انضم إلينا
اغلاق
"أُم!".. أرونوفسكي والأكل من شجرة المعرفة

"أُم!".. أرونوفسكي والأكل من شجرة المعرفة

فاطمة نبيل

محررة فنية
  • ض
  • ض

"فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ"(1)

 
يقول جابرييل جارسيا ماركيز "إننا لا يجب أن نقرأ إلا الكتب التي تجبرنا على إعادتها مرة أخرى"، هذه القاعدة تنسحب أيضا على الأفلام السينمائية، فالفيلم الذي لا يستحق المشاهدة الثانية لم يكن ليستحق الأولى.

وفي فيلمه الروائي الطويل السابع يقدم المخرج وكاتب السيناريو الأميركي دارين أرونوفسكي فيلما يستحق المشاهدة مرات، لأسباب عدة، لعل من أهمها قابليته للتأويل على أكثر من مستوى. الفيلم الذي يبدأ بلقطة لوجه يحترق، لينبّأنا بما لن نستطيع عليه صبرا، هذا فيلم عن هذا الوجه المحترق، له وعنه، ومما رواه لنا.

 

 
في منزل ذي طابع فيكتوري يبدو كمركز هذا الكون السرمدي الذي تدور فيه أحداث الفيلم، تعيش زوجة شابة (جينيفر لورانس) وزوجها الشاعر (خافيير بارديم) الذي يكبرها بأعوام عديدة، ويعاني من انقطاع الوحي، وعدم القدرة على الكتابة، فتعاني معه انقطاع وصالهما العاطفي والجنسي.

 
يترك أرونوفسكي الأسماء مجهولة، الأمر الذي يعطي انطباعا باتساع دلالة الشخصيات وتحولها إلى معانٍ أكثر منها شخصيات سينمائية.


وكما في أفلام الرعب التقليدية يحل فجأة ضيفا على الأسرة طبيب غامض (إد هاريس)، يرحب به الشاعر علّه يجد به أي مصدر لإلهام جديد. وفي الليل يتقيأ الطبيب كل ما أكله، ويظهر في ضلوعه جُرح غامض، كأنما فقد أحدهم.

  

"وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ"(2)

في الصباح تطل على المسرح زوجة الطبيب (ميشيل فايفر) منضمة إلى القافلة، تظهر بكامل غوايتها وفتنتها وفضولها ورغبتها المُلحة في التدخل في كل شؤون زوجة الشاعر، لكن الأخيرة لا تستطيع مجاراتها عندما يمتد بها الفضول إلى الرغبة في رؤية قدس أقداس منزل الشاعر حيث يتلقى وحيه السماوي.


 
لا تستطيع زوجة الطبيب الصمود طويلا أمام فضولها المُلح، فتغوي زوجها بالصعود معها إلى غرفة الشاعر حيث يمكنهما لمس بلورته السحرية والتي يعتقد إنها سر إلهامه الخفي. في الغرفة تستبد بهما الغواية فيكسرا البلورة عن غير عمد، لكن الشاعر يغضب بشدة ويأمرهما بالهبوط إلى الطابق الأسفل، معلنا أنه لا يمكن لأحد الدخول إلى الغرفة بعد الآن وقد أغلقها بإحكام.
 

"مَاذَا فَعَلْتَ؟ صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ مِنَ الأَرْضِ"(3)

وفي غياب الشاعر يتقاتل ابنا الطبيب، فيقتل أحدهما الآخر، بسبب نزاعهما على أموال الأب الموشك على الاحتضار، أما الشاعر فيطل عليهم من علٍ، ويتدخل محاولا تهدئة الابن الغاضب لكن محاولاته تفشل وسرعان ما ينشغل بإسعاف الأب المريض ومصدر إلهامه، حينها يتمكن الأخ من قتل أخيه، فيحل غضب الشاعر على الابن القاتل، محاولا إنقاذ القتيل دون جدوى.


يغضب الابن القاتل من الشاعر بدوره، وبعد أن كان إحساسه بالخذلان ينتهي عند أبيه الذي فضّل شقيقه عليه، فإن سخطه يمتد إلى الشاعر أيضا، ويمضي ممزقا صورته. تنبثق في أرض المنزل بقعة دم لا تهدأ مهما حاولت الزوجة معالجتها، ويزيد جنون الزوجة مع إقامة تأبين الابن المقتول في منزلها دون رغبتها.

يرتفع معدل غضب الزوجة بعد تأكّدها أن هؤلاء القوم مخابيل تماما، ولا معنى لأي محاولة لزجرهم عن إفساد المنزل، خاصة مع هوس الزوج الشاعر بالتفاف المعجبين حوله

مواقع التواصل
 

يمضي الشاعر في تأبين ابن الطبيب بكلمات طيبة، لها وقع السحر على من يسمعها لكنها في الحقيقة لا تداوي الخسارة ولا توقف الدم. يعج فجأة المنزل بالغرباء، يأكلون ويتسامرون، ويعيثون في الأرض فسادا رغم مطالبة الزوجة لهم بالمحافظة على المنزل دون جدوى.


يرتفع معدل غضب الزوجة بعد تأكّدها أن هؤلاء القوم مخابيل تماما، ولا معنى لأي محاولة لزجرهم عن إفساد المنزل، خاصة مع هوس الزوج الشاعر بالتفاف المعجبين حوله. لكن هذه الفوضى العارمة كانت لها ثمرتان اثنتان، الأولى جنين ينمو في بطن الزوجة بعد أن وطأها الشاعر أخيرا، وأما الثانية فقصيدة استلهمها الشاعر من أحزان الأسرة التي فقدت وليديها أحدهما مقتول والآخر تائه في البرية.
 

"الْمَجْدُ للهِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ، وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ"(4)

 

يوشك الجنين على الولادة، لكن الجنون يحل مرة أخرى في المنزل الهادئ، وتزيد بقعة الدم اتساعا مع مجيء مجموعة ضخمة من مريدي الشاعر يقبلونه ويتباركون به وقد تملّكهم الهوس، فأخذوا يفسدون المنزل، ويبدّدون الطعام، ويرتكبون الموبقات، ويقتل بعضهم البعض.
 


 
وفي مشهد أبوكاليبسي بامتياز تزحف الزوجة الشابة فوق جثث مريدي الشاعر لتضع طفلها، وحتى ضابط الشرطة الذي خاطر بمساعدتها انفجرت أشلاؤه قبل أن يتمكن من الوصول إليها. ينتظر الشاعر طفله ليهديه إلى جمهور المريدين الذين بدورهم يقدمون له الهدايا ويحملونه هاتفين "هاللويا" في البداية، لكنهم سرعان ما يقتلونه متباكين على ابن الشاعر الذي كان بين يديهم ثم فقدوه.

 
ولا يجد الشاعر أمامه إلا البحث عن طريقة ما تمكّنه من مسامحتهم لأنهم مريدوه الذين لا يمكنه الاستغناء عنهم، حتى لو كان ثمن ذلك فقدانه الصبي وأمه التي تدرك أخيرا أنها لم تكن كافية كمصدر لإلهام الشاعر، وأنه بات عليها الآن أن تعطيه آخر ما تبقى لها كي يستمر في الكتابة كما أراد دوما. تحل أخرى محل الزوجة، وينصلح حال البيت الخرب، ولا تلبث الدائرة أن تدور من جديد.


يبدو أثر دراسة أرونوفيسكي لعلوم الأنثروبولوجيا في جامعة هارفارد واضحا، تحديدا في أسئلته التي يطرحها مشروعه السينمائي ككل في أفلامه السابقة(7)، لكنه في "أم" (Mother) -وهو الفيلم القابل للتأويل لأكثر من مستوى- أكثر اقترابا من هذه الأسئلة وتماسا ومباشرة.

 

نساء أرونوفسكي مقهورات حاملات لإرث ضخم من الذكورية جعلهن بائسات في مواجهة استنزافهن باسم الحب، وكما دفعت "نينا" ثمنا مشابها في "بلاك سوان" (Black Swan) كان على الزوجة في "أم" (mother) أن تدفع ولا تأخذ شيئا في المقابل، حتى وليدها تفقده فداء للزوج.
 


كما يشغل أرونوفسكي تلك العلاقة الأبدية بين الفنان ومُنتجه الفني، ومن منهم صاحب سطوة على الآخر. وهل هذا المنتج الفني النهائي يساوي ما يتكبده الفنان من خسارة لروحه ومحبيه ونفسه أحيانا؟

 
"مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ"(5)


في "أم" (Mother) يحاكي أرونوفسكي بشكل ما القصة التوراتية والقرآنية عن بداية الخلق، حيث يقرر الإله أن يجعل له في الأرض خليفة -رغم اعتراض الملائكة على ذلك- يعلمه الأسماء والحكمة، لكن تعليمه الحكمة لا يمكّنه من ألا يستسلم لغواية زوجته ويأكل من شجرة المعرفة، فيغضب عليه الرب، ويأمره بترك الجنّة والهبوط إلى الأرض حيث ينجب صبيين يقتل أحدهما الآخر طمعا فيما ليس له. ومن وقتها لم ينقطع الدم عن الأرض التي لم ترو إلا به، فكان على الإله أن يقدم ابنه فداء لخطيئة ارتكبها أول إنسان وجعلته يهبط إلى الأرض تاركا الجنّة خلفه.


تشغل فكرة الخصوبة بال أرونوفيسكي بما لها من دلالات في الحضارات الإنسانية القديمة وارتباطها بالزراعة والحياة، فيقدمها في مقابل العقم المرتبط بتوقف الوحي والإبداع، وإذا كان الرجل يعطي البشرية فنًّا، فالمرأة تمنحها الحياة ذاتها. وفي أول مرة تتوقف الزوجة عن طاعة أوامر الشاعر كان بعد أن وضعت مولودها، إذ منحتها الأمومة سلطانا مخيفا لم تكن عليه سابقا، وكان فقدانها الصغير آخر ما ربط بينهما.
 

المنزل في "أم" (mother) هو محور العالم ولا نكاد نخرج منه، اللهم إلا رؤيته من الخارج كقلعة ضخمة وسط غابة مزهرة تسر الناظرين

مواقع التواصل
  

وهكذا يتطور الصراع الدرامي في "أم" (mother) بتناسب طردي مع وجود هذه الخصوبة سالفة الذكر. وبينما يأتي طفل روز ماري في فيلم "بولونسكي" الشهير والحاضر بشدة في "أم" (mother) ليكون امتدادا للشيطان، يأتي طفل الزوجة في "أم" (mother) ليكون معجزة الشاعر الثانية وكلمته وروحه.


المنزل في "أم" (mother) هو محور العالم ولا نكاد نخرج منه، اللهم إلا رؤيته من الخارج كقلعة ضخمة وسط غابة مزهرة تسر الناظرين. المنزل هو كل حياة هذه الزوجة، وجدرانه الباهتة التي حاولت إصلاحها هي حدود معرفتها عن العالم.


في النصف الأول من الفيلم يبدو ضوء الشمس كوهج بكر صاف لم تلوثه الخطايا، في مقابل المنزل بإضاءته الخافتة المظلمة، أما في النصف الثاني ومع اقتراب ميلاد الطفل فقد حل الظلام وحاوط المنزل من كل اتجاه، وحمل المريدون المشاعل في انتظار أمل لا يجيء.


"فَحَزِنَ الرَّبُّ أَنَّهُ عَمِلَ الإِنْسَانَ فِي الأَرْضِ، وَتَأَسَّفَ فِي قَلْبِه"(6)
 


  
وإذا كان بداية حمل الطفل خطا فاصلا بين فصلي الفيلم، فقد عمد أرونوفسكي إلى استخدام زمن بطيء في النصف الأول يناسب ما بدت عليه الأرض في حياتها الأولى، أما في الفصل الثاني وقد تطورت خطايا الإنسان وآثامه وحل الجنون بكل شيء، وقتل الإنسان شقيقه أو اغتصب حريته لمجرد أنه يستطيع ذلك فقد أصبح الإيقاع لاهثا، تطارد الكاميرا فيه الزوجة علّها تستطيع ملاحقتها.


وهنا يقر أرونوفسكي إنه ما اجتمع اثنان من البشر في مكان إلا وكان السجن ثالثهما، سواء تم هذا السجن باسم الدين أو الأخلاق أو اللاشيء، وإنه ما اجتمع اثنان من البشر في مكان إلا وتظاهر أحدهما ضد الآخر، فيرتفع في الفيلم هتاف الربيع العربي الشهير "عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية".


يحفل حوار الفيلم بدلالات تساعد المتلقي في تفسيره أنثربولوجيا إذا أراد ذلك، دون أن يفوتها أن تظل محافظة على سماتها السينمائية بأن تحمل قدرا من الكشف والتطور يتناسب مع طريقة حكي الفيلم.

  

   
"يَاَ أبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ"(6)
 

لا يُدين أرونوفسكي الأديان بصورتها الحالية أو القديمة فحسب، ولا يتوقف نقده عند المؤسسات الدينية التي اتخذت من الأديان وسيلة لقهر البشر وامتلاك أرواحهم وأجسادهم، لكن نقده امتد إلى الإله ذاته كما قدمته هذه الأديان.(8)
 


 
هو يراه إلها عاجزا عن فعل شيء، عاجزا عن مساعدة البشر وسد رمق الجائعين منهم، عاجزا عن وقف الفوضى والفساد في الأرض، عاجزا عن حماية ذاته من تحكم وفساد المؤسسات الدينية التي قامت باحتكار التحدث باسمه، حتى إنه عاجز عن إيجاد ملهم جديد للإبداع، وهو في ذلك يقر بوضوح إذا كان الأبناء بحاجة إلى أبيهم الذي في السماوات فإن حاجة الأب لهم لا تقل بالقدر ذاته.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار