النشاطات - النظر للتخلّف الاجتماعي باعتباره هويّة محليّة - توظيف النساء في الشريحة العليا من البيروقراطيّة لإقناع حلفائهم الغربيين بتنورهم وتخفيف ضغط المؤسسات الحقوقية والصحفيّة عليهم (خاصة وأن هذه المؤسسات الغربية مهووسة هوسا مرضيا بهذا الجانب في الخليج لأسباب كثيرة) - فتح الباب أمام الحُريّات الخاصة وإزالة أغلب العوائق أمام حياة اللذة مع عنف في مجابهة كل داعٍ للحريّات العامة. 

 

ابن سلمان هو واحد من الأمراء الجدد، سواء في خطابه أو مشاريعه المعلنة أو سياساته، وما حملات الاعتقال للناشطات النسويّات قبيل وبُعيد إلغاء حظر قيادة السيارة عن النساء إلا رسالة للمجتمع مفادها "لا تسيئوا فهمي! كل فعل يخص الشأن العام سيُقمع بلا رحمة"، وسلوكه هنا متسق مع النمط المذكور: القليل من الحريّات الخاصة مقابل الخَرَس السياسي. 

 

أما فيما يتصل بمزاعم الإصلاح التي يقودها محمد بن سلمان في السعوديّة، وبسبب سياسات الدولة في زمن الطفرة النفطيّة، فإن كل إصلاح سياسي يستلزم إلى جانب الشجاعة والصدق تقديم نموذج أخلاقي مختلف يتم تعويد المجتمعات عليه لمعالجة الرضوض المروّعة التي تتعاور أخلاقها، وبالتالي يصعب على المُتابع تمييز نزعة إصلاحيّة عند من يقوم بجرائم القتل الجماعي في اليمن، خاصّة وأن الدولة السعوديّة كانت قادرة على تجنّب هذا التوغل في الدم بقليل من التروّي ووضع إستراتيجيّة عقلانيّة وطويلة الأمد لكيفية إدارة الصراع (وحتى الحرب) مع الحوثيين. 

  

 

كما أن حصار قطر -وليس الخلاف معها- والبلاغة السياسيّة السعوديّة التي صاحبته تميّزت بكثير من الإسفاف وتدني الأخلاق وتكريس للقيم الاجتماعيّة نفسها التي بذرتها الدولة الريعيّة بسياساتها الكارثيّة، بل وحتى المماحكات التي تميّزت ببُعدٍ لا أخلاقي في الحالة السعوديّة، ولنا في سرقة بث "كأس العالم" (25) مثال على ذلك. 

 

ب- هل تسقط أجنحة إيكاروس؟ 

إذًا، لا يحاول ابن سلمان تعبيد طريق واضح للمجتمع داخل متاهة الدولة السعوديّة ولكنه يحاول التحليق فوقها فحسب مُفضلا طريق نظرائه في الإمارات بالدرجة الأولى. المشكلة الرئيسيّة التي تواجه رغبة ابن سلمان المحمومة في "التحليق" وتغيير نمط الحكم ليست فقط العائلة الحاكمة بل أمرٌ آخر لطالما رددته البلاغة السياسيّة السعوديّة تاريخيا وهو "الخصوصيّة السعوديّة". في دول الخليج الصغيرة، يسهل على الأمراء الجدد تنفيذ سياساتهم لأنهم يديرون دولا صغيرة الحجم وقليلة السكان (والمواطنون أحيانا أقلية) ويمكن حتى بقليل من الجهد أن تتواصل السلطات مع المجتمع وأن "تشتري" صمته السياسي مقابل الخدمات والرعاية وسهولة الإثراء بدون أن يعني ذلك تحمّل الدولة لأعباء ثقيلة، ولا يضير السلطات التخلّف الاجتماعي والمشاكل الأخلاقية في مجتمعها لأنها تستطيع الاستغناء عنه في عمليّة إنتاجها للثروة، أما السعوديّة فوضعها مختلف كما ذكرنا طوال المحور الأول من هذه المقالة. 

 

الأمر الآخر، هو أن طبيعة تركيب السلطة وتاريخ المجتمع في السعوديّة تفرض دوما توازنات شديدة الحساسيّة، ومن هنا وصفناها بالمتاهة، ولنأخذ حالة ابن سلمان كمثال لتوضيح المقصود. إن محاولته الإخلال بصيغة الحُكم السابقة يفقد السلطة عنصر استقرارها الرئيس وهو وجود أقوياء في السلطة تربطهم رابطة الدم، يؤمّنون استقرار الدولة بدون أن يستعجلوا الوصول إلى العرش بسبب الاتفاق الضمني المُريح فيما بينهم: وراثة أفقيّة وإقطاعيّة بيروقراطيّة.

 

أمام ابن سلمان والحال هذه خياران: إما الاستغناء تماما عن العائلة المالكة، بحيث تصبح أسرته فقط هي العائلة المالكة، واستقدام طبقة جديدة من خارج آل سعود تدير الدولة وتدين له بالولاء، وهذا خيار خطير لأنه يقضي على شرعيّة حكم تاريخيّة -هشّة ولكنها موجودة- وسيجعل كل مسؤول كبير داخل دولته يسأل السؤال المشروع "ولمَ لا أكون أنا الملك؟". وإما أن يعتمد على بعض الأمراء أو على فرع معيّن ولكن هذا يعني تعديل صيغة الحكم السابقة وإعادة توزيع الإقطاعيّات بصلاحيّات أقل، وهي صيغة لا تضمن ولاءهم التام وعدم وجود طموح بين صفوفهم نحو الحُكم. وفي كلتا الحالتين سيعايش ابن سلمان ما عايشه الرؤساء العرب بعد انقلاباتهم العسكرية في القرن الماضي ومحاولاتهم الطويلة والمؤلمة لترسيخ أنظمة حُكمهم، والنجاح ليس مضمونا في هذين الحالتين.

   

 

من جانب آخر، سياسات فتح الباب أمام الحُرّيّات الخاصة لن تؤدي إلى ما أدّت إليه في دول الخليج الصغيرة، ولكنها غالبا ستدفع كثيرا من القطاعات الاجتماعيّة نحو المطالبة بحقوق أكبر وأكثر، وستدفع القاعدة المحافظة التي غذتها الدولة طوال سبعين عاما إلى التصلّب وعداء الدولة. وفي حالة تراجعه عن هذه السياسات أو إيقافها، لن يستطيع تنفيذ جزء كبير من خططه بخصوص الاقتصاد وعلاقاته بالإقليم والعالم، خاصّة وأنه ينتوي مواصلة سياساته التقشفيّة الضارة بالمجتمع والضاربة لشرعية الدولة باعتبارها دولة رعاية في الأصل رغم كل ما اعترى هذه الدولة من وهن وانسحابها من التزاماتها بالتدريج قبل مجيء سلمان للحكم. وبالتالي فبدون تقديم أي شيء للمجتمع في مقابل هذه السياسات الاقتصاديّة، ستدخل الدولة في عمليّة رهان مقلق على صمت المجتمع أو قمعه، وقد رأينا من قبل تركيبة المجتمع السعودي وقابليّته العالية للتفكك والانهيار -مثل باقي دول المشرق العربي- في حال تخلخلت قوّة الدولة أو شرعيّتها. 

  

ثم نأتي للبيروقراطيّة، ماذا سيفعل بمشاكلها؟ في حال قرر فعلا محاربة الفساد البنيوي فيها -وهذا مستبعد- فإنه هنا يخاطر بضرب جماعات وقطاعات منتفعين تكوّنت عبر عقود وأمّنت استقرار النظام، وفي حال لم يفعل لكي يبقي على استقرار سلطته، يستحيل أن يُنفذ ما يطمح إليه من سياسات وأهداف. وبهذا يظهر أن كل تغيير لملمح أو قطاع في الدولة سيقود إلى أجزاء أخرى وسيؤذي أشياء كثيرة، أولها استقرار النظام. 

  

حتى السياسات الخارجيّة التي يتّبعها الآن ابن سلمان وخاصّة إزاء إسرائيل هي أمر خطير على السعوديّة نفسها قبل الفلسطينيين والعرب؛ فالسعوديّة ليست دبي أو حتى عُمان حتى تقيم علاقات علنيّة مع إسرائيل بدون أن يؤدي هذا إلى ارتجاج في الداخل؛ في نهاية المطاف، هذا بلد يضمُّ الأماكن المقدّسة لمليار ونصف إنسان، ووزنه في العالم الإسلامي وفاعليته السياسيّة في العالم ليست قائمة على تميّز ثقافي أو عُمق تاريخي، بل لأسباب دينيّة، وهذا الوزن أحد أهم عناصر "القوة الناعمة" التي تمتعت بها الدولة السعوديّة منذ نشوئها إلى جوار النفط، والمغامرة المجنونة والهرولة نحو إسرائيل بهذا الشكل سيضرب هذا الوزن المعنوي والسياسي في مقتل، بعد أن أصابه كلٌّ من مفاعيل دعم المجاهدين الأفغان في الثمانينيّات، ودعم الثورات المضادة، وحرب اليمن، بضربات عنيفة. 

   

 

في خاتمة هذا التقرير، الخلاصة التي بإمكاننا أن نخرج بها هي أن محمد بن سلمان -والتيّار البيروقراطي والاجتماعي أيضا الذي يقف خلفه- لن يدير على المدى المتوسط بلدا هادئا ولن يؤمن سلطة مستقرة، وهو أمير جديد يعيد توزيع الإقطاعيّات البيروقراطيّة على جماعات منتفعة من الأمراء ولكن تحت شروط جديدة، أما البيروقراطيّة فمن الصعب -والخطير- إصلاحها بدون شرعيّة شعبيّة. محمد بن سلمان يخوض فعليا معركة مشابهة لمعارك الرؤساء العرب في مطلع هذا القرن حين قرروا تقليص دوائر المنتفعين وضرب الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي والطبقي في المجتمع وتركيز السلطة والثروة أكثر في أسرهم تمهيدا للتوريث، وقد رأينا جميعا كيف كانت نهاية هذه السياسات وما جرته على هذه الدول من ثورات وانتفاضات.

 

 لقد فتح سلمان وولده بابا لمرحلة جديدة لن تعرف الاستقرار إلا بعد معارك طويلة داخل السلطة والبيروقراطيّة والمجتمع، وهي معارك ليس مضمونا أن ينجو ابن سلمان بنفسه منها حتى وإن وصل إلى العرش وأصبح ملك البلاد إلا بالطريق المعروف والذي لا يمكن للسعوديّة أن تتحول اقتصاديا واجتماعيا بأقل قدر من الخسائر إلا عبره: وهو الإصلاح البيروقراطي والديمقراطي التدريجي والصادق، والتحول المتمهّل نحو ملكيّة دستوريّة ديمقراطيّة تتكوّن فيها هويّة وطنيّة ومؤسسات للاندماج الاجتماعي تدعم السلطة في عمليّات تحولها المؤلمة والضروريّة مع تدعيم أكثر للعدالة الاجتماعيّة. أما بدون شق هذا الطريق في المتاهة، سيحاول إيكاروس التحليق، وربما قد ينجح في الارتفاع والطيران بأجنحة مصطنعة، ولكن شمس الصحراء، وخاصة بعد زلزال الثورة في 2011، حارقة وقاسية ولن تمهله طويلا.

_______________________________________________________________________________

الهوامش: 

(أ) نستخدم في هذه المقالة مجاز أسطورة إيكاروس وأبيه دايدالوس، وما يهمنا هنا منها أن ملك كريت حبس إيكاروس ووالده في قصر اللابرنت، الذي بناه دايدالوس بنفسه، والذي يستحيل الخروج منه بسبب تركيبه المعقد وتشابك ممرّاته (ومن هنا، كما يقول بعض فقهاء اللغة، أصبحت كلمة Labyrinth تعني في اللغات الأوروبيّة "المتاهة"). حينها اهتدى الأب إلى الحل فصنع أجنحة له ولولده من الريش وألصقها على الظهر بالشمع وحلّقا فوق المتاهة وتمكّنا من الهروب، ولكن إيكاروس، بسبب غروره، لم يستمع لنصيحة والده بألا يقترب من الشمس أثناء الطيران حتى لا يذوب الشمع ويسقط في البحر، وهكذا لقي إيكاروس مصرعه غرقا. في هذه الأسطورة تفاصيل أخرى يمكن توظيفها كمجاز في نقاش حالة ابن سلمان، وهذه ملاحظة قد تهم المشتغلين بالأدب أكثر.. للمزيد انظر: عبد المعطي شعراوي، أساطير إغريقيّة، ج ١ :أساطير البشر، (الهيئة المصريّة العامة للكتاب، 1982) ص 193-207.

 

(ب) للمزيد حول هذه التعقيدات والفروقات الإداريّة انظر: أليكسي فاسيلييف، تاريخ العربيّة السعوديّة: من القرن الثامن عشر وحتى نهاية القرن العشرين، ط٤ (بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 2013) ص 386-394. نشير هنا إلى أن تجار الحجاز دعموا وموّلوا حروب عبد العزيز على الهاشميين، وهذه الحقيقة مضفورة بحقيقة معاونة حواضر نجد لعبد العزيز في معركته مع "الإخوان" يجعلنا نُعيد التفكير في الصورة الشائعة عن آل سعود، والتي حاول النظام السعودي نفسه أن يُغذّيها، كخلاصة للثقافة البدوية والانحياز السياسي للبدو، وسنرى في تضاعيف المقالة علامات أخرى. نشير هنا أيضا إلى أن ثمّة تساؤلا جديا عن صحة الفكرة القائلة إن نشاط الرعي والغزو كان الأصل في صحراء الجزيرة العربيّة طوال القرون، ويقدم خلدون النقيب صورة مختلفة كثيرا تقول إن الصحراء كذلك ارتبطت بالتجارة بطرق غير مباشرة في المرحلة الميركنتاليّة. طرح النقيب أيضا يحتاج إلى نقاش ونقد كذلك خاصة مع غياب المعلومات والدراسات الفاحصة والمضنية لتقدير الأوزان السكانية المعتمدة على كل نشاط اقتصادي على حدة. انظر: النقيب، ص 25 - 101. 

 

(ت) ومن ذلك الحين، وباختيار العلماء الوقوف مع السلطان ضد "الإخوان"، أصبحت الطبقة العُليا من العلماء تابعة تماما للدولة، مفضلة ذلك على الوقوف مع جماعة مقاتلة قد تمنحها القوة في الدولة الوليدة ولكنها لا تضمن تقلّباتها خاصة مع ما أبداه الإخوان من تطرّف منفلت وحقد على الحضر بعد سقوط الحجاز في قبضة الملك عبد العزيز.للمزيد حول علاقة العلماء بالملوك في تاريخ الدول السعوديّة المختلفة انظر بحث غيدو شتاينبرغ في:آيريس غلوزماير وآخرون، السعوديّة في الميزان: الاقتصاد السياسي والمجتمع والسياسة الخارجيّة، ط١ (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة، 2012).

 

(ث) انظر سردا موجزا لمكونات وتاريخ القوى السياسيّة السعوديّة في: د. محمد علي تميم، الأحزاب والجمعيات السياسية في السعوديّة (1902-2001)، مجلة جامعة تكريت للعلوم الإنسانية، المجلد 14، العدد 4 (أيار 2007). 

  

(ج) مثل جبهة الإصلاح الوطني، انظر: علي تميم، ص ٢٧١. 

  

(ح) لهذا السبب استعان السعوديون والإنجليز ومن معهم بالطيران الإسرائيلي في حرب اليمن ضد الجمهوريين وقوات عبد الناصر في ستينيّات القرن الماضي، لأن الطيارين السعوديين كانوا يرفضون تنفيذ المهمات ويتجهون بطائراتهم إلى القاهرة. وبفهم هذا السياق السعودي الداخلي نفهم الهلع -والشراسة- التي بثتها ثورة 26 سبتمبر/أيلول 1962 اليمنيّة في قيادة الدولة السعودية.

  

(خ) لم تكن هذه المرة الأولى التي قطعت فيها السعوديّة البترول؛ فقد قُطع البترول عن فرنسا وبريطانيا أيام الملك سعود بسبب العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، ولكن السعوديّة كانت المتضرر الأول من قطعها للنفط، أما السوق العالمي فلم يتضرر كثيرا لأن الإنتاج الأميركي حينها من النفط استطاع تعويض الفارق لأن السوق المحلي الأميركي لم يكن يستهلك كامل الإنتاج المحلي. ولكن عام 1972 تغيرت المُعادلة وأضحى السوق الأميركي يستهلك الإنتاج المحلي تماما، وبالتالي لم تستطع الولايات المتحدة الأميركيّة عام 1973 ضخ البترول إلى السوق وتعويض الفارق. انظر: غلوزماير وآخرون، ص 444.

(د) ولهذا السبب، توفّر هذه اللحظة وتحولاتها في التاريخ السعودي مخزونا إنسانيا ودراميا جاذبا للسرد الأدبي (رواية "جروح الذاكرة" لتركي الحَمَد على سبيل المثال).

  

(ذ) يقدّم ستيفن هيرتوغ وصفه لهذه الظاهرة التي أسماها "المحاسبيّة المجزأة" وبقية تشعباتها وكأنها إضافة نظريّة لفكرة الدولة الريعيّة. في رأيي المتواضع هذا غير دقيق لسببين: الأول هو أن كثيرا من الأبحاث العربيّة قبل سنوات -قبل وبعد طرح هيرتوغ- قد وصفت هذه التعقيدات داخل البيروقراطية السعودية، ونذكر هنا من السعودية فقط أسامة عبد الرحمن وكتابه "البيروقراطية النفطية" ومحمد بن صنيتان في كتابه "السعودية: الدولة والمجتمع" ومضاوي الرشيد في كثير من كتبها وأبحاثها. والثاني هو الحجة القائلة إن مشكلة المنظّرين حول الدولة الريعية أنهم تعاملوا معها ككل واحد. وهذه في الحقيقة ليست مشكلة تخص الدولة الريعيّة فحسب، بل تخص النظر إلى فكرة الدولة في العموم، ونقد هذا التصور يعني نقد بعض الأفكار عن الدولة وليس عن الريعيّة منها تحديدا. قوّة هيرتوغ ليست نظريّة بل في شرحه التفصيلي وتراكم دراساته للبيروقراطيّة السعوديّة واقترابه منها.انظر بحث هيرتوغ في كتاب "السعودية في الميزان"، مصدر سابق. 

 

(ر) وهذه لا يعني إلغاء مجانيّة التعليم. فالتعليم الجماهيري حق أساسي، ولكي تحافظ على مستوى الجامعات ومنتجاتها مع الإبقاء على التعليم الجماهيري ليس ثمّة طريق إلا خلق قاعدة اقتصادية إنتاجيّة عريضة ومؤسسات تعليم فني ومهني بموازاة فلترة إجبارية لتلاميذ المدارس. 
 

(ز) لتكوين صورة سريعة عن حجم الاستثمارات السعودية في الإعلام العربي انظر: 

أحمد سمير، إعلام الأمراء: كيف سيطر الإعلام السعودي؟، الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، على الرابط (تاريخ الدخول: 29-06-2018)

(س) تذكر جزئيّة سجون الأمراء التي يديرها سلمان بن عبد العزيز عرضا في تقرير النيويورك تايمز عن عائلة آل سعود وتبذيرها، على الرابط. تاريخ الدخول: (29-06-2018).

  

(ش) ولهذا نعتقد أن الحملات المتتالية على العمالة الوافدة في السعودية، والتي كان المتضرر الأكبر منها العمالة اليمنيّة، هي وسيلة الدولة لتوجيه الغضب الاجتماعي خاصة بعد الثورات العربيّة حيث اشتدت هذه العمليات وألحقت ضررا كبيرا باليمنيين، وعموما ظهر لاحقا فشل هذا الادعاء الشوفيني كما أثبتته بيانات الاقتصاد والبطالة السعودية بعد تلك الحملات، للمزيد انظر (تاريخ الدخول: 30-06-2018)

  

(ص) مثل تحميل الابتعاث أصلا آمالا ثقافيّة فوق طاقته الواقعيّة. أغلب من يسافر لن يعود رفاعة الطهطاوي! بل مجرّد متمرس بثقافة الاستهلاك يتقن لغة أجنبيّة وأحيانا نمط عيش متحرر (وأحيانا العكس، يرجع أكثر انغلاقا).. ثمّة مبالغات كبيرة بخصوص حجم التأثير الثقافي للابتعاث على فكر الأفراد.

المصادر

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار