انضم إلينا
اغلاق
السينما والسلطة علاقة ملتبسة

السينما والسلطة علاقة ملتبسة

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض
"سوف تصبح متهما لأنك تقرأ كثيرا في دلالات الأشياء، كيف تجرؤ وتظن أن بعض الأفلام الشعبية ذات طابع عنصري، أو أن التحف السينمائية التي أنتجتها شركة والت ديزني ينتج عنها توجيها مبكرا للنشء"(1).


السياسة ظاهرة اجتماعية قديمة قدم الإنسان نفسه، في حين أن السينما - على خلاف المسرح - فن حديث مرتبط بظهور الكاميرا والتطور التقني، لكن ثمة رابط يجعل العلاقة بينهما شائكة؛ ألا وهى قدرة السينما -الصورة بشكل عام- على صناعة الوعي الجمعي والتأثير على الجماهير، والعلاقة الشائكة بين السينما والسياسة قديمة قدم السينما وفى البدايات الأولى لظهورها.

يمكن اعتبار فيلم "الديكتاتور العظيم" لتشارلي شابلن المحاولة الأولى التي تناولت فيها السينما قضية سياسية ولو بشكل ساخر، فرغم أن الفيلم من إنتاج 1940 حيث أدولف هتلر في أوج قوته، وفى الوقت ذاته لم تكن الولايات المتحدة قد اتخذت موقفا معاديا صريحا للنازية؛ فإن الفيلم تعرض بالنقد اللاذع والسخرية الشديدة لهتلر ونظامه ما جعله يصدر قرارا بمنع عرض الفيلم نهائيا في ألمانيا.
 

يعد فيلم "لاشين" إنتاج عام 1938 الفيلم الوحيد تقريبا في العهد الملكي الذي خرج عن السياق الاجتماعي المكرر والمعاد في أفلام تلك الحقبة، فجاء ليناقش قضايا سياسية في إسقاط واضح على السرايا.

الصدام المبكر أسهم في تشكيل وعى مبكر بدور السينما ومدى تأثيرها فيما يخص الشأن العام، وآثارت فى الوقت ذاته ردود أفعال وصفها البعض بالعنيفة عندما رفض مارلون براندو فى 1973 استلام جائزة الأوسكار لاعتراضه على الطريقة التى يتم بها تصوير السكان الأصليين (الهنود الحمر) على شاشات السينما، وأرسل بدلا عنه ممثلة مغمورة كانت فى الوقت ذاته ترأس جمعية للهنود الحمر.

العلاقة تطورت مع الوقت وأصبح التأثير بين السينما والسياسة متبادلاً، ففي أثناء الحرب الباردة بين روسيا والولايات المتحدة استغلت الأخيرة تفوقها السينمائي في التبشير الاستهلاكي الموجه للسوفييت وإنتاج العديد من الأفلام التي تناولت قضايا حقوق الإنسان والقمع السياسي والحريات العامة وحقوق الأقليات، حتى أصبحت السينما مستودعاً للذاكرة السياسية بمناقشتها للعديد من القضايا المتعلقة بألمانيا النازية كمثال، وهي العلاقة التي ما زالت ممتدة حتى الآن؛ ففي 2012 صدر فيلم "آرغو" (Argo) المقتبس من شهادة عميل المخابرات الأمريكية السابق توني منديز، ليس هذا فحسب بل لاقى الفيلم حفاوة نقدية ونجاحًا تجاريًا وحاز على جائزتي غولدن غلوب وثلاثة جوائز أخرى للأوسكار، وفي حدث غير مسبوق في تاريخ الجائزة حين قامت السيدة الأولى ميشيل أوباما بالإعلان عن الجائزة من خلال بث مباشر من البيت الأبيض، وقالت بعد فتح المظروف الذي يحوي اسم الفائز: "هذا خيارٌ جيّد"*.
 

السينما والسياسة في مصر حالة ملتبسة
"اعتادت السينما المصرية الاستهلاكية أن تعيش في كنف السلطة وتحت مظلتها، وحذرة في تعاملها مع الواقع أو التعبير عما يمور به من تيارات أو ما يطرأ عليه من متغيرات."(2)

يعد فيلم لاشين الوحيد تقريبا في العهد الملكي الذي خرج عن السياق الاجتماعي في أفلام تلك الحقبة  (مواقع التواصل الإجتماعي)


وكأغلب الدول التي تحكمها أنظمة قمعية لفترات طويلة تنجح في تأميم كافة المظلات الثقافية والأدوات التي لها باع في تشكيل الوعي، لكن بدايات السينما في مصر لم تشهد تأميما سياسيا من قبل الدولة أو قمعا للأفكار، ورغم ذلك غابت السياسة طواعية عن شاشات السينما، وهو أمر يثير التساؤل!
 

كانت السينما المصرية في ذلك الوقت في بداياتها تتلمس الطريق كأغلب البدايات في البلدان الأخرى، فلا يمكن تمييز طبيعة واضحة أو ميزة جلية عبّرت عنها السينما غير كونها أحد الأمور الترفيهية التي يقصدها الجمهور بغرض قضاء وقت لطيف وممتع رفقة العائلة.
 

اعتمدت السينما في ذلك الوقت على أفلام المونولوج والقصص الطريفة، وتميزت بعض الأعمال في تسليط الضوء على الحياة الاجتماعية وطبيعة العلاقات في المجتمع المتصالح بالطبع مع تكوينه الطبقي، واتسم حضور ممثلي السلطة والحكومة بطابع وقور، واعتبر رجال الشرطة رمزية دائمة على الخير في مواجهه قوى الفساد والمجرمين والخارجين على القانون، وفي هذه الفترة اختفت السياسة تماما فلم تكن جزءاً من الحياة اليومية على الشاشة.
 

نبوءة وحيدة ومفارقات عديدة
يعد فيلم "لاشين" إنتاج عام 1938هو الفيلم الوحيد تقريبا في العهد الملكي الذي خرج عن السياق الاجتماعي المكرر والمعاد في أفلام تلك الحقبة، فجاء ليناقش قضايا سياسية في إسقاط واضح على السرايا، فتتحدث قصته عن ملك ضعيف الشخصية، متعدد العلاقات النسائية، غير ملتفت لهموم شعبه، يترك شؤون الحكم لرئيس وزرائه الفاسد لتزداد معاناة الشعب حتى يظهر البطل المخلص "لاشين"، الذي -وللمصادفة- هو أحد قاده الجيوش في المملكة. يسجن لاشين في البداية ليصبح أيقونة نضالية يلتف حولها الشعب الذي يثور في نهاية المطاف ويخلع الملك الفاسد ويتوج القائد العسكري الشريف. 
 
بالرغم من حرية المجال السياسي لم تلجأ أي من القوى السياسية رغم قاعدتها الشعبية إلى السينما لتكون منبرا سياسيًا في مهاجمة السرايا، حتى السرايا نفسها لم تلجأ إلى السينما للتشنيع على معارضيها وتشويههم!

المفارقة الأولى أن الفيلم المصري الوحيد الذي كانت له وجهة نظر سياسية وموقف معارض وناقد بشكل صريح للملك والسرايا كان للمخرج الألماني "فريتز كرامب"، المفارقة الأخرى والأهم أن الفيلم لم يتح له سوى عرض سينمائي واحد، لكنه لاقي رواجاً كبيرا وأصبح أيقونة تاريخية بعد 14 عاما حين تحقُّقت نبوءة الفيلم.
 

كيف غابت السياسة عن السينما في مصر
اختفت السياسة إذن عن شاشة السينما في مصر في تلك الحقبة، رغم أن الحراك السياسي في مصر كان قد بلغ ذروته في تلك الفترة المعروفة بالحقبة الليبرالية في تاريخ مصر الحديث، والتي شهدت صعوداً كبيراً لحزب الوفد، وحضوراً شعبياً كبيراً للإخوان المسلمين، إضافة إلى مجموعة من القوى السياسية الأخرى كحزب مصر الفتاة. وبالرغم من حرية المجال السياسي بشكل كبير آنذاك؛ لم تلجأ أي من القوى السياسية رغم قاعدتها الشعبية إلى السينما لتكون منبرا سياسيًا في مهاجمة السرايا، حتى السرايا نفسها لم تلجأ إلى السينما للتشنيع على معارضيها وتشويههم!
 

يمكن اعتبار أهم أسباب ذلك هو حداثة عهد تلك القوى بالسينما، بالإضافة لحرية الفضاء السياسي والتي سمحت لتلك القوى بالتعبير المباشر عن آرائها السياسية دون الحاجة للجوء إلى السينما لتمرير مواقفها ورسائلها السياسية المعارضة. وعوضا عن ذلك؛ اهتمت تلك القوى بوضوح أكبر بالمسرح كفن، وامتلكت العديد من تلك القوى فرقا مسرحية خاصة بها، ويمكن عزو اهتمام التيارات السياسية بالمسرح عن السينما إلى طبيعة المسرح نفسه باعتباره حدثاً تفاعلياً يعتمد بالأساس على حضور الجماهير والتفاعل المباشر معهم، ما يجعله مناسبا أكثر للخطابات الأيدلوجية والحشد الجماهيري.

يُلاحَظ أيضاً أنك إذا شاهدت أيّا من أفلام تلك الحقبة -نهاية الثلاثينات وبداية الخمسينات- فلن تجد أي إشارة للاحتلال البريطاني الذي كان موجودًا بالفعل في مصر في تلك الفترة سواء كنقل واقعي لشوارع القاهرة التي كانت تعج بالجنود الإنجليز أو حتى التنديد بذلك الوجود، أي أن بريطانيا لم تحتل مصر وفقا لتاريخها السينمائي.

________________________________________
*الأمر لا يقتصر على الجوانب السلبية بالطبع، ففى 2003 استغل المخرج مايكل مور حفل توزيع جوائز الأوسكار –بعد فوزه بها فى العام ذاته- للتنديد بالحرب على العراق أثناء كلمته بعد تلقى الجائزة.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار