هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
فيلم "ليل خارجي".. من هزمتهم الحياة واحتضنتهم المدينة

فيلم "ليل خارجي".. من هزمتهم الحياة واحتضنتهم المدينة

آية طنطاوي

كاتبة
  • ض
  • ض

"مقابل ما تفعله القاهرة في قاطنيها، لا تمنحهم سوى صداقات حتمية موثوقة، لا بحرية الاختيار بل بضرورات القدر"

(أحمد ناجي، رواية "استخدام الحياة")

       

عدة أمتار تفصل مقعد المُشاهِد في صالة العرض عن شاشة السينما، لكنه في مساحة محددة بداخله يشعر تماما أنه ليس بعيدا للغاية عما يجري داخل الفيلم، بل إنه هناك، في هذا الفيلم، ربما يجد نفسه في البطل الرئيس أو البطل الثاني أو كومبارس عابر في خلفية أحد المَشاهِد كأن الحياة قفزت فجأة إلى الشاشة البيضاء. شعور حميم يمكن أيضا تلمسه في هواجس الأبطال أو إخفاقاتهم الحياتية أو الحوارات غير المكتملة، أو في لحظات الصمت الممتدة، لكنه باختلاف المشاهد ليس ببعيد على أي حال. في فيلمه الأخير "ليل خارجي" يأخذنا المخرج أحمد عبد الله السيد في رحلة سريعة وغير متوقعة يخوضها أبطال الفيلم في شوارع القاهرة.
  

يرى الناقد الفرنسي سيرج دانيه أن مهارة المخرج تُقاس بأفكاره، فالمخرج الذي يحمل فكرة واحدة فقط أفضل من مخرج يملك أفكارا أكثر مما ينبغي، ذلك لأن الفكرة الواحدة تجعل صانع الفيلم يعرف طريقه جيدا ويخلق لنفسه عالما خاصا ولا يتخبّط بين عوالم كثيرة، لكنه في النهاية سيدفع ثمن ذلك، عزلة من نوع خاص[1]. اختار أحمد عبد الله أن يُوظّف الكاميرا ليحكي تجاربه الشخصية وهواجسه وأحلامه، حيث خلق أبطاله وورّطهم في مدينة لا تفهمهم جيدا. في فيلمه الأول "هيليوبلس" كان بطل الفيلم مخرج فيلم تسجيلي يتلمّس طريقه في حي مصر الجديدة يحاول أن يصنع فيلمه الجديد ويتعافى من قصة حب فاشلة، وفيلمه الثاني "[1] [2] [3] ميكروفون" كان من أبطال الفيلم مخرج ومخرجة يصوّران فيلمهما الأول وينهيان علاقة لم يبدآها بعد، وفي "ليل خارجي" كان المخرج -بطل الفيلم- الذي خرج لتوه أيضا من علاقة عاطفية يواجه أزمة أنه مخرج سينمائي مجهول بين الناس توجه مضطرا لإخراج الإعلانات ليحاول أن يخرج فيلمه الخاص؛ على مدار أفلام أحمد عبد الله دائما ما نجد محاولات لاكتشاف الذات، أبطال غير متحققين، علاقات حب غير مكتملة، ومدينة شرسة وحنونة.
  

"في الأمر لعنة أخرى من لعنات القاهرة، لا توجد علاقات يمكنها أن تنتهي بعد أن تبدأ في القاهرة، حتى إذا أغلق كلا الطرفين الباب في وجه الآخر فسوف يلتقيان ربما في إشارة مرور، مطعم شاورما، مطعم على النيل، حفلة موسيقية، قهوة في الغورية"

(أحمد ناجي، رواية "استخدام الحياة")

                 

  
في حديثه عن "ليل خارجي" يقول أحمد عبد الله إن أحداث الفيلم تلامس قصصا حقيقية من حياته[2]؛ بطل الفيلم هو مخرج أفلام شاب في الثلاثينيات من عمره، أخرج فيلما وحيدا وهو الآن في مرحلة التحضير لفيلمه الثاني، على مدار الفيلم يصطدم بأناس عاديين لا تعرفه جيدا، وعندما يعرفون أنه مخرج يسألونه: "مخرج فيلم 678؟" أو: "حضرتك المخرج محمد دياب؟"، لكنه يُخيّب ظنهم دائما لأنه ليس من يظنونه، ويُخيّب ظنه أيضا لأنه ما زال مغمورا بين عامة الناس. ينتمي البطل إلى طبقة اجتماعية فوق متوسطة من سكان حي المعادي، ويختلط في أحداث الفيلم مع شخصيات من طبقة شعبية تفصلها عن الحي الذي يسكنه محطة مترو واحدة، المهمشون من جهة والمخرج المهمش من جهة أخرى يلتقون في سيارة أُجرة ليخوضوا رحلة لن تتكرر ثانية في القاهرة الرحبة التي تسع الجميع وتفصل بين الغني والفقير بعدة أمتار.
     

يراقب أحمد عبد الله السيد الحياة في صمت من خلال الكاميرا، إبراهيم في فيلم "هيليوبلس"، ومجدي في فيلم "ميكروفون" يحاولون تصوير الحياة والناس والشوارع كأنها محاولات لإعادة استكشاف الخارج، وفي "فرش وغطا" كان يتلصص على بطل الفيلم في أطراف المدينة بينما الثورة تشتعل في قلبها حيث التوتر والرمادية تكسو الأجواء، وفي فيلم "ديكور" كانت الكاميرا تتنقل مع مها في هواجسها بين الحقيقي والخيالي، بين ماضيها وحاضرها أين هي حياتها؟ وكيف تورّطت في عالمها الحالي؟ و"ليل خارجي" يراقب عن بُعد "مو" في محاولاته لاستكشاف نفسه مع أناس لا يشبهونه ولا ينتمي إليهم. سينما أحمد عبد الله السيد ترافق أبطالا غير متحققين، يسعون دائما إلى اكتشاف ذاتهم من خلال السينما، ومن خلال بوابة سحرية تخلط بين العام والخاص، الحقيقي والخيالي، السينما وغير السينما. 

    

 
في نهاية "ليل خارجي" يتعرف "مو" على فتاة، وهي الوحيدة التي تعرفه وتعرف الفيلم الوحيد الذي أخرجه "واحد شاي"، في الواقع لا يوجد فيلم مصري بهذا الاسم، هذا يشير إلى الرمزية التي اختزلها صُنّاع الفيلم في شخصية المخرج "مو" الذي يُجسّد نموذج صُنّاع الأفلام الذين ما زالوا يتلمسون طريقهم الفني ويسعون إلى تحقيق ذاتهم. بعد مشاهدته للفيلم كتب المخرج عمرو سلامة في حسابه على فيسبوك: "فيلم ضحكني وأثر فيا ولمسني جدًا جدًا". في أكثر من حديث صحفي له كان يذكر سلامة أن الجمهور لم يكن يعرفه جيدا ودائما ما يظنونه محمد دياب.
  

"أنا بحكي حواديت شخصية وبعبر عن نفسي باستخدام الكاميرا.. وكل أفلامي بلا استثناء معتمدة على تجارب شخصية أو حاجات أنا مريت بيها، أو اتحكت لي وسمعتها بنفسي"

(أحمد عبد الله السيد)


مستقل أم تجاري؟
 بدأ عدد من الجيل الحالي من المخرجين الشباب يتلمسون مسيرتهم السينمائية تزامنا مع ثورة يناير، بإمكانيات بسيطة وأفكار طموحة صنعوا أفلاما مختلفة وتفرقت الطرق التي يسلكها كلٌّ منهم؛ إبراهيم البطوط، محمد دياب، عمرو سلامة، محمد حماد، ماجي مرجان، هالة لطفي، أحمد عبد الله السيد، وغيرهم الكثيرون الذين تراوحوا بين إنتاج الأفلام المستقلة والتجارية، والجمهور يستطيع أن يُصنّفهم في تلك الفئة التي ظهرت مع الثورة وصنعت أفلاما مختلفة عن السائد من أفلام السبكي وغيرها، لأنهم يقدمون سينما مختلفة ولها جمهورها الخاص.
      
تعود بدايات السينما المستقلة في مصر لتاريخ أبعد قليلا مع ظهور الكاميرات الرقمية في بداية الألفينيات حيث صناعة الأفلام أصبحت عملية يسهل تحقيقها، يقول أحمد عبد الله طالما تملك كاميرا وحاسوبا متنقلا إذًا بإمكانك أن تصنع فيلما، يبدو الأمر بسيطا بعيدا عن الدخول في غابة الإنتاج التجاري الذي يفترس السوق المصري، فمع انفتاح ساحات مواقع التواصل والمدونات ومطربين "الأندرجراوند" وعروض الحكي ومسرح الشارع ورسوم الجرافيتي أصبح التعبير عن الذات مُلِحًّا وضروريا وفي الإمكان، خاصة في أعقاب ثورة يتلمس شبابها طريقهم للنور، فأنتجت ثقافة مستقلة تعزف منفردة عن السائد والمألوف في المجتمع[1].
    
تضاربت الآراء والأقلام النقدية حول طبيعة فيلم "ليل خارجي"، هل هو تجاري أم مستقل؟ اعتبره أحمد مالك مستقلا في حين اعتبره عدد من النقاد والجمهور فيلما تجاريا دون شك، ربما ما زلنا بحاجة إلى إعادة تعريف طبيعة السينما المستقلة، يرى البعض أنها سينما النخبة المثقفة والتي تخوض معركة البقاء ضد السينما التجارية، لكننا يجب أن نلتفت لطبيعة الفيلم لا الإنتاج. هنا يلعب "ليل خارجي" في نقطة تتلامس فيها السينما التجارية بالمستقلة ويُرضي بها الطرفين، فهو مُسلٍّ وخفيف لكنه مُحمّل بأفكار وسمات مخرجه المستقلة.
  

"إذا كانت حركة الواقعية الجديدة أهم حركات التجديد في السينما المصرية في ثمانينيات القرن الميلادي الماضي، فإن حركة السينما المستقلة هي أهم حركات التجديد منذ مطلع القرن الجديد، وهي التي عبرت البحر المتوسط إلى أوروبا حيث فاز إبراهيم البطوط، الأب الروحي للحركة، بالجائزة الذهبية في مهرجان تاورمينا 2008 عن فيلمه "عين شمس"، وفاز أحمد عبد الله السيد، أحد أعلامها، بالجائزة الذهبية في مهرجان قرطاج عن فيلمه "ميكروفون"، وبالجائزة الذهبية في مهرجان مونبلييه 2013 عن فيلمه "فرش وغطا"".

(الناقد سمير فريد)[2]

            

       
حضور هادئ لشخصيات مشاغبة
"أحمد ناجي، أنديل، أحمد مالك" اجتمع الثلاثة في تمثيل مشاهد صغيرة في الفيلم كشخصيات درامية لا بصفتهم الحقيقية، هذا الظهور يستحضر مواقف ومشاغبات مارسوها في حياتهم الواقعية. في شتاء 2016 سُجن الروائي الشاب أحمد ناجي لمدة عامين بتهمة "خدش الحياء" لاستخدامه ألفاظا خارجة في روايته الأخيرة "استخدام الحياة" والتي يتم ذكرها وقراءة مقاطع منها في مشاهد الفيلم، قبلها بعدة أشهر كان أحمد مالك الممثل الشاب الذي يخطو بثبات في السينما المصرية مكروها من الشارع المصري لأنه سخر من الشرطة في احتفالاتها بعيدها تزامنا مع عيد ثورة يناير، فاختفى مالك عن ساحة التمثيل ثم عاد للتمثيل بعد انقطاع قصير نسبيا لأن آفة حارتنا النسيان، أما أنديل رسام الكاريكاتير الشهير المعروف بجرأته في طرح أفكاره عن السياسة والمجتمع والدين، وصاحب برنامج ساخر يتهكم فيه على ظواهر المجتمع المصري، والذي لا يعتبر شخصا محببا للدولة المصرية الحالية ولا مقبولا في مجتمع الضوابط الأخلاقية. بدا ظهور ثلاثتهم في الفيلم كأنه تكريم لهم في سينما أحمد عبد الله نكاية في واقع يرفضهم ويحجبهم.
  

تطلب صديقة البطل "مو" في الفيلم أن يُوظّف رواية أحمد ناجي في فيلمه كنوع من التضامن معه ضد قرار حبسه لكنه يرفض، هذا الرفض يعكس هزيمة واستسلام "مو" الذي لا يبدو أنه متحمس لفعل أي شيء سوى فيلمه، وعندما تخوض الصديقة جدالا مع سائق التاكسي حول المحاسبة الأخلاقية لأدب ناجي لا يرحب "مو" بالنقاش الذي تخوضه لأنه لا معنى له ولن يُفضي إلى شيء. أصبح "مو" أكثر انعزالا، يغلق على نفسه. هنا يجب الإشادة بذكاء كاتب وصانع الفيلم في تقديم تحية لهؤلاء المشاغبين من خلال حضورهم العابر وبدون أي ادّعاء أو مباشرة، كأن الواقع تضافر مع أحداث الفيلم في اعتماده على الجمهور الذي يربط بين الحياة خارج القاعة وبين الحياة في الفيلم الذي يشاهده.
      

  
الملصق الدعائي لـ "ليل خارجي" يعكس وجوه أبطاله تغلفها أضواء النيون كأنهم أجساد بلاستيكية، هذه الأضواء التي تزين المدينة بافتعال كأنها تكسبها بهجة مزيفة، والفيلم الذي اختلف النقاد والجمهور على تصنيفه هل هو تجاري أم مستقل ربما لو نزعنا عنه هذه الأضواء لأصبح مستقلا ولو ازداد وهجها لكان تجاريا بجدارة، لكنه في النهاية فيلم واقعي بعيدا عن أي تصنيفات.
  

على مدار الفيلم نتلصّص على خيال "مو" فنرى البطل الذي يسعى وراء حلم مجهول في مشاهد مبتورة من الفيلم الذي يخطط له لكنه ما زال متعثرا في تنفيذه، في كل الأماكن وفي مواقف مختلفة يطارده الفيلم كأنه يعيش في الواقع وفي الفيلم معا، يُذكّرنا "مو" بـ "مها" بطلة فيلم "ديكور" التي تعيش حياتها الواقعة وتختلق في ذهنها عالما آخر. تُعيدنا لعبة الواقعي والخيالي إلى السينما التي تأسرنا في عالمها، تتلاعب معنا بمحبة وتخلط لنا الأوراق، نحن نجلس على المقاعد ونرى الحياة في الشوارع، النكات والنقاشات ذاتها التي نسمعها كل يوم لكننا في قاعة السينما، نمسك أكواب الفشار ونشاهد الأفلام/الحياة في مدينتنا. في المشهد الأخير من "ديكور" كُتبت كلمة النهاية وشاهدنا قاعة عرض وجمهور يصفق للفيلم، فأدركنا أننا نشاهد فيلما بداخل الفيلم، ونحن في سينما أحمد عبد الله السيد لا نعرف أين يبدأ الواقع وأين ينتهي الفيلم.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار