انضم إلينا
اغلاق
"أم!".. بين أنانية الفنان وهوس الإنسان بالتدمير

"أم!".. بين أنانية الفنان وهوس الإنسان بالتدمير

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض

سيطر صمت مُتأهب على الجمهور في قاعة العرض بمهرجان تورنتو السينمائي (سبتمبر/أيلول) الماضي في الدقائق التي تسبق بداية الفيلم، فمنذ قليل اعتلى المخرج دارن أرنوفسكي خشبة المسرح ووجه رسالة غريبة جدا إلى الحضور، قال لهم: "أنا آسف على ما سأفعله بكم الآن".(1)

 
بعد مضي حوالي ساعتين، عندما تحوّلت شاشة العرض إلى الأسود لانتهاء الفيلم المعروض "mother!" استحال صمت البداية المُتأهب إلى موجة مُختلطة من صيحات استهجان وتحيات إعجاب. ولم يكن رد فعل جمهور تورنتو المُتناقض ذاك سوى صدى مُبكر لردود الفعل التي سيُحدثها الفيلم في أوساط النُقاد والمشاهدين على السواء، ففي الوقت الذي وصفه أحد النُقاد بـ "الرائع"، ذهب ناقد آخر إلى النقيض التام مُطلقا عليه "أسوأ فيلم في القرن الحادي والعشرين".
(2)

 
ككل خيال، انطلقت قصة الفيلم الأساسية من سؤال "ماذا لو؟"، ماذا لو فتحت باب بيتك في أحد الأيام لغريب عابر وبعد أن ضقت ذرعا به رفض ببساطة أن يرحل؟ ماذا لو تمادى الغريب ودعا عائلته وأصدقاءه إلى بيتك الذي احتلوه ثم بدؤوا في تدميره؟ والأسوأ، ماذا لو أخذ شريكك صف الغرباء؟

 
شكّلت تلك الأسئلة البسيطة النواة التي أخذ دارن أرونوفسكي مخرج الفيلم ومؤلف قصته يطورها ويبني عليها حتى استحال فيلمه في النهاية إلى كُتلة مُعقدة من رموز وإسقاطات اتخذت من بدء الجنس البشري بدايتها، ولم تتوقف حتى رسمت له بنفسها النهاية بأكثر الطرق كابوسية. وفي الرحلة التي قطعها الفيلم من بداية البشرية إلى نهايتها خطوط كثيرة مُتشابكة احتملت مختلف التأويلات وكانت السبب وراء التناقض الشديد للآراء الذي أثاره الفيلم.

عبر قاطرة أرونوفسكي الأفعوانية


يدور الفيلم حول حياة زوجين لم يُعط لهما اسم، لعبت دور المرأة جينيفر لورانس وجسد الرجل خافيير بارديم. في بيتهما المُنعزل وسط الخُضرة يعيشان ما بدا كحياة هادئة، تقضي الزوجة وقتها في ترميم البيت الذي كانت النيران قد دمرته، بينما يجلس الزوج الشاعر في مكتبه في الدور العُلوي، في محاولاته استجداء الإلهام الذي قاطعه منذ زمن ليُعاوده مرة أخرى فيستطيع أن يسطر القصائد.

 
يختل ذلك الهدوء عندما يطرق بابهما غريب (إد هاريس)، يستقبله الزوج بترحاب تستهجنه الزوجة حين يسمح له بالبقاء.  يتصاعد التوتر عندما تأتي زوجة الرجل (ميشيل فايفر) هي الأخرى إلى المنزل، ويصل الوضع إلى ذروته عندما يتسلل الزوج والزوجة الغرباء إلى مكتب الشاعر ويدمران قطعة ألماس كان يعتز بها بشدة، ثم يقتحم ولدا الرجل والمرأة البيت وينخرطا في مشاجرة حامية تنتهي بقتل أحدهما للآخر.

 

أرونوفسكي ومشهد المشاجرة


في لقطة ذكية نرى شخصية خافيير برديم تقف خارج مكتبها في الدور العُلوي وتنظر بترفع إلى الفوضى التي أحدثها شجار الأخوين في الأسفل. حينها ينقلب منظورنا للفيلم كُليًّا، فزاوية الكاميرا المُنخفضة التي استخدمها أرونوفسكي لتُضفي إحساسا بالعظمة، وهالة الضوء التي تعلو بارديم وتتخذه مركزا لها ثم تأخذ في الخفوت كلما ابتعدنا عنه يخبرانا أن الرجل الذي يقف أمامنا ليس سوى الإله التوراتي الذي كتب ديوانا واحدا، في رمز إلى العهد القديم، ثم انقطع عنه الإلهام، وأن الرجل والمرأة اللذين رحب بهما في بيته ليعصيا أوامره ويُدمرا جوهرته هما آدم وحواء، وأن ابنيهما المُتصارعين هما في الحقيقة قابيل وهابيل، وأن زوجته التي تريد أن تجعل من البيت جنتهما الخاصة والتي تمتعض عندما تطأه قدما الإنسان ليست سوى رمز إلى أُمنا الأرض.(3)
 

بارديم ينظر إلى الفوضى في الأسفل (آي أم دي بي)

 
كما ندرك أيضا حينها أننا نقف بصدد مُخرج يهوى التلاعب بمشاهديه وخداعهم، يستطيع في لحظة واحدة أن يُلغي في أذهاننا معاني تشكلت على مدى ساعة كاملة لما رأيناه ويبدلها بأخرى مختلفة تماما. فما بدا في الجُزء الأول منه كتصوير لعلاقة زوجين يتخللها دخول مفاجئ لأغراب يصيبونها بالتوتر، سرعان ما يتحول إلى أليجورية تُصور الفصول الأولى من قصة الخلق. ولا يبدو أرونوفسكي خَجِلا من التباهي بقدراته على فعل هذا، فيقول في أحد اللقاءات: "يبدأ الفيلم كشيء، وعندما تعتاد على هذا الشيء يتحول إلى شيء آخر تماما. ولهذا، فمهما قرأت عنه لا يوجد حقا ما يستطيع تهيئتك لما ستراه".(4)

 
بينما قضى المخرج الجزء الأول من الفيلم في تصوير تفاصيل مضايقة الغُرباء لزوجة الشاعر والتي يغلب عليها الرتابة، تتسارع وتيرة الأحداث بشكل خاطف في النصف الثاني منه لتتكشف عن كابوس حقيقي، فبينما تُعِدّ الزوجة التي صارت حُبلى عشاء خاصا لزوجها احتفالا بانتهائه من قصيدته بعد أن عاوده الإلهام، تتفاجأ بسيل من البشر يُحاوطون البيت من كل ناحية. لم يكن أولئك البشر سوى جمهور الشاعر الذي أُعجب بشدة بقصيدته الجديدة فجاءوا ليروه بأنفسهم. تأخذ الأحداث منحى مُرعبا عندما يقتحم أولئك الغرباء المنزل، وبعد أن سيطرت عليهم حالة من الهوس بالشاعر يبدأون في تدمير كل ما تقع عليه أعينهم، "لإثبات أنهم مروا من هنا"، وبالرغم من توسلات الزوجة الكثيرة لزوجها أن يأمرهم بالرحيل، يرفض الشاعر هذا ويبدو مُرتاحا تماما في دائرة الضوء. 

  
 
في أحد اللقاءات يصف أرونوفسكي بناء الفيلم ويقول: "كقاطرة أفعوانية تدور في إعصار، يبدأ بطيئا في صعوده إلى التلة الأولى، ثم يملأ المُشاهد بتوقعات للحظة التسارع، وبعدها يأتي التسارع".(5)

 

الإنسان كمعول دمار

"وَرَأَى الرَّبُّ أَنَّ شَرَّ الإِنْسَانِ قَدْ كَثُرَ فِي الأَرْضِ، وَأَنَّ كُلَّ تَصَوُّرِ أَفْكَارِ قَلْبِهِ إِنَّمَا هُوَ شِرِّيرٌ كُلَّ يَوْمٍ"

(سفر التكوين، الإصحاح السادس)

  

تُسيطر على أفلام أرونوفسكي الأخيرة الثيمة الدينية، حيث صار يتخذ منها هيكلا لأفكاره ورؤاه التي لا تتمحور بالضرورة حول المُقدس. وكنتيجة لهذا تخرج لنا أعماله كمزيج فريد يجمع بين تساؤلات وهواجس طالما طاردت الإنسان في كل عصر، وقضايا معاصرة تشغله الآن، مُغلفة كلها في رمزية دينية من السهل على أي مشاهد ينتمي إلى أي من الديانات الإبراهيمية الثلاث أن يجد لها صدى في مُعجمه المعرفي.

 
ومن الأفكار التي طالما شغلت أرونوفسكي هو كون الإنسان معول دمار، ينقلب على ذاته ويلحق بها الخراب في هوسه بالكمال في أعماله الأولى، ويُخرج طاقته التدميرية خارجها مُفسدا لما حوله من طبيعة ملوثا لما يُأويه من أرض في فيلميه الأخيرين.

 
فقد وُلد فيلم "أم" (mother!) من رغبته في تناول الدمار الذي يُلحقه الإنسان بالطبيعة من منظور الطبيعة نفسها، فنراها مُتجسدة عبر شخصية جينيفر لورانس، تلك التي ينقلب بيتها من جنة إلى جحيم بين ليلة وضُحاها عندما يدخله الإنسان الذي يحكم تصرفاته عدم اكتراث عميق لها، وعلى وجهها الذي تابعته الكاميرا طوال الفيلم نرى الهلع مُسيطرا، فبينما تقتحم الجموع منزلها وتدمره تقف هي عاجزة، فلا هي قادرة على طردهم، ولا هي تستطيع أن توقفهم. يقول أرونوفسكي عن هذا: "عبر هذا الفيلم أروي قصة أُمنا الأرض وقد تحولت إلى طاقة مؤنثة. نحن نلوثها، نطلق عليها تُرابا، لا ننظف فوضانا، نحفر فيها، نقتلع غاباتها، نأخذ دون أن نعطي".(6)
 

 لورانس يحلل مشهد المشاجرة

وفي المشهد الأخير يترك أرونوفسكي المنطق التوراتي الذي يُعاقب فيه الإله الإنسان على أفعاله بتسليط الطبيعة عليه، ويستبدله بالمنطق العلمي المُعاصر الذي تأتي فيه الفيضانات والأعاصير كنتيجة مُباشرة للاحتباس الحراري، تلك الظاهرة الحديثة التي تسبب فيها الإنسان بشكل مباشر عن طريق تسببه في ارتفاع مُعدلات التلوث بشكل خطير. يحدث هذا كله بشكل مجازي عبر الأحداث، فبعد أن تخلى عنها الإله، وبعد أن قتل البشر ابنها الرضيع، هرولت الأم إلى القبو، وسكبت مُحتويات برميل نفط مُخبأ به في أرجاء المنزل، ثم أوقدت فيه النيران. من الجدير بالذكر أنه أثناء انتقام الأم نستطيع أن نسمع أصوات برق ورعد في الخلفية.(7)

 

وعلى غرار الطبيعة التي يسير كل ما فيها بشكل دائري(8) صنع أرونوفسكي مشهده الأخير ليكون هو نفسه مشهده الأول، فبعد أن فني كل شيء في الحريق باستثناء الإله الخالد انبعث البيت مرة أخرى من رماده، وعلى سرير الزوج/الإله امرأة أخرى الآن، في إشارة إلى بداية قصة جديدة لن يكون البشر ضمن فصولها.

 
تنطلق أعمال أرونوفسكي أيضا من مُخاوف حقيقية تتسرب من أعماق نفسه إلى أفلامه التي يحوي كثير منها مشاهد مُخيفة جعلت شركات الإنتاج تُسوّق لبعضها كأفلام رُعب. يقول أرونوفسكي عن هذا: "انطلق فيلم "بلاك سوان" (Black Swan) من هاجس الخوف من فقدان الذات، وانطلق فيلم "أم" (mother!) من رُعب أن تفقد منزلك. يعمل ذلك الخوف على مُستويين، فهنالك قصة لزوج وزوجة يواجهان غزوا لبيتهما، وفي الوقت نفسه قصة لأُمنا الأرض وهي تحاول أن تتصدى لأُناس لم يدعوا يوما إليها".(9)

 

الفنان كإله أناني
دارن أرونوفسكي مخرج فيلم "أم" مع بطلة الفيلم "جينيفر لورانس"  (مواقع التواصل الإجتماعي)

 
كثيرا ما يبدو أرونوفسكي في أفلامه مُهتما بالعملية الإبداعية، والتي غالبا ما يُصوّرها في ظلال مُعتمة، وهنا تبدو الأكثر سوداوية وعُنفا من بين أفلامه على الإطلاق. فالشاعر/الإله قد اتخذ من الخراب مصدر وحي، يُرحب بالغرباء المُدمرين إلى منزله لعلهم يلهمونه بشيء، ويبدو مُنتشيا تماما في وسط مظاهر الفوضى والدمار التي أخذت تُحيط به في الثلث الأخير من الفيلم. كما يتضاءل كل شيء أمام رغبته المُستعرة على الخلق، حتى حُب زوجته العميق له هو في النهاية ناقص، لا يرويه ولا يكفيه. وبينما ترقد مُحتضرة يُفصح لها أنه لا يكره هذا حقا، فلو اكتفى بشيء لانطفأت بداخله جذوة الإبداع، وهو ما يُمثل له كشاعر/إله موتا مجازيا.(10)

 
يقول أرونوفسكي في أحد اللقاءات: "أشعر بالتماهي التام مع شخصياتي، صنعت فيلما عن باليرينا وكنت أنا الباليرينا، صنعت فيلما عن مُصارع وكُنت أنا المصارع". وهنالك ما يُخبرنا أنه في هذا الفيلم لم يُكن أرونوفسكي سوى الإله الأناني نفسه.

 
يقع فارق سني كبير بين الزوج والزوجة في الفيلم، فارق أشار إليه الرجل الغريب (إد هاريس) عندما دخل البيت وقال باستهجان: "هذه حقا زوجتك؟! خِلتها ابنتك". ووراء الكواليس كان شيئا مُشابها يعتمل، فأرونوفسكي البالغ من العُمر ثمانية وأربعين عاما -نفس عُمر بارديم الذي جسّد شخصية الإله- وقع في حب بطلته جينيفر لورانس ذات السبعة وعشرين عاما.

 
لكن ومع هذا، فعندما كسرت لورانس أحد أضُلعها من فرط التماهي مع الشخصية لم يكن يُهم أرونوفسكي حينها سوى أن هذا قد يُعطل التصوير، تماما كما كان شخصية بارديم لتفعل.(11)  و لم ينف أرونوفسكي أن شخصية الإله قد تكون إسقاطا له، أو ما يخشى أحيانا أن يكونه.(12)

 
كتب الناقد تود مكارثي في موقع الهوليوود ريبورتر عن الفيلم يقول: "بعيدا عن الجنون الذي نراه على الشاشة، يبدو الفيلم قبل كل شيء رسمة لفنان خلع عنه كل مسؤولية أخلاقية، فنان يتمحور حول ذاته وإحساسه بأهميته الإبداعية حتى صار يُصدق أنّ لا شيء ولا أحد قد يقترب من أهمية فنه. عبر السنوات رأينا هكذا مُبدعين، قام بعض منهم بالفعل بالاعتراف بتصوراتهم تلك، لكن القليل فقط هو من عبّر عن هذا في سياق تجاري ليتم استهلاكه من قِبل جماهير عريضة".(13)

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار