انضم إلينا
اغلاق
"ليباوسكي الكبير".. حين يكون بطل الفيلم "سُجّادة!"

"ليباوسكي الكبير".. حين يكون بطل الفيلم "سُجّادة!"

إسلام السقا

محرر سينما
  • ض
  • ض
لربما كان مصدرها أصفهان أو تبريز، أو لعلها قم أو كاشان، ومن المحتمل أن تكون طهران، في مصنع أو في منزل، مهما كان مصدر صناعة السجادة العجمية فإن مصيرها إلى البازار. قد يكون الوقت المستغرق في صناعتها ثمانية أشهر أو ما يزيد، ولا تتجاوز مساحتها مترا ونصف مربع، وتُباع بألف دولار أو أكثر. لهذا، يفضّل المشترون عدم وضعها على الأرض فتتلف، وبدلا عن ذلك توضع على الحائط.(1)


وجود السجادة على الحائط يقدّم خدمة رائعة، إذ تكون سببا في فتح موضوع حولها إذا ما عمّ الصمت المكان، فليس هناك أسوأ من عدم وجود ما تثرثر حوله مع أحد زوّارك. والسجادة التي سنتحدث عنها اليوم لم يعلّقها صاحبها على الحائط ولكنها كانت معلّقة في قلبه.

في البدء كانت السجادة

تبدأ الأحداث الفعلية لفيلم "ليباوسكي الكبير" (The Big Lebowski) من اللحظة التي يقرر فيها أحد أفراد العصابات أن يتبوّل على سجادة جيف ليباوسكي، الشخصية الرئيسة في فيلم الأخوين كوين الصادر عام 1998. رغم أن اسمه الحقيقي هو جيف فإنه يفضّل أن يدعوه الناس "Dude". أكسل رجل في لوس أنجلوس، كره ما أصاب سجادته لأنها كانت حقا "تربط الغرفة مع بعضها البعض" كما يقول في الفيلم.
 

لكن رغم شهرة شخصيّة "the dude" لدى المتابعين فإنّ شيئا من الأحداث اللاحقة لن يحدث لولا وجود والتر سوبتشاك، فإن والتر الذي يلعب دوره الممثل الموهوب جون غودمان هو من "ربط" الفيلم ببعضه البعض، بل هو سجادة الأخوين كوين في هذا الفيلم. 

 


جمعت بين الرجلين صداقة قائمة على لعب البولينغ، فهما يشكلان فريقا واحدا في الدوري العام للبولينغ في المدينة ولكنهما على النقيض من بعضهما البعض، فإذا كان جيف هو الشخص الكسول والهادئ للغاية إزاء كل ما يجري حوله والمستهدف على الدوام من آخرين لا يعرفهم والذي لا يكترث أبدا لما يجري ولا يريد الانخراط به فإن والتر يجسد الشخصية القوية المتسلطة والعنيدة المحبة لممارسة القمع مع الآخرين والتي تسعى للانخراط في المشكلات بنفسها.


يقع كلاهما ضحية أحداث خارجة عن سيطرتهم، فجيف الذي تخطئ إحدى العصابات بينه وبين آخر يحمل نفس الاسم يجد حياته قد قلبت تماما ولا أمل بعودتها كما كانت دون خسارة، أما والتر فهو محارب قديم في فيتنام، طليقته ما زالت تتحكم بحياته، ورغم أنه اعتنق اليهودية من أجلها لكنه ما زال يعتبر نفسه يهوديا متدينا حتى بعد طلاقهما، بل ويتبرع بالاعتناء بكلبتها الأليفة كلما أرادت السفر فيحملها معه أينما ذهب.
 

ورغم أن سلبية وكسل جيف تسبب له المشكلات من حين لآخر فإن عدائية والتر تسبب له والمحيطين به مشكلات جمة، تؤثر الحرب على نظرته للحياة فيرى بعين الشك كل ما يمر من أمامه، وهذا ما يجعل من تصرفاته بعيدة عن أي منطق (ومضحكة)، فنراه يهشم إحدى السيارات ويثور غضبا أثناء التحقيق مع أحد المراهقين، بل ويرفع سلاحه في وجه أحد زملائه الذين يلعبون البولينغ، وأخيرا يتسبب في تصاعد الأحداث في موقف للسيارات عندما يرفض التراجع أمام مجموعة من العدميين فتصيب سكتة قلبية صديقه فيموت.
 

يبدو التوازن الذي يخلقه الأخوين كوين عبر الزج بشخصيتين متناقضتين إلى هذا الحد في فيلم واحد هو ما يسعى إليه جميعنا

مواقع التواصل
 

رغم ما يبدو عليه والتر من ثقة لكنه لا يملك زمام الأمور من حوله، قد يكون هذا هو السبب في جعله شخصية محببة جدا(2)، فلا يهم ما يظهر منه إذا كان الرجل في أعماقه ضحية مطلقة لأشياء لم يكن له يد فيها. وغالبا فإن أي منا لا يحسن التحكم بما يجري من حوله أيضا، فنحن إما أسرى لماضينا أو للمحيطين بنا سواء كانوا أصدقاء أو غرباء.

 
يبدو التوازن الذي يخلقه الأخوين كوين عبر الزج بشخصيتين متناقضتين إلى هذا الحد في فيلم واحد هو ما يسعى إليه جميعنا. شخصية والتر تجسد كل السعي الخفي لملاحقة المسيئين وإيقافهم عند حدهم، مع عدم الاكتراث بالطريقة أو حتى النتيجة. أما جيف فهو يجسد السعي الدؤوب للوصول إلى حالة قصوى من اللامبالاة تجاه الأحداث والأشخاص، فيكون أكبر همومنا هو غياب سجادتنا الحمراء من على أرضية غرفة الجلوس، فغيابها يفكك ما كان "يربطه" حضورها.
 

أبعاد أخرى

تحمل السجادة ذاتها رمزيات متعددة في هذا الفيلم، فرغم أن كل ما في الأمر أنها "ربطت الغرفة ببعضها" فإن امتدادها يبدو أبعد من ذلك بكثير، فكل من جيف ووالتر لهما رؤية مختلفة حول السبب الذي يجعل تلك السجادة مهمة بالنسبة لهما.
 



جيف الذي لا يسعى لأكثر من لعب البولينغ وتدخين الحشيش وشراء الحليب سوف يموت بهدوء على الأغلب دون أن يذكره أحد بعد موته، وكأنه لم يكن، لأنه في الواقع لا يريد لأحد أن يذكره، ولم يكن يسعى لأن يخلق ما يذكره الناس من أجله.(3)

لذا فإن العدوان الذي حصل عليه قام بتحريكه من خموله، وتحريك الخاملين يعني أن هناك (في الأعلى) من سوف يخسر شيئا.(4) كل ما أراده جيف هو استعادة سجادته، كل ما أراده هو وقف العدوان عليه، سجادته التي كانت آخر الأشياء التي يكترث من أجلها حولته من إنسان بلا دافع إلى شخص يسعى نحو هدف محدد يصون به كرامته.


أما والتر الذي ما إن سمع بما حدث للسجادة جن جنونه، وتحجج بأنها غالية السعر رغم أن ثمنها لم يكن هو ما سبب الغضب لدى جيف، مالك السجادة أصلا. لكن يستخدم والتر "الثمن" كوسيلة لدفع الثمن، أي أن موقفه من السجادة ينسجم تماما مع شخصيته التي يسلطها سيفا على الآخرين إن أخطأوا، معتبرا من حقه تجاوز الحدود لأنه حارب من أجل تلك البلاد في يوم من الأيام. أما كل ما أراده فعلا فهو استعادة شيء من دوره المفقود بعدما كان محاربا فبات اليوم مهمشا يتوق إلى معركة، أيُّ معركة، يخوضها بكامل قوته.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار