اغلاق
آخر تحديث: 2018/9/11 الساعة 13:11 (مكة المكرمة) الموافق 1440/1/2 هـ

انضم إلينا
يتلاعب به الزعماء.. هكذا يعيد "كوشنر" تشكيل الشرق الأوسط

يتلاعب به الزعماء.. هكذا يعيد "كوشنر" تشكيل الشرق الأوسط

عبيدة عامر

محرر سياسية
  • ض
  • ض
استمع للتقرير

   

في السابع عشر من يونيو/حزيران الماضي، كانت مدينة العقبة، جنوبي الأردن، أكثر ازدحاما عمّا هي عليه في مثل هذا الوقت من العام، فقد ترافق الموسم السياحي الصيفي مع عيد الفطر مضاعفا عدد الزائرين والسياح، إلا أنه ووراء تلك الجموع الصاخبة كان هناك جمع لم يسمع عنه أحد، رغم أن ارتدادات اجتماعه الخاص كانت ترسم مستقبلا حازما ونهائيا لكل ما تطلّ عليه العقبة: فلسطين المحتلة على الجانب الآخر، حيث تبدو أضواء مستعمرة إيلات الإسرائيلية واضحة للعيان ليلا، والجبال السعودية المظلمة على الجانب الآخر في الأفق والمتصل بدوره بمصر وراء الخليج الضيق، شاهدا من حين لآخر مرور بعض السفن الأميركية، والهدف مصطلح راج كثيرا قبلها: "صفقة القرن"، المصممة أميركيا بتنفيذ عربي وإقليمي لوضع حل نهائي للقضية الفلسطينية.

  

بجانب مسؤولي مخابرات الطرفين المباشرين: فلسطين، ممثلة بمدير المخابرات الفلسطينية للسلطة "ماجد فرج"، والكيان الإسرائيلي، ممثلا بمدير الموساد "يوسي كوهين"؛ حضر مديرو كل من المخابرات السعودية "خالد الحميدان"، والمصرية "عباس كامل"، والأردنية "عدنان الجندي"(1)، إلا أن الاجتماع كان تحت إدارة وتنسيق ووساطة مهندس الملف والصفقة بالكامل، والذي يصغرهم جميعا بما لا يقلّ عن عدد سنوات أقلهم خبرة في الأمن والمخابرات، وبخبرة سياسية لم تكمل ثلاثة الأعوام وهيئة طفولية تظهر بنبرته الهادئة المؤدبة، التي لم تكن أكثر من غطاء لما خصه ثعلب السياسة الأميركية هنري كيسنجر بوصف "الضبابية البناءة"، والتي لا تكاد تنبئ على الإطلاق بأن كبار مسؤولي مخابرات الدول الإقليمية الرئيسة سينصاعون لهذا الشاب، ذي الاسم المألوف "جاريد كوشنر".

 

لم يكد اجتماع العقبة ينتهي حتى بدأت موجاته الارتدادية في الظهور: اجتماع بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع العاهل الأردني "عبد الله الثاني" في اليوم التالي مباشرة، ثم حثُّ لصناع القرار الأردنيين لإلغاء حالة اللجوء لأكثر من مليوني لاجئ فلسطيني، بل وأكثر من ذلك: عمل سريّ تزعّمه كوشنر بنفسه لإنهاء وكالة غوث اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، المعروفة بـ "الأونروا"، لقوله إنها "فاسدة وغير فعالة ولا تساعد في السلام" حد تعبيره، بما يمكن اعتباره تمهيدا لـ "إنهاء قضية اللاجئين" حسب ما وصف "فورين بوليسي" (2) الأميركية، أو بصيغة أكثر وضوحا، وبكلمات صحيفة "هآرتس" (3) الإسرائيلية: "لقد بات تعريف من هو الفلسطينيّ بيدي جاريد كوشنر".

  

 

قد تبدو كلمات الصحيفة الإسرائيلية اليسارية أَحَدّ من المألوف، لكن نظرة أوسع للخط الزمني الطويل والأذرع الممتدة الشبكية للشاب اليهودي الأرثوذكسي صهر الرئيس الأميركي "دونالد ترامب"، منذ أن استلم منه إدارة سياسة واشنطن للشرق الأوسط، لا يبعد عن ذلك الوصف بحال، فالوجه الحاضر تقريبا في كل صور ترامب، والصديق المقرب لمحمد بن سلمان ولي العهد السعودي وولي العهد الإماراتي محمد بن زايد، قد ألقى بكل ثقله وراء ورقته الرابحة -صفقة القرن- لتصفية القضية الفلسطينية، والتي تعكس المهارات والقدرات السياسية للشاب بقدر ما تكشف أخطاءه، والأهم أنها تُمثّل تجليا مباشرا لحياته (4). حياة تمثل قراءة تاريخها عنصرا هاما لفهم شخصية عراب الشرق الأوسط الجديد.

   

جذور كوشنر وصعوده

عام ١٩٨٥، توفي كبير عائلة "كوشنر" الجد اليهودي "جوزيف"، تاركا لابنه "تشارلي" أعمال المقاولات الخاصة به التي وسّعها شيئا فشيئا حتى وصلت إلى أكثر من ٢٥ ألف منزل ما بين بناء وتأجير، ثم دخل في كل من مجالات العقارات والفنادق والبنوك، موفرة لاسم "كوشنر" من ناحية مكانه اللامع بين أغنياء نيوجرسي بثروة تقارب الملياري دولار، أكثر من نصفها من العقارات، ومن ناحية أخرى بين المجتمع اليهودي الذي أغدق عليه الدعم ممثلا في افتتاح تشارلي لمدرسة يهودية أرثوذكسية على اسم والده، وتأسيس راي -جدة كوشنر- لمتحف "ذكرى الهولوكوست" الأميركي، فضلا عن الدعم السخي والعلني وارتباطهم المباشر باللوبي الصهيوني هناك "أيباك"؛ وهو ارتباط بديهي وعلاقات سيورِّثها الأجداد للآباء، فالأبناء مع شعار: "فكّر كمهاجر، تحرّك كمهاجر"، وعلى رأسهم ابن تشارلي الكبير: جاريد. (5)

  

في عام ١٩٩٨، وعلى أنقاض معسكر "أوشفيتز" البولندي الذي شهد مقتل أكثر من مليون شخص؛ كان الحفيد المراهق "جاريد" مشاركا بإشهار إرث عائلته اليهودية والذي تحول خلال تلك الفترة إلى علم الكيان الإسرائيلي، وراء رئيس وزرائه بنيامين نتنياهو الذي قاد آلاف المراهقين في مسيرة عبر بوابات ومباني المعسكر، ليسافروا بعدها من بولندا إلى "إسرائيل".

   

 

كان كوشنر في ذلك الوقت، مثل كل طلاب الثانوية، لاعب كرة سلة وهوكي، معجبا بالمغني الأميركي بيلي جويل، وقائدا لفريق مسابقات في مدرسته، لكنه وبعكس كل طلاب الثانوية، حتى أولئك الذين كانوا معه بالمسيرة، كان على معرفة شخصية بـ "نتنياهو"، صديق والده "تشارلز"، ولم تكن هذه المعرفة مجرد علاقة شخصية تجمع آل كوشنر ونتنياهو، بل يمكن اعتبارها بالأحرى تتويجا لهذه العلاقة الطويلة منذ رحلة جاريد التعليمية، إذ تلقى تعليمه الأساسي في "أكاديمية الشباب العبرية" في ليفنجستون في نيوجرسي، حيث تُرفع أعلام إسرائيل في الأروقة ويتعلم الأطفال في الصف الثاني كيف يرسمون خرائط "إسرائيل" غيبا، وحيث تسمّى الضفة الغربية باسمها اليهودي "يهودا والسامرا"، ويأخذ الطلاب فيها أسماء عبرية -كان اسم جاريد: "يويل خاءيم"- كما كانت الأكاديمية تحتفل بالمناسبات والعطل الإسرائيلية في الولاية، إلى أن حملت اسم جد كوشنر فيما بعد.

  

عكست تسمية الأكاديمية الجديدة حجم العمل والإنفاق الذي كان آل كوشنر يبذلونه بالتوازي مع حياة حفيدهم المدرسية، فقد كانوا مشغولين ببناء عالم يعوّض العالم الذي فقدوه في "المحرقة النازية" زعما، من مدارس ومنظمات ومبانٍ جامعية وكنائس يهودية، إذ كانت يهوديتهم متمثلة في دعمهم لإسرائيل، فالمؤسسات اليهودية الكبيرة في حياة كوشنر: المدرسة والكنيسة، تؤكد الصلة بين الدين والصهيونية، لأن "دولة إسرائيل في المجتمع الأرثوذكسي اليهودي الحديث ذات أهمية كبيرة في الهوية، لا كواقع سياسي وحسب، بل كمثالية دينية"، بحسب "إيلي واينستوك"، حاخام الكنيس الذي كان كوشنر يرتاده.

  

درس كوشنر الثانوية في مدرسة "فريش"، حيث قضى أياما طويلة بقضاء الصلوات صباحا وظهرا والدراسة بالإنجليزية والعبرية، وحتى الآرامية "لغة التلمود"، قبل أن يتوجه عام 1997 لزيارة صيفية لإسرائيل كاد أن يقضي حتفه بها في تفجير استشهادي مزدوج في القدس. في عام ١٩٩٩ أتم كوشنر دراسته الثانوية، وغادر نيوجيرسي للدراسة في جامعة "هارفارد"، في انتقال مَثّل صدمة لمسؤولي المدرسة الثانوية، إذ "لم يكن معدله يمكّنه من ذلك بأي شكل، وكان هناك في فصله من هو أكثر جدارة منه بذلك" حد قول أحد مسؤولي المدرسة، لكن هؤلاء الطلاب الأكثر جهدا والأقل حظا لم يكونوا يملكون سلاح جاريد: والده، مَن تبرع بمليوني دولار ونصف للجامعة في عام التقديم، بجانب تبرعه لجامعات "كورنيل" و"برينستون" العريقة، حفظا لخط الرجعة.

   

 

في هارفارد لم يعد جاريد يرتدي قبعة "الكيباه" اليهودية للصفوف كما اعتاد في مدرستيه السابقتين، لكنه استمر باتباع الأرثوذكسية، كما كان يعبّر عن آرائه السياسية أثناء وجبات السبت اليهودي معتقدا أن "إسرائيل القوية والآمنة في مصلحة كل من أميركا والعالم، وهي ليست بحاجة إلى موافقة أوروبية أو أممية، أو حتى من واشنطن أو لندن"، كما ينقل عنه الحاخام "هيرشي زارشي" من بيت حركة "حباد" الأرثوذكسية. (6)

  

وبينما كان كوشنر في هارفارد، زار نتنياهو والده مجددا في مكتبه ولعب كرة القدم في إحدى المدارس التي حملت اسم عائلة كوشنر، في علاقة وطيدة وطويلة ظهرت بعد ذلك بأعوام في قائمة نشرها الإعلام الإسرائيلي مكتوبة بخط يد نتنياهو لتحدد مجموعة من أسماء الأثرياء الأميركيين الذين يمكن أن يتبرعوا للانتخابات الرئيسية لحزبه، حل بها تشارلز كوشنر، والد جاريد، سادسا. (7) وفي المقابل، ظهر الوجه الآخر القبيح لهذه الزيارات سريعا، إذ رفع "موراي كوشنر"، شقيق تشارلز، عليه دعوى بإساءة استخدام أموال العائلة بدفعه مئات آلاف الدولارات كـ "رسوم خطابات" لنتنياهو وقادة آخرين دون إعلام أقاربه. وتمت تسوية هذه القضية في الأخير، لكنها فجّرت وراءها تحقيقات وأفعالا من تشارلز غيّرت كلًّا من مسار حياته وحياة "جاريد" بشكل كامل.

  

السقوط

لم تكن هذه العلاقة المتوترة بين تشارلز وشقيقه موراي وليدة اللحظة؛ فعندما أسس تشارلز شركته اختار والده، لا شقيقه، ليكون شريكه، في قرار استفز التوتر بين تشارلز وكل أشقائه، وهو أكثر ما يبدو في نظرة جاريد لأعمامه وعماته بأنهم يدينون بالثروة الكبيرة لوالده، ومن ثم بدأت القضية بين الشقيقين عام ٢٠٠١، عندما قاضى تشارلز شقيقه فبدأ المدعي العام الأميركي لولاية نيوجرسي، الذي سيصبح خصم عائلة كوشنر اللدود، "كريس كريستي"، تحقيقا جنائيا، وأثار التحقيق قلق تشارلز، فحاول ابتزاز إحدى شقيقاته وزوجها كي لا يشهدوا ضده، بدفعه مبلغ ١٠ آلاف دولار إلى عاهرة لتقيم علاقة مع صهره، ثم أرسل المقطع لشقيقته.

  

لم تُجد هذه الجهود، ووجد تشارلز نفسه أمام كل هذه الأدلة القاطعة مضطرا للاعتراف بأنه مذنب في ١٨ تهمة مختلفة، منها التهرب الضريبي والمشاركات غير القانونية في الحملات وابتزاز الشهود، وتلقى حكما بالسجن لعامين قضى منهما منذ ٢٠٠٥ ما يقارب العام في سجن ألاباما، حيث كان جاريد ووالدته يزوران والدهما هناك أسبوعيا.

   

 

لم يكن تأثير هذه المحاكمة سهلا على شخصية اشتهرت بتبرعاتها وخيرها العام، وتشوهت سمعة الأب -ومن ورائه عائلته- بشكل جوهري، بل تعرض المجتمع اليهودي الأرثوذكسي الذي تنتسب له عائلة كوشنر في نيوجرسي إلى ضربة في الصميم، ضربة كان أثرها على السجين وراء القضبان أهون على الابن الكبير الذي كان عليه أن يتحمل تبعات السمعة السيئة، وشكّلت انكسارا مفاجئا في حياة الشاب المدلل، وتأثيرا كبيرا على شخصيته شكلها بشكل أعمق. (8)

  

شكّلت الحادثة مسار كوشنر فيما بعد الألفية تقريبا، ويبدو مَثل "رُبّ ضارّة نافعة" هو الأنسب في حالة جاريد وفضيحة والده بعد دعوى أخيه، ففي الوقت الذي لا يستطيع فيه المُدان أن يوقّع عقودا تجارية، وجد جاريد نفسه مضطرا لقطع شهادته العليا المشتركة في كلٍّ من القانون والأعمال في جامعة نيويورك عام ٢٠٠٥ ليتفرغ لإدارة أعمال والده وعائلته، وليتحمل ما شعر أنه واجبه الأكبر برفع اسم عائلته من جديد. عشية الفضيحة، اعتمد كوشنر على شبكة ممتدة من المستشارين، منهم الملياردير اليهودي الشهير روبرت ميردوخ، وأعلن لبعضهم في جلسات خاصة أنه يحمّل الإعلام مسؤولية ما جرى بشكل كامل، ولذلك، وفي عام ٢٠٠٦، عمل جاريد على اللعب باليد التي يؤمن بأنها صفعت والده، فألغى سفره إلى ألمانيا لمشاهدة كأس العالم، ليتم صفقة بقيمة ١٠ ملايين دولار لشراء صحيفة "نيويورك أوبزيرفر"، صاحبة التأثير الكبير داخل النخبة الاجتماعية والمثقفة النيويوركية.

 

تحولت الصحيفة تحت إدارة كوشنر، الذي كان يشرف عليها عن قرب من غرفة الأخبار، إلى فمه ولسانه بشكل كبير، مهاجمة أعداءه بمواد صحفية من تحقيقات ومقالات مطولة، بدءا من عائلة ويلف وريتشارد ماك، الشركاء التجاريين الذين اختلفوا مع عائلة كوشنر، وصولا إلى المدعي العام في نيويورك إيريك شنايدرمان، الذي كان يحقق في جامعة ترامب، والأهم أنها حققت له صداقات إستراتيجية مع كبار الصحافة المليارديرية، أمثال مردوخ وباري ديلر، مؤسس شركة بث "فوكس"، بما يدل على فهم جاريد لنموذج العمل بحسب ما وصفه صديقه: "كل من يملك أعمالا عقارية ناجحة، عليه أن يملك صوتا في وسط النخبة". بعد ذلك بعام، باع جاريد كل ممتلكات العائلة في نيوجيرسي، وغالبيتها من المنازل السكنية، ليشتري مبنى "666 Fifth Avenue" ذا الـ 41 طابقا في وسط منهاتن، بمبلغ اقترب من ملياري دولار، في صفقة استثنائية، حيث يقع برج كوشنر على بُعد 4 دقائق سيرا على الأقدام عن برج ترامب، من سيصبح العلامة الثانية الكبرى في حياته.

   

عائلة ترامب

 

بدأ تقاطع المسارين عام ٢٠٠٧ مع مواعدة جاريد لابنة ترامب المفضلة إيفانكا، والتي تزوجها أخيرا بعد رحلة شاقة تضمّنت عوائق شبه مستحيلة كان على رأسها تحفظات دينية لوالدي جاريد، إذ كانت إيفانكا مسيحية، فأعلنت تحولها إلى اليهودية الأرثذوكسية تحت إشراف حاخام يهودي، وبعد تسع سنوات من الزواج، أنجب جاريد وإيفا ثلاثة أطفال، إلا أن الأهم ربما بالنسبة لجاريد هو أنه بدأ شراكة من نوع مختلف تماما بين العائلتين، أوصلت كلًّا من الصهر وحماه إلى أماكن لم يكن أحد منهما ليتخيلها.

  

كما هو متوقع، بدأت هذه الشراكة بالصفقات، ففي مطلع نوفمبر/تشرين الثاني عام 2016، وقبل أيام من الانتخابات؛ بدأت منظمة ترامب بتأجير شقق في مبنى "ترامب باي ستريت" ذي الـ 50 طابقا، والذي اشتراه وطوره كوشنر على موقع يمتلكه عام ٢٠١١، في حين اشترى ترامب الاسم والإدارة، كما هو معتاد، لتحقق الشراكة حتى الآن ثلث قيمة الكلفة المتوقعة بـ١٩٣ مليون دولار.(9)

  

إلا أن الجانب الأكبر لهذه الشراكة ظهر مع حملة ترامب للانتخابات الرئاسية الأميركية، والتي شارك بها صهره بكل ما لديه، فلم يكتف جاريد بمرافقة حماه جولاته الانتخابية عبر الولايات، بل قام بمهمات ذات نتائج فارقة على مستوى الحملة، فقد كان جاريد هو الذي صاغ الخطاب الذي ألقاه ترامب في مؤتمر "أيباك" الأول له، وكان هو الذي توسط لصفقة لتهدئة الأمور مع "فوكس نيوز" -صاحبة التأثير الكبير على إحدى أهم مساحات ترامب الشعبية- إثر نزاع الأخير مع نجمة القناة المذيعة "ميجين كيلي"، وحين أقال ترامب مدير حملته "كوري لاندوسكي" قيل إن إيفانكا هي التي طالبته بإقالته إثر محاولاته للحد من تأثير جاريد، وبعد ذلك بشهر؛ حين غرد ترامب بصورة لهيلاري كلينتون مع نجمة داوود ومجموعة من رزم الدولارات؛ تصدى جاريد لاتهامات حماه بمعاداة السامية في مقال افتتاحي على صحيفته "أوبزيرفر".

  

وصل ترامب إلى البيت الأبيض، وكان في مرافقته في أولى الجولات هناك بعد الفوز، كما هو متوقع، جاريد وعائلته، وحين وجد ترامب مكانه على المكتب البيضاوي في البيت الأبيض كرئيس أقوى رجل في العالم، كان بقربه في الجناح الغربي جاريد كأقرب مستشاريه وأكثرهم موثوقية وتأثيرا عليه، الذي بدأ مباشرة مهماته عشية إعلان ترامب رئيسا من خلال طمأنة النخبة الاقتصادية الأميركية في اجتماع شهير دعا إليه ونظّمه وضم ٤٠٠ شخصية من كِبار رجال الأعمال الأميركيين، من بينهم العديد من مديري كبرى الشركات هناك.

   

الدور الأكبر والمهمة الأصعب التي أوكلها ترامب لمستشاره هو تسليمه الملف الإشكالي للمنطقة الأكثر صخبا في العالم: الشرق الأوسط

رويترز
   

بشكل رسمي، كانت لكوشنر 6 مهمات محددة (10) كُلِّف بها من قِبل ترامب: إدارة "مكتب البيت الأبيض للإبداع الأميركي"، بالشراكة مع كل من إيلون موسك، ومدير شركة أبل: تيم كوك، ومؤسس شركة مايكروسوفت: بيل جيتس، سعيا لتحسين الشراكة بين القطاعين الخاص والرسمي وتطوير الحكومة باستخدام البيانات والتقنية؛ والعمل على إصلاح القضاء الجنائي؛ والوساطة مع الجالية المسلمة في الولايات المتحدة.

  

أما خارج الولايات المتحدة فقد وُكِّل كوشنر بإدارة العلاقات مع المكسيك، وإدارة العلاقات مع الصين، إلا أن الدور الأكبر والمهمة الأصعب التي أوكلها ترامب لمستشاره لم تكن داخل أميركا، بل كانت تسليمه الملف الإشكالي للمنطقة الأكثر صخبا في العالم: الشرق الأوسط، متمثلة بأدوار رئيسة أهمها الحد من نفوذ إيران في الشرق الأوسط، وإعادة تكوين علاقة إسرائيل مع العالم العربي، تمهيدا ووصولا إلى الصفقة النهائية الإقليمية التي تنهي القضية الفلسطينية، "القضية التي لا يمكن أن تتم"، كما وصفها ترامب بنفسه، مستدركا بقوله: "إن لم يستطع كوشنر حلها، فلن يستطيع أحد". (11)

  

المهمة المستحيلة

أثناء الحملات الانتخابية الرئاسية الأميركية، منتصف عام ٢٠١٦؛ تلقى السفير الإماراتي ذو النفوذ في واشنطن يوسف العتيبة طلبا غير متوقع عبر صديقه رجل الأعمال وجامع التبرعات لحملة ترامب الملياردير اللبناني-الأميركي "توم باراك": هل يلتقي مع جاريد كوشنر؟ تم اللقاء الأول واستمر لما يقارب التسعين دقيقة، وقد صدم العتيبة لحجم أسئلة كوشنر الكثيرة التي سألها، وكان تمهيدا لمجموعة من اللقاءات التي لعب بها كوشنر دور الطالب، سائلا العتيبة عن كل قضايا الشرق الأوسط: سوريا، إيران، إسرائيل، التطرف، العلاقات الداخلية.

 

يلعب ابن زايد بهدوء، فقد كُشف أن أربع دول على الأقل "الإمارات والصين وإسرائيل والمكسيك" تناقشت معا بشكل سري حول كوشنر كهدف محتملل للتلاعب

رويترز
  

بعد العتيبة، والعلاقة العائلية القديمة مع نتنياهو، أتم كوشنر ثلاثيته بتوطيد علاقته المباشرة مع ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان"، بالمحادثات المباشرة معه عبر الهاتف والبريد الإلكتروني، كما استمرت الزيارة الأولى بينهما حتى الفجر، ومما ساعد على توطيد هذه العلاقة أنهما يريان العالم بشكل ما بالطريقة نفسها، كما كان كوشنر على علم ومعرفة بخطط ابن سلمان في معركته بشأن خلافة العرش السعودي، فضلا عن اتفاقه معه ومع ابن زايد عندما أوضح الأخيران له أن أولويتهما الرئيسة هي إيران، وأن إنهاء القضية الفلسطينية أساسي لتحسين العلاقة مع إسرائيل. (12)

    

وبينما كان ترامب والملك سلمان والسيسي يلتقطون صورتهم الشهيرة حول الكرة المضيئة في افتتاح المركز العالمي لمحاربة التطرف "اعتدال"، أثناء زيارة الأول للرياض في مايو/أيار عام ٢٠١٧؛ كان كوشنر وابن سلمان يتمّان الخطوط الأساسية لما أسمياه التحالف الإستراتيجي للشرق الأوسط، الذي تكون به إسرائيل "شريكا صامتا"، مقابل التزام أميركي بمسعى أشد تجاه إيران، وضغط عربي على الفلسطينيين للقبول بالبرنامج الجديد، تمهيدا لخلق ما وصفته مجلة "نيويوركر" بـ "النظام العالمي الجديد". (13)

 

بدأ العمل الأميركي بالتواصل مع كلٍّ من الفلسطينيين والإسرائيليين في وقت لاحق من ذلك الشهر، فالتقى ترامب رئيسَ السلطة الفلسطينية "محمود عباس"، الذي حاول نتنياهو "بكل طريقة ممكنة" أن يظهر لترامب أنه غير جدير بالثقة، لكن اللقاءات الأشد توترا كانت بين كوشنر وكبير المفاوضين الفلسطينيين "صائب عريقات"، الذي قال له مباشرة: "أنتم لن تستطيعوا خلق السلام لنا"، كما شعر كوشنر بأن الفلسطينيين كانوا يعطونه درسا تاريخيا في كل مرة يلتقون بها، في الوقت الذي شعر عريقات أنه يجلس مع مفاوض في العقارات لا مع سياسي محنك، محذرا كوشنر من نقل السفارة قائلا إن في هذا تدميرا لحل الدولتين، لكن الأخير لم يبال معلنا وقتها خطته للحل في الشهور المقبلة، وفي القلب منها نقل السفارة بأي طريقة ممكنة.

  

في جيبنا

 

في نهاية أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، قام كوشنر بزيارة غير معلنة إلى الرياض، جرى بها أحد هذه اللقاءات المطولة السرية بينه وبين صديقه ابن سلمان، وبعد اللقاء كشف ابن سلمان لمقربين منه أنه ناقش مع جاريد الإطاحة بأمراء سعوديين لم يُكنّوا له الولاء الكامل. بعد هذا اللقاء بأسبوع فقط، بدأ ولي العهد السعودي حملة صيد الساحرات الشهيرة، التي عُرفت بحملة "الريتز كارلتون"، نسبة للفندق الذي احتجز به الأمير عشرات الأمراء الذين اتهمهم بالفساد، والذين كان من الممكن أن يعرفهم ابن سلمان بدون معاونة كوشنر، إلا أن هذا التفاخر مَثّل رسالة لأعدائه وحلفائه على حد سواء، تفاخر بلغ ذروته بكلمة ابن سلمان الشهيرة "كوشنر في جيبي" (14) لمحمد بن زايد، حسب ما نشر وقتها موقع "إنترسبت".

   

وكما هي العادة، وبينما يتفاخر ابن سلمان؛ يلعب ابن زايد بهدوء وصمت، فقد كشفت صحيفة "واشنطن بوست" (15) أن أربع دول على الأقل "الإمارات والصين وإسرائيل والمكسيك"، وهي دول تقع تحت مسؤولية كوشنر بإدارة العلاقات الأميركية معها، تناقشت معا بشكل سري حول كوشنر كهدف محتمل للتلاعب، من خلال الضغط عليه بإشكالات مالية وقعت أثناء الحملة الانتخابية، والأهم لغياب خبرته السياسية التي أظهرها بشكل مباشر في تواصله مع مسؤولين أو مع حكومات أجنبية بدون إشعار مستشار الأمن القومي وقتها "إتش آر ماكماستر" والذي أطاح به ترامب في مارس/آذار الماضي، بما يمثل اختراقا للبروتوكولات الرسمية للبيت الأبيض.

   

  

كان من بين آثار هذه التواصلات كشف أسماء المسؤولين السعوديين الذين استطاع كوشنر الاطلاع عليهم من خلال "الملخص الرئاسي اليومي" الذي يصل إلى ترامب، والذي يطلع عليه قلة فقط من المسؤولين والمستشارين، كان من بينهم كوشنر، قبل أن يتم خفض تصريحه الأمني داخل البيت الأبيض على يد مسؤول الفريق الرئاسي جون كيلي في فبراير/شباط الماضي دون إعلان سبب واضح.

  

بجانب ذلك، يقع جاريد في قلب التحقيقات الأميركية حول العلاقة الروسية المحتملة مع دونالد ترامب، والتي قد تُنهي مسيرته في البيت الأبيض، فقد كان جاريد حاضرا في الاجتماع سيئ السمعة في برج ترامب مع محامٍ روسي وأفراد مرتبطين مع روسيا في ٩ يونيو/حزيران ٢٠١٦، كما كان جاريد المدير التقني للحملة الانتخابية مما يعني تعاونه المحتمل مع المخترقين الروس الذين أثّروا على النتائج على الأرجح في مناطق محددة، إضافة إلى لقاءاته مع السفير الروسي ومصرفي روسي أثناء الانتقال، بما يجعل جاريد حاضرا بشكل مباشر في اتفاقية مايكل فلين مع فريق تحقيقات مولر (16). ورغم كل هذه الإشكالات والقضايا القانونية التي يهاجمها ترامب دوما بوصف "الدولة العميقة"، فقد يعمل على تجاوزها بشكل مباشر واستغلال صلاحياته كرئيس لكشف معلومات سرية لكوشنر. (17)

  

عبث في القواعد الحاكمة لممالك النفط، وخلق لمحاور جديدة على حساب أخرى، وتفتيت للآراء والحدود والتحالفات التاريخية القائمة، كشف لمعلومات فائقة السرية، بجانب عشرات اللقاءات السرية والعلنية مع صناع القرار، وتسليم لأكبر قرارات المنطقة والعالم لسياسيين بطموح كبير ولا خبرة، فيما يبدو أنه العالم الجديد لـ "جاريد كوشنر"، عالم يحتمل وبشدة أن ينجح في تشكيله شاب لا يمتلك أي خبرة، ويتلاعب به أساطنة ممالك ودول الإقليم الكبرى، ويمسك بمفاتيح أهم العلاقات الأميركية على مستوى العالم، وهو عالم لا يبدو أنه سيكون مشرقا على أي حال.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار