انضم إلينا
اغلاق
فعاليات الحج في الفلكلور الشعبي العربي

فعاليات الحج في الفلكلور الشعبي العربي

إبراهيم هلال

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

واحد مفيش غيره .. ملا الوجود نوره

دعاني لبّيته .. لحد باب بيته

وأمّا تجلاّلي .. بالدمع ناجيته"

         

       

على لحن مرح خفيف أشبه بالابتهالات الدينية أبدعه رياض السنباطي، غنت كوكب الشرق السيدة أم كلثوم أغنية "القلب يعشق كل جميل" والتي كتبها الشاعر بيرم التونسي الذي تُوفي عام 1961، لتقوم أم كلثوم بغناء قصيدته بعد وفاته بعشرة أعوام سنة 1971، وهي أغنية تتحدث عن الحب الإلهي والسلام داخل نفس الإنسان والذي يتحقق بزيارة بيت الله الحرام ومسجد رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وفي المقطع الثاني تترنم السيدة:

"مكة وفيها جبال النور .. طالّة على البيت المعمور

دخلنا باب السلام .. غمر قلوبنا السلام

بعفو رب .. غفور

فوقنا حمام الحما .. عدد نجوم السما

طاير علينا يطوف .. ألوف تتابع ألوف

طاير يهني الضيوف .. بالعفو والرحمة

واللي نظم سيره .. واحد ما فيش غيره"

    

لم تكن "القلب يعشق كل جميل" هي الأغنية الوحيدة عن زيارة البيت الحرام ورحلة الحج للكعبة، فقد غنت الفنانة ليليان زكي مردفان الشهيرة بـ "ليلى مراد" في أحد أفلامها مع زوجها الفنان أنور وجدي أغنية "يا رايحين للنبي الغالي" التي تقول في مطلعها:

"يا رايحين للنبي الغالي.. هنيّالكو وهنييالي يارتني.. كُنت وياكو وأروح للهادي وأزوره وأبوس من شوقي شباكه.. وقلبي يتملي بنوره واحج واطوف سبع مرات والبر واشوف منى وعرفات وأقول ربي كتبهالي يارايحين للنبي الغالي".

     

   

ففي زمن كان الفن فيه يعبر عن مجتمع متماسك -ولو نسبيا- وممتلئ بالثقافة الدينية الممتزجة بالعادات الشعبية التي توارثتها أجيال عديدة، كان الحج في المجتمعات العربية وخاصة المجتمع المصري ليس مجرد شعيرة دينية أو رحلة سياحية، بل موكب هائل من التراث الثقافي والديني والمجتمعي والفني، متراكم ومتجذر في عمق المجتمع، وعبر المواويل والأغاني الشعبية يتكشّف لنا حنين أصيل أبدعه أبناء القرى ليعبروا عن مشاعر إنسانية مركبة تعبر عن توقهم لزيارة بيت الله الحرام وحزنهم على فراق الأحباب وتوديعهم بسبب السفر.

 

"من زار الزين سموه اسمين".. مكانة الحاج

"لقد ذاب قلبي من فراق أحبتي

وقد سهرت عيني وزادت بليتي

حرام على الدار حتى أراكمُ

وأنظر في تلك الوجوه بمقلتي"

   

   

في كل موسم حج اعتاد الناس من أهل القرى وبعض أهل المدن خاصة في صعيد مصر على ترديد بعض الأغاني والمواويل الشعبية التي خرجت مباشرة من قلوبهم لتعبر عن اشتياقهم لزيارة بيت الله وقبر رسوله، "ويرد الناس هذه العاطفة إلى الآثار الوجدانية التي تركها نداء سيدنا إبراهيم عليه السلام للناس جميعا بالحج، فسمعه وأجابه من في الأصلاب من السعداء، إذ قال له ربه "وأذن في الناس بالحج"، فقال إبراهيم: وهل يبلغ صوتي يا ربي؟، قال الله تعالى: "عليك النداء وعلينا البلاغ" (2)، هكذا أودع الله في قلوب عباده شوقهم الدائم والمتجدد لزيارة بيته الحرام.

  

الأمر ليس في مصر ولا في العالم العربي فقط حين يأتي أهل المغرب واليمن والشام والعراق لحج بيت الله، بل يمتد الأمر ليشمل كل فج عميق، فترى الحجاج يلبون دعوة الله لزيارة بيته، فيزحفون من كل بقاع الأرض نحو الكعبة المشرفة.

 

ففي طرابلس الليبية يمكن أن ترى الطفل "سالم"، الذي يعود من الحج سالما، فاسم الطفل مشروط لمن سيركب جملا، مزينا بأقمشة ملونة وتصبغ رقبته بالحناء يُعد خصيصا ليطوف بين شوارع المدينة ويصاحبه الأهالي منشدين، وكانت المجالس تتغنى بـ "مذكرة الخير"، وهي قصيدة أبجدية (ألف بائية) نظمها رجل أمازيغى أُمي (لا يعرف القراءة ولا الكتابة) منذ قرن ويزيد، وفي حنكة ومقدرة سيحفظ منه الحجيج المغربيين في قريته ما يدلهم على كيفية أداء مناسك الحج، وحفيدة هذا الرجل الثمانينية هي من حفظت تلك المدونة، وفي السودان غربا ووسطا، كانت "صرة هدايا مكة والمدينة" التي يرسلها أمير دارفور عابرة بمرافقيها مصر، ويسبقها "زفة المحفل" إذ يودع الناس تلك الصرة الثمينة وهي تطوف الميادين والشوارع، حيث بقيت "زفة العيد" إلى يومنا هذا، أما صرة الهدية فقد أوقفت سنة الحرب العالمية الأولى. (3)

      

   

أغنية جزائرية قديمة وشهيرة عن الحج لرابح الدرايسة

 

حين يستقر قرار المسلم على الحج يبدأ في تدبير المبالغ اللازمة للرحلة، "فقد يشتري عجلا وينذره للحج، أو ينذر محصول زرعه، وقد يدفعه شوقه لزيارة بيت الله إلى التضحية بأهم ما لديه وأعز ما يملك وهي أرضه، فقد يتصرف فيها بالرهن، وأحيانا بالبيع تلبية لذلك النداء الخفي الذي يدفعه للسفر إلى الحجاز" (4)، وحديثا قد يستدين المرء أو يدفع ما ادخره طوال عمره أو يبيع منزله ليدفع تكاليف الحج، ومن تلك اللحظة تتغير حياته وتبدأ طقوس التحضير للرحلة.

 

قرار الحج لبيت الله يكسب الفرد مكانة اجتماعية وأخلاقية مختلفة، "فلا يجوز له أن يتصرف كغيره، فقد اقترب في رحلته إلى الكعبة المشرفة من الله فلم يعد كأي رجل، ويحتفي الناس بالحاج وتبرزه بينها وتشركه في أمورها المهمة وتنصت إليه إذا تحدث وتصدقه إذا قال" (4)، فالحج في نظر الناس ليس مجرد شعيرة دينية، بل مظهر من مظاهر الاكتمال الاجتماعي والديني. فمن يتم له الحج لا يتسامح معه المجتمع فيما كان يتسامح معه فيه من قبل من الأفعال، ويعطيه الناس لقب "الحاج" الذي يُضفي على حامله قيمة اجتماعية. وكما تقول أغنية "العود" الشهيرة:

"من زار الزين .. سموه اسمين"

  

والزين هو النبي محمد عليه الصلاة والسلام، وتُعدّ زيارة قبر النبي من أهم المناسك التي يحتفي بها الناس، وتدمجها مع مناسك الحج الأخرى، فالحج ليس فقط شعيرة دينية، بل هو ارتقاء روحي واجتماعي لأبناء المجتمع، لذلك له طقوسه الخاصة. (5)

   

موكب العاشقين في ليالي الحنين

"يا للي على الحج ناوي

وزيارة طه نبينا

بلغه مني سلامي

وقوله مشتاق بيحبك

وحبك يا نبينا الغالي

حرم عليا منامي"

     

   

حتى نهاية أربعينيات القرن العشرين، كان المطوّفون والأدلاء من أبناء الحجاز يقصدون مع الاحتفال بمولد النبي في شهر ربيع الأول المدن والقرى المصرية للترويج لنشاطهم الموسمي، ويلتقون بالراغبين في الذهاب إلى الحجاز لأداء مناسك الحج، ويبدون استعدادهم لمساعدتهم في إتمام المناسك وزيارة المشاعر المقدسة. (5)

 

تتجمع القرية أمام بيت العمدة، أو في مضيفة العائلة حول (الحجازي) أو دليل النبي، ويتفق الراغب في الحج مع المطوف، ويأخذ عنوانه في مكة والمدينة ليقصده بمجرد وصوله، أما الآن فقد تغيرت الأمور وأصبحت الدولة من جانب وشركات السياحة من جانب آخر تتولى تنظيم رحلة الحج. (5)

 

وتبدأ تلك الليلة التي تسمى ليلة "التحنين" احتفالا بالحج قبيل السفر بعدة أسابيع، "حيث تتجمع النساء ليلا بعد الفراغ من أعمالهن للاحتفال بقرب خروج الحاجة أو الحاج للحجاز للزيارة، ويكون الغناء جماعيا، ويبدأ الغناء كالعادة بقصائد مديح النبي والصلاة عليه وإظهار الشوق للزيارة"، فمثلا تقول الأغنية:

"ما في الخشم عجوة

يا مديح ان/ نبي .. ما في الخشم عجوة

وإن حلفوني ال/يمين .. غير الزين ما نهوى"

      

   

تصف المغنية حلاوة مدح الرسول، فتقول إن مديح النبي في فمها حلو حلاوة العجوة، والعجوة هي أعلى أنواع البلح حلاوة، ولو طلبوا منها أن تقسم على حبها للنبي فهي على استعداد للقسم بأنها لن تهوى غيره. (5)

 

"ياللي نويت عالحجاز خد أبيض ودسه".. كسوة الحجاج

كما يقول المنشد الدمشقي نور الدين خورشيد:

"وإن كان قليبك مجروح

روح للنبي يلا روح

خدنا معك يا حبيب الروح"

     

    

كان الحجاج في بداية شهر رجب يستعدون للسفر بشراء ملابس الإحرام التي تتطلبها الرحلة المقدسة، "وعادة كان يتم شراء الملابس في شكل أقمشة، فطول الرحلة قد يبلي الملابس الخاصة بالحج، وأول ما يحرص الحاج أو الحاجة على شرائه هو الأحذية الجلدية المتينة التي تتحمل المشي في الجبال". (5) فتحكي الأغاني الشعبية عن كسوة الحجاج قائلة:

"خد أبيض وصافي

إن نويت عالحجاز خد أبيض وصافي

خد محارم حرير لعرق العوافي

خد أبيض وشيله

وإن نويت عالحجاز خد أبيض وشيله

عند حرم النبي يا محلا غسيله"

      

    

وتتكون ملابس الحج من قطعتين غير مخيطتين، تسمى إحداهما الرداء وتسمى الأخرى الإزار، "وقد درج معظم الناس على شراء نوع من الأقمشة قادرة على امتصاص أكبر قدر من العرق، وهو قماش قطني تُصنع منه المناشف". وهناك مشابهة بين الأقمشة التي تُشترى لملابس الحج وتلك التي تُشترى لتكفين الميت، وهو مغزى شرعي ونفسي، حيث يعتبر الناس رحلة الحج هي رحلة ولادة جديدة، أو توديع للدنيا ومتاعها، "ومنهم من يتحسب لموته أثناء الرحلة".

  

موكب المسامحة ووصية الليلة اليتيمة

"لما دعاني النبي أنا فت أشغالي

وقلت يا سادتي مدح النبي غالي

أنا كل ما امدح في النبي يزيد رسمالي

أنا مدحت النبي المصطفى خالي"

      

   

كان يعتقد المسلمون أن حج المسلم لا يُقبل إلا إذا قام بإيفاء الناس حقوقهم المادية والمعنوية، "فمن كان عليه دين يجب أن يقوم بسداده قبل أن يرحل إلى الحج، ومن ظلم قريبا أو غريبا عليه أن يرد المظالم، ومن جار على إنسان عليه أن يستسمحه ويسترضيه"، لهذا يطوف الحاج في موكب على منازل القرية والمخالطين من أبناء القرى المجاورة ليطلب منهم السماح ويودع الأصدقاء، ويُسمى موكب المسامحة. (5)

"من فوق العلالي

وادعي لي يا أمي من فوق العلالي

من فوق العلالي

وادعيت لك يا ولدي يردك يا غالي"

   

من المعتقدات السائدة بين الناس أن دعوة الحاج مستجابة عند الله أربعين يوما قبل خروجه من بيته، وأربعين يوما بعد عودته إلى بيته، "لذلك مع التهاني بدعوة النبي للحاج وتلبيته إياها يطلب الناس من الحاج أو الحاجة الدعاء لهم. بل ويُحمّل الناس الحجاج دعوات يدعون لهم بها أمام الكعبة المشرفة وفي مقام النبي على سبيل الأمانة". (6)

  

أما الليلة اليتيمة فهي الليلة التي لا تدخل في سفر الحج، وعادة ما تخصصها الحاجة للتوصية بمالها وطيورها وبيتها، ويفعل الحاج ذلك، كما تشمل الوصية تعليمات الحجاج بشأن الاستعداد لاستقبال الحجاج حين العودة بالسلامة. فتقول الأم لولدها الكبير أو ابنتها الكبرى في الأغنية:

"إن طال غيابي

اقعد مقعدي إن طال غيابي

إن طال غيابي

وحنني حنني فوق العتابي

إن طال سفرنا اقعدي مقعدي وإن طال سفرنا

وحنني حنني على سطح دارنا"

  

موكب الوداع

"يا طيبة يا طيبة طيبتي المنازل يا طيبة

حبيبي والله ساكن بطيبة

يا طيبة بقلبي نورك يا طيبة

منيتي والله زورك يا طيبة

طيبة اشتقنالك والنور قبالك"

      

     

هكذا عبر نور الدين خورشيد ومن قبله المنشد الجزائري الحاج رابح الدرايسة عن اشتياقهم لطيبة وبيت الله الحرام وقبر رسوله، ورغم أن هذا الاشتياق يحرق قلوبهم شوقا، فإن مشاعر الوداع تكون أشد حرقة، حين يترك الرجل أو المرأة بلده وبيته وأولاده ويسافر لأرض الحجاز، أما المصري فكان لا يخرج من قريته مودعا أهلها "إلا في ثلاث حالات: الأولى هي طلب الولد في الجهادية، فتخرج القرية كلها تودع الشاب الذي قد لا يعود من الحرب، والحالة الثانية هي وداع الحجاج، والحالة الثالثة فهي الوداع الأخير حين تخرج القرية كلها خلف نعش الميت يردد رجالها: لا إله إلا الله محمد رسول الله". (7)

  

"ناويين يا هَنا الموعودين

اسمع وصلي ع النبي

ناويين يا موعودين

اسمع وصلي على طه الزين

يوم طلعت من بلدي

ناوي ودمعي على خدي

سبت الحبايب والخلان

سبت الوالدة أمي بتبكي

بامني نفسي ليا زمان

بالحج وزيارة النبي

والدمع ده فرحة قلبي".

  

فحين تأتي لحظة الخروج للسفر كان الحجاج يخرجون في طريقهم، "أمامهم الطبل الكبير والكاسات والكاز والباز والأدوات الموسيقية الشعبية الأخرى، وقد حمل الأطفال والشباب الرايات الخضر، وجريد النخيل الأخضر، ملوحين به، ويتحول الموكب كله إلى جوقة تردد أغنيات مرحة سريعة الإيقاع، تحاول أن تخفي بها قلق المسافرين والمودعين معا. لكن بعد أن تنفصل القافلة في مرحلة ما من الطريق عن المودعين تبدو المشاعر المخفية وتظهر، فيعود المودعون إلى بيوتهم وحقولهم صامتين، وتبدأ النساء الحاجات في الهوادج يحنن بحنينهن المعروف"، فتغني النساء:

"لحد النخيلة

فوتوني حبابي.. لحد النخيلة

لحد النخيلة

روحو يا حبابي.. جميلكم علينا".

     

   

ويتمنى الجميع للحجاج طريق السلامة ذاهبين وعائدين، فيغنون:

"طريق السلامة

سافروا سافروا.. طريق السلامة

طريق السلامة

يانجوم السما.. دقيق العلامة"

   

فيما ينشد الحجاج في طريقهم ملبين دعوة ربهم:

"لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك"

  

هكذا أودع العرب اشتياقهم لبيت الله الحرام وقبر رسوله في تراث هائل من الأغاني الشعبية التي تعبر عن حنينهم وطقوسهم لتعظيم تلك الشعيرة الجليلة، التي لا يزال لها أثر اجتماعي ونفسي واضح على أبناء مجتمعهم.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار