انضم إلينا
اغلاق
"جيل النبلاء".. هكذا خلقت "سبيستون" هوية أبناء التسعينيات ومشاعرهم

"جيل النبلاء".. هكذا خلقت "سبيستون" هوية أبناء التسعينيات ومشاعرهم

رضا حريري

محرر فن
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

  

في طفولته، أُعجب مهنّد بغون "القناص"، تابع مغامراته في امتحانات الصيادين وعوالمهم بحثا عن والده الذي لم يره. وحين كبر مهند، استبدل سلاح غون، الصنارة الغريبة، بكاميرا ليوثّق بها الأحداث التي تجري في بلده مصر المليئة بالتقلّبات والانقسامات بعد ثورة "25 يناير/كانون الثاني" التي أطاحت بالرئيس الأسبق حسني مبارك. وكما الحال في كلّ الأنظمة الديكتاتورية تُعدّ الكاميرا سلاحا خطيرا، فاعتُقل مهند إيهاب أوّل مرّة خلال الفضّ الدموي لاعتصام رابعة العدوية في أغسطس/آب من العام 2013، ثم أُطلق سراحه بعد عدّة أيام لصغر سنّه.

     

لم يخفّف الاعتقال من حماسة الشاب للتصوير وتوثيق الأحداث، فاعتُقل مرّة ثانية في العام 2014 وظلّ في سجن الأحداث لمدّة ثلاثة أشهر قبل أن يُفرج عنه. لكن، وفي يناير/كانون الثاني من العام 2015 اعتُقل مهنّد للمرة الثالثة، ونُقل إلى سجن برج العرب في الإسكندرية، حيث أُصيب بسرطان الدم. رفضت إدارة السجن الإفراج عن الشاب إلّا بعد تدهور حالته بشكل كبير في أغسطس/آب من العام 2015، ليسافر بعدها إلى الولايات المتّحدة الأميركية لتلقي العلاج.

  

خلال فترة علاجه، أبقى مهند متابعيه على "فيسبوك" على اطلاع على تطوّر حالته الصحيّة التي كانت تذهب من سيئ إلى أسوأ. وفي واحد من منشوراته تمنّى أن يستمع لشارة "القناص" بصوت رشا رزق فكان له ما أراد. في أكتوبر/تشرين الأوّل من العام 2016 سجّلت المغنيّة السورية رشا رزق فيديو لمهنّد أهدته شارة المسلسل وتمنّت له الشفاء، لكنّ جسد الشاب فقد القدرة على مقاومة المرض ليُتوفى بعد أيام قليلة من تلقيه الرسالة في الثالث من أكتوبر/تشرين الأوّل من العام 2016 (1).

     

   

نبّهت رسالة رشا رزق المصوّرة الكثيرين إلى مأساة مهنّد، خالقة حالة تعاطف كبيرة معه من جهة، وفتحت الباب من جهة أخرى أمام النوستالجيا لجيل كامل من الشباب في العالم العربي نشأ على مشاهدة محطة "سبيستون" للأطفال، والتي اشتهرت منذ تأسيسها في العام ألفين باسم "قناة شباب المستقبل".

  

كرتون ما قبل "سبيستون"

قبل منتصف التسعينيات لم يكن للأطفال في العالم العربي قناة خاصة بهم، إذ كانت برامجهم ومسلسلات الكرتون المدبلجة الخاصة بهم تُعرض ضمن أوقات محدّدة على التلفزيونات الحكومية.

  

كان للأنمي الياباني الحصّةُ الأكبر بين الأعمال المعروضة في تلك الفترة، حيث تولّت شركات لبنانية بمعظمها (أشهرها "فيلملي" و"التلفزيون اللبناني") عمليةَ الدبلجة، فظهرت نسخ عربية من مسلسلات مثل "زينة ونحول" و"مغامرات السندباد" و"غرندايزر" و"جزيرة الكنز" (2). إلى أن ظهرت في العام 1976 مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك، التابعة لمجلس التعاون الخليجي، والتي بدأت عملها في العام 1977 مع دبلجة البرنامج التربوي "افتح يا سمسم" (3)، لتنجز بعدها دبلجة أعمال يابانية عدّة منها "عدنان ولينا" و"ليدي أوسكار" و"مغامرات توم سوير" (4).

     

     

بقي الوضع على حاله حتّى الثاني من أبريل/نيسان من العام 1997 عندما أطلقت شبكة "أوربيت" النسخة العربية من قناة "ديزني" التي اشتهرت بأعمالها المدبلجة إلى المحكية المصرية واللبنانية (5). على الرغم من أنّ الكثير من الأطفال لم يتمكّنوا من مشاهدة "ديزني" لكونها مشفّرة، فإنّها كانت القناة الوحيدة المخصّصة للأطفال في العالم العربي، قبل أن تلحقها في العام التالي قناة "آي.آر.تينز"، التابعة لشبكة "أي.آر.تي" والتي كان تشفيرها يفك خلال فصل الصيف.

        

   

قناة بستّ ساعات في اليوم!

استقطبت "ديزني" و"آي.آر.تينز" جمهورا كبيرا في الدول العربية ذات الدخل المرتفع، لكنّ الكثيرين في الدول الأقلّ دخلا ظلّوا غير قادرين على مشاهدتها بسبب كلفة الاشتراك العالية بالنسبة إليهم. ستظلّ هذه الفئة محصورة بأوقات قصيرة لمشاهدة الكرتون حتّى العام 2000، إذ وُقّع اتفاق في العام 1999 بين هيئة الإذاعة والتلفزيون البحرينية وشركتي "يونغ فيوتشر نتوورك" و"الوسيلة" يتيح لقناة "سبيستون" بثّ ست ساعات من مسلسلات الكرتون عبر التلفزيون البحريني (6).

  

نجحت "سبيستون"، رغم ساعات البث المحدود، بتحقيق انتشار واسع لكونها مجانية، معتمدة بشكل كامل على دبلجات أستوديو مركز الزُّهرة السوري للأنمي الياباني. استمرّ البث لمدّة عامين قبل أن تقرّر وزارة الإعلام البحرينية في يناير/كانون الثاني من العام 2002 إلغاء الاتفاق المبرم مع "يونغ فيوتشر نتوورك" و"الوسيلة" بسبب "إخلالهما بشروط العقد"، ممّا أدى إلى وقف بثّ القناة (7). فتح هذا القرار الباب أمام انطلاق "سبيستون" كمحطة مستقلة خلال العام نفسه لتدخل في مرحلة جديدة هي مرحلة البث المتواصل.

  

زائد 13

منذ تأسيسها عمدت "سبيستون" إلى تصنيف مسلسلاتها وتقسيمها إلى كواكب، مثل كوكب أكشن، وكوكب رياضة، وكوكب مغامرات، وكوكب زمردة، وغيرها. اعتمد هذا التقسيم على تصنيف الأنميات بناء على أنواعها، لكنّه أهمل تصنيفات قد تكون أكثر أهمية، لعلّ التصنيف العمري أبرزها.

     

   

عرفت "سبيستون" تنوّعا كبيرا في الأعمال المعروضة، إن كان لثيماتها أو لفترات إنتاجها أو للفئات العمرية الملائمة. فيما كانت بعض هذه المسلسلات قد صدر في السبعينيات من القرن العشرين مثل "جزيرة الكنز" و"غرندايزر"، صدر بعضها الآخر في أوقات متقاربة لفترة العرض مثل "القناص" و"أبطال الديجيتال". وكان الأمر نفسه بالنسبة للفئة العمريّة، فبينما كانت بعض هذه المسلسلات متاحة لجميع الأعمار، كان بعضها الآخر لا يصلح إلّا لمن هم فوق الثالثة عشرة لاحتوائها على مشاهد العنف والقتل بالدرجة الأولى، بالإضافة إلى مشاهد الجنس ووجود الكحول والمخدرات.

     

   

يصوّر أنمي "المحقق كونان" الكثير من الجرائم بتفاصيلها الدقيقة (8)، بدءا من القتل بالرصاص وصولا إلى قطع الرأس أو إغراق الضحية بعد تكبيلها في حوض الحمام. فيما يظهر توغوموري (كوغورو موري في النسخة اليابانية) معظم الوقت مخمورا، وهي المزايا الشخصيّة الموجودة أيضا عند المدرب هينكل في "الرمية الملتهبة". أما في مسلسلات أخرى مثل "القناص" و"هزيم الرعد" و"صقور الأرض" (9) تُشكّل مشاهد المعارك والقتال بما تحويه من عنف ودماء جزءا رئيسيا من العمل.

      

     

احذف، احذف، احذف

بدل أن تمتنع القناة عن دبلجة هذه الأنميات وعرضها، أو على الأقل التنبيه قبل عرضها إلى أنّها غير ملائمة لمن هم تحت الثالثة عشرة أو جعل موعد بثها متأخّرا في الليل، اختارت القناة الحذف والتعديل على المحتوى.

  

لجأ مركز "الزُّهرة" إلى الرقابة على هذه الأعمال، فحذف المشاهد شديدة العنف أو تلك التي تحتوي على تحرّش جنسي أو اغتصاب، وحوّل الكحول إلى عصائر، والعلاقات العاطفية إلى علاقات أخويّة. لتثير تلك التعديلات جدلا حول جدواها ومغزاها.

  

اتّبعت القناة توجّها محافظا فيما يتعلّق بما يصح وما لا يصحّ عرضه، منبع ذلك رغبتها بالوصول إلى الفئات الاجتماعية في العالم العربي كافة من أكثرها انغلاقا إلى أكثرها تحرّرا. يطال الحذف والقولبة أيّ شيء يمكن اعتباره متناقضا مع تعاليم الدين الإسلامي، من الكحول إلى الفساتين القصيرة التي تصير طويلة في المونتاج، مرورا بالعلاقات العاطفية، وصولا إلى الأشباح والآلهة القادمة من الأساطير والميثولوجيا اليابانية.

   

لكن كلّ ذلك لم يشفع للقناة، إذ طالتها الكثير من الفتاوى التي تقول بتحريم مشاهدتها، هي خصيصا والكرتون عموما،(10)(11).

     

   

هذه الأحكام القاسية استوجبت ردّة فعل من متابعي القناة لتظهر على "يوتيوب" مقاطع كثيرة تحوي مقارنة بين النسخة العربية والنسخة اليابانية الأصلية بهدف تبيان كيفية تحوير "الزُّهرة" للأحداث "للحفاظ على أخلاق الشباب" (12).

  

بين هذا وذاك، برزت منذ سنوات نقاشات مطوّلة في المنتديات المتخصّصة بالأنمي (13) على الإنترنت عن التحريفات التي يتعرّض لها الأنمي قبل عرضه على "سبيستون"، بين من يعتبره فعلا ضروريا "للمحافظة على القيم والأخلاق" (14)، وبين من يعتبره تشويها يصل في أحيان كثيرة إلى تغيير القصة تماما (15).

  

كيف تصير "سوبرمان؟"

يشير الكاتب وليد بركسية في مقال منشور في صحيفة "المدن" الإلكترونية (16) إلى مشكلة أخرى تقع فيها المحطة، ألا وهي "انتهاك القواعد الأخلاقية المتعارف عليها دَوليا" فيما يتعلّق بمدّة الإعلانات وتواقيت عرضها قبل عرض الكرتون وبعده مباشرة. تروّج هذه الإعلانات لمنتجات متنوّعة من الألعاب الموجودة في بعض الأنميات وصولا إلى المشروبات والأطعمة التي تحمل صور الشخصيات المفضّلة للأطفال (17).

    

   

تهدف الإعلانات إلى الإيحاء للأولاد أنّ تناول هذه الأطعمة والمشروبات سيحوّلهم إلى نسخ عن أبطالهم الخارقين، أو أنّ شراء الألعاب سيخلق لهم الحماسة والمتعة نفسها الموجودة لدى الشخصيات الأصلية في الأنمي. الأمر الذي يعبّر عنه الكاتب في المقال نفسه بالقول: "يصوّر استهلاك المنتج بأنّه البوابة السحرية للبطولة المطلقة على غرار الشخصيات الكارتونية"، مشيرا إلى أنّه "يترك خيبة أمل عميقة عند الحصول عليه".

   

"أمّة عربية واحدة..."؟

ترافقت ميول القناة المحافظة مع خطاب قومي عربي يعتبر سكان الدول العربية شعبا واحدا تجمعهم اللغة والثقافة والتاريخ إلى جانب الإسلام كمرجعية حضارية. يظهر ذلك في أنميات مختلفة من أبرزها "النمر المقنع" حيث يظهر الصحفي تامر/النمر المقنع بمظهر البطل العربي الذي يريد الدفاع عن عروبة حلبة المصارعة وحزام بطولتها، وهو مسار لا وجود له في القصة الأصلية.

  

لكن يظلّ هذا الخطاب بارزا بشكل أوضح في أغاني القناة وفواصلها مثل "الوطن العربي - فلّة": (عيناها بُنٌّ يمني والشعر ليالٍ نجديّة تمشي كغزالٍ ليبي والخد ورود شامية...) (18) أو في أغنية "وطني عربي وطن الحب" حيث نسمع هالة الصباغ تغنّي: "وطني مهدي وله مجدي من أرضي سطع الإسلام وزهت بسناه الأيام". بدورها لم تغب الأناشيد الدينية عن "سبيستون" التراثية منها والحديثة على حد سواء مثل "يا طيبة" و"قمر سيدنا النبي".

    

   

يبدو لجوء القناة إلى هذا المزج بين أفكار وعقائد متنوّعة آتيا من رغبة بالحفاظ على علاقة طيبة مع الأنظمة المختلفة الموجودة في العالم العربي ومع الشرائح الاجتماعية المتنوّعة بدورها هي أيضا.
      

"ديزني" ضد "سبيستون"

في سنواتها الذهبية حين كانت القنوات المتخصّصة ببرامج الأطفال معدودة، ظهر نوع من المنافسة بين "سبيستون" و"ديزني"، إذ بدت الأولى مع انطلاقها كنقيض تام للثانية في كلّ شيء، من أساليب الرسم إلى اللغة وصولا إلى المضمون. ففي حين تبثّ "ديزني" مسلسلات مرسومة بالأسلوب الأميركي إضافة إلى المسلسلات الحيّة، تبثّ "سبيستون" مسلسلات مرسومة بأسلوب المانغا الياباني، وفيما تحكي شخصيات "ديزني" بلهجات محكية أبرزها المصرية، تسيطر اللغة الفصحى تماما على مسلسلات "سبيستون".

 

أما من ناحية المضمون فتجنح "ديزني" إلى معالجة مواضيع أكثر يومية في برامجها مثل الحياة المدرسية والحب بين المراهقين، أمّا "سبيستون" فتميل إلى ثِيمات تعالج المفاهيم والثنائيات الكبرى كالخير والشرّ والظلم والعدالة والسجن والحريّة. تعجّ المسلسلات المعروضة على "سبيستون" بأحداث ضخمة ومعقدة تجلب معها مشاعر إنسانية مكثّفة ومعقدة، كفقدان الأم واليتم مثل "أنا وأخي" أو مآسي الحرب كما في "هزيم الرعد" أو "مدينة الأمل" أو حتّى التشرد مثل "ريمي". وبقدر ما تبدو هذه المفاهيم ضخمة على الأطفال لكنّها في الوقت نفسه تُظهر لهم جانبا آخر عمّا سيلقونه وسيختبرونه في الحياة.
      

      

"شباب المستقبل" صاروا كبارا

مع كلّ ما يمكن قوله فإنّه من الصعب إنكار الأثر الكبير الذي تركته "سبيستون" في جيل كامل من الأطفال في العالم العربي، الذين تشاركوا معا البكاء على وفاة أم سامي ووسيم في "أنا وأخي"، والفرح بلقاء "ريمي" بعائلتها، والخوف على "كونان" في صراعه مع العصابة السوداء، وصولا إلى الهتاف والتصفيق مع أهداف "الكابتن ماجد" وانتصارات "سابق ولاحق" في حلبات سباق السيارات.

  

يعبّر الكاتب حسام فهمي (19) عن تأثير "سبيستون" على جيله وإسهامها في تشكيله وعيهم بأنفسهم وبالعالم من حولهم، وهو ما يتبدّى بشكل واضح في عنوان المقال: "لأنّ سبيستون علّمتنا أكثر من المدارس". يظهر هذا التأثير الكبير للقناة بأوجه متعّددة، إن كان في حفلات المغنيّة السورية رشا رزق ذات التجربة الموسيقية الغنيّة والواسعة والتي ما زال الجمهور يطلب منها حتّى اليوم أداء شارات المسلسلات، أو في الفِرق الموسيقية المختلفة التي تؤدّي أغاني القناة مثل "أصدقاء سبيستون" في غزّة (20) أو "هستيريا باند" في مصر (21).

     

   

لكن يظل الاحتفال الإلكتروني العام الماضي بالذكرى السابعةَ عشرَ لتأسيس "سبيستون" الصورة الأمثل عن الأثر الذي تركته القناة لدى الكثيرين، إذ تصدر هاشتاغ "عيد سبيستون 17" قائمة الهاشتاغات الأكثر تداولا في العالم العربي في 25 فبراير/شباط 2017 (22).

    

هذا الأثر الذي تركته "سبيستون" على جيل التسعينيات قد لا يكون هو نفسه على الأجيال الحالية، خاصة مع الصعوبات التي عانت منها القناة مع تدهور الأوضاع في سوريا ومع ظهور العديد من القنوات المخصّصة للأطفال بتوجّهاتها المتعدّدة من "إم.بي.سي.3" و"كرتون نتوورك" إلى "طيور الجنة" و"هدهد" وغيرها. إلا أن أثر سبيستون بقي ممتدا لدى كثير من الشباب الذين نشؤوا عليها، لتعطي القناة لمحة عن مدى الأثر الذي يمكن لقنوات الأطفال أن تغرسه في عقول جيل كامل من الأطفال.

     

المصادر

تقارير متصدرة


آخر الأخبار