انضم إلينا
اغلاق
المرض النفسي والوحدة.. هل هناك علاج نفسي بعيدا عن نظريات فرويد؟

المرض النفسي والوحدة.. هل هناك علاج نفسي بعيدا عن نظريات فرويد؟

ليلى يوسف

كاتبة
  • ض
  • ض

كانت آني تسير بخطوات عصبية والتوتر يغلبها إلى أن وصلت إلى أحد معارض النباتات، بدا الطقس رائعا والموسيقى تصدح في الأجواء، لكن هذا لم يهدئ من اضطرابها، وجدت امرأة تبدو أنها في انتظارها لكنها لا تعرفها جيدا، احتضنتها ببرود والتوتر ما زال يصاحبها، تحدثتا عن ذكرياتهم في الماضي وعن أشخاص وأماكن ما ثم فجأة أخبرتها المرأة أن هذا لم يحدث، ازداد غضب آني وقالت لها بعصبية: لا تنسي أنكِ تستخدمين خدمة توفر لكِ أناسا ليتظاهروا بأنهم أصدقاؤك.

هذا المشهد هو جزء من العالم الدرامي الذي يقدمه مسلسل نتفليكس الجديد "المهووس" (Maniac) بطولة جونا هيل وإيما ستون، حيث يطرح فكرة علمية جديدة تنحي العلاج النفسي جانبا من خلال شركة أدوية تبحث عن متطوعين لاختبار دواء جديد بصدد طرحه في الأسواق لتدمير وعلاج كل الأمراض النفسية بكبسولة دواء واحدة.

لأن الألم النفسي غير ملموس كان معضلة للبشرية على مدار آلاف السنين، والغوص في أسبابه ومحاولة فهمه كان ضربا من المحال، احتار الأطباء في النفس المضطربة التي تتألم، فكان علاجها الوحيد إحداث ثقوب في الجمجمة أو عقد جلسات لطرد الأرواح الشريرة (التطهير) وغيرها من محاولات قاسية لتهدئة هذه العقول وحل الاشتباكات التي تتسبب في هذه الأمراض غير المفهومة. لنتخيل معا آلاف المرضى ممن عانوا من أمراض نفسية وانتهى بهم الحال إلى الموت لأن طريقة العلاج غير صحيحة وتبحث عن العلة بداخل الجسد، كان ذلك قبل ظهور منهج التحليل النفسي الذي يستكشف ما وراء الألم.

  

  

وداعا فرويد
 في كتابه "مساهمة في تاريخ حركة التحليل النفسي" يحكي فرويد عن بدايات تشكّل الجلسات الليلة التي كانت تجمعه مع الأطباء الشبان والتي ساهمت في طرح الأفكار وتبادل النقاش حول التحليل النفسي بعيدا عن الوضع السائد في طرق العلاج المدمرة، إلى أن أصبح العلاج النفسي بمرور الوقت علما معترفا به نسبيا ويلقى بعض التقدير في الأوساط العلمية والطبية، واللجوء إلى التفكير في النفس البشرية بعيدا عن استخدام طرق الألم والإيذاء الجسدي بدا كثورة جديدة في تاريخ العلم البشري، كان هذا في بدايات القرن العشرين، أما في مسلسل "المهووس" (Maniac) -حيث الزمن الدرامي مستقبلي لكنه مجهول ويصعب تمييزه- يطغى العلم على كل شيء، وتسعى شركة أدوية شهيرة إلى تدمير نظريات فرويد والعلاج النفسي بالتعامل مع العقل البشري ومحاولة فك تعقيداته من أجل حل المشكلات النفسية بعيدا عن عيادة الطبيب النفسي، لنعود بذلك إلى أفكار عصور ما قبل فرويد حيث النبش وراء العقل لتدمير الخطر وتجاهل جذور الألم.

"هدفي هو اجتثاث كل أشكال الألم البشري إلى الأبد.. علينا أن نتطور بحيث نتجاوز معاناتنا"

(المسلسل)
        

في المختبر يتشكل فريق الأطباء القائمين على العملية التجريبية للدواء من دكتور جيمس و دكتورة آزومي بعد الوفاة المفاجئة لزميلهما دكتور موراموتو، ظهور جيمس بالتحديد وتسليط الضوء على حياته هو جزء من محاولات فهم نفسية مطور هذا العلاج الطبي، والذي نكتشف أنه مريض نفسي يليق به التمدد على الشيزلونج أمام فرويد.

يعاني جيمس من أزمتين، أمه المتسلطة التي دائما ما تقلل من شأنه وتتهمه بالفشل، وأزمة جنسية تتعلق بعدم الممارسة الطبيعية وعدم وجود حب حقيقي في حياته.

خدعة التنمية البشرية
 تلعب دكتور جريتا مانتلراي دورا مهما في خلفية الأحداث، فهي طبيبة الأعصاب والمعالجة النفسية الشهيرة التي حققت كتبها في التنمية البشرية والنفسية أعلى مبيعات على مستوى العالم، لكنها تركت ابنها جيمس يعاني من أزمة نفسية هي من زرعت بداخله بذورها منذ طفولته.

بالتوازي مع مرحلة المواجهة في الاختبار الدوائي حدثت مواجهة بين جيمس وأمه، صارحها بحقيقة مشاعره تجاهها وبأنها السبب في إيذاء نفسي لم يتعاف منه لأنها دائما ما تحقّر من شأنه، ثم يواجه أمه بالجهاز المسؤول عن التجربة الذي ابتكره لنكتشف أنه محاكاة لأمه، فقد اختار أن يعوّض الشعور العاطفي تجاه أمه مع الجهاز الذي سيغير مسيرته العلمية.

  

  

في بداية تعرفنا على أوين/جونا هيل، واحد من المختبرين لتجربة الدواء، نراه محاطا بأدوية الفصام ويقرأ كتاب "لا إصلاح.. إنه النعيم" تأليف دكتور جريتا، يبدو من عنوانه كمثيله من مئات كتب التنمية البشرية التي تحث القراء على التأقلم مع الألم النفسي، وباقترابنا من حياتنا ندرك حقا أنها ليست مثالية وأنها تبيع أفكارا هي محض كذب وأوهام، ولو كانت مجدية حقا كانت ستساعد أوين على تجاوز مرضه النفسي.

نظرية القنفذ الوحيد
 يربط فرويد مشاكل العلاقات الإنسانية بالقنافذ في فصل الشتاء، حيث يجعلهم الصقيع بحاجة إلى العناق ليشعروا بالدفء، لكنهم عند الاحتضان تبعدهم الأشواك، وهكذا هم في حالة دائمة من القرب والبعد لكنهم لا يحصلون على الدفء[1]، هناك دائما حالة من الشعور غير المكتمل، الوحدة، الخوف من الآخر، كل هذا يحوّلنا إلى قنافذ. يرى شوبنهاور أن المساحة السحرية التي يبتعد ويقترب فيها القنفذ يستطيع الإنسان القويم أن يحقق فيها أكبر قدر من الدفء الاجتماعي وأقل قدر من الألم الناتج عن الاختلاط بالناس[2]، وهو ما لم يفكر فيه القنافذ، حيث البقاء في تلك المساحة دون قرب أو بعد زائدين.

عندما ذهبت آزومي إلى جيمس في بيته وجدته يمارس الجنس عبر جهاز يبدو أنه من اختراعه، هذه الفكرة مخيفة وتعكس تفسيرات فرويد عن أزماتنا النفسية التي يسببها الجنس، لماذا يلجأ جيمس إلى آلة ليمارس جنسا افتراضيا؟ ولماذا لا يخطو في علاقة حب حقيقية مع آزومي؟ يفسر فرويد الميول الجنسية المنحرفة بأنها أفعال تلازم الأشخاص المحرومين من أي إشباع جنسي سوي، وأنه لولا هذا الحرمان ما كانت تلك الانحرافات لتظهر، وهو بالفعل ما يعترف به جيمس ردا على أمه، فيخبرها أنه يتحكم في انحرافاته وأنها تخرج عن سيطرته فقط عندما تُسلب منه أشياء ذات أهمية كبرى، وهذا يُفسر سبب وحدة جيمس وعدم انخراطه في علاقات عاطفية، لأنه وحيد ويعاني الحرمان.
  

 في آخر حلقة من المسلسل يذكر جيمس لصديقته آزومي أن قُبلتها له جعلته ينطلق بخياله إلى مدينة أتلانتس المفقودة حيث يقف كلاهما أمام البحر، مجرد قُبلة جعلته يطلق خياله بعيدا إلى عالم أفضل ويختبر شعورا افتراضيا بداخله لم يعرفه يوما اسمه الحب.
        

  

"صدى الأفكار المظلمة سيخرب كل شيء طالما هي حبيسة داخل عقلك، عندما تفتحين فمك (أو مدونتك الشخصية) هذه الأفكار ستخرج، وفي كل مرة ستحاول العودة إلى عقلك لكن لا تدعيهم يعودون إليه، اصرفيهم بعيدا. أعرف جيدا أنكِ لا تريدين المحاولة ولكن صدقيني يجب أن تفعليها"

(دانيال هارمون)*
  

تدمير الألم بالأحلام
 في كتابه "تفسير الأحلام" يقول فرويد إن الحلم هو أول حلقة من سلسلة الظواهر النفسية الشاذة، وإن كل حلم هو بناء متكامل ذو معنى وقيمة ويمكننا ربطه باليقظة لفهم مغزاه، فالحلم ليس مجرد مرحلة انتقالية لا علاقة لها بالواقع، بل هو قبس منه. إن التجربة الطبية التي تُجرى لأبطال المسلسل تضعهم في جهاز يسجل ذبذبات عقلهم بعد تناولهم 3 حبات يغوصون بعدها في نوم عميق، وعلى مدار حلقات المسلسل نتابع ما يدور في عقولهم فيما يشبه الحلم والذي يرتبط ارتباطا وطيدا بكل شخصية منهم، نراهم في عوالم موازية ومع أشخاص يعرفونهم ولا يعرفونهم، في واحد من الأحلام تتحول أوين إلى صقر وتحولت آني إلى محاربة في عصر قديم، لكن الفارق أن هذه ليست مجرد أحلام بل محاكاة لهم في عالم موازٍ عبر رحلة تختلف محطاتها ليصلوا في النهاية إلى تصالح تام مع أزماتهم النفسية، سيواجهون مخاوفهم التي تؤرقهم دون الحاجة إلى تحليلها كما فعل فرويد، بل مجرد مواجهة تنتهي إلى إصلاح كل شيء أفسدته الحياة بداخل عقولهم، هذا التدخل يحاول أن يصلح النفوس التالفة دون فهم أسباب ودوافع ما فسد، لكنه يترك لهم ولنا التأويل.
    


   

تذكرنا هذه التجربة بفيلم "إشراقة أبدية لعقل نظيف" (Eternal sunshine of the spotless mind) حيث فشل الأبطال في نسيان بعضهما بعد انتهاء علاقتهما العاطفية، فلجأ البطل إلى اختراع علمي جديد ليمحو حبيبته السابقة من ذاكرته، لكن عبثا كانت الذاكرة تراوغ هذا المسح وتتهرب منه، ليس لأن العقل يرفض الأمر، بل لأن عاطفته ما زالت متشبثة بهذا الحب، وهو أمر لا يحتاج إلى تدخل علمي، بل إلى طبيب نفسي أو شخص واعٍ يساعده على التأقلم مع الشعور بالفقد.
  

"من شعور الوحدة يتولد الخوف والرهبة والانتظار ورغبة التخفي والصراخ والاتحاد مع شيء ما وآلاف المشاعر الأخرى التي تعجز عنها كل الكلمات"

(عبدالرحمن منيف، رواية النهايات)

هذه الرحلة التي خاضها الأبطال لم يطلع على تفاصيلها أحد سواهم، عاشوا المغامرة دون أن يشاركوها مع أحد، عندما نذهب إلى الطبيب النفسي نحكي له مخاوفنا وآلامنا، نمارس فعل المشاركة، الحديث، البكاء، نعبر عن ذاتنا بالكلمات، لكنّ أبطالنا هنا صامتون يخوضون حربهم بأنفسهم مع أنفسهم. انتهت التجربة وخرجوا منها مع ندوب نفسية لم تُشف كليا، ربما لم تنجح التجربة الدوائية بالكامل، بل وضعتهم على الطريق الصحيح للتعافي، لكن بقرار منهم استطاعوا أن يتغلبوا على مشاكلهم النفسية.. تخبرنا الرحلة أننا بحاجة إلى شخص يرافقنا لنتجاوز وحدتنا، لنتشارك الابتسامات والضحكات مع أحد، وأيضا لنتشارك الحياة مع الآخرين لا الآلات.
____________________________________________

الهوامش:

* دانيال هو كاتب مسلسل "ريك آند مورتي" والاقتباس هو تغريدة له على موقع تويتر في إجابة لفتاة سألته النصحية لتتعامل مع الاكتئاب.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار