هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
"Mr. Nobody".. هل قرأ "فان دورميل" قصائد "محمود درويش"؟

"Mr. Nobody".. هل قرأ "فان دورميل" قصائد "محمود درويش"؟

محمد السعدني

محرر فن
  • ض
  • ض
استمع للتقرير

  

مثل العديد من الكائنات، تعتمد الحمامة في غذائها على حبات الذرة، لكن إذا وضعت الحمامة في علبة وفُتح لها منفذ صغير بشكل آلي كل عشرين ثانية لتلتقط منه حبات الذرة، تتساءل الحمامة: ماذا فعلت لأستحق هذا؟ فإذا كانت ترفرف بجناحها في هذا الوقت قبل أن يفتح المنفذ فإنها تستمر في فعل هذا طوال العشرين ثانية الأخرى معتقدة بأن تلك الحركة هي السبب في حصولها على هذا الطعام! ولذا فنحن نصف هذا بـ "خرافات الحمامة". (1)

  

بهذا المنوال يفتتح "جاكو فان دورميل" عمله البديع "السيد لا أحد" أو "نيمو" المسن ذو المئة وسبعة عشر عاما والذي أرغمه النسيان ليظن نفسه بعد في الرابعة والثلاثين.

- نيمو هل تتذكر من أنت؟

- لا أتذكر أي شيء!

    

"في البيت أجلس، لا سعيدا لا حزينا بين بين. ولا أبالي إن علمت بأنني حقا أنا... أو لا أحد!"

(محمود درويش)(2)

      

  

على جانب آخر صوّر لنا الشاعر محمود درويش تجربة استباقية من القبض على الموت، فلم يمت أحد تماما، ثم عاد ليحكي لنا صورا من البرزخ، ولكن درويش بطبيعته المتأملة بين الخيالي والواقعي قد صنع ما وصفه البعض رثاء استباقيا للذات، يحكي فيه عن هذا الوقت الذي عاشه في المشفى متوقف القلب لعدة دقائق يخضع في أثنائها لعملية قلب مفتوح، يحاول درويش في قصيدته "جدارية" أن يعود إلى ذاته في أقصى لحظات انتباهها الوجودي أثناء ذهابها عن قيد الحياة لعدة دقائق، يقول عن ذلك:"أنا كشاعر مطالب بأن أقدم شهادة شعرية هي تراجيدية سواء تعاملت مع الخارق أم مع المألوف". (3)

   

وعن طريق التنويم بالإيحاء، استطاع نيمو أن يتذكر الماضي البعيد، ليس قبل أن يشيخ فقط، بل قبل أن يولد وقبل أن يهبط على الأرض، يستنتج لنا الفيلم صورة شعرية عن السماء أو العالم الأعلى، لا أحد صعد إلى السماء ولا أحد يتذكر أين كنا قبل أن نولد. لكن الذي حدث لنيمو، أن الملائكة نسيت أن تمسح على شفتيه، فلم ينس بذلك شيئا مما رأى أو سمع.

 

ربما لم تختلف تلك الصورة التي رسمها محمود درويش للعالم الأعلى عن تلك التي قدمها لنا المخرج جاكو فان دورميل ونحن نشاهد نيمو في العالم الآخر تائها في كل هذا الكم من السراب الأبيض المحيط به من كل جانب، تلك التي قدمها لنا محمود درويش في جداريته وهو يصف البرزخ: " كل شيء أبيض". (4) "هذا هو اسمك، قالت امرأة وغابت في ممر بياضها" محمود درويش (صورة لعالم السماء من فيلم "Mr. Nobody")

        

"هذا هو اسمك، قالت امرأة وغابت في ممر بياضها" محمود درويش        (صورة لعالم السماء من فيلم "mr. nobody") 

    

في جداريته أيضا لا يختلف محمود درويش حتى مع رواية المؤلف الذي جاء فيلمه بعد جدارية محمود درويش بسنوات والذي يروي لنا أننا جميعا كنا هناك في هذا المكان ورأينا هذه الصور قبل أن نولد على الأرض ولكننا نسينا، فدوريش يشبّه على هذا المكان ويحكي وكأنه رآه من قبل ولكنه لا يتذكر: "وكأنني قد مت قبل الآن، أعرف هذه الرؤيا وأعرف أنني أمضي إلى ما لست أعرف".

  

في أول سنة من عمر "نيمو" الذي لا يعرف نفسه بعد إلا بـ "الطفل الصغير" يتعرف على الأشياء، يصنع تجربته الخاصة للحياة والتي هي على غرار: إذا تعثرتُ أثناء تعلمي المشي تبتهج أمي وتقول: "برافو"، لذا حينما سقطت أمي من على درج السلم أنا ضحكت وقلت: "برافو". ثم يستكمل: "كل ماهو موجود يمكن أن تراه، أنا أرى عيون أمي لكني لا أستطيع رؤية عيني، الطفل الصغير يرى يديه، إذًا هي موجودة، لكنه لا يرى وجهه، إذًا هل هو موجود حقا، هل أنا موجود حقا؟! لماذا هذا أنا وليس أحدا آخر؟!".

  

"وجلستُ خلف الباب أنظرُ:

هل أنا هُوَ؟

هذه لغتي.. وهذا الصوتُ وخزُ دمي

ولكن المؤلف آخر.."
(محمود درويش)

   

اختيار مؤجل

لم يكن "السيد لا أحد" فيلما مفهوما لدى جميع الناس، بل فيلم يتطلب خبرة معينة لفهمه، فقط أولئك الذين مرت بهم تجارب معينة مثل الحب والموت والولادة والانفصال والخيارات الصعبة ومتغيرات الحياة هم من يمكنهم أن يشعروا بالنزعة الوجودية للفيلم. (5) في مشهد يتسم بالرمزية يقف الصغير نيمو ملخصا إحدى معضلات حياته، يمسك بقطعة نقدية ويقف أمام نوعين من الحلوى يحملق فيهما ولا يدري أي واحدة منهما ستكون الاختيار الصحيح، وبعد لحظات يستسلم أمام صعوبة الاختيار ويعيد قطعته النقدية لجيبه مرة أخرى مدركا المعنى: "الوقت لا يعود إلى الوراء وبما أنك لم تختر بعد، فكل الاحتمالات ما زالت قائمة".

  

  

يترك الحلوى ويرحل محتفظا بإمكانية الاختيار، نيمو الذي نسيت الملائكة أن تمسح على شفتيه كان ما زال قادرا على رؤية احتمالات المستقبل، يمر على ثلاث فتيات من أصدقائه الجيران، تسلم كل واحدة عليه، يرد نيمو السلام لكل منهن وهو يتخيل احتمالية قضاء حياته معها كيف ستكون، ويكمل طريقه لأنه في السماء حيث لا وجود للزمن رأى نيمو كل احتمالاته في الحياة ولم ينسها.

  

- درويش: "خلفَ الكواليس يختلف الأمر؛ ليس السؤال: متى؟ بل لماذا، وكيف، ومن؟".

لكن والد نيمو كان ما زال يحكي له عن الفضاء وكيف أننا نستطيع أن نتنبأ بمكان المريخ حتى بعد مئة عام من الآن!

- نيمو: المضحك أن أبي لا يعرف ماذا سيحدث له بعد دقيقتين. في نهاية المطاف اخترت أبوَيَّ، لأن السيدة كانت رائحتها عطرة، ولأن الرجل قال: "حسنا أستطيع أن أخبرك كيف تقابلنا، إنه من صنيع القدر، هل سمعت عن أثر الفراشة".

مشيرا إلى فراشَة تسبب طيفها في حمل ورقة شجر من الغابة إلى تلك المدينة في هذا الوقت لتقع تحت حذائه حيث انزلق أمام تلك السيدة بالمصادفة والتي أحبها وتزوجها بعد أن ساعدته على النهوض.

   

"كان يمكن أن لا أحب الفتاة التي سألتني كم الساعة الآن.. لو لم أكن في طريقي إلى السينما"
(محمود درويش)

    

لكن نيمو المسن أرسل إليه رسالة من المستقبل فيما بعد يخبره فيها: "لعلك لست موجودا، لعل أبويك لم يلتقيا، لعل أباك مات إثر حادثة على لوح تزلج، لعلك كنت أحد الغالبية العظمى التي لم تصل شفرتهم الجينية إلى مستقرها!".

  
"كان يمكن أن لا يكون أبي قد تزوج أمي مصادفة
أو أكون مثل أختي التي صرخت ثم ماتت
 ولم تنتبه إلى أنها ولدت ساعة واحدة ولم تعرف الوالدة
أو كبيض حمام تهشم قبل انبلاج فراخ الحمام من الكلس
كان يمكن أن لا أكون
 وأن تقع القافلةْ في كمين، وأن تنقص العائلةْ ولدًا،
هو هذا الذي يكتب الآن هذي القصيدةَ
حرفًا فحرفًا، ونزفًا فنزفًا على هذه الكنبةْ"

(محمود درويش - لاعب النرد (6))

     

وقفت على المحطة لا لأنتظر القطار!

في رمزية شديدة يقدم لك الفيلم نفسه متجاهلا كل التفاصيل التي لا يريد أن يتحدث عنها، وبشجاعة بديعة يروي لك بعض الأحداث التي قد يتسع لها فيلم كامل في ثوانٍ معدودة، لأن المخرج يدرك جيدا ما يريد أن يتحدث عنه وما يريد أن يمرره مرور الكرام، ففي أربع لقطات خاطفة يحكي المخرج قصة طويلة برمزيته المعبرة عن حادثة خيانة والدة نيمو لوالده، ثم عن اكتشاف والده لتلك الخيانة واشتعال الشجار في غرفة المعيشة أمام صورة الزواج، ثم انكسار إحدى قطع الأثاث في رمزية أخرى إلى الانفصال، كل ذلك في خمس عشرة ثانية وأربع لقطات خاطفة فقط، لكنه يستكمل لك ساعتين كاملتين هما ما تبقى من مدة الفيلم عن تلك اللحظات التي احتاج إليها الصغير نيمو للتفكير مع أي منهما سيختار أن يعيش أثناء وقوفه بينهما على محطة القطار المتجه بوالدته إلى بيت زوجها الجديد. (7)

   

 

أثر الفراشة لا يُرى.. أثر الفراشة لا يزول

يستمر الفيلم في سرد كل الاحتمالات التي تدور في عقل "نيمو" ذي تسع السنوات في تحفة فنية لا تنفك تشبه قصيدة درويش "لاعب النرد"، كان نيمو هو الآخر لاعب نرد يربح حينا ويخسر حينا، تؤثر عليه التفاصيل التي يصنعها بحياته، تفاصيل في غاية الدقة كجملة غبية خرجت منه تحت تأثير الحرج للفتاة التي أحبها كان من شأنها أن تغير مجرى حياته، لم يتوقف المخرج فقط عند الإشارة إلى اختيارات نيمو البسيطة المؤثرة على حياته، بل أيضا على تفاعل اختياراته مع اختيارات البشر الآخرين وأفعالهم وتأثيرها عليه، حيث أمكن لرجل تلقى رشوة مقابل صفقة أربطة أحذية رديئة اشترت والدة نيمو له إحداها أن يمنعه من اللحاق بها حينما انقطع رباط الحذاء وعرقله أثناء ركضه خلف القطار، أو تلك النقطة من الماء أثناء المطر التي وقعت على الورقة الصغيرة التي تحمل آخر أمل له في لقاء الفتاة التي انتظرها عمرا كاملا لتجعل الحبر الخاص برقم هاتفها يختلط فوق بعضه، والتي تسبب فيها رجل برازيلي عاطل عن العمل قام بسلق بيضة قبل شهرين وتسبب بخاره في انهيار تلك السحابة وتساقط المطر في الجانب الآخر من العالم.

  

ولأن كرة واحدة من الثلج يمكنها أن تذيب الخيزران، فإن هذا الرجل الذي كان من الممكن أن يذهب إلى العمل في صناعة النسيج وأن لا يغلي تلك البيضة في هذا اليوم ولكنه فُصل من عمله لأن نيمو هو والآخرين اشتروا ملابسهم من شركة أخرى وضعت أسعارا تنافسية للغاية تسببت في خسارة شركة الرجل وتسريح موظفيها، هكذا يتعامل الفيلم مع العالم مسندا مصائرنا إلى الحظ الذي لا يمكن التحكم به أو توقعه ولكننا لو غيّرنا أدق التفاصيل قد تتغير معها أكبر المصائر. (8)!

   

"كان يمكن أَلاَّ أكون أَنا مَنْ أَنا.. كان يمكن أَلاَّ أكون هنا...

كان يمكن أَن تسقط الطائرةْ بي صباحًا، ومن حسن حظّيَ أَني نَؤُوم الضحى..
فتأخَّرْتُ عن موعد الطائرةْ

كان يمكن، لو كنت أَبطأَ في المشي، أَن تقطع البندقيّةُ ظلِّي
عن الأرزة الساهرةْ

كان يمكن، لو كنتُ أَسرع في المشي، أَن أَتشظّى
وأصبَح خاطرةً عابرةْ

كان يمكن، لو كُنْتُ أسرف في الحلم،
أَن أَفقد الذاكرة"

(محمود درويش - لاعب النرد)

  

"لم يبقَ لي إلا التأمل في تجاعيدِ البُحيرةِ، خُذ غَدي عنّي وهاتِ الأمس، واتركنا معًا، لا شيء بعدكَ سوفَ يرحَلُ أو يَعُود"  - محمود درويش   (نيمو ينتظر أمام النهر منذ عدة أيام على أمل رؤية الفتاة مرة أخرى)

    

نحن مجرد خيال طفل ذي تسع سنوات

كان هذا الاحتمال من نيمو البالغ من العمر 117 عاما شاهدا على كل ما مر على خيال الطفل ذي تسع السنوات والذي عاش حتى أصبح آخر شخص فانٍ على وجه الأرض حيث طور البشر قدرة ما تمكنهم من الخلود، يقول: "في عمري كلفتنا الشموع أكثر من الكعكة، كان هناك سيارات وتلوث، دخنّا السجائر، تناولنا اللحوم، فعلنا كل ما لا يمكن فعله في عالمنا الحالي، كانت الحياة بطيئة وفي معظم الوقت لم يكن يحدث شيء كالفيلم الفرنسي".

 

قد تُحدث هذه الكلمات في النفس أثرا كهذا الذي تتركه كلمات محمود درويش في جداريته:

"ولدنا في زمانِ السيفِ والمزمار، بين التين والصبّار، كان الموت أبطأ، كان أوضحَ. أما الآن: فالزر الإلكتروني يعمل وحده"

   

نيمو المسن: "يجب أن يكتب على سبورة كل مدرسة: إن الحياة مجرد ملهى، ليست أكثر من ذلك!، إنني لا أخشى الموت، بل أخشى أنني لم أحيَ كفاية".

 

درويش:

 "وحياتنا هي أن نكون كما نريد، نريد أن نحيا قليلًا لا لشيءٍ بل لنتحترم القيامة بعد هذا الموت!"

في أحد مشاهد الفيلم يصور لنا "جاكو فان دورميل" الصغير "نيمو" وهو يجلس على أحد كراسي المسرح وحيدا يشاهد حياته تعرض أمامه على خشبة المسرح، في مشهد لا يمكن بأي حال من الأحوال تصوره في منأى عن ما كتبه محمود درويش في جداريته:

"هل أؤدي جيدًا دوري من الفصل الأخير؟
وهل قرأت المسرحية قبل هذا العرض، أم فرضت عليَّ؟!
وهل أنا هو؟ من يؤدي الدور؟ أم أن الضحية غيرت أقوالها
لتعيش ما بعد الحداثة، بعدما انحرف المؤلف عن سياق النص
وانصرف الممثل والشهود"

     

  

ربما لو كنت غيري لصرت أنا مرة ثانية!

يوجه الصحفي الشاب سؤاله لنيمو المسن: من المستحيل أن تكون قد عشت كل هذه الخيارات معا في وقت واحد، لا يمكن أن تكون في المكان ونظيره في الوقت نفسه، كل ما تقوله متناقض، فأي حياة؟ أي حياة هي الحياة الصحيحة؟! يجيب نيمو بأن كل تلك الحيوات هي صحيحة، كل واحد من تلك الاحتمالات هو الاحتمال الصحيح!، كل شيء يمكن أن يكون شيئا آخر، وسيحمل الأهمية نفسها! لكنك صغير على استيعاب هذا!

  

"في الشطرنج يطلق عليها "زوجزوانج" عندما تكون مضطرا مجبرا على القيام بحركة معينة لا غيرها امتثالا لقوانين اللعبة فهذا لا يمكن أن نسميه اختيارا!". (9)

 

"تعال معي" يقول نيمو المسن للصحفي الشاب، "انظر حولك"، ينظر الشاب عبر زجاج المبنى ويرى أن كل شيء ينهار من حوله لتعود الصورة مرة أخرى إلى نيمو الصغير على محطة القطار، يركض في اتجاه آخر لا مع والده ولا مع والدته بحثا عن احتمال جديد لحياته مخالفا كل الاحتمالات التي رآها في خياله.

"ههنا، في صحبة المعنى

تمردنا على الشكل

وغيرنا ختام المسرحية"

    


تقارير متصدرة


اّخر الأخبار