انضم إلينا
اغلاق
"عجائب سماء الليل" تنقلنا إليها صور الفضاء المذهلة

"عجائب سماء الليل" تنقلنا إليها صور الفضاء المذهلة

مريم عادل

محررة فنية
  • ض
  • ض

قبل أن تنتشر أضواء الكهرباء على كوكب الأرض، كان الليل على كوكبنا الصغير تضيئه نجوم السماء. كانت السماء واضحة ومألوفة للناس قبل أن يحجبها التلوث الضوئي والضباب الدخاني. وكان العالم قديما يتطلع للنجوم والكواكب في السماء باعتبارها أشياء مميزة، فكانت الكواكب بالنسبة لهم "نجوما جوالة" على خلفية "النجوم الثابتة". لم يكن الفرق واضحا بين الأجسام المعتمة مثل الكواكب وبين النجوم المشعة. كانوا يرون السماء لوحة هائلة تدب فيها الحياة، يتعلمون قراءتها والاهتداء بها في ليالي السفر الطويلة. يتأملونها طويلا فتشغل الخيال وتحرك الروح.(1) يقول عبد الرحمن منيف إن الشرقيين الذين عاشوا في الصحاري وفي الهواء الطلق لا يطيقون أي سقف عدا السماء.

  

وفي سونيتة تعود لعام ١٨١٦، كان الشاعر الإنجليزي "جون كيتس" يتأمل تجربته الخاصة بقراءة ترجمة جديدة لأعمال هوميروس وكتب عن "تنفس الأجواء الهادئة النقية" في "عوالم من الذهب" وكتب هذا النص:

 

"بعدها شعرت مثل شعور أحد مراقبي السماء

عندما يسبح كوكب جديد ليدخل في نطاق بصره

أو مثل كورتيز الشجاع عندما كان يحملق بعينيه الحادتين

في المحيط الهادئ، ونظر جميع رجاله

بعضهم إلى بعض في تساؤل مفعم بالحماس

وهم في حالة صمت من على إحدى قمم الجبال في داريان".

  

لقد استلهم كيتس هذه الصورة المجازية من رؤية "ويليام هيرشل" لكوكب أورانوس عام 1781، أو اكتشاف الكواكب الأربعة الأولى الذي حدث ما بين 1801 و1807. يذكر "ديفيد إيه روذري" معلقا بأنه ما زال يشعر أنه يتنقل في "عوالم من الذهب" عندما يرى زحل بعينيه حتى عبر تليسكوب صغير. لكننا بالرغم من عدم قدرتنا رؤية الكثير من تفاصيل السماء مباشرة في وقتنا الحالي، فإنه يمكننا عبر "فن صور الفضاء" التي ظهرت حديثا أن نرى عبر التلسكوبات العملاقة ليس فقط "عوالم من الذهب"، إنما عوالم لم تخطر حتى في خيال أسلافنا.(2)

 

مجرة درب التبانة من مرصد "لا سيلا" (مواقع التواصل)

     

أعمدة الخلق.. رؤية جديدة للكون

في العقدين الماضيين، ظهر نوع جديد من الصور الفلكية، فائقة الدقة والنقاء والوضوح، شاهدنا من خلالها عجائب كونية عن قرب. لم يكن يخطر لنا رؤية عوالم تفصلنا بينها ملايين بل مليارات السنين الضوئية. مع تدفق هذه الصور من خلال الثورة التي أحدثها تليسكوب هابل، يخفت سحر الأرض كجرم ضئيل في كون هائل الاتساع إلى حد يصعب علينا تخيله. الكثير من هذه الصور غيرت رؤيتنا للكون والنجوم والمجرات. إن رؤية هذه الصور الساحرة بمنزلة النظر إلى بانوراما من الضوء والنجوم، وهي أيضا رحلة إلى الماضي، لأن ما نراه الآن وما تلتقطه تلسكوباتنا هي صور من ماضي الكون السحيق.(3)

   

سديم النسر الموجود به "أعمدة الخلق" (مواقع التواصل)

     

في عام 1995 التقط هابل صورة غيرت مفهومنا عن صور الفضاء، وجعلت تليسكوب هابل كأنما يلتقط صورا هي قطع فنية وليست مجرد صور علمية. هذه الصورة التقطت لثلاثة أعمدة ضخمة تسمى "أعمدة الخلق" تقع في "سديم النسر" الذي يقع في كوكبة الحية ويبعد عن الأرض سبعة آلاف سنة ضوئية. تعكس هذه الصورة الساحرة روعة وفخامة الكون، ثلاثة أعمدة هشة لها شكل يبعث على الرهبة، تسبح في سماء خضراء متوهجة، انتشرت الصورة انتشارا فيروسيا واحتلت مكانها في الصفحات الأولى للجرائد في أنحاء العالم. وسلطت الضوء على عالم الفلك على حين غرة.(4)

 

وفي الذكرى الخامسة والعشرين لالتقاط أول صورة لأعمدة الخلق، عاد هابل لزيارة هذه الأعمدة والتقطت صورة جديدة لها بالأشعة تحت الحمراء القريبة من الضوء المرئي مع الضوء المرئي نفسه. بحسب وكالة ناسا فإن الصورة أظهرت هذه الأعمدة بمظهر ضبابي خيالي ومخيف على خلفية من النجوم التي لا يمكن حصرها، ذلك لأن الأشعة تحت الحمراء تستطيع اختراق الغاز والغبار بشكل أفضل من الضوء، باستثناء المناطق الكثيفة جدا في الأعمدة.(5)

 

 كما يمكننا من خلال الصورة رؤية النجوم حديثة الولادة داخل الأعمدة. وبالرغم من شاعرية اسم "أعمدة الخلق"، فإن الصورة الجديدة توحي بأنها "أعمدة للتدمير" أيضا، يقول سكووين: "أنا متأثر بالقدْر الذي تبدو به هذه البنى زائلة، فهي تذوي أمام أعيننا. يتكون الغيم الضارب إلى زرقة المحيط بحواف الأعمدة من مواد تسخَّن وتتبخر في الفضاء. فقد التقطنا الصورة في لحظة فريدة وقصيرة جدا من عمر الأعمدة".(6)

  

على اليسار صورة لأعمدة الخلق في سديم النسر التقطها هابل 1995، وعلى اليمين أعمدة الخلق 2014 (مواقع التواصل)

  

صور الفضاء العميق.. علم أم فن؟

يرى البعض أن هدف الفن هو إظهار سحر وروعة الوجود، وهو ما تقوم به هذه الصور التي يلتقطها العلماء من الفضاء الكوني. وبالتالي فلا يوجد أي فن استطاع أن يقوم بالتأثير الخلاب الذي فعلته هذه الصور. ولأن هناك ما يسمى فنون الواقعية، فهذه الصور تعتبر أحد الفنون الواقعية، فعلم الفضاء قام بثورة ثقافية بسبب كونه الأكثر إثارة بالنسبة للعلوم البصرية وهو بالتالي أقرب للفن، فالعلماء ينظرون إلى السدم في السماء كأنهم يشاهدون لوحات فنية، ويتأثرون أثناء معالجتها بالمناظر الطبيعية للوحات الفنية. من المثير أيضا التشابه الذي يمكننا ملاحظته بسهولة بين هذه الصور واللوحات الرومانسية للفنان الإنجليزي ويليام تيرنر.(7)

  

تقول "إليزابيث أ كيسلر" في كتابها عن فن هابل: "إن التشابه مع تيرنر ليس مصادفة، بل ترى أن ناسا تُضفي على الفضاء الخارجي روعة اللوحات الرومانسية وهو نوع من الاستعمار الخيالي للفضاء السحيق".(8) تشترك لوحات تيرنر مع صور الفضاء العجيبة بتلك المسحة من الغموض الذي يوحي بوجود عمق ما أبعد من مجرد الصور الظاهرة، كما يشتركان في ثراء الألوان الخلابة والطبقات الغنية الضبابية الممتلئة بالتفاصيل المذهلة، والرؤى الأوبرالية الدرامية للمشهد، وهو ما تتميز به اللوحات الرومانسية. لقد كان تيرنر قادرا على استخدام الألوان بطريقة تجعل لوحاته تحمل طبقات متعددة من الانفعالات والمشاعر الجياشة التي لا تلبث أن تغمرنا وتبتلعنا تماما كما تفعل بنا صور الفضاء العميق.

  

على اليمين صورة من ميلاد النجوم في "سديم الجبار" وعلى اليسار لوحة "الظل والظلام -أمطار الطوفان" للفنان ويليام تيرنر (مواقع التواصل)



    

على الجانب الآخر فإن هذه الصور المذهلة التي تأتينا من الفضاء استقبلها العلماء على شكل أرقام وبيانات وليست صورا ملونة ومضيئة كالتي نُشرت للعرض العام، لذلك يعتبر آخرون أن لا مجال للفن كثيرا هنا، حتى لو استخدم العلماء بعض التقنيات لكي يُخرجوا لنا هذه الصور، في النهاية العملية برمتها علمية، فالصور التي تأتي للعلماء خافتة جدا وهم يحتاجون إلى استخدام بعض التقنيات لإظهار ما تحتويه هذه الصور. لكن الأمور لا تحسم بهذه البساطة، حتى إن هذه التقنيات تحتاج إلى الحس الجمالي الشخصي عند استخدامها، فمن الممكن المبالغة في استعمالها والبعد بالصورة عن الشكل الحقيقي للكون، لذلك فإن خروج هذه الصور للنور يشترك به العلم والفن معا.(9) الحقيقة لا يهم المشاهدين كثيرا إذا كانت هذه الصور فنا أم علما، لكن ما يهم حقا هو ما عبر عنه الشاعر "ميلوز" حين قال:

 

"حين وقفت متأملا حديقة عجائب الفضاء، شعرت بأنني كنت أطالع الأعماق القصوى، وأكثر المناطق خفاء في وجودي، وابتسمت. لأنه لم يخطر لي قط أنني قادر على أن أكون صافيا وعظيما وجميلا إلى هذا الحد. تفجر قلبي يغني أغنية لجلال الكون، كل هذه النجوم هي لك، توجد فيك خارج حبك لا وجود لها، كم يبدو العالم مريعا للذين لا يعرفون أنفسهم، حين شعرت أنك وحيد جدا ومهجور في حضور البحر، فلتتخيل الوحدة التي شعرت بها المياه في الليل، أو وحدة الليل ذاته في كون لا نهائي"

 

سديم رأس الحصان في كوكبة الجبار (مواقع التواصل)







            


------------------------------------

ملاحظة: يمكنكم الاستمتاع بمشاهدة الكثير من الصور المذهلة من خلال هذا الرابط

آخر الأخبار