انضم إلينا
اغلاق
أزمة الديمقراطية الأميركية.. لماذا لا يمكن عزل دونالد ترامب؟

أزمة الديمقراطية الأميركية.. لماذا لا يمكن عزل دونالد ترامب؟

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

  

لا يمكن مقاومة إغراء المقارنة بين ريتشارد نيكسون ودونالد ترمب بحال، فمع تكثف غبار المضاربات حول إمكانية عزل ترمب، يحب الأميركيون استدعاء ذكر ووتر جيت، الفضيحة السياسية التي أدت إلى واقعة الاستقالة الوحيدة لرئيس أميركي في التاريخ، والحقيقة أن هذا الإغراء يبدو متفهما -وربما مبررا- بشدة مع التشابه الأيقوني بين الحالتين: رئيس جمهوري غير شعبي متورط في فضيحة على وشك أن تعصف بحياته السياسية يمارس عمله متخبطا في محيط من الخصوم المتربصين، ويبقى العنصر الأكثر إغراء للمقارنة هو أن الاختراق المزعوم لخوادم اللجنة الوطنية الديمقراطية عام 2016 يمكن اعتباره بسهولة النسخة الأكثر حداثة من أجهزة نيكسون المموهة التي تم زرعها للتنصت على الديمقراطيين في مبنى ووتر جيت قبل أكثر من أربعة عقود.

   

غير أن واقعة أخرى في التاريخ الأميركي أقرب شبها إلى أزمة ترمب لم تحظ بذات القدر من الصيت، ربما لافتقارها لفانتازيا الأجهزة المموهة والأشرطة اللاصقة والتسجيلات المحذوفة، ودراما الاستقالة العاطفية على الهواء في نهاية المطاف، وربما لأن الإيغال في القدم بشدة ليس مغريا بطبعه في عالم الحداثة، المولع بصبغ الأحداث بأكبر قدر ممكن من الجنون والملحمية.

   

فقبل 150 عاما، كان الرئيس الأميركي الجمهوري ذائع الصيت أبراهام لينكولن قد فاز للتو بفترة رئاسية ثانية مختارا وضع أندرو جونسون، الديمقراطي المنتمي إلى الجنوب في مقعد نائب الرئيس بغية التخفيف من حدة التوتر بين الشماليين والجنوبيين في أعقاب الحرب الأهلية، ولكن لينكولن تم اغتياله خلال الأسابيع الأولى لولايته الثانية وسرعان ما أظهر جونسون وجهه القبيح وأفكاره العنصرية المعادية للسود وطباعه المتوترة ونرجسيته الشديدة التي جعلته ضيفا دائما على قوائم (1) أسوأ الرؤساء في تاريخ الولايات المتحدة، وقبل ذلك كانت كافية لوضع الرئيس الجديد في مواجهة حامية مع الكونغرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون.

   

كان الهدوء قد بدأ يتسلل بحذر إلى واشنطن آنذاك بعد حرب أهلية طاحنة، وكان آخر شيء تحتاج إليه أميركا هو رئيس ينكأ بقوة جراحها حديثة العهد في الوقت الذي لا تزال تتلمس فيها أجوبة حول العديد من الأسئلة الحرجة التي خلفتها الحرب مثل واجب الدولة تجاه الملايين من العبيد المحررين ومصير القادة الكونفدراليين في المقاطعات الانفصالية وسبل مواجهة فظائع العنف العنصري التي تشهدها الولايات الجنوبية، وقبل ذلك مستقبل الديمقراطية الأميركية في ظل تلك الاضطرابات العصيبة.

      

    

كان جونسون، ربما، أسوأ خيار ممكن لقيادة البلاد في مثل هذه اللحظة المتوترة، ولكنه -كما المتوقع- كان لا يزال يحظى بتأييد الملايين من الديمقراطيين البيض الجنوبيين الذين شعروا بالارتباك والقلق حول مصيرهم في ظل الأفكار الثورية التي طرحها الجمهوريون الراديكاليون حول العدالة الاجتماعية ومساواة العبيد وإعادة تعريف العلاقات بين الأعراق، لذا فقد شن هؤلاء الديمقراطيون إحدى أكثر الحملات العنصرية في التاريخ الأميركي، وحشدوا خلف أندرو جونسون كرمز لنضالهم ضد التغيير.

    

تسببت (2) هذه الأحداث في دخول رئاسة جونسون في مسار تصادمي مبكر مع الكونغرس الذي لم يكن أقل عزما على خوض الصراع، وتكثفت الدراما السياسية حين تجاوز مجلس الشيوخ مرارا وتكرارا الفيتو الرئاسي لجونسون على العديد من القوانين وأهمها فرض حكم عسكري فيدرالي على ولايات الجنوب المضطربة ومنح الأفارقة الأميركيين في هذه الولايات الحق في التصويت، قبل أن يتصاعد الصراع مع إقرار الكونغرس لقانون مدة الخدمة الذي حظر على الرئيس تعيين وإقالة بعض المسؤولين دون أخذ موافقة الكونغرس.

  

لكن جونسون تمسك بعناده ونرجسيته كما هو متوقع وقرر تحدي (3) النواب بإقالة وزير الحرب إدوين ستانتون الذي عيّنه لينكولن، دافعا البرلمان لبدء أول عملية جدية لسحب الثقة من الرئيس في التاريخ الأميركي في مارس/آذار 1868، حيث صاغ مجلس النواب 11 مادة تستوجب اتهام الرئيس وتم التصويت على الاتهام بأغلبية ساحقة لـ126 صوتا للموافقة مقابل 47 صوتا للرفض ليؤول مصير جونسون إلى مجلس الشيوخ.

   

وعلى مدار عدة أسابيع، بدأ مجلس الشيوخ في إجراءات مساءلة الرئيس، وفق المادة الثانية من الدستور الأميركي التي تمنح الكونغرس صلاحية اتخاذ إجراءات العزل، وبينما كان الجميع تقريبا يتطلعون لسماع أنباء عزل جونسون، فاجأ تصويت مجلس الشيوخ الجميع حين فشل في تأمين أغلبية الثلثين اللازمة لإدانة الرئيس بفارق صوت واحد (35 صوتا للموافقة مقابل 19 صوتا للرفض)، وكان ذلك يعني بقاء الرئيس المثير للجدل في منصبه، على عكس ما كان يتوقعه معظم الناس آنذاك.

    

  

أثار تراجع الكونغرس عن إدانة جونسون جدلا كبيرا ليس خلال الأشهر التالية لحكمه فحسب، ولكن على مدار عقود تالية من التاريخ السياسي الأميركي، وفي النهاية كان الجميع مضطرين إلى الاستسلام للتفسير الأكثر قربا لسر التراجع، فمن ناحية، لم يكن يتبقى لجونسون في ولايته سوى بضعة أشهر قبيل الانتخابات الرئاسية التي كانت مضمونة للجمهوريين بشكل كبير، ومن ناحية أخرى فإن مجلس الشيوخ بدا مترددا في تقييم أثر الإطاحة بالرئيس على إمكانية تجدد الحرب الأهلية في مجتمع منقسم يعيش أزمة هوية حقيقية، وكذا تأثير سابقة الإطاحة بالرئيس على المستقبل البعيد للديمقراطية الأميركية المضطربة.

   

واليوم، هناك كثير من التشابهات بين أميركا جونسون وأميركا ترمب أكثر ربما مما يظن الجميع: فكلاهما رئيس غاضب مستاء من المؤسسة السياسية تدعمه أقلية سياسية كبرى مخلصة وتختلط دوافع اتهامه بين القانوني والسياسي ويحظى بالقدر الأكبر من سخط النخبة السياسية المهيمنة في البلاد، وللمفارقة فإن كليهما حكم مجتمعا يعيش لحظة من التجلي التاريخي للاستقطاب والانقسام والعصبية الحزبية والعنصرية، ورغم أن أميركا ترمب اليوم ليست على وشك السقوط في حرب أهلية صريحة كما كان في عهد جونسون، فإن مما لا يكاد يختلف عليه أحد أن حكم ترمب جاء في إحدى اللحظات التي يتزايد فيها التشكيك حول شكل ومستقبل الديمقراطية كما عرفتها واشنطن عبر تاريخها، وأن هذه الشكوك تتزايد (4) مع كل موجة جديدة من الجدل الذي لا يتوقف حكم رجل الأعمال العجوز عن إثارته يوما بعد يوم.

    

التحدي المستحيل

بالنسبة للآباء المؤسسين للدستور الأميركي، كان تقنين العزل أداة أخيرة للسيطرة على المسؤولين التنفيذيين حال خروجهم عن السيطرة، وكان السبب الرئيس لإدراج فكرة عزل الرؤساء من الأساس هو المخاوف من زحف الملكية الذي كان أحد الأسباب الرئيسية لقيام الثورة الأميركية، لذا فقد استعار الأميركيون أداة دستورية بريطانية استخدمت لمقاضاة كبار اللوردات والمسؤولين الذين كانوا خارج سلطة المحاكم القانونية وقاموا بتطويعها في السياق الأميركي إلى طريقة لعزل الرئيس المنتخب حال نشوء إجماع حقيقي حول خطورة حكمه من قِبل الكونغرس.

   

لكنّ الآباء الأميركيين كانوا حريصين (5) في الوقت نفسه على تمهيد الطريق لوجود سلطة تنفيذية قوية لا تجعل الرئيس وحكومنته رهينة لأهواء الكونغرس أو عرضة للتصويت المباشر بسحب الثقة كما في الأنظمة البرلمانية، لذا فإنهم وضعوا قيودا مشددة على سلطة العزل التي صارت خاضعة لقاعدة واضحة وهي أن الرئيس لا يمكن عزله إلا إذا ارتكب عن عمد مخالفة تضر بالمصالح الحيوية للبلاد أو بدأ بالتصرف كما الملوك بما يقوض نظامها الديمقراطي، لكن (6) حمق الرئيس أو اضطرابه النفسي أو تهوره أو سياساته الخاطئة أو الانخفاض الدرامي في شعبيته أو حتى ارتكاب جرائم شخصية تجعله عرضة لمواجهة الرأي العام أو العدالة الطبيعية فإنها كلها أمور لا تكفي لإبعاده عن منصبه.

        

    

ووفقا للدستور الأميركي فإن عزل الرئيس يتم عبر عدة مراحل، ففي البداية يجب أن يقدم أحد النواب في الكونغرس عريضة لاتهام الرئيس وسحب الثقة منه، ويتطلب تفعيل الإجراءات تمرير العريضة إلى اللجنة القضائية في مجلس النواب التي يمكن أن تختار التحقيق في الأمر بنفسها أو الاعتماد على نتائج التحقيقات القائمة لصياغة مواد الاتهام وتمريريها إلى المجلس مع توصية باتهام الرئيس وسحب الثقة من عدمه، وفي كلتا الحالتين فإن تلك التوصية ليست ملزمة للمجلس الذي يمتلك سلطة الموافقة أو رفض كل بند من بنود عريضة الاتهام بالأغلبية البسيطة (50%+1)، وفي حال وافق مجلس النواب على أحد البنود أو بعضها يتم الانتقال إلى المرحلة التالية من الإجراءات.

    

تدور المرحلة التالية من الإجراءات في مجلس الشيوخ، وغالبا ما تكون أشبه بمحاكمة حقيقية ولكنها ذات طابع سياسي. في هذه المحاكمة، يلعب مجلس النواب دور المدعي العام، حيث يُعين بعض نوابه كمدعين للدفاع عن سحب الثقة أمام مجلس الشيوخ في حين يتولى محامو الرئيس مهمة الدفاع عنه في جلسة يترأسها ويديرها رئيس المحكمة العليا ويتحول أعضاء مجلس الشيوخ أنفسهم إلى هيئة محلفين مخولة باتخاذ قرار التبرئة أو الإدانة، ومن أجل إضفاء المزيد من الحسم، يتطلب الأمر تصويت ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ لتوجيه الاتهام إلى الرئيس بشكل فعلي، وفي هذه الحالة يعتبر الرئيس مقالا من منصبه على أن يتولى نائبه المسؤولية حتى إجراء الانتخابات التالية.

    

ومن أجل تعقيد الأمر أكثر وأكثر فإن الدستور الأميركي حدد نوعين فقط من الجرائم المعروفة بوضوح التي تستدعي عزل الرئيس وهما الخيانة والرشوة، ولكنه أضاف فئة ثالثة تحت اسم "الجرائم والجنح ذات الأثر البالغ"، وهذه الفئة الأخيرة كانت موضوعا لنقاش كبير عبر تاريخ الولايات المتحدة وفتحت الباب لتسييس دعوات إقالة الرؤساء في خضم المنافسات الحزبية المحتدمة على مدار التاريخ الأميركي.

    

كان ذلك واضحا (7) خلال المحاولتين الجديتين الوحيدتين لسحب الثقة من الرئيس خلال القرن الأخير، وقعت المحاولة الأولى في السبعينيات في عهد نيكسون على خلفية قضية التجسس على مكالمات الحزب الديمقراطي في مبنى ووترجيت، وفي هذه المرة قامت اللجنة القضائية التابعة لمجلس النواب بمتابعة التحقيقات بنفسها حيث عقدت جلسات استماع واستمعت إلى شهادات الشهود ووافقت في نهاية المطاف على ثلاث مواد لسحب الثقة تم إرسالها إلى مجلس النواب، ولكن نيكسون سارع لتقديم استقالته قبل التصويت مستبقا عملية اتهامه ومستفيدا من فائدة الشك، ليتولى الرئاسة نائبه جيرالد فورد الذي سارع لتقديم عفو عام عن نيكسون قائلا إنه عانى بما فيه الكفاية.

        

رئيس الولايات المتحدة الأمريكية السابع والثلاثون، ريتشارد نيكسون

     

أما في حالة كلينتون، فقد قررت اللجنة القضائية عدم إجراء تحقيق خاص بها بانية إجراءاتها على الادعاءات المستقاة من تقرير (8) لجنة المستشار المستقل كينيث ستار، وكانت مهمة "ستار" الأصلية هي التحقيق في الصفقات العقارية التي أجراها كلينتون في أركنساس في السبعينيات فيما عُرف بفضيحة وايت ووتر، لكن مع مرور الوقت، توسعت تحقيقاته لتشمل مجموعة من الفضائح الأخرى التي مست إدارة كلينتون، بما في ذلك علاقاته النسائية وأبرزها علاقته مع متدربة البيت الأبيض "مونيكا لونيسكي".

    

أثارت علاقة كلينتون مع لوينسكي أزمة سياسية هزت الولايات المتحدة عام 1998، رغم أن كلينتون أنكر وجود تلك العلاقة في بداية المطاف، إنكار دفع الرئيس ثمنه لاحقا حين وجهت إليه اللجنة القضائية أربع تهم صوّت مجلس النواب بالموافقة على اثنتين منها هما الحنث باليمين وعرقلة سير العدالة ليؤول الأمر إلى مجلس الشيوخ، غير أنه، ومن الوهلة الأولى، كان من الواضح أن محاكمة كلينتون أمام مجلس الشيوخ لم تكن أكثر من مزحة كبيرة، حيث لم يستمع المجلس إلى أي شهود عيان، وكانت "المحاكمة" تتألف بالكامل تقريبا من خطابات لأعضاء النواب الذين عملوا كمدّعين ودفاع من محامي كلينتون على الطرف الآخر، في موجة من الإجراءات الكئيبة التي استمرت لخمسة أسابيع ولم تكن نتائجها موضع شك حيث تمت تبرئة كلينتون في كلتا التهمتين (بواقع 55-45 صوتا للتهمة الأولى و50-50 للتهمة الثانية) ولم يقترب خصوم كلينتون بحال من نسبة الثلثين (67 صوتا) اللازمة لعزل الرئيس.

    

تسلط الفوارق بين تجربتي نيكسون وكلينتون الضوء على الديناميات السياسية التي تُهيمن على عملية اتهام وعزل الرئيس في واشنطن، فرغم أن توجيه الاتهام الأولي قد يأتي ابتداء من خصوم الرئيس وحدهم، فإن المضي قُدما في الإجراءات يحتاج إلى حالة من التوافق العابر للحزبية على كون الرئيس يستحق للعزل، ففي حالة نيكسون كان من الواضح أن حجم الفضيحة كان كافيا ليسقط الجمهوريون دعمهم لرئيسهم حيث ضغطوا عليه للاستقالة وحفظ ماء وجهه وإنقاذ ما تبقى من سمعة الحزب، أما في حالة كلينتون كان واضحا من البداية أن النكاية الحزبية لعبت دورا في تحريك الاتهام ضد واحد من أكثر الرؤساء شعبية في التاريخ الأميركي، وكان من البدهي أيضا أن الديمقراطيين لم يكونوا قريبين حتى من إسقاط دعمهم لكلينتون حيث لم يصوّت نائب ديمقراطي واحد لصالح إدانة الرئيس في مجلس الشيوخ.

    

سياسات الحزبية

لم تكن محورية الدعم الحزبي للرئيس وتأثيرها على سياسات الاتهام والعزل هي الدرس الوحيد الذي كشفته تجربتا كلينتون ونيكسون، وكانت المشكلة الحقيقية التي كشفت (8) عنها إجراءات مساءلة كلينتون على وجه التحديد هي حجم تلك الفجوة الكبيرة المتوسعة باضطراد بين الشعب والنخب في واشنطن، ففي نهاية المطاف ورغم فضيحة كلينتون المزعومة نجح الديمقراطيون في الحصول على خمسة مقاعد إضافية في انتخابات التجديد النصفي التي وقعت في خضم الأزمة عام 1998، وهي المرة الأولى التي يحصل فيها حزب الرئيس على مقاعد إضافية خلال الانتخابات النصفية منذ عام 1934.

    

لم تكن النتائج التي حققها الديمقراطيون في مجلس الشيوخ أقل ملحمية حيث نجحوا في انتزاع مقعدين حيويين من نائبين جمهوريين حاليين، وكانت تلك النتائج مفاجئة بالنظر إلى أن حزب الرئيس اعتاد (9) على خسارة ما معدله 32 مقعدا في مجلس النواب واثنين في مجلس الشيوخ في كل انتخابات لمنتصف المدة جرت منذ نهاية الحرب الأهلية الأميركية، لكن المفاجآت لم تقتصر على نتائج الديمقراطيين في الانتخابات ولكنها كانت أكثر وضوحا مع كلينتون نفسه الذي حافظ على مستويات عالية من الدعم في خضم الأزمة، حيث وجدت استطلاعات الرأي التي أُجريت بعد توجيه الاتهام له عام 1998 أن أقل من ثلث الأميركيين وافقوا على هذه الخطوة، وعلاوة على ذلك فإن استطلاعا لصحيفة التايمز بعد يوم واحد من تحول كلينتون إلى الرئيس الثاني في تاريخ البلاد الذي تتم مقاضاته في مجلس الشيوخ، كشف أن 72% من المشاركين كانوا راضين تماما عن الطريقة التي يتعامل بها الرئيس مع وظيفته.

         

   

توفر تجربتا كلينتون ونيكسون والفوارق الكامنة بينهما الكثير من الإشارات حول مصير رئاسة ترمب، أولها أنه من البدهي أن نتوقع أن تذهب جميع دعوات اتهام الرئيس، والتي بدأت (10) منذ مايو/أيار 2017 مع إقدامه على إقالة رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي جيمس كومي بعد رفضه طلب ترمب إيقاف التحقيقات في التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية وحتى الأيام الفائتة مع وصول تحقيقات المحقق الخاص روبرت مولر إلى إدانة محامي ترمب مايكل كوهين ورئيس حملته السابق بوب مانافورت وإقرار الأول أنه قام بدفع أموال بطلب من الرئيس لممثلة أفلام إباحية تدّعي أنها كانت على علاقة بترمب بهدف التأثير في نتائج الانتخابات، أن تذهب هباء، بل الحقيقة أن أيًّا من تلك الدعوات لم ترق إلى درجة الجدية، حين لم يبدُ أن الجمهوريين في الكونغرس كانوا على وشك إسقاط دعمهم للرئيس في أي وقت من الأوقات.

   

في واقع الأمر كان لدى (11) الجمهوريين الكثير لقوله حول تطورات الأسبوع الماضي المتعلقة باتهامات كوهين ومانافورت، حيث حرصوا على التأكيد أنهم غير معنيين بأي تطور لا يتعلق بالكشف عن تواطؤ صريح لترمب مع روسيا، وقد هاجم سيناتور جنوب كارولينا المرموق ليندسي غراهام بشدة تحول الاتهامات للتركيز على انتهاك تمويل الحملات الانتخابات الانتخابية، في حين كان سوط الأغلبية في مجلس الشيوخ جون كورنين واضحا في قوله إنه "إذا لم يكن الأمر حول روسيا فلا شيء يهم حقا".

    

هناك الكثير من الأسباب التي لا تجعل تخلي الجمهوريين عن ترمب مرشحا للحدوث في وقت قريب خاصة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي الحاسمة في نوفمبر/تشرين الثاني، وحدوث تطورات ملحوظة في الاقتصاد الأميركي من وجهة نظر بعض الاقتصاديين بما يشمل انخفاض البطالة وزيادة صافي الأجور والسيطرة على معدلات الهجرة، وقبل ذلك الارتفاع الكبير جدا في أرباح سوق الأسهم الأميركية.

  

وكما اختارت إحدى الصحف الأميركية القول فإن هناك 30 تريليون سبب لتمسك الجمهوريين بترمب بما يعادل الحجم الكلي لسوق الأسهم الذي يضم نخبة المانحين والمتبرعين للأحزاب والسياسيين وخاصة الحزب الجمهوري، حيث كانت سياسات ترمب وتخفيضاته الضريبية نعمة (12) لا تقدر بثمن بالنسبة لمستثمري الأسهم، مع إسهام سياساته في دفع السوق إلى أكبر موجة صعود منذ الأزمة المالية العالمية، وقد سارع هؤلاء المانحون إلى مكافأة سخاء الجمهوريين ورئيسهم بسخاء مماثل، وكمثال على ذلك، قام (13) قطب الطاقة الملياردير تشارلز كوخ بمنح 500 ألف دولار لحملة رئيس مجلس النواب بول ريان بعد أيام من إقرار قانون التخفيضات الضريبية، بينما قام هو وزوجته بالتبرع بنصف المبلغ تقريبا كمنحة إضافية للجنة الوطنية للحزب الجمهوري.

    

      

في ضوء ذلك، سوف يكون على خصوم ترمب الديمقراطيين الذين يشغلون الأقلية في غرفتي الكونغرس خوض موسم انتخابي ملحمي من أجل انتزاع أغلبية تُمكّنهم من مساءلة ترمب حال أرادوا ذلك دون الحاجة إلى رفع الجمهوريين للدعم عن رئيسهم، وفي الوقت الراهن يشغل الديمقراطيون 193 مقعدا فقط في مجلس النواب مقابل 273 مقعدا للجمهوريين، ويحتاج الديمقراطيون إلى الفوز بـ25 مقعدا إضافة إلى الحفاظ مقاعدهم الحالية من أجل استعادة أغلبية مجلس النواب، ويبدو أن العديد من استطلاعات الرأي ترشحهم لتحقيق ذلك بالفعل.

    

ورغم ذلك سوف تبقى المعضلة الحقيقية (14) في مجلس الشيوخ الذي يشغل الديمقراطيون فيه 47 مقعدا مقابل 50 مقعدا للحزب الجمهوري، والمشكلة هنا هي أن الانتخابات الحالية سوف تُجرى على 35 مقعدا يشغل الديموقراطيون منها بالفعل 26 مقعدا خلال الدورة الحالية مقابل 9 مقاعد فقط يشغلها الجمهوريون، بما يعني أن الديمقراطيين سوف يكونون مطالبين بالحفاظ على حصة المقاعد الضخمة التي يدافعون عنها وانتزاع مقعدين إضافيين من الجمهوريين لحوز الأغلبية البسيطة (50% +1)، أي إن عليهم أن يفوزوا بـ28 مقعدا من إجمالي 35 مقعدا تُجرى عليها الانتخابات، وهو أمر يبدو طموحا بشدة ومستبعد الحدوث بشكل كبير، ناهيك بكون الديمقراطيين لا يمتلكون أي فرصة ولو نظرية للسيطرة على حصة الثلثين خلال الانتخابات النصفية حتى لو فازوا بجميع المقاعد التي ستُجرى عليها الانتخابات.

    

ترمب المتفرد

في الحقيقة فإن هناك شكوكا كبيرة حول رغبة الديمقراطيين في المضي قدما، بشكل مؤسسي، نحو إجراءات عزل الرئيس، فمن ناحية رغم أن العديد من الديمقراطيين يتطلعون بالفعل لحوز السيطرة البرلمانية لتوجيه الاتهامات لترمب، فإن الحزب لديه مخاوف حقيقية من أن تتحول الانتخابات النصفية إلى استفتاء على بقاء ترمب أو رحيله وهو ما يمكن أن يؤثر بالسلب (15) على حصص الحزب الانتخابية، بل إنه حتى لو جاءت نتائج الانتخابات البرلمانية في صالح الديمقراطيين يبقى من المرجح ألا يقدموا على مثل هذه الخطوة ما لم يحدث تحول درامي في مسار تحقيقات مولر في قضية التدخل الروسي على وجه التحديد.

    

وفي هذا التحول المقصود، لن يكون كافيا إثبات أن روسيا تدخلت عمدا وأثّرت على نتائج الانتخابات الرئاسية أو حتى أن ترمب أهمل عن غير قصد في حماية البلاد من تدخل أجنبي حتى لو استفاد من هذا التدخل بشكل غير مباشر، حيث لن تكون كل هذه التهم مسوغات كافية لعزله دون إثبات تواطئه بشخصه وبشكل صريح في التآمر مع الكرملين للفوز بالانتخابات وقيامه بالتغطية على هذا التواطؤ بشكل عمدي، وحتى الآن لا تزال جميع الأدلة المطروحة بعيدة بشكل ملحوظ عن تلك النقطة الحاسمة.

    

  

ويبدو أن آخر ما يحتاجه الحزب الديمقراطي الذي يعاني فراغا غير مسبوق في الرموز الشعبية وخلافات داخلية كبيرة بين تياراته ظهرت بوضوح خلال انتخابات عام 2016، آخر ما يحتاجه هو استنفاد جهده وأدواته في معركة سياسية خاسرة، ومن الحكمة أن يبقى الحزب متيقظا حول السقوط من جديد في الفخ الذي سقط فيه الجمهوريون حين قاموا بتوجيه الاتهام إلى كلينتون في التسعينيات، وهو الفخ الذي سقط فيه الديمقراطيون أنفسهم حين ظنوا لوهلة أن فوز هيلاري كلينتون على ترمب عام 2016 كان أمرا محسوما، وهو الفجوة السابق الإشارة إليها بين آراء النخب وسلوك قطاع كبير من الجماهير في المجتمع الأميركي.

  

على مستوى استطلاعات الرأي، لا شك أن ترمب يبقى أحد أسرع (16) الرؤساء الذي عانوا انحدارا في شعبيتهم، لكن ترمب لم يكن مرشحا شعبيا بالمعايير التقليدية أيضا، وقد أظهر (17) انتخابه الفارق بين السلوك السياسي الحقيقي للجماهير وبين سلوكها في استطلاعات الرأي، ولا يعني عدم الرضا الشعبي في الاستطلاعات أن الأميركيين سيكونون راضين عن عزل رئيس منتخب دون قرينة واضحة، هذا ناهيك بالخصوصية الشديدة لترمب وسلوك قاعدته الانتخابية شبه الثابتة مقارنة بأي رئيس أميركي آخر خلال القرن الأخير.

  

لا يعبر الرأي الشائع في منتخب النخب الأميركي أو حتى وسائل الإعلام السائدة بأي حال عن طريقة تفكير الأقلية الكبرى التي تمثل الرافعة الشعبية لترمب وحكم الجمهوريين في الوقت الراهن، وهذه الأقلية الكبرى (18) التي تقترب نسبتها من 40% من الناخبين الأميركيين تعمل كقاعدة دعم لترمب على أساس شديد الشبه بالدعم القبلي، فإذا كان ترمب لا يثق في وسائل الإعلام ولا يتوقف عن مهاجمتها فإن هذا النمط ينسحب على مؤيديه أيضا، وقد أظهر (19) استطلاع للرأي تم إجراؤه في جامعة كوينيبياك مؤخرا أنه في حين أن 86% من الناخبين الديمقراطيين يثقون في وسائل الإعلام ويظنون أنها تقول الحقيقة فإن ثلاثة أرباع الناخبين الجمهوريين يثقون في ترمب بشكل أكبر، كما أن 9 من بين كل 10 من هؤلاء لا يرون أن وسائل الإعلام تقوم بتغطية ترمب بشكل حيادي.

        

يحب ترمب وصف التحقيقات التي تدور حوله بعملية "مطاردة الساحرات" وهو وصف يحبه أنصاره أيضا، حيث يعتقد المحافظون في قلب أميركا اليوم أنهم لا يحظون بأصوات عادلة في الصحافة الأميركية التي يرونها (20) أكثر ليبرالية وساحلية، وأن صوتها أشبه بضجيج في الخلفية لا يعبر بحيادية عن الناس، وربما يكون هذا الحماس المشترك بين ترمب وناخبيه ضد النخب ووسائل الإعلام هو سبب وقوف مؤيدي ترمب بحماس معه مقارنة بقواعد الديمقراطيين، أي إن ما يجعل ترمب يتحدى المعايير الطبيعية للنجاح هو الاتفاق النسبي حول تلك الأشياء والممارسات التي يعارضها وليست القيم التي يتبناها.

   

          

النيتروجلسرين السياسي

يحب المؤرخون ذكر حادثة طريفة بعينها وقعت أثناء مراسم عزل جونسون، ففي أحد الأيام، وبينما كان النواب يستعدون لعقد إحدى الجلسات الاستثنائية لمناقشة إجراءات سحب الثقة، اكتشف شخص ما قارورتين مجهولتين في أحد ممرات البرلمان الأميركي، ولسبب غير معلوم أشيع في ذلك اليوم أن القارورتين كانتا ممتلئتين بمادة النيتروجلسرين المتفجرة ليندفع النواب الهلعون بسرعة خارج حدود المبنى التاريخي، قبل أن يقوم أحد الصحفيين باختبار محتوى القارورتين ليكتشف أنهما مملوءتان بويسكي البوربون الأميركي الشهير، ويتحول الحادث الطريف إلى استعارة قوية في السياسة الأميركية حول الطريقة التي يمكن أن يحوّل بها السياسيون الحزبيون أمرا بسيطا إلى قضية ملتهبة وملحمية.

   

على مدار العقود التالية لواقعة جونسون، أصبحت قضية عزل الرئيس على وجه الخصوص هي زجاجة النيتروجلسرين السياسي للولايات المتحدة، حيث طور القادة السياسيون بالتجربة اتفاقا ضمنيا حول خطورة الإفراط في استخدام "العزل" كأداة لإدارة السياسة، فمن ضمن 15 رئيسا يصنفهم الأميركيون على أنهم الأسوأ في التاريخ لم يتعرض 13 منهم إلى أي محاولات مبدئية للعزل، ونتيجة لذلك، كانت الحقيقة أن الكونغرس الأميركي فشل في عزل أي رئيس في أي وقت من الأوقات.

   

وعلى الأرجح فإن رئاسة ترمب لن تكون استثناء (21) من تلك القاعدة حتى مع كون رجل الأعمال المتعجرف هو الرئيس الأقل قبولا بين مجتمعات النخب السياسية والصحافة في القرن الحديث، ولكن رئاسة ترمب تجري في مناخ شديد الاستقطاب، وهو ما يعني أنه إذا سلمنا بحقيقة أن ترمب ليس محل اتفاق وأنه لن يكون كذلك، فإن خصومه عبر الطيف السياسي لن يكونوا كذلك قادرين في وقت قريب على بناء الدعم الواسع المطلوب لنزع غطاء زجاجة النيتروجلسرين السياسي في واشنطن.

     

وبالطبع فإن بناء مثل هذا الدعم سوف يكون أكثر صعوبة في ظل سيطرة الجمهوريين على الكونغرس، حيث لا يزال الرئيس يتمتع بشعبية كبيرة بين ناخبي الحزب الجمهوري ومموليه السياسيين، ناهيك بحاجة الحزب إلى ترمب لتعيين المزيد من البيروقراطيين وتمرير المزيد من القوانين على أجندة الحزب، لذا سيميل النواب في أدنى الأحوال إلى منح ترمب فائدة الشك في أي اتهام لا يقدح بشكل مباشر في شرعية رئاسته.

    

حتى التغييرات الكبرى في الخريطة السياسية بما في ذلك فوز الديمقراطيين في الانتخابات النصفية لن تكون كافية لدفع مقاربة جدية لقضية حساسة مثل توجيه الاتهام للرئيس أو عزله، وتبقى المفاجأة الوحيدة المنتظرة متعلقة بتحقيقات المستشار الخاص روبرت مولر، وإذا ما كان باستطاعته تقديم أدلة حاسمة على ارتكاب ترمب لجرائم واضحة تجعل تكلفة دعم ترمب بالنسبة للجمهوريين أكبر من تكلفة التخلي عنه وتُجبر قطاعا من النواب الجمهوريين على التخلي عنه، وهو سيناريو يبقى مستبعدا حتى الآن، وهو ما يعني أن سفينة الرئيس العجوز سوف تستمر في الإبحار بنجاح وسط الأمواج المتلاطمة إلى حين.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار