انضم إلينا
اغلاق
ضربة "خان" الأولى

ضربة "خان" الأولى

أحمد سامي يوسف

محرر فني
  • ض
  • ض

دائمًا ما يكون العمل الأول في حياة المبدعين معبرًا عنهم، يحكيهم بقدر ما يحكي العمل تفاصيله وقصته الخاصة؛ كذلك "ضربة شمس"، العمل الذي اختاره خان ليصبح ضربة البداية، وأولى تجاربه السينمائية في الإخراج. الفيلم يحمل كثيرًا من سمات ورؤية خان الإخراجية التي تبلورت في أعماله اللاحقة بشكل أكثر وضوحًا؛ الاهتمام بالصورة، طريقة حكيه للأحداث من خلال الشخصيات، تفضيله للكادر والصورة، وحركة الكاميرا على الحوار المكتوب بحرفية شديدة، شغف خان بالحكاية المصورة يبدأ من عمله الأول.



لقد كان اختيار خان للحكاية والشخصية الرئيسة في الفيلم موفقًا تمامًا، فنان يرتبط شعوريًا بالكاميرا، ويهوى التصوير، التقاط كادر جميل؛ يعني اقتناص مجموعة من المشاعر المهملة وتجميدها فوتوغرافيًا؛ رغم أن "ضربة شمس" التجربة الإخراجية الأولى في حياة محمد خان؛ إلا أنها كانت إيذانًا بميلاد واحد من أهم فناني جيله.

 

يحكي الفيلم قصة مصور صحفي تقوده الأحداث لاكتشاف تشكيل عصابي لتهريب الآثار. "شمس" شغوف بالكاميرا، ويتعرف على الحياة من خلال عدستها. مع خان نحن نتعرف على العالم من خلال الكاميرا، زوايا التصوير تتحكم في رؤيتنا بشكل كبير، وفى رواية الحكاية كذلك؛ لذا يخبرنا خان أن نقترب أكثر، وللسبب نفسه يكون للكادر دور البطولة في أعمال خان.

 

يبدأ المشهد الافتتاحي لفيلم  "ضربة شمس" بلقطة ضبابية  "out of focus" لا يمكن للمشاهد أن يرى بوضوح ما يحدث؛ فالكادر غائم تمامًا، وترافقه دقات طبول متسارعة هي أقرب ما يكون لإيقاع طبول الحرب، صخب الإيقاع وغموضه ينذران برحلة مليئة بالإثارة، تزداد الصورة وضوحًا مع الوقت، ويصبح الكادر أكثر اتساعًا؛ رغم أن الكاميرا ثابتة لم تتغير، فاتساع الرؤية كان بفعل وضوح المشهد وظهور تفاصيله.

 

نبدأ في التعرف على طبيعة الكادر المأخوذ من الطابق العلوي لإحدى البنايات العالية في وسط المدينة، يكشف الكادر عن شوارع القاهرة. حركة السيارات العشوائية، وأضواؤها الكثيفة تحجب المارة، وتظهر ضآلة أجسادهم؛ فلا يمكن تمييزهم من الأعلى، لا شيء يضاهي سرعة الآلة بالطبع. دائمًا ما تتضمن الكادرات عند خان رمزية ودلالة واضحة؛ كجزء رئيس من الحدث. خان يخبرنا بوضوح أن الصورة مهمة للإدراك، وأن علينا -أحيانًا- أن نبتعد أكثر؛ لنرى بوضوح أكبر، معرفة الحقيقة تطلب جهدًا، ذلك ما يحاول أن يفعله شمس طوال أحداث الفيلم.

 

كيف يسرد خان حكاياته؟
 (صورة من الفيلم)
أكثر ما يميز خان كمخرج، قدرته على سرد أحداث طويلة بمشهد مختصر، يمكننا أن نعرف الكثير عن شخصيات خان من مجموعة من التفاصيل الصغيرة؛ وربما المهملة مع أي مخرج آخر، عندما تنتقل الكاميرا إلى غرفة شمس في أولى مشاهد الفيلم نشعر بعشوائية الغرفة الممتلئة بالأغراض غير المرتبة، يبدو أن شمس لا يقبل القيود من أي نوع.

 

يقوم شمس بتنظيف الكاميرا الخاصة به بعناية شديدة؛ بينما فتاة مجهولة لا تتضح معالمها للوهلة الأولى، ترتدي ملابسها في المرآة، المشهد يوحي بالطبع أنهما فرغا من ممارسة الجنس للتو، تعامُل شمس مع الكاميرا يوحي أنه في علاقة حميمة أخرى معها، نحن لا نتعرف إلى الفتاة ولا نرى ملامحها بوضوح؛ إلا من خلال عدسة الكاميرا الخاصة بشمس، يبدو أن بطلنا ليس فقط في علاقة حميمة مع كاميرته؛ بل لا يمكنه رؤية العالم إلا من خلال عدستها.

 

يواصل خان تعريفنا على شخصياته الرئيسة بشكل أكثر وضوحًا. شمس فنان يعشق التصوير، ويعمل كمصور صحفي؛ على الرغم من تعامله مع التصوير باعتباره فنًا وهواية، إلا أنه يلجأ له بشكل وظيفي؛ تحت ضغط الواقع، فيعمل كمصور أفراح؛ لكنه يحاول دائمًا أن يجعل الأمر على طريقته الخاصة، حبيبته المتحررة المؤمنة بالقيم الغربية والتي فرغت لتوّها من ممارسة الجنس معه، تبدأ حديثًا مطولًا حول الارتباط وتأخر عودتها المتكررة للمنزل، وعدم قدرتها على تحدي أسرتها.
 

الشخصيات في الفيلم كما صورهم خان؛ رغم تحررهم وامتلاكهم أفكارهم الخاصة عن الحياة والعلاقات؛ إلا أنهم في النهاية جزء من المجتمع خاضعين لمعاييره وقيمه الأخلاقية، هذا ما تحاول أن تلتزم به سلوى؛ وهو بالتحديد ما لا يعبأ به شمس على الإطلاق.

 

علاقة الشخصيات بواقعها كما صورها خان شديدة الارتباك والقلق، شمس لا يشعر بالانتماء للواقع الذي يعيش فيه مرغمًا على ما يبدو، بقاؤه مرهون فقط بعلاقاته بمحيطه الاجتماعي الضيق؛ حبيبته سلوى وأصدقاؤه والكاميرا بالطبع. يظهر ذلك من الحديث العابر عن "عواطف" أخت شمس التي تعيش في الخارج، تطلب منه سلوى مكاتبة أخته؛ لأنها تعيش في "الغربة"، لكن شمس يرى أنه لا معنى للغربة عن المكان؛ طالما لا يمنحنا أي شيء تقريبا: "غربة إيه يا سلوى دي معاها زوجها وأولادها" شمس شخصية متمردة؛ غير منتمية للواقع؛ بل محلقة بعيدا عنه، إنه لا يستمد وجوده إلا من ذاته، ولا يحاول البحث عن معنى للحياة؛ بل يخلقه.

 

يخوض شمس رغم ذلك مغامرة غير محسوبة ضد عصابة لتهريب الآثار، ما فعله شمس كان نيابة عن المجتمع الذي يشعر أنه لا ينتمي إليه. أثناء قيادة شمس للدراجة النارية تصادفه إشارة مرور يشير ضوؤها الأحمر بالتوقف، يقف شمس في البداية، يتردد؛ ثم يقرر التحرك لا مباليًا بلافتة التوقف، لا شئ يستحق عناء الانتظار.

 

شخصيات خان مرتبكة في علاقتها بالواقع، مليئة بالتناقضات  "سلوى" تطلب من "شمس" أن يبيع الدراجة النارية التي يمتلكها ليستبدلها بسيارة صغيرة "على قدنا"، تقول سلوى: "شمس، نفسي أقعد جنبك مش وراك"، جملة تم تسليط الضوء عليها كثيرًا؛ باعتبارها مساندة لقضية المرأة، وطلبًا للمساواة بينها وبين الرجل؛ رغم أن خان -كما يظهر من أعماله اللاحقة- مهتم بقضايا المرأة في المجتمع؛ إلا أن تلك الجملة كانت انعكاسًا آخر لتناقضات الشخصيات مع الواقع والمجتمع.

 

سلوى -وفقًا لسياق الأحداث- لم تكن ترغب في أكثر من علاقة مستقرة، لم تكن لديها أي رغبة في المزيد من التصادم مع المجتمع وقيمه وعاداته، الدراجة النارية كانت مناسبة لشمس، تساعده أكثر على الشعور بالتحرر من القيود والزحام، والسيارة التي أرادتها سلوى كانت محاولة للحصول على حياة أكثر خصوصية؛ تطلعًا للخلاص من فضول المارة ونظراتهم المتلاحقة، ما أرادته سلوى ليس تصادمًا مع أعراف المجتمع الذي لا تحبه؛ إنما محاولة للبقاء داخله بشكل آمن.

 

مطاردة الحكايات المهملة فى الصور

اهتم مخرجو الواقعية الجديدة في مصر بمناقشة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتردية، الأمر الذي بدأ مع خان من فيلمه الأول.

صورة من الفيلم

بعد انتهاء شمس من تصوير أحد الأفراح، وقيامه بطباعة الصور التي قام بالتقاطها؛ يلاحظ أمرًا مريبًا يحدث، الصور تظهر شخصًا يبدو عليه القلق والخوف يقترب من الراقصة، يترك لها ورقة ثم يختفي تمامًا؛ ولا يراه شمس ثانية إلا كجثة هامدة، الأمر الذي يثير حفيظة شمس، يقرر شمس أن يطارد الصور، أن يبحث عن القصص والحكايات خلف أصحابها، الصورة الغامضة تقود شمس إلى سلسلة من الأحداث والجرائم التي ترتكبها عصابة لتهريب الآثار.

 

اهتم مخرجو الواقعية الجديدة في مصر بمناقشة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتردية، الأمر الذي بدأ مع خان من فيلمه الأول؛ حيث يلفت الأنظار بشكل مبكر لمثالب الانفتاح والصعود المفاجئ لسماسرة الثراء السريع، من خلال عصابة تهريب الآثار فى الفيلم.

 

الأحداث تتلاحق بسرعة، الصورة التي طاردها شمس بحثًا عن مغامرة مسلية وحكاية ما؛ تحولت إلى صورة قاتمة مليئة بالظلمة والوحشة، يجد شمس شخصيته (غير المنتمية واللامبالية) في وسط صراع  بين جهاز الشرطة من جهة، والعصابة من جهة أخرى (الرمزية الأشهر عن صراع الخير والشر في السينما المصرية) لتصبح فجأة شوارع القاهرة مظلمة ومخيفة، ممتلئة بالترقب والقلق. تصاحب أغلب المشاهد الموسيقى التصويرية لكمال بكير؛ مع إيقاع الطبول المتسارع الذي ينتظم؛ ليجعلنا نشعر بالخوف.

 

يصاحب ذلك كله ظهور الفنانة ليلى فوزي في دور غامض كأحد أفراد التشكيل العصابي، تظل صامتة طوال أحداث الفيلم، تظهر بلا مقدمات وبلا إشارة، الأنثى بطبيعتها الحانية رمزية دائمة للحب والجمال، الانطباع المعاكس تمامًا هو ما تتركه مشاهد ليلى فوزي فى نفس المتفرج، ترتدي ملابس حادة الألوان، تعطي انطباعًا بالصرامة، وهدوءًا مخيفًا ونظرات مثيرة.

 

كيف لوجه بذلك الجمال أن يخبئ كل ذلك القدر من القبح والأذى؟ ارتبطت أغلب مشاهد ليلى فوزي بشوارع القاهرة ليلاً، هذا الانطباع تحديدًا هو ما أراده خان عن شوارع القاهرة ليلًا، أصبح جمالها مخيفًا، شوارع يُخيم عليها الظلام، تحتفظ بجمال خافت؛ أو ربما إمكانية جمالية تم وأدها؛ لتصبح مرتبطة بوجه المرأة الصامتة.
 

على هامش ذلك الصراع وفي قلب المدينة يسقط العديد من الضحايا؛ أحدهم كان فتحي صديق شمس. اللعبة التي بدأها شمس مدفوعًا بشغفه الفني، ورغبته في معرفة الحكايات المختبئة خلف الصور؛ تنتهي برغبة في الانتقام.

 

في النهاية؛ كعادة السينما مهما بلغت الحبكة والأحداث من تعقيدات، ومهما بدا البطل /الخير عاجزا بلا حيلة؛ لا بد قبل مشهد النهاية أن ينتصر الخير والحق والجمال.. هكذا يفضل المخرج أن يخرج جمهوره سعيدا دائما من قاعة العرض، تلقى زعيمة العصابة الغامضة مصرعها في النهاية. هزيمتها لا تعني انتصارا لشمس بالضرورة؛ فالأحداث التي مرت به لا تتركه كما كان، وستبقى نظرات الدهشة في عينيه لفترة طويلة.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار