هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
التدمير كفن.. لماذا قطع فنان جرافيتي لوحته بعد بيعها؟

التدمير كفن.. لماذا قطع فنان جرافيتي لوحته بعد بيعها؟

رحمة حداد

محرر فن
  • ض
  • ض

"الرغبة في التدمير هي رغبة إبداعية أيضا"

  
فتاة صغيرة ذات ثوب قصير، يتطاير الثوب في اتجاه الريح تتبعه خصلات شعرها، تمد يدها محاولة الإمساك بقلب أحمر في صورة بالون يطفو بعيدا، ربما رأيت تلك الصورة مرارا مرشوشة على الجدران في صور لشوارع في مدن مختلفة، تعتبر صورة الفتاة والبالون من صور فنون الشارع الأيقونية، وفن الشارع بشكل عام غير مخصص للبيع، إنما هو للتحريض على الثورة أحيانا أو كتعليقات اجتماعية لاذعة، فماذا يحدث عندما يتقرر بيعه فعلا؟
   
انفجرت وسائل التواصل الاجتماعي، والصحف الفنية والإخبارية، متحدثة عن تلك اللوحة التي تحولت إلى شذرات لحظة تقرر بيعها في مزاد، هي ذاتها الفتاة والبالون لكنها مقيدة داخل إطار ذهبي عريض، اعترف صانعها "بانكسي" على حسابه الشخصي على موقع إنستغرام أنه هو الصانع، هو المخرب المجهول وراء شرذمة اللوحة، وذلك من خلال نشر فيديو لعملية تركيب جهاز خلف الإطار يقطع اللوحة إلى شرائط تلقائيا، كان الحدث مصورا، اعتبره العديدون بيانا مؤثرا وتصريحا ضد تسليع الفن، لكن النتيجة جاءت عكسية، أصبحت اللوحة أغلى بعد التدمير، وأُعطيت اسما جديدا "الحب في صندوق قمامة"، اشتهرت بشكل أكبر ولاقت رواجا جماهيريا أوسع، فما مدى صدق بانكسي وإدارة المزاد في ملابسات ذلك الحدث؟ وهل تدمير قطعة فنية يُعلي من قيمتها؟

    

    

من هو بانكسي؟

حرص أن تكون هويته سرية على الدوام، لكن لم يمنع ذلك من التكهنات بشأنها، لبانكسي اسم آخر ومسقط رأس وسنة ميلاد يتم تداولهم، في عام 2008، أجرت مجلة ميل أون سانداي تحقيقا للوصول لهويته، توصلت إلى أن بانكسي يسمى روبين جاننهام وأنه كان فتى مدرسيا ميسور الحال مما يمكن أن يصدم جماهيره، نظرا لانتقاده المستمر للطبقات العليا والرأسمالية، ولد عام 1974 في ييت، بعد رؤية جرافيتي مرسوم على حائط في جاميكا اشتبه في أنه صورة شخصية للفنان، استمرت المجلة في التساؤل، وصلت إلى عاملة في المدرسة التي ارتادها، وأمه وأبيه، تراوحت الإجابات بين الإثبات والإنكار، حتى الآن لا يوجد من يؤكد هوية بانكسي، لكنه يفضل ذلك، هو يسعى لأن يكون مجهولا بكل الطرق، كشبح يعبر عن رؤيته ثم يتلاشى.(1)
      

  

"لا أظن المتاحف مكانا جيدا لمشاهدة الفن"1

    

يقع بانكسي على الحد الفاصل بين وصفين، المجرم والفنان، تماما مثل الفن الذي يقدمه "الجرافيتي" أو فن الشارع، فهو جريمة رسميا في معظم دول العالم، لكن يعتبره الكثيرون نوعا ثوريا من الفنون لا يمكن أن يوجد في أي مكان غير الحيز العام، الجدل حول الجرافيتي وفنون الشاعر قائم منذ عصور رجال الكهوف ورسومهم على الحوائط، لكنه ليس فعلا مقننا بعد، يتخفى ممارسوه في ملابس سوداء بغطاء للرأس والوجه يميز المشاغبين، يطوف بانكسي الشوارع منفذا لوحات مرشوشة معدة سابقا، بها نقد اجتماعي وسياسي لاذع للحرب والرأسمالية، للاستهلاكية والحداثة، لكنه فنان مشهور، تخطى فكرة التخفي وأصبح أيقونة شعبية، يملك حاليا حسابا على إنستغرام ويوتيوب، يتواصل مع محبيه، ويعترف بارتكابه الفعل التخريبي لعمله الشخصي بعد بيعه بما يفوق المليون بمزاد في إنجلترا.

 

التدمير كفن

"كنت أملك بندولا في مرسمي، أضبطه عندما أبدأ في الرسم، مثلما يفعل عازف البيانو حينما يبدأ في العزف، صوت تكاته يحكم عدد وسرعة ضربات فرشاتي، كلما أسرع البندول أسرعت في الرسم، عندما يتوقف البندول، أعلم أني رسمت أكثر من اللازم، وأني أكرر نفسي، وأن لوحتي لم تعد جيدة ويجب تدميرها، يحتاج الرسام إلى جمهور، لذلك قطعت صورة لعين وثبّتُّها في البندول وكأنها تراقبني، في يوم لم أتقبل حكم البندول علي، كان الصمت غير محتمل، وبما أني أسميته بسبب حدس سابق العنصر التدميري، حطمته لأجزاء صغيرة"

   

   

يتحدث مان راي المصور والرسام السريالي الشهير عن عمله الفني "عنصر صُنع ليدمّر" والذي تم إعادة صنعه عدة مرات بعد تدميره أول مرة، أول إعادة تم تدميرها أيضا، لكن ليس برغبة مان راي بل تحت وطأة الحرب، أعاد صنعه مرة أخرى مع كتيب للتعليمات يشرح به كيفية تدميره، بفلسفة أخرى مختلفة عن أول مرة تم تدميره فيها بشكل مندفع وعشوائي، فهذه المرة نية التدمير سابقة، عرض العمل في معرض للدادائية وهي مدرسة فنية ظهرت بعد الحرب تعتبر نفسها ضد الفن، تنبذ الجمال وتمجد التعبير القاسي التدميري الذي قد يبدو جافا أو قبيحا.(2)

 
في تلك الفترات، عندما كان الفن يخرج من عباءة الزينة والجمال ويدخل في إطارات أكثر ثورية وعنفا، أصبحت الأفعال التدميرية معبرة عن ذلك الغضب والرفض لسلبية الفنون في تعاملها مع مستجدات المجتمعات، فالتدمير الذي تفعله الحرب عنوة، يختار الفنان أن ينفذه بنفسه، وكأن ذلك يعطيه القوة والتحكم اللذين سُلبا منه.

 
إذا كان لدى تاريخ الفن رصيد ما من الرغبة في التدمير، فما الذي يجعل فعل بانكسي التدميري محل خلاف الآن، بينما الفن المعاصر أرسى نفسه منذ سنوات عديدة بالعديد من الأعمال المثيرة للجدل، التي لا يفترض تكرار ما يشبهها أن يكون مفاجئا إلى هذا الحد، لكن ربما هنا تكمن المشكلة أو الجدل، ما فعله بانكسي ليس شيئا ثوريا بالنسبة لعصره لكن اعتبره البعض كذلك، ربما هو رغبة في حس أناركي مفقود، أو انتقام شخصي من فكرة الفن والمال وارتباطهما ببعضهما البعض.

  
"الرغبة في التدمير هي رغبة إبداعية أيضا"

  
استخدم بانكسي ذلك الاقتباس الشهير مصاحبا للفيديو الذي نشره على موقع إنستغرام لعملية زرع جهاز التشريط في إطار اللوحة قبل بدء المزاد، واضعا بجانب الاقتباس اسم الفنان الحداثي الأشهر "بيكاسو"، ما الذي يستدعي التحليل في استخدامه لذلك الاقتباس؟

    

View this post on Instagram

. "The urge to destroy is also a creative urge" - Picasso

A post shared by Banksy (@banksy) on

     
في عصر انفتاح المعلومات وتداخلها، وانتشار الاقتباسات الملهمة على مواقع التواصل وفي كتب التنمية وغيرها، يتم إرجاع مقولات مهمة أو غير حقيقية من الأساس لشخصيات تاريخية وفنية خاطئة، "الرغبة في التدمير هي رغبة إبداعية أيضا" هي مقولة للفيلسوف الروسي، السياسي والأناركي2 "ميكاييل باكونين"، ولد باكونين قبل بيكاسو بخمس سنوات، يتم تداول المقولة على لسان بيكاسو باستمرار، وكأنها عن الفن بشكل أساسي، لكنها في الأساس مقولة ثورية وأناركية بامتياز، وهو ما يحاول بانكسي بالفعل تبنيه.

  
مثل تلك اللفتات الصغيرة تسهل على الكثيرين انتقاد مصداقية بانكسي وجديته، بل إن هناك بعض المواقع التي أجرت تحقيقات في واقعة الفتاة والبالون خرجت بنتائج تكاد تثبت تورط إدارة المزاد، نظرا لصعوبة أو ربما استحالة أن تأخذ قاعة عرض لوحة فنية دون التحقق من إطارها خصوصا إذا كان ضخما دون داعٍ.(3)

  
من غرائب ذلك الانقسام في اعتبار فعل بانكسي فنا رائعا أو تفاهة مدعية هو وجود مقالين في الجريدة نفسها، الجارديان الإنجليزية، أحدهما يرجع تاريخه للعام الماضي بعنوان "العمل الفني المفضل للبريطانيين يعد دليلا على غبائنا"، يستطرد جوناثان جونز كاتب المقال مبررا اللفظ المهين بأنه استعارة من الناقد الفني الشهير جون راسكين، الذي وصف به أذواق العامة فيما يخص الفن، في تصويت لأكثر عمل فني مؤثر اختار البريطانيون لوحة الفتاة والبالون، كان ذلك قبل الجدل القائم الآن، انتقد جونز سطحية ذلك العمل وربما طفوليته، ففي نظره لا يوجد ما هو أكثر مباشرة من تصوير الحلم كقلب أحمر والحالم فتاة صغيرة يشدها الريح سارقا منها حلمها.(4)

    

     
بعدما تجددت شهرة الفتاة والبالون نُشر مقال آخر في الجارديان، والمفاجأة أن كاتب المقال هو جوناثان جونز أيضا، وهذه المرة بعنوان "لماذا يعتبر وضع مليون يورو داخل قطاعة ورق أهم عمل لبانكسي؟"، يرى جوناثان هذه المرة، وهو الناقد اللاذع للوحة في حالتها الأصلية، أن فعل الإرهاب الفني هذا هو صفعة للرأسمالية وتسليع الفن، شبه جونز فعل بانكسي بالدادائية، وبفلسفة الفنان الألماني جوستاف ميتزجر، الذي جعل من "الفن الذاتي التدمير" تخصصه الأثير، وكان معارضا فعالا وناشطا سياسيا، اشترك في العديد  من المظاهرات  بل وقاد بعضها ضد الحروب والأسلحة النووية، لكنه كان يرى أن ذلك النوع من الفن يجب أن يكون مثل المظاهرة، يصنع في الشارع أمام الجماهير ليثير فيهم مشاعر مثل تأثير الأسلحة النووية على البشرية وكيف تذيب كتلة من البشر في لحظات.(5)(6)

  

جوستاف ميتزجر يمارس فنه التدميري في ميدان في لندن، يرسم باستخدام رشاش يحتوي حمضا يذيبب طبقات من النايلون (مواقع التواصل)

    
  
يمكن تحليل فعل بانكسي بالسلب أو الإيجاب، بحماس أو بفتور، لكن لا يمكن إنكار أنه صنع هزة في عالم الفن، لا يمكن الجزم إذا ما كانت ستؤثر بتلك القوة لولا سرعة تداول المعلومات، أو لقلة الأحداث الفنية التي تحظى بتغطية إعلامية، لكن على أي حال أحدث بانكسي حراكا كان يريده أن يحدث، وأثرى نقاشا وجدلا حول ماهية الفن ودوره. 

----------------------------------------

الهوامش: 

1- بانكسي في حوار مع الجارديان
2- اللاسلطوية، فلسفة سياسية تعارض السلطة في تسيير العلاقات الإنسانية.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار