انضم إلينا
اغلاق
تخلى عنهم ترامب.. قصة دولة الأكراد الموؤودة بشمال سوريا

تخلى عنهم ترامب.. قصة دولة الأكراد الموؤودة بشمال سوريا

محمد جمال الدين

محرر سياسة
  • ض
  • ض

في صيف عام 2012، وفي الشمال الشرقي من سوريا حيث تنتشرُ الأغلبية الكردية في محافظات كـ "القامشلي" و "الحسكة" و "الرقة" و "ريف دير الزور" و "كوباني"، بدأت قوات النظام السوري بسحب آلياتها العسكرية خارج المدن الكردية بشكل مفاجئ، ولأن ضربات المعارضة المسلحة كانت آخذة في الازدياد في تلك الفترة ضد معاقل النظام في محافظات ريف دمشق ودرعا وحمص وإدلب، دعا ذلك النظام لسحب قواته من المحافظات الشمالية الأكثر هدوءً لتغطية الجبهات الساخنة، تاركًا القوات الكردية الزاحفة من الجبال والمناطق الحدودية "العراقية-التركية" تتقدم تجاه تلك المحافظات وتسيطر عليها بسهولة كبيرة، وتضعَ يدها على أكبر مخزون استراتيجي للنفط في سوريا، قبل أن تتوسع أماكن سيطرتها تزامنًا مع تنسيقها مع واشنطن في يونيو/حزيران 2015 في تحالف الأخيرة الشهير ضد تنظيم الدولة الإسلامية"، قبل أن تتمكنَ من وصل بلدة تل أبيض مع الحسكة وعفرين متمددة لمساحات شاسعة في ريف حلب الشمالي في نفس الفترة، واضعة بذلك اللمسات الأخيرة على قيام إقليم كردستان السورية، أو "روج أورفا" كما يُسمى باللغة الكردية، الإقليم المتمتع بالحصانة الأمريكية الكاملة[1].

  

مع إعلان قيام "أورفا" في يناير/كانون الثاني 2016، أعلنَت المكونات الكردية تشكيل "حزب الاتحاد الديمقراطي" وذراعَه العسكري ممثلًا بقوات سوريا الديمقراطية، أو "قسد" كما تسمى، وهو ذراع مثّلَ رأس الحربة الأميركية في معركتها ضد "تنظيم الدولة" في وقت لاحق، وكافأته واشنطن بمنحه السلطة على كافة المناطق التي انتزعها من سيطرة تنظيم الدولة لتتوسع أماكن نفوذه بشكل كبير على طول العام التالي، مُطلقة بذلك جرس الإنذار لدى كل من تركيا، العدو التقليدي والأول لمشروع "دولة كردية"، والنظام السوري المدعوم من جيش موسكو الأحمر، ومعلنة في الآن نفسه فرض حصانة أمريكية شاملة على تلك المناطق وخطا أحمرا أميركيا يمنع المساس بها، قبل أن يتحول ذلك اللون اليوم في أذهان الكثير من السوريين الكرد إلى ضوء أخضر -كما هو حال غالب الخطوط الحمراء الأميركية- مع إعلان الرئيس الأميركي "دونالد ترامب" اقتراب موعد انسحاب القوات الخاصة الأميركية من سوريا في أبريل/نيسان الماضي، وانتشار تسريبات في الفترة نفسها عن لقاءات جمعت مسؤولين أمريكيين وقادة من التنظيمات الكردية حمَلت توقيع اقتراب الوداع ورفع ذلك الغطاء[2].

    

  

تضمنت تلك التسريبات مطالبة المسؤولين الأميركيين لقادة المجلس الديمقراطي الكردي تحمل مسؤولياتهم واختيار ما يتناسب مع مصالحهم المستقبلية في بناء التحالفات، مبينة أن طبيعة التحالف الأميركي الكردي منحصرٌ في شقه العسكري والقضاء على "تنظيم الدولة"، ولا يمتد ذلك التحالف لدعم مشروع الأكراد السياسي الرامي إلى الحصول على الاستقلال أو الحكم الذاتي في المنطقة، وهي مطالبة أعادت إلى ذاكرة الكرد القريبة على الأرجح خطوة أميركية مشابهة مع قوات المعارضة السورية المسلحة في درعا في يونيو/حزيران الماضي، طالبتهم واشنطن فيها بـ «تحمل مسؤولياتهم وألا يتوقعوا استمرار الحصانة الأمريكية عليهم»، قبل أن ترفعَ الدعم عنهم بالكامل تاركة إياهم وجبة سهلة لقوات العقيد النمر والدب الروسي.

 

في الفترة نفسها، وفي الجزء الشمالي من سوريا، كانت قوات "الجيش الحر" مدعومة بالقوات التركية قد أتمت سيطرتها على مدينة "عفرين" الكردية، وأتبعتها بتوقيع اتفاق "منبج" الشهير القاضي بخروج القوات الكردية من المدينة ذات الموقع الاستراتيجي، في وقت تزايدت فيه تهديدات الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" بشن معركة ضد قوات "قسد"، وهي تهديدات مشابهة لتلك التي أطلقها النظام السوري في الفترة نفسها وحملت توقيع "موسكو" وخيّرتهم بين المفاوضات أو المواجهة العسكرية، وأطلق جرس الإنذار لدى المجلس الديمقراطي في وقت كانت التصريحات الأمريكية باقتراب سحب قواتها من سوريا تحومُ في الأفق[3].

  

بعد ذلك أيام، وبدءًا من يوليو/تموز الماضي، كان بإمكان أي سوري أن يتابع أخبار لقاءات عدة جمعت بين مندوبين عن المجلس الكردي والنظام السوري في كل من دمشق والحسكة، إثر قرار المجلس الديمقراطي فتح قنوات تفاوض مع نظام الأسد بلا شروط، قبل أن تبدأ فرق تقنية تابعة للنظام السوري بتسلم إدارة العديد من حقول النفط شمال شرق سوريا، بينها حقلي العمر والتنك، الحقلان الأكثر غنىً وسيولةً في سوريا[4]، بالتنسيق مع الفصائل الكردية، في وقت طُرحت فيه تساؤلات حول ثمن تلك التنازلات، وتساؤلات أهم حول التاريخ الطويل للعلاقات القائمة بينهما خلف الكواليس، والذي مهّد لهذه اللقاءات وكان حجر زاويتها الأثير، وعن الخيوط الأميركية في خضم ذلك كله.

 

 

الشبكات

"كنا نحاول بناء شبكة، قمنا بتدريب نشطاء من المناطق الكردية السورية في المجالات الإعلامية والسياسية والتنظيمية، لقد طلب منا المجلس الوطني الكردي الحصول على أسلحة، لكننا لم نقدمها له

(روبرت فورد، السفير الأمريكي السابق في دمشق [5])

   

لا يملُّ الكرد من تكرار أنهم يرغبون في بلوغ الحكم الذاتي لمناطقهم وليس الاستقلال الكامل فيها، وهي شعارات لطالما رافقتهم على طول فترة صراعهم مع النظام السوري، بمستوى منخفض خلال الفترة بين عامي  2004 و 2006، وذلك عندما قاد نشطاء حزب العمال الكردستاني بالتنسيق مع نظرائهم في الحزب الديمقراطي التظاهرات الشهيرة التي طالبت نظام الأسد الابن بالاعتراف بحقوقهم ولغتهم[6]، وبمستوى أعلى مع انطلاق الثورة السورية، عندما شارك الكرد السوريين في الاحتجاجات ضد النظام السوري، ثم تشكيلهم ما عرفَ بـ "المجلس الوطني الكردي" بقيادة "مسعود البرزاني" الزعيم الكردي الشهير، في وقت شكّلت فيه المعارضة السورية مجلسها الوطني في أكتوبر/تشرين الأول 2011 ممثلًا سياسيًا لها.

   

حاول "روبرت فورد" سفير أميركا السابق في سوريا إقناع المجلس الكردي بتأجيل مقترح الحكم اللامركزي، وهو اقتراحٌ رفضَه قادة المجلس الكردي حينها

الجزيرة
   

وبرغم مشاركة المجلس الكردي في الائتلاف الوطني المعارض الذي تم إنشاؤه فيما بعد، إلا أن عدم تحمس المعارضة السورية للمقترحات الكردية بالحكم اللامركزي في مناطقهم، دفع الجماعات الكردية وعلى رأسها المجلس الوطني الكردي لضغط المكابح حيال التعاون مع المعارضة، والوقوف على الحياد، الأمر الذي نبّه واشنطن التي كانت تحاولُ جمعَ أطراف المعارضة معًا في كيان سياسي واحد في تلك الفترة.

 

وكعادة الإدارة الأميركية في انتدابه لمهام نزع الألغام السياسية[7]، حاول "روبرت فورد" سفير أميركا السابق في سوريا إقناع المجلس الكردي بتأجيل مقترح الحكم اللامركزي والتعاون مع الائتلاف السوري المعارض، وهو اقتراحٌ رفضَه قادة المجلس الكردي حينها، في نفس الفترة التي رفض فيها حزب الاتحاد الديمقراطي بقيادة "عثمان أوجلان"، شقيق عبد الله مؤسس حزب العمال وأحد أبرز معارضي نفوذ المجلس الوطني الكردي، مقترحًا أمريكيًا مُشابهًا لقناعتهم باستحالة تغيير توجه المعارضة، قبل أن تتوجه الثورة السورية مطلع العام التالي للعمل المسلح، ويقوم حزب الاتحاد المدعوم من حزب العمال -المُصنف دوليًا على قوائم الإرهاب- بتأسيس جناحه المسلح المعروف باسم "وحدات حماية الشعب"، ويسيطر على أجزاء واسعة من المحافظات الشمالية، المحافظات التي كانت بوابات تسلل منها تنظيم الدولة للداخل السوري.

    

   

انطلاقًا من حربه ضد "تنظيم الدولة"، العدو المشترك لكل من النظام والمعارضة، يمكن بسهولة تمييزُ كيف تمكن الحزب من تحييد كل من النظام والمعارضة المشغولين في حربهما في المحافظات الغربية لوقت طويل، وهو تحييدٌ استفادَ منه الكردُ في التوسع ووضع القواعد الأولى لمشروع الحكم الذاتي، قبل أن يعلن إعادة هيكلة قواته تحت مسمى "قوات سوريا الديمقراطية"، تزامنًا مع تشكيل الولايات المتحدة التحالف الدولي الشهير ضد "تنظيم الدولة" في أكتوبر/تشرين الأول 2015، في وقتٍ كانت فصائل المعارضة السورية فيه مترددة في قتال التنظيم وغارقة في مجاملة التنظيمات "الجهادية" المحلية إن جاز القول، ما جعل "حزب الاتحاد الديمقراطي" المرشحَ الأكثر تماشيًا مع رؤية واشنطن ليكون حليفها في العملية البرية التي مكنت الكرد من السيطرة على شريط طويل من الحدود السورية التركية، قبل أن يعلن الحزب مطلع 2016 قيام مشروع "روج أورفا" للحكم الذاتي، وهو إعلان حفز أردوغان للدخول العسكري أمام الكرد وتحويل الرقعة لساحة مليئة بالألغام. [8].

 

الحلم المجهض

لعقود من الزمان، لطالما كانت الولايات التركية الجنوبية والشرقية ميدان صراع عنيف بين الجيش التركي ومقاتلي "حزب العمال" المعروف بطموحاته الانفصالية، إلى أن دخلت بنادق كلا الطرفين مرحلة الصمت بدءً من مارس/آذار 2013 مع دخول الهدنة الموصوفة بـ «التاريخية» بينهما حيز التنفيذ، مسدلة الستار على عقود من سنوات حروب الشوارع الدامية.

  

لكن المكاسب التي حققتها وحدات حماية الشعب في سوريا على طول الحدود التركية في السنوات الفائتة، مع تزايد شرعيتها السياسية في أعين الغرب كحليف فعال في محاربة التنظيمات المصنفة «إرهابية» غربيًا، ساهم في تحفيز أنقرة بشكل أكبر، شاعرة أن خطر مشروع الدويلة الكردية الذي يحوم في الأفق يفوق خطر "تنظيم الدولة"، بحسب "هشانغ ويري" الباحث السياسي في الشؤون الكردية[9]، والذي أضاف أنه وقبل أن يفوت الأوان، شنّت تركيا حربها ولكن ليس ضد "تنظيم الدولة"، وإنما ضد الفرع السوري من حزب العمال الكردستاني".

  

    

في الرابع والعشرين من أغسطس/آب 2016، بدأ سربٌ من طائرات "إف 16 إيه" التركية بقصف مواقع "تنظيم الدولة" في بلدات ريف حلب الشمالي، قبل أن يطال مواقع لـ "قسد" مع دخول كتائب قوات المعارضة السورية والجيش التركي بلدات الريف الشمالي، في عملية حملت اسم "درع الفرات"، بعد شهور طويلة من معارضة موسكو لأي تدخل تركي عسكري في سوريا، قبل أن تلتقي المصالح المشتركة لكليهما في لحظة نادرة لتقليم نفوذ "حزب الاتحاد الديمقراطي" أو «وكيل أمريكا المُدلل» كما يُسمى.

  

أيدت واشنطن المعركة بتردد، مطالبة الحزب في نفس الوقت بالانسحاب إلى مناطق شرقي الفرات، ومهددة إياهم على لسان نائب الرئيس الأمريكي وقتها "جو بايدن" بخسارة الدعم الأميركي حال عصيانهم[10]، ثم أعطت روسيا الضوء الأخضر لعملية درع الفرات ثم التهديد الأميركي للكرد في سلسلة من الأحداث دفعت "حزب الاتحاد الديمقراطي" لإعادة ترتيب تحالفاته، والتقرب من النظام السوري من جهة، وروسيا التي اعتبرَت في ذلك الحين قادرة على تكبيل العمليات التركية في سوريا من جهة ثانية.

  

مستخدمة أسلوب المعارضة السورية نفسه في إعلان ولادة التنظيمات العسكرية، وبدعم علني لم ينفه بيان التأسيس في سبتمبر/أيلول من العام نفسه، أعلنت مجموعة من الشخصيات السياسية والعسكرية الكردية تأسيس كيان عسكري تحت اسم "المقاومة الوطنية السورية" في منطقة عفرين بغرض مواجهة الجيش التركي هناك، وقد مثلَ ذلك الكيان التقاءً لمصالح الكرد المتواجدين في عفرين والنظام السوري معًا، واختبارًا لأول تعاون عسكري بينهما ضد عدو ثالث، قبل أن يفقد تأثيره بمرور الوقت[11].

  

بعد ذلك بشهرين، وعملًا بموجب اتفاق خفض التصعيد الذي يعدُّ ابتكارًا روسيًا خالصًا، دخلت القوات الروسية إلى مدينة عفرين للفصل بين مناطق سيطرة قوات المعارضة والقوات الكردية، قبل تأسيسها قواعد عسكرية عديدة احتضنت بمرور الوقت تدريبات لآلاف من مقاتلي الفصائل الكردية المتحالفة مع واشنطن، والتي تبين أنها باتت تحظى بعلاقات أفضل مع موسكو في لحظات نادرة من العلاقة بين الكرملين وفصائل "قسد"، قبل أن تتعمق تلك العلاقات للتفاوض حول المنطقة الشرقية التي كانت تشهدُ سباقًا نحو النفط بين كل من واشنطن وروسيا مع انحسار سيطرة "تنظيم الدولة" على تلك المناطق، في وقت بدا فيه لحزب الاتحاد أن فرصه في تحصين المنطقة الشرقية من أي خطوة أميركية قد تفاجئه برفع الحصانة عنهم يبدأ بتقديم بعض التنازلات، وهي تنازلات كان اللقاء مع جنرالات الجيش الأحمر وضباط النظام السوري بوابتها و حجر زاويتها الأثير [12].

 

المصافحة الحمراء

  

في الصحراء المحاذية لنهر الفرات من الجهة الشرقية، وفي قرية نائية بالقرب من قرية "رسافة" حيث تنتشر الأكواخ الطينية وسط حرارة خانقة، وفي أحد أيام يوليو/تموز للعام الماضي 2017، يدخلُ الكولونيل الروسي "يفغيني" إلى أحد البيوت النائية ليحضر اجتماعًا عاجلًا كان ينتظرُه فيه ضابط شاب من الميليشيات الكردية مع رفاقه، ومجموعة من الضباط السوريين بينهم العقيد السوري سهيل الحسن "النمر".

  

خلال الاجتماع، دارت أحاديث حول ضرورة التنسيق بين قوات النظام السوري والفصائل الكردية في القتال ضد "تنظيم الدولة"، قبل أن يعقد الأطراف اجتماعًا ثانيًا بعد أيام في مدينة "العريشي" شرق الرقة، وتقوم الفصائل الكردية بفتح الطريق للنظام السوري لدخول المدينة، وهي المحاذية لمناطق سيطرة تنظيم الدولة وقتها في الجزيرة[13]، لتسفرَ في نهاية العام نفسه عن تأسيس خطوط فاصلة بين مناطق سيطرة كلا الطرفين، وهي خطوط حاول خبراء النظام السوري وقواته تجاوزها بدعم من ميليشيات روسية في فبراير/شباط الفائت للوصول إلى آبار النفط، قبل أن يتلقوا ضربات جوية أمريكية فيما عرف بحادثة "فاغنر" الشهيرة .

  

في نفس الفترة التي سيطر فيها نظام الأسد وروسيا على الغوطة الشرقية، كانت العلاقات التركية الروسية آخذة في التقارب بشكل متزايد متغذية على النفور بين كل من أنقرة وواشنطن، قبل أن تقود تلك التفاهمات إلى الانسحاب الروسي من "عفرين" تاركة قوات "قسد" وجبة سهلة للجيش التركي، الذي أتم سيطرته عليها في مارس/آذار الفائت، بالرغم من فتح النظام السوري الطريق لوصول وحدات حماية الشعب الكردية من بلدة "الشيخ مقصود" في ريف حلب الغربي إلى "عفرين" لدعم حلفائهم هناك[14]. إلا أن أنقرة قررت إنهاء المعركة في وقت غاب فيه الصوت الأميركي تاركًا الكرد مع شعور أقرب للخذلان مع سماح واشنطن بعملية عفرين والتصريحات الأميركية باقتراب موعد انسحاب قواتها، ثم بخذلان أكبر على الأرجح مع إعلان اتفاق "منبج".

    

(تغريدة عمر رحمون - وسيط التفاوض بين النظام والمعارضة عن تسليم حقول النفط)

 

محاطًا بالأعداء المحتملين وبحاجة إلى الدعم، لطالما تعلم حزب الاتحاد الديمقراطي ألا يثقُ بواشنطن، وهو ما جعله براغماتيًا في بناء علاقاته مع مختلف الأطراف المتصارعة تحت المجهر الأميركي، وهو مجهر راقب ذلك كله قبل أن يفكر بفاعلية بالانسحاب أكثر من أي وقت مضى بعد إتمام حربه ضد تنظيم الدولة. وفي وقت بات يتطلعُ فيه الجيش التركي لشن عملية عسكرية ضد أورفا بشكل ملحّ، فيما الأنظار تراقب حشود النظام السوري على مشارف إدلب والمتهيئة لخوض معركتها ضد معقل المعارضة الأخير، فإن تسليم الكرد حقول النظام للنظام السوري يعني وبشكل حتمي أن الفصائل الكردية باتت تستعد فعليًا لمرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي، وتأمينَ مناطقها من هجوم تركي أو حتى أسدي محتمل.

 

بالنظر إلى ما سبق، وبالنسبة للنظام السوري الذي لطالما توعد باسترداد السيطرة على سوريا كاملة، وبالنظر لنفس تركيا الطويل حيال أي معركة طويلة الأمد في سوريا والمتوافق مع مثيليه لدى كل من واشنطن وموسكو، فإن الصفقة التي بات المعارضون يتداولونها اليوم، والمتضمنة نشر النظام السوري قواته على الحدود الفاصلة بين القوات الكردية وتركيا، مؤمنًا لهم الحماية مقابل تخليهم عن مكاسبهم السياسية والعسكرية وتطويعهم بالجيش الوطني على أن يقدم لهم تسهيلات في اللغة ويعترف بحقوقهم بعد طي صفحة الثورة، تبقى تلك الصفقة خيارًا مفتوحًا على التكهنات، وفي الوقت الذي لا يملك فيه الكرد سوى خيارات ضيقة جدًا، وبالتزامن مع الأخبار الواردة عن وصول أرتال من الوحدات الكردية لريف إدلب الجنوبي حيث يجتمع مقاتلو النظام الذين يعدون للهجوم على معقل المعارضة الأخير [15]، يزداد التكهنُ بقبول الكرد بأحد الأثمان السابقة، مُسدلين الستار على أحلام "روج آورفا" المستحيلة من البداية للنهاية على الأرجح.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار