انضم إلينا
اغلاق
عمران خان ودولة الجيش.. التغيير لن يأتي قريبا

عمران خان ودولة الجيش.. التغيير لن يأتي قريبا

Jacobin

مجلة فصلية
  • ض
  • ض

في عام ١٩٧١، فاز حزب سياسي باكستاني متقدّما على السياسيين المدعومين من الجيش الباكستاني. كان الجيش قد ذاق هزيمة مذلة على يد القوات الهندية في شرق باكستان (تعرف الآن ببنغلاديش) في العام نفسه. مع هزيمة الجيش العسكرية، صعد حزب الشعب الباكستاني -وهو حزب يصف نفسه على أنه حزب اشتراكي إسلامي- إلى السلطة. بثت قناة الأخبار الحكومية يومها خبر استسلام القوات الباكستانية، مما زاد من إحراج الجيش.

  

بعد ست سنوات، دعا زعيم حزب الشعب الباكستاني، ذو الفقار علي بوتو، إلى إجراء انتخابات مبكرة. كان فوز الحزب في تلك الانتخابات مضمونا، ليس بفضل قدرات الحزب نفسه، الذي كان قد فقد الدعم من الطبقات المتوسطة ورجال الأعمال في المدن الكبرى (ودعم اليساريين الذين كان قد تم تطهيرهم من الحزب)، بل لأن المعارضة لم تكن تشكّل أي تهديد له.

   

 ذو الفقار علي بوتو، زعيم حزب الشعب الباكستاني السابق  (مواقع التواصل الاجتماعي)

    

أصابت رهانات بوتو وفاز حزب الشعب الباكستاني بأغلبية مطلقة في الجمعية الوطنية (البرلمان الباكستاني). مع ذلك، فقد أخطأ الحساب في مكان آخر. فأحزاب المعارضة -وهي مجموعة متنافرة من القوى الإسلامية، والجماعات المؤيدة للرأسماليين، والقوى البلوشية القومية- كانت قد تحالفت تحت راية التحالف الوطني الباكستاني، داعية إلى وضع حد لما سمّته بالممارسات المناهضة للإسلام والفساد. بعد وقت قصير من إعلان النتائج، زعم التحالف الوطني الباكستاني وجود مستوى عالٍ من التزوير، ورفض نتائج الاقتراع، داعيا إلى انتخابات جديدة تحت إشراف الجيش هذه المرة. عمت الاحتجاجات البلاد، وقام الجيش -بدعم من الولايات المتحدة- بتنفيذ انقلاب سلس على السلطة.

   

هكذا بدأت أطول فترة حكم عسكري في باكستان، والتي نصّبت الجنرال ضياء الحق رئيسا للبلاد حتى اغتياله عام ١٩٨٨. في عام ١٩٧٩، تم إعدام بوتو بعد إدانته بتهمة القتل، لكن هذه التهمة لا تزال تحيط بها الشكوك حتى يومنا هذا.

   

بالطبع، لم نتعلم هذا التاريخ في المدرسة في باكستان، أو حتى في المنزل. وفقا لمزاعم كتب التاريخ المدرسية في المدارس المتوسطة، فقد فازت باكستان في حرب ١٩٧١، وكان الخداع الهندي هو السبب في الخسارة المحزنة لباكستان الشرقية. لكن في الحقيقة، فلقد ارتكب الجيش الباكستاني إبادة جماعية في شرق باكستان التي كانت تعمّها المشاعر المؤيدة للانفصال عن باكستان. وفي الميدان، خسرت باكستان أمام الهند بشكل لا مواربة فيه.

          

     

أنا عدت لباكستان في حقبة السبعينيات ليس بالضرورة لأنني أرى أوجه شبه مباشرة مع ما يحدث اليوم، بل للقول إنه في باكستان فإن السلطة الحقيقية هي فعلا في يد الجيش. إن تحول الجيش من كونه مجموعة مكروهة من الشعب إلى حكم البلاد في أقل من عقد من الزمان، واستمراره حتى أتى يوم يمكن له فيه الكذب حول الانتقال الزائف للسلطة، هو دليل كبير قد يثبت وجود ما يسمّى بـ"الدولة العميقة"، وأن "المؤسسة الحاكمة" في باكستان هي شيء حقيقي للغاية.

  

إن حكاية الانتخابات في باكستان تشبه إلى حد كبير التاريخ الذي تعلمته عندما كنت طفلا: أي إنك إذا أخفيت دور الجيش قدر الإمكان في القصة التي تخبرها، فيمكنك فعلا أن تثير بعض الحماس لدى الناس. بعد إعدام ذو الفقار علي بوتو في عام ١٩٧٩، قالت صحيفة نيويورك تايمز إن "صعوده كان سريعا، وكذلك كان سقوطه". لكن ما حدث هو أن صعوده كان بفضل قُربه من ديكتاتور عسكري، فيما كان سقوط بوتو هو بسبب ديكتاتور عسكري آخر!

   

في أعقاب وفاة ضياء الحق في عام ١٩٨٨، سمح الجيش "بانتخابات حرة ونزيهة". على الرغم من ذلك، وخوفا من انتصار ساحق لحزب الشعب الباكستاني تحت قيادة ابنة بوتو، بنظير بوتو، قامت المخابرات الباكستانية وهي ذراع آخر للجيش بدعم التحالف اليميني الذي هيمن عليه حزب الرابطة الإسلامية بقيادة نواز شريف المؤيد لضياء الحق. بفضل هذا الدعم، اكتسب حزب الرابطة الإسلامية قاعدة دائمة في البنجاب، أكثر المقاطعات اكتظاظا بالسكان وأكثرها أهمية في باكستان.

  

بالطبع، فلقد تغيّرت الأمور الآن. فلقد حظيت حركة الإنصاف الباكستانية منذ فترة من الزمن بتأييد الجيش، ومنذ ذلك الحين بدأت حظوظ نواز شريف بالسقوط. تأسست الحركة في عام ١٩٩٦، واحتجت بشدة على انتخابات عام ٢٠١٣ التي فاز بها حزب الرابطة الإسلامية. لكن الانتخابات التي جرت قبل عدة أسابيع وفازت بها الحركة تميّزت بوجود أمني كبير في مراكز الاقتراع. ثم تأخرت لجنة الانتخابات في الإعلان عن النتائج لمدة يومين مما دفع الأحزاب الكبيرة بإصدار اتهامات بالتزوير. وقال فريق المراقبين التابع للاتحاد الأوروبي إن الانتخابات تخللها "غياب المساواة" لكنه قال إنها كانت "مرضية" و"أفضل من عام ٢٠١٣". وادّعى أسد عمر، مرشح خان لمنصب وزارة المالية، أن هؤلاء الذين يشتكون من التزوير هم من "المتعاطفين مع الهند". وفي الوقت نفسه، فإن الجميع قد قبلوا على مضض بفوز حركة الإنصاف، فكل القضية الآن هي ما إذا كان حزب الرابطة الإسلامية سيسمح له بأن يحكم مقاطعة البنجاب، ولكن يبدو أن هذا سيكون سؤالا ليوم آخر.

   

    

الغريب هنا ليست الانتخابات نفسها، وهي غريبة، ولكن المشهد الباكستاني نفسه. إذ يدعم الكثير من الطبقة الوسطى المدنية حركة الإنصاف منذ فترة من الزمن، وخاصة بسبب مزاعمها حول مكافحة الفساد. لا يمكن لعائلة شريف -التي ورد ذكرها في وثائق بنما بشأن صلاتها بالشركات الخارجية وشبكة المحسوبية الواسعة الانتشار التي تديرها واختلاسها المزعوم للأموال- أن تدّعي البراءة. لكن بإمكانها القول إنه بما يتعلّق بتهم الفساد، فإن نهجها لم يكن سوى امتداد لتقليد عريق في باكستان. فقبل انتخابات عام ٢٠١٣، كان الرئيس هو زعيم حزب الشعب الباكستاني آصف علي زرداري، الذي كان قد اكتسب اللقب "السيد ١٠ في المئة" نسبة لسمعته في فرض إتاوة ١٠% تذهب إلى جيبه على كافة التعاملات. سجن زرداري مرتين بتهمة غسل الأموال وإساءة استخدام الأموال العامة، بمبالغ تقدّر بمئات الملايين من الدولارات.

  

لكن ما الخلاصة من كل ذلك؟ طوال حياتي، عرفت باكستان كأحد أكثر البلدان تشاؤما وظنّا بالسوء حيث كانت الأحاديث العمومية حيث نشأت لا تتعلّق بحال الطقس مثل الكثير من الأماكن، بل كانت حول الأشخاص الذين لا يمكن الوثوق بهم أبدا، مع ما يعني ضمنا الإقرار بأنه لا يوجد أي شخص صادق في البلاد، بما قد يشملنا أيضا نحن الأشخاص العاديين.

  

وربما يكون هذا هو السبب في أن التقدميين واليساريين في باكستان كانوا أكثر حذرا تجاه حركة الإنصاف من أصدقائهم وأسرهم الأكثر اعتدالا. إن التركيز على الفساد كمصدر كل الشرور هو أسطوانة قديمة اليوم، لأنه إذا كان المرء من النخبة فإنه على الأغلب قد استفاد في وقت ما من الفساد من خلال الحصول على خدمة أو وظيفة، ومن السذاجة أن نفترض أن شبكات المحسوبية الراسخة، حتى تلك الموجودة في حركة الإنصاف نفسها، سوف تختفي. في هذا السياق، فإن حركة الإنصاف، من خلف شخصية عمران خان، الذي كانت وسامته وشهرته وزيجاته مواضيع للقيل والقال لأكثر من عقدين والذي أسر شعاره "باكستان جديدة" خيال الأمة، قد بدأت تظهر بأنها لا تختلف كثيرا عن أسلافها.

   

إن رأينا في خان يعتمد كثيرا على ما نعتقد أنه مسألة ذات أولوية: ما القضية التي نرغب في مواجهتها، وما الذي نحن مستعدون لتحمّله؟ لا، عمران خان ليس مثل دونالد ترمب أو رجب طيب أردوغان في تركيا، وكلاهما روج باستمرار لسياسات يمينية متطرفة. وعلى عكس ناريندرا مودي رئيس وزراء الهند، لا يرتبط اسم خان بعمليات القتل الجماعية.

     

ناريندرا مودي رئيس وزراء الهند (رويترز)

    

لكنه مثله مثل مودي، نجح في الصعود من خلال منصة قومية متطرفة مناهضة للفساد في الوقت نفسه. وعلى الرغم من لقبه "طالبان خان"، فإنه إذا كان خان يبدو متعاطفا مع المتطرفين الدينيين فهو لأنه يعمد في الوقت نفسه إلى التقرّب من الإسلاميين وإدانة اضطهاد الأقليات الدينية، وهذه واحدة من أقدم الحيل في السياسة. حتى دعم خان لقانون الردّة الرجعي -الذي أدى إلى تسع وستين جريمة قتل منذ عام ١٩٩٠- يبدو وكأنه لعبة قديمة بالنظر إلى أنه نادرا ما قام السياسيون السابقون بتحدّي هذا القانون.

  

وهنا تكمن المعضلة: عندما يصور حزب ما نفسه على أنه يقدم رؤية جديدة في وقت يملأ إلى حد كبير صفوفه بأعضاء من حزب الشعب الباكستاني وحزب الرابطة الاسلامية، فما مدى التغيير الذي يمكن أن نتوقعه منه؟!، بعد فترة وجيزة من الانتخابات، قمت، مثلي مثل الكثير من الناخبين الباكستانيين، بالتنفيس على فيسبوك. لكنّ أستاذا سابقا لي عارض رأيي القائل بأن خان قريب من الجيش الباكستاني بتذكيري أن "أهل هذا البلد يحترمون الجيش".

  

لم أختلف معه. أنا، بعد كل شيء، ابن لرائد متوفى من الطيران الحربي الباكستاني وكثيرا ما كانت عائلتي تردّ على كلامي إما بصمت وإما بسخرية قاسية من آراء الشباب. لكنني أقول هنا: لماذا لا نسأل جميع الانفصاليين البلوش، أو القوميين البشتون، أو الأقليات الدينية، أو عائلات جميع الذين قتلوا على يد المنظمات المسلحة التي دعمها الجيش بشكل خفي للإبقاء على التوتر مع الهند، إذا كانوا هم أيضا يحترمون هذا الجيش؟ تطالبني أمي بأن أكون أكثر تفاؤلا وتردد الحجة الأكثر إقناعا لدى مؤيدي حركة الإنصاف قائلة: "لقد جربنا الجميع. فلِمَ لا نجرّبه أيضا؟".

   

لكي أكون منصفا فإنه لديها سبب وجيه لبعض التفاؤل. كان خطاب خان الأول بعد الانتخابات مفاجأة سارة. إذ أشاد بسكّان بلوشستان الذين صوتوا رغم الهجمات الإرهابية وشجب الإرهاب الذي ابتُليت به البلاد. ودعا إلى "دولة إنسانية، حيث نتحمل مسؤولياتنا تجاه طبقاتنا الأضعف". تحدث عن الجوع، ومحو الأمية، والفقر، وحماية النساء والأقليات، والبطالة، والأزمة الاقتصادية، ومحنة الشعب الكشميري، والدبلوماسية والتجارة مع الهند. وحتى الحدود الصعبة مع أفغانستان.

   

     

لماذا إذن أنا أشتكي منه؟ السبب هو أنني أشك في صدقه. لا يستطيع خان ببساطة مسح سجله كأنه لم يكن. إن علاقاته الوثيقة بالجيش غالبا ما تجسدت في اتهامه لمعارضيه بأنه لديهم علاقات مشبوهة مع الهند، وهذا قد ساهم بلا أي شك في المضايقات ضد الصحفيين ومنتقدي الجيش، وكذلك اختطاف المواطنين العاديين واختفائهم. وعلى الرغم من أن خان تحدث عن مسألة الأشخاص المفقودين عدة مرات، فإنه غالبا ما يتجنب التحدث عن دور الجيش.

  

كما يروج خان لنفسه على أنه مناصر للفقراء، تماما كما فعل حزب الرابطة الإسلامية في الانتخابات السابقة. لكن كم من خطابه هذا هو للاستهلاك الإعلامي؟ هل يمكن أن يجلب التغيير حقا؟ الجواب سوف يتضح مع مرور الزمن، لكن أول الاختبارات سيكون في كيفية تعامله مع حزب المعارضة الرئيسي، وتعامله مع المعارضين في المستقبل القريب. هل ستحترم حركة الإنصاف التفويضات الديمقراطية بما يكفي للتنازل عن البنجاب لصالح حزب الرابطة الإسلامية التي فازت بالغالبية في تلك المقاطعة؟ وإذا اختلف خان مع الجيش، حيث تنبأنا السوابق التاريخية بأن هذا احتمال قائم دوما، فماذا سوف يحدث عندها؟

 

في يوم الانتخابات، كنت أفكر في هذه المسائل، وأقلق من أشياء لا حصر لها مثل هذه الحتمية التاريخية. في غرفة بعيدة جدا عن الوطن، حاولت أن أطمئن نفسي وأن أتخطى تشاؤمي حول إعادة التاريخ لنفسه. ثم تلقيت رسالة من صديقة، هي مثلي لا تؤيد حركة الإنصاف، قالت: "إنها حلقة مفرغة. اصنع زعيما. ثم اجعله يسقط. اصنع زعيما آخر. ثم كرر العملية".

--------------------------------------------------------------

ترجمة (كريم طرابلسي)

(الرابط الأصلي)

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار