انضم إلينا
اغلاق
السينما.. فن ما بعد الحداثة الأبرز

السينما.. فن ما بعد الحداثة الأبرز

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض

كانت بداية ظهور السينما في أواخر القرن التاسع عشر، وكانت التكنولوجيا بطل هذا الفن الجديد والحداثيّ بامتياز؛ لكنّه مع ذلك مرّ بالكثير من المراحل حتى يصل لما وصلت إليه الفنون الأخرى من ملامح جمالية معينة تضعه في خانة الفنون الحداثية؛ مع هذا؛ فالسينما هي الفن الذي تطور سريعًا وطوى التاريخ سريعًا، ربما لأنه الفن الأكثر ارتباطًا بالتقدم التقني، ولا يملك إلا أن يساير صانعه.
 

لا يمكن تقديم خصائص سينما ما بعد الحداثة إلا بمحاولة وصف لسينما الحداثة، ولا يمكن وصف أي منهما دون محاولة لوصف المصطلحين رغم صعوبات ذلك. في كتابه ما بعد الحداثة والسينما يعتبر الدكتور بدرالدين مصطفى أن الحداثة أتت بمفاهيم قداسة العقل، والعلم، والإنسان، واعتبرت الذات الإنسانية مركزًا للكون. كانت سيطرة الإنسان على الطبيعة وعدًا بالتخلص من الندرة والحاجة، وسيطرة العقلانية وعدًا بالتحرر من خرافات الدين والأسطورة وتعسف السلطة.




لكن القرن العشرين -بالحربين العالميتين، والقنابل النووية والأزمات الاقتصادية- أتى صفعة على وجه المشروع الطموح. بدأت الحداثة تتحول إلى شكل يرفض بالكامل الاستعلاء فوق الزمان والمكان، وتلازم ذلك مع إعلاء الرغبات الجنسية والنفسية، و"اللاعقلانية" كمقدمة لخطاب ينخلع من كل ما هو عقلاني، ويرفض النظرة المتفائلة القديمة.
 

انطلق فكر السينما الحداثية حينها من موقف عدم فهم وضياع؛ فتغير السرد وبناء الشخصية، وتغير الزمان الواحد الواضح، وتبدل المكان وأسلوب التلقي؛ تعالت السينما على المتعة، واهتمت بالتعقيد أكثر من استمتاع المشاهد.
 

ربما بدأ تبلور مصطلح ما بعد الحداثة منذ بداية الوعي بمشكلات الحداثة؛ طبقًا لما ذكره الدكتور بدرالدين، وعدم قدرتها على مسايرة الواقع الجديد أو تفسيره. ليس من السهل تعريف المصطلح، إن لفظة "تعريف" نفسها لفظة حداثية لا تنسجم مع الإطار العام المفتوح لما بعد الحداثة، والذي يفترض الثبات كما يفترض أن جميع القراء سيفهمونه بالشكل ذاته؛ وهو ما لا يؤمن به منظرو ما بعد الحداثة الذين يرفضون وجود حقيقة موضوعية.
 

يمكن اعتبار الآتي بعض الصفات البارزة لهذه المرحلة: موت النزعة الإنسانية، العدمية، تجاوز الميتافيزيقا والسرديات الكبرى، الافتقار لروح النقد للأوضاع الراهنة، نسبية الأخلاق والحقيقة، عدم التمييز بين الثقافة النخبوية والشعبوية، رفض النظريات الكبرى، رفض اليقين المعرفي وكل ما هو قاطع، ورفض السلطة بكل أشكالها (سلطة التاريخ، السياسة، المجتمع، الأسرة، العقل، الحقيقة، الميتافيزيقا، الفن، ..إلخ).
 

انعكاسات ما بعد الحداثة في السينما

يشير مقال لمجلة أبيض وأسود (1) عن أفلام ما بعد الحداثة أن ثمة طريقتان لانعكاس حالة ما بعد الحداثة على السينما؛ الأولى عن طريق قصص تقدم حياة الإنسان في مجتمع تحكمه قيم ما بعد الحداثة، أفلام American beauty أو fight club أمثلة تعرض ما يعانيه الإنسان من حالة اغتراب وخواء يصل لها في هذه المجتمعات. الطريقة الأخرى؛ هي أن يصبح الفيلم نفسه مسرحًا يعبر بطريقة إنتاجه عن قيم ما بعد الحداثة؛ كأن تتجاوز فكرته -نفسها- السرديات الكبرى، والحقيقة، والأخلاق، والميتافيزيقا.. أو أن لا تُروى الأحداث بطريقة خطية، أو لا يتم التركيز فيها إلا على ما يبدو هامشيًا.
 

صورة من فيلم pulp fiction

ربما أهم سمات الفيلم ما بعد الحداثي هو اللامعنى، ونسبية الأخلاق؛ يمكنك أن ترى البطل خيّرًا في البداية، ثم شريرًا في المنتصف، وتائهًا في النهاية. في هذه الأفلام يذوب الفرق بين ما هو نخبوي وما هو شعبوي، بين ما هو فن رفيع وما هو منتج هابط. تارنتينو مثال على مبدعي هذا النوع من الأعمال، حين وقف لاستلام جائزة السعفة الذهبية عن فيلمه "pulp fiction"، أبدت إحدى الحاضرات اعتراضها على منحه الجائزة، كان رد تارنتينو أن رفع إصبعه الأوسط لها من على منصة التتويج، إنه يرد بطبيعته دون تكلف، يهزأ بفكرة الفن الرفيع، أو بتعامل الفنانين مع أنفسهم كطبقة نبيلة فوق المجتمع.
 

ملمح آخر لهذا النوع من الأفلام هو الاهتمام بالبسيط والهامشي على حساب الرئيس والمركزي، الاهتمام بالبطل العادي، أو الموسيقى الشعبية، والغناء غير المتقن. يحاول المبدعون بهذه الطريقة معارضة السينما الكلاسيكية التي تعتبر الكون يدور حول حبكة الفيلم؛ بينما هو مجرد أحداث عشوائية تحدث بمعزل عن الحكاية؛ غير آبهة بها.
 

تهتم هذه الأفلام بالمتعة والإثارة في كل أجزائها، وليس بالشكل النهائي للفيلم، ليس من المهم كيف تبدأ وكيف تنتهي، ولا ماذا سيتعلم المشاهد؛ ربما ليس هناك غاية أو هدف؛ لكن يجب أن يستمتع المتلقي طوال مشاهدة الفيلم، يقول تارنتينو إنه حين يكتب فيلمًا يحرص على أن تكون كل صفحة متقنة ورائعة، بدرجة أقل من حرصه على الشكل النهائي للفيلم، إنها أفلام لا تزدري المتعة من أجل المتعة.

تعادي ما بعد الحداثة السلطة بكل أشكالها، ويظهر هذا العداء في أفلامها بشكل واضح، في فيلم "pulp fiction" هناك غياب تام للشرطة حتى في مشهد السرقة الطويل الذي يجب أن يستدعي تدخلًا شرطيًا؛ لكن ثمة مشهد وحيد يظهر فيه رجل بزي شرطة، وهو المشهد الذي يغتصب فيه الرجل الشرطي الرجال الذين يحتجزهم. يعتبر المقال ذاته أن للأمر دلالته السلبية عن رجال الشرطة.
 

لا يقتصر هذا العداء على السلطة داخل الفيلم، ولكن هذه الأفلام ترفض حتى سيطرتها على رأي الجمهور، تتبع ما بعد الحداثة فكرة "موت المؤلف" ما يعني أن العمل الفني يصبح ملكًا للجمهور بعد صدوره، لتارنتينو مقولة شهيرة بهذا الخصوص: "لو شاهد هذا الفيلم مليون مشاهد فأنا أريدهم أن يشاهدوا مليون فيلم" في حديث آخر يقول "أنا لا أصنع الأفلام التى تجمع البشر؛ بل تلك التي تفرقهم".
 

تتعمد هذه الأفلام استخدام الإبهار البصري، أو التقنيات المتقدمة، أو أساليب السرد والتصوير؛ لتظهر للمتلقي أنه يشاهد فيلمًا، إنها تكسر الوهم وتؤكد على الواقع، يظهر هذا جليًا في أفلام مثل حرب النجوم، أو "The matrix". في فيلمه "Inglourious Basterds" يتعمد تارنتينو تذكيرنا باستمرار أننا نشاهد فيلمًا، عن طريق وضع أسامي فصول للأحداث، وظهور إطارات بشكل واضح أحيانًا.
 

صورة من فيلم The Matrix
 


تمزج أفلام ما بعد الحداثة في فيلم واحد بين الكوميديا والجريمة وغيرها، إنها سينما اللاشكل (1)، لا يقلل العنف من كوميدية الحدث، في فيلم "Inglourious Basterd" يتم تهديد الأسير، ثم قتله بطريقة وحشية وسط النكات والضحك، في فيلم "pulp fiction" لا بأس في أن ترتكب الجريمة بعد ممارسة الحب، أو بعد تلاوة النصوص المقدسة، أو بتفاهة تامة عند قضاء الحاجة، وبعد شرب فنجان شاي، يقتل فينسينت رجلًا دون قصد؛ لكنه يتابع الحديث ثم ينتبه إلى أن عليه تنظيف المكان، لا أحد يقلق للحظة؛ لأن ثمة إنسان قتل لتوه بلا سبب.
 

أدى ظهور السينما إلى تغير هائل في طريقة التعاطي مع المحتوى البصري، الذي كان عبر التاريخ صورة ثابتة، يتم تأملها بشكل منفرد. بدأ جدل الفنيّ والجماليّ مع بداية هذا الفن الجديد، هل يمكن لهذا التدفق السريع المتلاحق للصور أن يسمح للمشاهد بالتأمل والتفكر؟ بعض المُنظرين الأوائل رأوا أن هذا التدفق تحديدًا هو ما يخلق صدمة جعلت النقاشات الأولية حول السينما تؤمن بأنها قادرة على تحريك الجمهور. تعيد سينما ما بعد الحداثة هذا الرهان على المشاهد من جديد؛ ولكن بطريقة سلبية؛ حيث يُخشى على المشاهد من أن تتسبب التقنيات والإبهار البصري في تغييب وعيه هذه المرة.
 

السينما.. الفن السابع، والكامل

الناقد الفرنسي "ريتشيوتو كانودو" هو أول من أطلق لقب الفن السابع على السينما، كانت العمارة والموسيقى مع فنون الرسم والنحت والشعر والرقص هي عناصر التعبير الجماليّ على مر العصور، والفنون المقدسة لدى الإغريقيين، اعتبر "كانودو" أن السينما تحمل من طبيعة الفنون التشكيلية والفنون الإيقاعية في آن، جامعة الفنون الستّة معًا، وواضعة شكلًا جديدًا لكمال فنّي كان مجرد حلم منذ عرفت البشرية الفنّ.
 

السينما عالم الخيال الواقعي تمامًا، وفن الحداثة وابنة التكنولوجيا. ما يجعلها تحمل طابعًا أيقونيًا أكثر من أي فن آخر. إنها أقدر الفنون على حمل الرسالة الأيقونية لعصر ما بعد الحداثة، ما يعرض على الشاشة ليس رمزًا للشيء؛ بل هو الشيء ذاته، الانطباق التام بين الدال والمدلول الذي لا يمكن أن يعبر عنه شيء أفضل من السينما.
 



السينما -كصناعة- ربما ليست أقل أيقونية منها كمنتج نهائي، إنها أحد أكثر الصناعات إدرارًا للربح، وأحد أكثر الفنون سلعية. إن وجه السينما الآخر كأيقونة هو كونها سلعة لها سوق يحكم إنتاجها؛ سوق يكبر ويتوسع بسرعة توقعها المنظرون الأوائل منذ بدايات عصر السينما، حيث كان جليًا أنها تتجه بثقة نحو أن تصبح أرخص الفنون وأكثرها شعبية وتوافرًا للجميع؛ قبل ظهورها كان على الناس السفر لمسافات طويلة لرؤية حتى العروض المسرحية.

مع تقدم التكنولوجيا وسهولة توافر السينما للجميع، ارتفعت أرباح الأفلام بشكل خيالي، شهد عام 1915 إنتاج الفيلم الذي حقق أعلى أرباح لمدة 20 عامًا، كانت الأرباح 18 مليون دولار فقط، اليوم تحقق الأفلام أرباحًا مليارية كرقم اعتيادي، والعديد من الأفلام تجاوزت أرباحها تريليون دولار.
 

تظهر هوليوود هنا كأنسب الأماكن لعملية "الأيقنة" ما بعد الحداثية، ويظهر التركيز على النجوم /الأيقونات كوجه آخر من وجوه تكريس الذاتية والفردية لهذا العصر، مكان ملائم لعملية الأيقنة ما بعد الحداثية، إنها مصنع النجوم /الأيقونات على مستوى العالم، تخدمها صناعة أخرى كاملة تركز على تفاصيل الحياة الشخصية والترف والمتعة لهؤلاء النجوم، المتعة بلا هدف ومن أجل المتعة، كمفهوم ما بعد حداثي لن يجد مكانًا لترويجه أفضل من هوليوود، أو صناعة السينما.

أكثر 20 مدينة جذبا للزوار عالميا خلال العام 2016

تقارير متصدرة


آخر الأخبار