اغلاق
آخر تحديث: 2018/8/5 الساعة 18:33 (مكة المكرمة) الموافق 1439/11/24 هـ

انضم إلينا
إلى حضن العسكر.. قصة الدبابة التي جاءت بعمران خان

إلى حضن العسكر.. قصة الدبابة التي جاءت بعمران خان

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض

"الموت للكائنات الفضائية"، يبدو ذلك الهتاف قادما من تظاهرة سياسية متخيلة لأحد أفلام الفانتازيا من الدرجة الثالثة، حيث يغزو الفضائيون الأرض ويحكمونها فيخرج البشر محتجين للمطالبة بحقوقهم السياسية على كوكبهم، لكن المثير للاستغراب حقا أن يصدر الهتاف نفسه(1) عن مئات من مؤيدي السياسي الباكستاني "حنيف عباسي"، الذين احتشدوا خارج قاعة المحكمة في العاصمة الباكستانية إسلام أباد لاستقباله، أثناء خروجه محاطا بفرقة كوماندوز عسكرية دفعته سريعا داخل إحدى ناقلات الجند المدرعة، في مشهد بدا وأنه صمم بعناية ليحمل أكبر قدر ممكن من الإهانة.

  

كان هناك الكثير مما يدعو للريبة في ذلك المشهد حتى مع غض النظر عن هتافات الباكستانيين عن الفضائيين، فمن الواضح أن "عباسي" يتمتع بشعبية كبيرة أهلته للفوز بفترتي عضوية امتدتا إحدى عشر عاما كاملة في الجمعية الوطنية (البرلمان الباكستاني) عن دائرة "روالبندي" المرموقة في مقاطعة البنجاب الشمالية، قبل أن يُهزم بشكل مفاجئ في انتخابات عام 2013، وكان "عباسي" عازما على ما يبدو على انتزاع مقعده البرلماني من جديد في انتخابات العام الحالي، لكن الأقدار كانت تخبئ له ما لم يكن يتوقعه، فقبل أيام قليلة من الاقتراع قامت(2) المحاكم الباكستانية بتحريك قضية يعود تاريخها لـ 6 أعوام اتُهم خلالها عباسي بتزويد أحد مهربي المخدرات بعقار "إيفدرين"، وفي غضون أيام قليلة كانت الإجراءات القضائية قد انقضت ليتلقى "عباسي" حكما قاسيا ومفاجئا بالسجن مدى الحياة.

  

بالنسبة لمؤيدي "عباسي"، وللعديد من الباكستانيين على وجه الدقة، لم يكتب الحكم فقط نهاية درامية للحياة السياسية والشخصية لسياسي مخضرم، ولكنه كان الحلقة الأحدث ضمن مؤامرة(3) متقنة لتصفية شعبية الحزب السياسي الذي ينتمي إليه "حزب الرابطة الإسلامية"، بشكل كامل، مؤامرة لم ينج منها رئيس الوزراء الأسبق "نواز شريف" الذي عزله القضاء من منصبه قبل عام وحكم عليه بالسجن لعشرة أعوام قبل أيام أيضا، في إطار خطة للتلاعب بنتائج الانتخابات الوشيكة تم تدبيرها من قبل «الفضائيين»، وهي إشارة يفهمها الباكستانيون جيدا وتعني في قواميسهم وكالات المخابرات النافذة والجيش في البلاد، إشارة انضمت لقائمة مفردات لغة سياسية شعبية خاصة تستخدم في معظمها للدلالة على الجيش، وتشمل مفردات أخرى لا تقل غرابة مثل الملائكة، الأولاد، الأحذية الطويلة، الكاكيون، النحاسيون، أو ببساطة مجرد الإشارة المبهمة بالضمير "هم".

  

السياسي الباكستاني "حنيف عباسي"  (رويترز)

     

طور الباكستانيون تلك اللغة الخاصة فيما يبدو كوسيلة ليقوا أنفسهم مؤونة أحاديث طويلة قد تكون عواقبها مكلفة، فحين يُختطف الصحفيون أو تظهر الصحف بمساحات فارغة على صفحاتها الافتتاحية، أو يتم إجبار السياسيين على التنحي أو تغيير ولاءاتهم من حزب لآخر، وحين يتوقف بث القنوات التلفازية بشكل غامض، غالبا ما يكتفي الجميع بالقول بأنهم تعرضوا لزيارة من قبل "الفضائيين"، بل إن تلك العبارة المقتضبة نفسها ربما تكون زائدة في الكثير من الأحيان، حيث يتم استبدالها بابتسامة خافتة مع إشارة سريعة للكتف.

  

لم تكن(4) سيطرة العسكريين على السياسة في باكستان أمرا طارئا أو غير مألوف في أي وقت، فعلى مدار سبعين عاما، هي كامل عمر البلاد منذ أن حصلت على استقلالها عن الهند البريطانية عام 1947، حكم الجيش باكستان بشكل مباشر نصف تلك المدة (33 عاما) تقريبا، وتحكم في سياساتها من وراء الأستار خلال النصف الآخر، وظلت العلاقات المضطربة بين المدنيين والعسكريين هي المحرك الأول للأحداث في باكستان على مدار تاريخها، حتى في تلك الفترات التي تمتعت فيها البلاد بغلاف رقيق من الديمقراطية الهشة والحكم المدني منزوع الدسم.

 

ولكن هناك قدرا من الإجماع تشكل في باكستان يؤمن بأن الانتخابات العامة التي أجريت مؤخرا تجاوزت حتى القدر المقبول من التدخل وصولا لعملية هندسة كاملة لمحاكاة انتخابية أِشرف عليها الجيش والأجهزة الأمنية بهدف تصعيد وجه مدني جديد للسياسة الباكستانية، حيث بدا من اللحظة الأولى أن "عمران خان"، لاعب الكريكت السابق ذي الشعبية الواسعة والذي انتقل إلى السياسة قبل 20 عاما، كان هو الواجهة المختارة للجيش، وقد نجحت خطة الكاكيّون بالفعل بعد أن أظهرت النتائج الرسمية فوز حزب "تحريك إنصاف" بـ115 مقعدا من أصل 272 مقعدا برلمانيا، ليضمن لاعب الكريكت مقعد رئيس الوزراء، مثبتا من جديد المقولة التقليدية حول باكستان كـ «جيش له دولة»، بعد أن برهن العسكريون عن استعدادهم لفعل أي شيء للتشبث بالسلطة حتى وإن تطلب ذلك أن يلعبوا الكريكت مع خان في نهاية المطاف.

 

دولة الجيش
محمد أيوب خان (يمين) وإسكندر ميرزا (مواقع التواصل)

  

بدأت باكستان تاريخها مع الحكم العسكري في وقت مبكر من نشأتها الحديثة، وكان عقدا واحدا من الزمن أكثر من كاف(5) لينفذ صبر العسكريين على الحكم المدني ويشرعوا في تنفيذ انقلابهم الأول عام 1958، حين قام الجنرال المتقاعد "إسكندر ميرزا" بالسيطرة على البلاد مطيحا برئيس الوزراء "فيروز خان"، ومعينا صديقه المقرب "أيوب خان" كرئيس لأركان الجيش، ولكن "أيوب خان" قام لاحقا بالإطاحة بـ "ميرزا" من منصبه مرتميا في أحضان واشنطن ومنضما لحلف بغداد الذي أسسته الولايات المتحدة لمواجهة النفوذ الشيوعي.

  

حاول "أيوب خان" بناء دولته على أسس جديدة متمردا على إرث سالفيه، فأصدر دستورا غير بمقتضاه اسم الدولة من "باكستان الإسلامية" إلى "الجمهورية الباكستانية"، وحول البلاد إلى النظام الرئاسي، وجمع لنفسه بين منصبي الرئيس ورئيس أركان الجيش، قبل أن تندلع في عهده الحرب بين باكستان والهند عام 1967 بسبب "كشمير"، الأمر الذي دفعه للاستقالة في النهاية عام 1969 ليسلم السلطة إلى الجنرال "أغا محمد يحيي" الذي عانت البلاد مع حكمه مزيدا من الفوضى انتهت بانفصال بنغلاديش عن باكستان ونشوب حرب جديدة مع الهند، ظروف اضطرت الجنرالات للتنحي جانبا وتسليم واجهة القيادة من جديد للحكم المدني.

  

خلال تلك الفترة كان نجم "ذو الفقار علي بوتو" آخذا في الصعود بعد أن أسس حزب الشعب الباكستاني عام 1967 داعيا(6) لقيام نظام «ديمقراطي اشتراكي يحافظ على الهوية الإسلامية»، لتؤول الرئاسة إليه أعقاب استقالة "أغا يحيى"، قبل أن يقوم بإصدار دستور جديد حوّل البلاد إلى النظام البرلماني ليتولى منصب رئيس الوزراء، ولكن العسكريين سرعان ما استشعروا الخطر مجددا، فقام الجنرال "ضياء الحق" باستغلال بعض الاضطرابات السياسية الداخلية وقام بالإطاحة بـ "بوتو" في انقلاب عسكري جديد، ثم أخضعه لمحاكمة سياسية انتهت لإعدامه عام 1979.

   

محمد ضياء الحق (الجزيرة)

 

استقرت سلطة "ضياء الحق" نسبيا بفعل التأييد الذي حظي به مجددا من الغرب وخاصة الولايات المتحدة التي حولت باكستان كقاعدة لدعم مقاومة المجاهدين الأفغان ضد السوفييت، وخلال تلك الفترة تعززت الروابط بين الجيش الباكستاني وبين المجموعات الإسلامية المسلحة في باكستان وأفغانستان، روابط استغلها الجيش بنجاح في ألعاب السلطة في وقت لاحق، وقد استمر حكم ضياء الحق لباكستان 11 عاما كاملة لم ينهها سوى تفجير استهدف طائرته عام 1988 ليعود الحكم للمدنيين مجددا.

  

آلت السلطة من جديد إلى عائلة "بوتو"، وكان المقعد هذه المرة من نصيب "بينظير بوتو"، ابنة ذو الفقار، التي أصبحت أول امرأة تتولى منصب رئيس الوزراء في بلد مسلم، وعلى مدار الأعوام الأحد عشر التالية، تداولت "بوتو" ومنافسها السياسي من حزب الرابطة الإسلامية "نواز شريف" السلطة، في منافسة محتدمة لم تخل خلالها البلاد من الحوادث الأمنية والطائفية والاتهامات المتبادلة بالفساد التي مهدت لتدخل الجيش(7) مجددا هذه المرة على يد الجنرال "برويز مشرف"، الذي اختار الرد على قرار رئيس الوزراء "نواز شريف" بإقالته من منصبه على خلفية دوره في حرب "كارغيل" مع الهند بانقلاب عسكري جديد دفع بموجبه شريف لمنفى إجباري في الرياض منذ عام 1999 وحتى عام 2007.

 

ومن جديد، عزز "مشرف" أُسس حكمه العسكري جامعا بين الرئاسة السياسية والعسكرية، ومستفيدا من الدعم الأمريكي هذه المرة بعد أن فتح أجوائه للقوات الأمريكية لمهاجمة حركة طالبان الأفغانية في أعقاب أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، ولكن دور باكستان في الحرب الأمريكية تسبب في توتر العلاقات بين الجيش والإسلاميين واندلاع مواجهات مسلحة في البلاد، اضطرابات دفعت مشرف للاستقالة من منصبه عام 2008 لتعود البلاد مجددا للحكم المدني.

   

 قام محمد علي جناح بسحب السلطة من المقاطعات نحو "إسلام أباد"، وكرس موارد البلاد الشحيحة للدفاع مانحا المزيد من السلطة للجيش

ناشطون
   

في ضوء هذا التاريخ الطويل من الهيمنة العسكرية على الحكم، لا يمكن اعتبار  سلطة الجيش السياسية في باكستان أمرا طارئا، فهناك الكثير من العوامل التي أسست(8) لهيمنة الجيش على الحكم والسياسة في باكستان ما بعد الاستقلال، ففي حين ورثت البلاد بأكملها 17% فقط من عائدات الهند الاستعمارية، فإنها ورثت أكثر من ثلث جيشها الذي حظي بميزة أولية في الحكومة الجديدة، ميزة تعززت لاحقا حين تأخرت "كشمير" ذات الأغلبية المسلمة في البت حول انضمامها للهند أو باكستان لتغزوها الميليشيات القبلية الباكستانية بمساعدة جنود الجيش، وهو ما دفع المهراجا الحاكم لـ "كشمير" للانضمام للهند لحمايته من القوات الباكستانية رافضا إجراء استفتاء، استجابةً لرغبة مسلمي الولاية، ما أدى لزرع بذور شقاق دائم بين الهند وباكستان لا يزال يحكم سياسة البلدين إلى اليوم.

  

أسهمت هذه الخلفية في تعميق معتقدين رئيسين شكلا طريقة التطور السياسي في باكستان، أولهما اعتبار الهند تهديدا وجوديا، وثانيهما أن الجيش يجب أن يكون الوصي على البلاد في مواجهة هذا التهديد، وهي اعتقادات همشت تاريخيا قضايا الديمقراطية والتنمية الاقتصادية لصالح البناء العسكري، وأمالت ميزان القوى بعيدا عن الحكم المدني.

 

إضافة إلى ذلك، فإن مؤسس البلاد "محمد علي جناح"، وفي إطار سعيه لإقامة حكومة مركزية قوية، قام بسحب السلطة من المقاطعات نحو "إسلام أباد"، وكرس موارد البلاد الشحيحة للدفاع مانحا المزيد من السلطة للجيش، ولكن تلك السلطة تعززت بشكل كبير حين بدأت الولايات المتحدة في تحويل المساعدات العسكرية إلى البلاد من أجل تحقيق أهدافها في الحرب الباردة. وبخلاف ذلك، فإن الجيش الموحد لعب دورا تاريخيا في تشكيل هوية متماسكة للبلد الجديد الذي يتألف من مجموعات عرقية متباينة مثل البشتون والسند والبنجال والبوش والبنغال، حيث كان الجنرالات متخوفين منذ البداية أن نظام ديمقراطي تمثلي سوف يعزز صوت الأعراق ويضعف من السلطة المركزية اللازمة لبناء الأمة الوليدة. ورغم أن باكستان فقدت الجزء الأكبر من شرقها، بنغلاديش، أثناء إحدى حقب الحكم العسكري، فإن استقلال بنغلاديش بدعم من الهند عزز التصور السائد بأن الهند والنزعات العرقية يمثلان التهديد الأكبر للسيادة الوطنية.

  


 

بالتزامن مع ذلك، طور الجيش إمبراطورية اقتصادية خاصة استخدمت لحماية نفوذه السياسي، وتشير التقديرات لأن الجيش الباكستاني يهيمن على أكثر من ثلث اقتصاد البلاد، وذلك عبر إدارته(9) لأكثر من 50 كيانا تجاريا بقيمة إجمالية تتجاوز 20 مليار دولار، يسيطر من خلالها على جميع الصناعات الثقيلة وسائر الأنشطة الأخرى التي تتنوع بين مضخات البنزين للمصارف والمخابز والمدارس والجامعات، ومصانع الملابس ومزارع تربية الخيول، ومصانع الأسمنت والأسمدة وصناعات الشحن، والاستثمار العقاري الذي يمثل جوهرة تاج الاقتصاد العسكري بحكم سيطرة الجيش على 12 مليون فدان من الأراضي العامة، وقد استخدمت الإمبراطورية الاقتصادية للجيش كقناة لتعزيز مصالح الضباط السابقين والحاليين وتمويل شراء الولاءات بشكل دائم.

  

استخدم الجيش الباكستاني لتبرير دوره الاقتصادي نفس المنطق الشائع الذي روجه لتبرير تدخله السياسي، وهو أن السياسيين فاسدين، لكن الجيش ليس فاسدا. إلا أن التحكم المبالغ فيه للجيش تسبب في إجهاض التطور السياسي للبلاد في مراحل مبكرة، حيث فشل نظام الأحزاب الباكستاني في ترسيخ جذوره، وتآكلت الديمقراطية الهشة تاركة فراغات مستمرة في السلطة استغلها الجنرالات دوما للتدخل في السياسة بشكل مباشر أو غير، غير أن الفترات الطويلة التي قضاها الجيش في الحكم المباشر تسببت في تلطيخ صورته، خاصة أثناء الولاية المثيرة للجدل للجنرال برويز مشرف التي استمرت لتسعة أعوام، وقد أسهم قرار مشرف نفسه في وقت مبكر من ولايته بتحرير الإعلام لظهور العديد من القنوات والصحف الخاصة التي قدمت تغطية إعلامية سلبية لنفوذ الجنرالات، كما زاد ظهور الإنترنت وأجهزة الاتصال رخيصة الثمن من الصعوبات التي يواجهها الجنرالات الطامحون في التحكم في الروايات الإعلامية والشعبية السائدة.

 

الديمقراطية الهشة

مع اقتراب فترة حكم "برويز مشرف" من نهايتها، أصبح الجيش الباكستاني أكثر حساسية تجاه الرأي العام، وكان ذلك واضحا في واقعتين رئيستين، أولهما المواجهة التي نشبت بين مشرف ورئيس المحكمة العليا آنذاك "افتخار محمد شودري" إثر رفض الأخير التوقيع على مرسوم الطوارئ وتعليق العمل بالدستور الذي أصدره مشرف عام 2007، ما اضطر الجنرال لإقالته محفزا تظاهرات ضخمة ضده اضطرت الحكومة معها لإعادة القاضي لمنصبه، وثانيهما حين تحرك البرلمان في عام 2008 لإقالة مشرف، من وجد نفسه مجبرا على الاستماع لنصيحة أركانه "أِشرف كياني" وقادة فرق الجيش بالاستقالة بدلا من إقالة الحكومة والإقدام على المواجهة الشعبية.

   

برويز مشرف (رويترز)

 

كان "كياني"، على عكس سالفيه، قد بدأ يستشعر أزمة الشعبية الوشيكة التي يعانيها الجيش بفعل انخراطه المباشر والمثير للجدل في تفاصيل الحياة السياسية، لذا فإنه سعى(10) إلى دور أقل بروزا للجيش، فقام بإغلاق وحدة العمل السياسي في جهاز الاستخبارات الداخلية، وقلص عدد الضباط في المناصب الحكومية وسحب الجيش من أعمال الخدمة المدنية. كانت تحركات "كياني" تهدف لتحسين سمعة الجيش والسماح للحكومة بمعالجة التحديات الاقتصادية في البلاد، وهو ما سمح لرئيس الوزراء "آصف علي زرادري" باستكمال فترته السياسية لخمسة أعوام، ليصبح بذلك أول رئيس وزراء مدني في تاريخ البلاد يستكمل مدة حكمه كاملة، قبل أن ينقل السلطة إلى العائد من جديد "نواز شريف" عام 2013.

 

يعد شريف مثالا كلاسيكيا(11) للسياسيين الباكستانيين التقليديين، فهو سياسي مؤسسي متدين ينتمي لأحد الأعراق الرئيسية في البلاد وهم البنجاب، كما أنه صديق لرجال الأعمال ولديه تاريخ من التوافق مع الجيش بشكل ما، ولكن ذلك كله لم يشفع له في مواجهة الأمواج الهادرة للسياسة الباكستانية التي أجبرت "شريف" للتخلي عن السلطة مرتين بسبب التدخل العسكري، أولهما عام 1993 أثناء ولايته الأولى حين قام الرئيس المدعوم من الجيش "غلام إسحاق خان" باستخدام الصلاحية الدستورية التي أدخلها ضياء الحق بالسماح للرئيس بإقالة البرلمان والحكومة، أما المرة الثانية عام 1999 حين تدخل الجيش بشكل مباشر لدعم برويز مشرف في الانقلاب على شريف.

  

ولد ذلك التاريخ قدرا من المرارة في علاقة نواز شريف مع العسكريين، ورغم أن التعديلات الدستورية التي أقرت عام 2010 في عهد زرادي سحبت من الرئيس السلطة التاريخية لإقالة الحكومة، وهو باب طالما استخدمه الجيش للإطاحة بالحكومات المنتخبة، فإن الجيش طور طرقا بديلة للتدخلات السياسية وتقويض الحكم المدني، بما في ذلك الاحتجاجات الجماهيرية التي رعاها، والتعاون مع المحكمة العليا الباكستانية ذات التاريخ الطويل من التواطؤ مع العسكريين.

  

 

ورغم ذلك فإن شريف فاجأ الجميع، بما في ذلك الجيش نفسه، حين حصل حزب "رابطة مسلمي باكستان" على أغلبية مكنته من تشكيل الحكومة منفردا في عام 2013، رغم أن شريف صمم حملته الانتخابية على سياسات كانت في جوهرها متعارضة مع الأسس الراسخة للسياسات العسكرية، متعهدا بقبول أفغانستان كدولة جارة بدلا من إجبارها على الخضوع، وبتطبيع العلاقات مع الهند وتوفير مناخ عادل للأعمال، وبمحاكمة الجنرال "برويز مشرف" على انقلابه السابق، والأهم زيادة سيطرة المدنيين على الجيش، سياسات كانت كافية بجلب غضب العسكريين الذين عزموا على إفشال حكمه منذ اللحظة الأولى لتوليه منصبه.

  

في البداية، قام الجيش بتحريك احتجاجات جماهيرية كبرى قادها "عمران خان" زعيم حزب "تحريك إنصاف" الذي كان بدأ للتو بفرض نفسه على المشهد السياسي، مطالبا الجيش بالتدخل لإقالة حكومة "شريف" بدعوى «تزوير الانتخابات»، تزامنا مع تغطيات إعلامية اتهمت رئيس الوزراء بالفساد، وهي ضغوط دفعت "شريف" للتراجع نسبيا عن بعض سياساته الأكثر حدة، والموافقة على تفويض صلاحيات واسعة للجيش في مجالات السياسة الخارجية والأمن القومي.

 

ولكن شريف لم يقرر إلقاء أسلحته ورفع الراية البيضاء مبكرًا، واستمر في خطته الناعمة لترويض الجيش عبر تغيير قيادته، واضعا الجنرال "رحيل شريف" في منصب رئيس الأركان مستندا للسمعة السائدة حول نفور الجنرال التقليدي من العمل السياسي، لكن "رحيل شريف" على ما يبدو لم يكن(12) على ذلك القدر من النفور التقليدي الذي كان رئيس الوزراء يأمله، فمنذ توليه مهام منصبه في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2013، حرص قائد الجيش الجديد على إظهار القوة السياسية للمؤسسة العسكرية من خلال زيارات مكوكية لواشنطن وكابول لعب خلالها دور وزير خارجية غير رسمي لبلاده، منتزعا السيطرة على السياسة الخارجية من المدنيين مستندًا لاحتجاجات عام 2014 والموقف المهتز لرئيس الوزراء، ليتحول خلال فترة قصيرة إلى أكثر الشخصيات شعبية في باكستان، شعبية يمكن إرجاعها جزئيا إلى الاتجاه المستحدث للجيش للترويج لنفسه بقوة عبر الهيمنة على وسائل الإعلام الاجتماعية، لكنها لا تخلو أيضا من نجاحات حقيقية لحملة «مكافحة الإرهاب»، المعروفة باسم العملية «زرب العزب»، التي أطلقها رئيس الأركان نفسه عام 2014.

 

تم تفسير تقاعد "رحيل شريف" على نطاق واسع أنه أحد الانتصارات الصغيرة للحكم المدني في باكستان

رويترز
 

فخلال السنوات التالية لتدشين الحملة، انخفضت الوفيات المرتبطة بالعنف المسلح بنسبة تقارب 40%، لكن الإنجاز الأكبر الذي أسهم في تعزيز شعبية "رحيل شريف" كان وفاؤه بالتعهد الذي قطعه بالتخلي عن منصبه في نهاية ولايته، في سابقة لم تتكرر منذ 20 عاما بتقاعد رئيس الأركان من منصبه بعد مدة ولاية واحدة، رغم أن شريف كان بإمكانه استخدام النزاع في كشمير من أجل تمديد ولايته.

  

تم تفسير تقاعد "رحيل شريف" على نطاق واسع أنه أحد الانتصارات الصغيرة للحكم المدني في باكستان، وخاصة مع اختيار الجنرال "قمر غاويد باجو"، قائد الفيلق العاشر للجيش الباكستاني الذي يدافع عن خط السيطرة في كشمير، لخلافة الجنرال الشعبي، وهي ترقية تجاوزت بعض الضباط الأقدم سنا مثل "زبير حياة" قائد هيئة الأركان المشتركة، ولكن الأشهر القادمة ستثبت من جديد لـ "شريف" ولغيره الحقيقة الجغرافية التي غفلوا عنها للحظة، وهي أن المسافة بين مقر الجيش في روالبندي وبين مقرات الحكومة في إسلام أباد كانت دوما أقرب من المسافة السياسية التي سيكون الجيش مضطرا لقطعها من أجل العودة بشكل دائم لثكناته كما أمل السياسيون الطامحون في البلاد، ليصابوا بخيبة أمل كبيرة مرة تلو مرة، ولم تكن المرة الحالية لتختلف بحال.

  

الانقلاب الناعم
في الثامن والعشرين من (يوليو/ تموز) عام 2017 كان "نواز شريف" على موعد مع الصفعة الثالثة، والأكثر إهانة في حياته السياسية على الأرجح، حين وجد نفسه مضطرا لمغادرة منصبه قبل إكمال فترته للمرة الثالثة، هذه المرة ليس بسبب انقلاب عسكري مباشر، ولكن بفعل تدخل ناعم(13) للمؤسسات غير المنتخبة في الحياة السياسية، وجاء التدخل هذه المرة من قبل المحكمة العليا. كان الأساس القانوني لذلك التدخل قد تم إرساؤه في الثمانينات إبان حكم ضياء الحق، الذي قام، كجزء من عملية «الأسلمة» التي صبغ بها حكمه، بإدخال فقرة في الدستور تشترط أن يكون جميع المشرعين (أعضاء البرلمان) أمناء ومستقيمين، وأوكلت مهمة البت في أمانتهم واستقامتهم للمحكمة العليا، التي وجد قضاتها العام الماضي أن رئيس الوزراء والسياسي المدني الأكثر شعبية في البلاد، والذي كان على وشك إعادة انتخابه لفترة رابعة، هو الشخص الوحيد في تاريخ البلاد الذي يستحق الإقصاء من الحياة السياسية وفق هذا البند.

  

كانت المحكمة تتولى سلطة التحقيق في قضية فساد مزعومة ضد "نواز شريف"، تفجرت أعقاب الكشف عن "وثائق بنما" الشهيرة عام 2016، بطلب من "عمران خان" نفسه، لتعلن المحكمة بشكل مفاجئ أن رئيس الوزراء لا يتمتع بالأمانة والاستقامة اللازمتين، مما يعني عزله من منصبه وفقًا للمادة 62 من الدستور، ليعين حزبه صاحب الأغلبية البرلمانية آنذاك رئيس وزراء جديد مؤقت حتى موعد إجراء الانتخابات، قبل أن يفاجأ القضاء الجميع بحرمان "شريف" من الترشح للانتخابات، ليقرر رئيس الوزراء خوض الانتخابات بالوكالة عبر شقيقه ورئيس حزب الرابطة الإسلامية الجديد "شهباز شريف"، الذي خاض الانتخابات في مواجهة الجيش، أو على وجه الدقة مرشح الجيش "عمران خان" نفسه، ولكن الجيش كان قد مهد طريق عمران خان السياسي وحزبه "تحريك إنصاف" في نفس الوقت الذي كان يعمل فيه على تقويض حكم شريف.

  

عمران خان (رويترز)

 

في الحقيقة، لم يكن "عمران خان" في أي وقت شخصا مجهولا بالنسبة للباكستانيين مع كونه الرياضي الأبرز والأكثر شعبية في تاريخ البلاد، وصاحب أكبر إنجاز رياضي بعد قيادته باكستان للفوز بكأس العالم للكريكت عام 1992 للمرة الوحيدة في تاريخها، كما أن ملامحه الوسيمة ومغامراته النسائية المشتهرة جعلت منه لفترة طويلة بطلا لصحافة التابلويد في بريطانيا وأوروبا، ثم اعتزل (14) خان الكريكت عقب الفوز بكأس العالم، ونجح في تعزيز شعبيته من خلال الانخراط في الأنشطة الاجتماعية، حيث أنشأ أول مستشفى للسرطان في البلاد قدمت العلاج المجاني للمحرومين، ورفض في وقت مبكر من حياته الانخراط في اللعبة السياسية التقليدية، رافعا شعار مكافحة الفساد ومتخذا مواقف بلاغية ضد الجيش متهما إياه ببيع دماء الباكستانيين مقابل الدولار في انتقاد واضح لعلاقته مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن بحلول عام 2013 كان "خان" قد تقبل أن تقدم مستقبله السياسي لخطوة أكبر يرتبط بحصوله على دعم الجيش.

  

ومع توتر علاقات الجيش مع السياسيين المدنيين من حزب "الرابطة الإسلامية" الذي تتزعمه عائلة "شريف"، وحزب "الشعب" الذي تديره عائلة بوتو من خلال "بيلاوال بوتو" نجل رئيسة الوزراء السابقة بينظير بوتو، تحول "عمران" خان لفرس الرهان الرابح للعسكريين، الذين فرشوا طريقه للسلطة عبر إجراءات قصرية على مدار عدة أشهر بدأت منذ اللحظة التي تمت فيها الإطاحة بـ "نواز".

  

فقبل أسبوع واحد من الانتخابات، سببت تصريحات القاضي رفيع المستوى في المحكمة العليا "شوكت عزيز صديقي" في هزة سياسية كبرى في البلاد بعد اعترافاته(15) بأن القضاة يخضعون في الوقت الراهن لضغوط هائلة من وكالات الاستخبارات الباكستانية لإصدار أحكام في قضايا بعينها، وأن اتصالات القضاة في البلاد تخضع لمراقبة شديدة تجعل حياتهم غير آمنة، لكن الاعتراف الأكثر إثارة في شهادة صديق كان تأكيده على تلقي القضاء تعليمات بأن "نواز شريف" وابنته ووريثته السياسية "مريم" يجب أن يبقيا قيد السجن حتى انتهاء الانتخابات.

  

نواز شريف وابنته مريم (رويترز)

 

كان "نواز شريف" قد اختار العودة إلى البلاد قبيل الانتخابات، بعد زيارة لزوجته المريضة في لندن، لتقديم الدعم بحزبه في الانتخابات المزمعة، حيث قوبل باستقبال حافل في المطار يبدو أنه أزعج العسكريين بشدة ما دفعهم للضغط على المحكمة لاستصدار قرار باعتقاله إثر تهم الفساد الموجهة إليه وإلى أبنائه، وإثر ذلك حكم عليه بالسجن لعشر سنوات وعلى ابنته مريم بالسجن لسبع سنوات قبيل أيام من الانتخابات، ولكن محاصرة شريف وأسرته وإقصاء المنافسين الانتخابيين لـ "خان" لم تكن أداة الجيش الوحيدة لتشكيل المشهد السياسي قبيل الانتخابات التي أجريت في الأيام القليلة الماضية.

 

عمل(16) الجيش دون كلل لتحسين فرص "خان" السياسية، وساعدت المخابرات في تمويل مسيراته في جميع أنحاء البلاد، وتدخل الجيش للضغط على السياسيين ذوي الشعبية في الأحزاب الأخرى بالانشقاق عن أحزابهم والانضمام إلى حزبه، وتم تلفيق قضايا لبعض المرشحين عن حزب شريف وإقصاؤهم من الانتخابات، وتعرض مناصريهم للاعتقال التعسفي والاختفاء القسري، ومورست ضغوط(17) على أكبر المؤسسات الإعلامية في البلاد، مؤسسة "داون"، لتغيير تغطياتها الإعلامية، ومنعت صحفها من الوصول للأسواق، وتم قطع بث أكبر شبكة فضائية في البلاد، المعروفة باسم "جيو نيتوورك"، بسبب تقديمها تغطية منحازة لحزب شريف، ولم يتم إعادة البث سوى بعد الوصول لتسوية مع الشبكة لتغيير اتجاه تغطيتها بما يلائم توجه الجيش.

  

وفي أكثر التحركات غير المسبوقة والمخيفة أمنيًا إن جاز القول، سهل الجيش صعود ثلاثة أحزاب سياسية لها علاقات مع جماعات مسلحة طالما اتهمت بالإرهاب في باكستان، وعلى رأسها الجناح السياسي لجماعة "عسكر طيبة" المتهمة بارتكاب هجوم تشرين الثاني / نوفمبر 2008 في مومباي الهندية، وجماعة "أهل السنة والجماعة" التي تتمتع بعلاقة وثيقة مع تنظيم الدولة الإسلامية المعروف بـ «داعش»، إَضافة إلى جماعة "تحريك لبيك" المعروفة بمعاداتها للأقليات الدينية، وقدمت هذه الجماعات مرشحيها بالمئات في محاولة لاجتذاب أصوات المحافظين والمتدينين بعيدا عن حزب شريف، وفي الختام، قام الجيش والمخابرات بتكديس حزب "عمران خان" بمجموعة من السياسيين من غير ذوي الميول الأيديولوجية والمعروفين بقدرتهم على استخدام النفوذ والأموال لكسب الأصوات، وللمفارقة فإن معظم هؤلاء السياسيين كانوا ولا يزالون رموزا شهيرة للطبقات السياسية الفاسدة التي بنى خان صعوده السياسي بالأساس على مهاجمتها.

   

الجيش يلعب الكريكت



ويبدو أن اللعبة "القذرة" للعسكريين آتت أكلها في نهاية المطاف، حيث انخفضت أسهم شريف وحزبه بشكل درامي خلال الأيام الأخيرة للانتخابات رغم تصدره(18) لاستطلاعات الرأي حتى قبيل أسابيع قليلة من إجراء الانتخابات، ونجح "عمران خان" وحزبه في حصد أكثرية أعضاء المجلس الوطني بحصة 115 مقعدا من إجمالي 272 مقعدا تجري عليها الانتخابات بخلاف مقاعد النساء والأقليات، مقابل 64 مقعدا فقط لحزب الرابطة الإسلامية، و43 مقعدا لحزب الشعب، ورغم اتهامات المعارضة بالتزوير، بدا واضحا أن النتائج حُسمت بما يعني أن لاعب الكريكت السابق سوف يصبح أخيرا السياسي الأول في باكستان، دون(19) حتى الحاجة للتحالف مع أي من الحزبين الكبيرين المنافسين، حيث يحتاج خان لـ 22 مقعدا فقط للوصول للأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة.

 

ويبقى التساؤل الرئيس في هذا المنعطف متعلقا بالتركيبة الدقيقة لتحالفه الذي من المؤكد أنه سيتعمد على الجماعات اليمينية الواقعة في أقصى يمين الطيف السياسي التي دفع بها الجيش للمعترك السياسي، ويبدو هذا التحالف متوافقا بشكل مبدئي مع توجهات خان مؤخرا والتي أظهرت دعما كبيرا لحركة طالبان الأفغانية، وتشددا ملحوظا في الخطاب ضد الهند بالمقارنة مع التوجه التوافقي لسلفه، وهي سياسات مطابقة تماما(20) لما يريده الجيش الذي سيبقى متحكما في تحديد مسار علاقات البلاد الخارجية، من أفغانستان والهند والصين إلى المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية.

  

يعني ذلك أن الباكستانيين الذين ابتهجوا بانتخاب "خان"، بوصفه وجها داعيا للتغيير وحالة من التمرد ضد فساد المؤسسات السياسية التقليدية كما يعتقدون، سيصابون بخيبة أمل في وقت قريب على ما يبدو، حين يكتشفون أن صعود لاعب الكريكت كان على الأرجح أكبر انتكاسة يمكن أن تتعرض لها ديمقراطيتهم الهشة، مع قرار الجيش بالتحول من مقعد الملك إلى مقعد صانع الملوك، لتبقى الحقيقة القاسية التي تطل برأسها أن "عمران خان" لم يترك الكريكت بعد، ولكن الجيش هو من قرر تحويل البلاد إلى ساحة كريكت كبيرة يتحكم فيها باللاعبين والحكام والجمهور أجمعين.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار