انضم إلينا
اغلاق
"ويست وورلد".. هل يمكن أن نتعاطف مع إنسان آلي؟

"ويست وورلد".. هل يمكن أن نتعاطف مع إنسان آلي؟

  • ض
  • ض
مقدمة المترجمة

في حبكة مختلفة تماما عن جنون الوحوش وانقلابها على البشر يكتب كريستوفر أور المحرر الأميركي والناقد السينمائي عن سلسلة "ويست وورلد" الجديدة في "إتش بي أو" (HBO) التي تقدم الروبوتات بشكل أكثر إنسانية من البشر، ويناقش اتجاه التعاطف الشعوري مع مصنوعات لا تحمل بداخلها الحياة.
 

نص التقرير

"أنت صانعي، ولكني سيدك فأطعني!"

 

منذ نطق وحش الكاتبة "ماري شيلي" هذه الكلمات المتمردة للمرة الأولى لصانعه في صفحات رواية "فرانكشتاين"، وعلى مدى قرنين من الزمان سيطر هذا التحول الرهيب على أدب الخيال العلمي، وبقي السؤال الأهم هو ماذا سيحدث إذا جاء اليوم الذي تصنع فيه البشرية ذكاء قويا جدا ينقلب عليها؟ إنه السيناريو الذي صُوّر بألف طريقة، باستخدام الروبوتات في "ذا تيرمينيتور" وأجهزة الكمبيوتر في "سبيس أوديسي"، والمهجنين في "جزيرة الطبيب موريو" وحتى في ديزني في فيلم "صبي الساحر" باستخدام المكانس السحرية الكارتونية.

 
لكن هذا السيناريو نادرا ما تم تطويره بهذه الدرجة من التعقيد والبراعة التي نجدها في "ويست وورلد" من إنتاج "إتش بي أو" (HBO)، وهو صورة مختلفة محنكة ومروعة لفيلم مايكل كرايتون 1973 الذي يحمل الاسم ذاته. عُرض المسلسل للمرة الأولى في الثاني من (أكتوبر/تشرين الأول) لهذا العام من تطوير ليزا جوي وجوناثان نولان (شقيق كريستوفر نولان) وهو مسلسل من عشر حلقات، ويُعدّ دليلا آخر على طموحات تحدي حدود السينما المتلفزة، فلطالما برعت "إتش بي أو" (HBO) في بناء العوالم المعقدة، سواء كانت حقيقة مثل مسلسل "ذا واير" أو خيالية مثل "صراع العروش".

  

إعلان فيلم ويست وولرد 1973 (آي أم دي بي)

 
ويزيد هدف "ويست وورلد" تخصيصا عن سابقيه لكنه لا يقل جرأة، فهو استكشاف استفزازي للصانعين ومخلوقاتهم في فجر الوعي الاصطناعي، وبلا ريب فقد اتبع فيلم عام 1973 الحبكة التقليدية للوحوش التي يجن جنونها فتبدأ بالقتل، وكان الفيلم نموذجا أوليا تقريبا لسلسلة كرايتون اللاحقة، والأكثر نجاحا بكثير "سلسلة جوراسيك بارك". ففي الفيلم زار السياح منتزها "روبوتيًّا" يأخذ شكل الغرب الأميركي القديم، للاستمتاع بجولات تبادل إطلاق للنيران، ومشاحنات في الخمّارت ولقاءات بالبغايا بشكل آمن وخالٍ من الشعور بالذنب، لكنّ خللا يحدث في الروبوتات وتبدأ بقتل السياح تحت زعامة مسلح آلي لعب دوره "يول برين".

 
أما مسلسل "ويست وورلد" فإنه يأخذ هذه السردية ويقلبها عبر حكي القصة إلى حد كبير من وجهة نظر الروبوتات، وبالطبع لا تزال السلسلة تسأل السؤال الكلاسيكي عما سيحدث إن تحولت إبداعاتنا ضدنا، لكنها تهتم أكثر بعواقب هذا الأمر عليهم أكثر من عواقبه علينا نحن البشر، فالبشر في "ويست وورلد" هم إلى حد كبير مجرد ممثلين مساعدين في دراما تحقيق الذات الروبوتية، ويأتي هذا التأطير جنبا إلى جنب مع تحول أساسي في المنظور الأخلاقي، ففي فيلم كرايتون، كان السياح -في الغالب- أبطالا محبوبين، وشمل فريق الشخصيات البشرية أيضا المهندسين المسؤولين عن تصنيع الروبوتات والاعتناء بها، وكانت هناك بطبيعة الحال الروبوتات القاتلة والعنيفة.

 
أما في رواية نولان وجوي فإننا نجد الطبقة الوسطى المتصارعة أخلاقيا من صانعي الروبوت وبيروقراطييّ المنتزه المتغطرسين والمرتبكين. غير أن الضحايا الذين يستحقون التعاطف هذه المرة هم الروبوتات التي تُمحى ذكرياتها يوميا، لكنها تبدأ في الاحتفاظ برؤى مجزأة للأهوال التي تمر بها بانتظام، ويرتكب الأشرار الحقيقيون في المسلسل تلك الفظائع والأهوال، وهم السياح البشر.
 

عنف بلا معنى وجنس عنيف

يدفع الزائر 40 ألف دولار ليمضي يوما في "ويست وورلد"، فلماذا يدفع الناس ثروة للزجِّ بأنفسهم في محاكاة للخروج عن القانون على طريقة الغرب القديم؟ يجيب المسلسل عن هذا التساؤل بأنهم يفعلون ذلك للانغماس في شهواتهم المخفية للعنف الذي لا معنى له والجنس العدواني، دون هواجس أخلاقية أو عواقب قانونية، والسلسلة صارخة بشكل ملحوظ في تصويرها للقسوة الكامنة وراء هذه الشهوات. ونجد سيناريوهات "تبادل إطلاق النار مع قاطع طرق" الموجودة في الفيلم الأصلي قد اختفت، وبدلا منها نجد سائحا يشعر بالملل فيثبت يد منقب ذهب عجوز في الطاولة باستخدام سكين طعام فقط لإسكاته، وآخر يمشى متجها نحو راعي بقر غير منتبه في الحانة ويطلق النار عليه من الخلف ويصرخ "الآن هذه إجازة!".
  

 

خطيئة الخلق

تقدم سلسلة "ويست وورلد" نفسها باعتبارها حكاية رمزية عن الخطيئة، وبهذه الطريقة تتبع سابقات تعود إلى ماري شيلي وما قبلها، في الواقع تعود بالتاريخ إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير وصولا إلى أسطورة بروميثيوس الإغريقية، الذي خلق البشرية من الطين ومنح فرانكشتاين اسما بديلا وهو بروميثيوس العصر الحديث.

 
والخطيئة الأولى في هذه الحكايات هي دائما فعل الخلق نفسه، وهو حالة كتابية من الغطرسة والمساس بقوى كانت محفوظة سابقا للآلهة، وهي خلق الحياة، والشعور، والحب والألم. وهو موضوع أثري بعمق بوصول وحش "شيلي". وبعيدا عن صورة الوحش المتمتم التي قدمها الممثل "بوريس كارلوف" في دوره بفيلم "فرانكشتاين" لـ "جيمس ويل" عام 1931، كان "فيكتور فرانكنشتاين" الأصلي أحد المثقفين الذين علموا أنفسهم وهو من محبي الفردوس المفقود (أحد التأثيرات الرئيسة لشيلي) الذي عانى من العذاب النفسي العميق والأسى. وربما كان انتقامه بالقتل فعلا، لكنه كان مدفوعا بمعرفة أنه كان أبشع -شكلا- من أن يختبر الحب.

 
وإذا كان الخلق هو الخطيئة الأساسية، فقد أنتج خطايا أخرى، ولأن هذه الكائنات التي تم خلقها بصورة مصطنعة ليست إنسانية تماما، نادرا ما يعاملها صانعوها على هذا النحو. وبدلا من ذلك، يحطون من شأنها إلى كونها مجرد أداة، وأن تلك المخلوقات أتباع حقراء يعملون وفق إرادتنا دون ندم، بل ومحض عبيد. وأجريت هذه المقارنة بوضوح في وقت مبكر في رواية "فيليب ديك" الإبداعية لعام 1968 "هل تحلم الروبوتات بالخراف الإلكترونية؟" وهي في حد ذاتها أساس فيلم "ريدلي سكوت" في عام 1982 "بليد رانر" الذي يفاخرُ فيه إعلان عن عمالة الروبوت بأنه "يكرر الأيام المجيدة لما قبل الحرب الأهلية".

  

صورة من فيلم "وال إي" (آي أم دي بي)

 
وعلى مر السنين، تم نشر الروبوتات لحراسة شوارعنا مثلما نجد في فيلم "THX 1138" لجورج لوكاس، ولرعاية عائلاتنا في فيلم راي برادبوري "I Sing the Body Electric!"، ولتنظيف ما نخلفه من فوضى في فيلم "Wall-E" لبيكسار، وربما حتى للإذعان البدني التام، فقد صنعنا الروبوتات لإرضائِنا جنسيا، وهي فكرة ذات صدى يعود إلى النحات الأسطوري بيجماليون وتمثاله الحبيب العاجي، الذي أشبعته فينوس بسخاء بدفء الإنسان.

 
لكن الخيال أصبح حقيقة بشكل كامل في رواية أوغست فيلير لعام 1886 التي حملت اسم "حواء المستقبل"، وتُعد علامة فارقة في الأدب، وفيها يتخيل الكاتب أن توماس إديسون يصمم تحسينا للمرأة من خلال بناء روبوت جميل خالٍ من العيوب المزعجة مثل الشخصية والإرادة. وبعد ما يقرب من قرن من الزمان، تم اختيار الموضوع في رواية إيرا ليفين لعام 1972 "ذا ستيبفورد وايفز"، وفيلم "أدابتيشن" لعام 1975، وفي كلا الإصدارين لم تكن الروبوتات هي الضحايا الرئيسة لهذه التحسينات الميكانيكية بل هن النساء الحقيقيات اللاتي استبدلن.
 
وقد عرضت إصدارات أحدث ما هو أقرب إلى رؤية شيلي الأصلية، التي فيها يكون الخلق الاصطناعي -مهما كانت أفعاله- ضحية كذلك. ففي فيلم "بليد رانر"، كانت النسخ المهندسة وراثيا التي تسمى بـ "الريبليكانت" خارجة عن القانون قسرا، وحكم عليها بالإعدام لجريمة الرغبة في الهرب من الاستعباد بين النجوم والعودة إلى الأرض. ولم يكن الرجل المكلف بتدميرها "ريك ديكارد" مجرد قاتل متناقض ولكنه من المحتمل جدا أن يكون هو نفسه "ريبليكانت".

  

 
أما فيلم "إكس ماشينا" الصادر في العام الماضي من إخراج "إليكس جارلاند" فقد أخذ هذا التعاطف المتطور مع الروبوتات خطوة أبعد من ذلك، فالمصنوعة التي كانت محور الفيلم والتي تُدعى "آفا"، تبدأ بكونها غرضا للاستعلام، وآلة يتم اختبارها لتحديد ما إذا كانت قادرة على التفكير مثل الإنسان أم لا، ولكن يتم الكشف تدريجيا عن كونها ضحية خالقها وسجينته ولعبته الجنسية، بل وليست الأولى من نوعها. ورغم ذلك تصبح سيدة مصيرها وبطل الرواية المنتقم بحلول نهاية الفيلم. ويذكرنا هذا بفيلم "Her" المذهل الذي قدم فيه سبايك جونز رؤية لوعي المرأة بتحقيق الاستقلال الذاتي.
 

ثورة الروبوت

رغم كونه مبنيا على أسلافه من الدراما السابقة فإن "ويست وورلد" يقدم نسخة مصقلة رائعة لهذا النوع، فهو مسلسل عن الروبوتات الأبرياء -وهم أبرياء بطبيعتهم نظرا للبرمجة ومسح الذاكرة المتكرر الذي يلحق بهم- الذين يتعرضون لأهوال على يد السياح الأثرياء الراغبين في استكشاف شعور ارتكاب جريمة لا معنى لها أو الانغماس في رغباتهم الجنسية الأكثر دناءة. والأمر كما يشرحه مبرمج لأحد روبوتاته قائلا: "إنك وجميع من تعرف بُنيتم لإرضاء رغبات الناس الذين يدفعون لزيارة العالم الذي تعيشون فيه". وتنكشف ثورة الروبوت المفترضة ضد أسيادهم تدريجيا. (وأود أن أشير هنا أنه حتى كتابة هذه السطور، شاهدت الحلقات الثلاث الأولى من السلسلة).

 
وتبدأ شظايا من الذكريات في الظهور في أذهانهم، وتتطور تدريجيا إلى أحلام، والتي بدورها تخرجهم من "حلقات" البرمجة نحو شكل بدائي من الوعي الذاتي. وما يبقى مثيرا للاهتمام هو أن "ويست وورلد" يشير إلى أن الوعي شيء لا يتطور داخل الكائنات بل بينهم بالضرورة، فالوعي المنشأ بالنفس مبني بطريقة ما على أساس الوعي بالآخرين.

  
 
ويركز المسلسل على تفاعلات الروبوتات مع البشر، ولكن على النقيض من معظم أمثلة هذا النوع، فإنه يذهب أيضا إلى تفاعلاتها مع بعضها البعض. فعندما يبدأ واحد منهم بالتصرف بغرابة، تقلق مهندسة من أن تكون المشكلة "معدية"، وكانت محقة في قلقها، ففي تطور مدهش، كان ناقل عدوى الوعي الناشئة هو جملة من مسرحية روميو وجولييت يمررها روبوت واع إلى آخر قائلا: "هذه المسرات العنيفة لها نهايات عنيفة".

 
وفي الوقت نفسه، فإن السياح البشر في "ويست وورلد" -بادئي المسرات العنيفة- يختبرون تطورا خاصا بهم، ففي الزيارة الأولى أو الثانية، يبدو أن معظمهم قانع بالقصة المُعدّة سلفا بالمنتزه، وهي التنقيب عن الذهب المدفون، وصيد الخارجين عن القانون في التلال، وما إلى ذلك، ولكن سرعان ما تصبح أذواقهم أكثر غرابة، وليس بطريقة جيدة، ففي مشهد مبكر يفسر أحد الشخصيات أنه في أول رحلة له جلب أسرته، ولكن في الثانية "جاء وحده، وأصبح يتصرف بشرّ مباشرة وقال إنها "أفضل أسبوعين في حياتي".

 
وحقق هذا المسار التطوري الذي يظهر في شخصية تُدعى "هاريس" -الذي اعتاد زيارة "ويست وورلد" منذ 30 عاما- بمرور الوقت نوعا من الكمال الشيطاني، فقد قال في أحد المشاهد بينما كان يسحب روبوت امرأة من شعرها إلى الحظيرة: "أنا لم أدفع كل هذا المال لأنني أريد أن يكون هذا الأمر سهلا، بل أريد منك أن تقاوميني". وبهذا يحقق "ويست وورلد" ما قد يكون أكثر التحولات الصادمة للجميع، فنحن نشاهد الروبوتات تصبح أكثر إنسانية والبشر يصبحون أقل.
 

الآخر


 
دائما ما اعتمدت دراما التلفزيون والشاشة الكبيرة على وجود "آخر"، أي عدو عام يمكن تقديمه دون قلق حول الحياة الداخلية أو المصير النهائي، مثل السود الأميركيين أو الهنود الأميركيين أو الألمانيين أو اليابانيين أو زعيم مخدرات في أميركا اللاتينية أو الإرهابي الإسلامي. ولكن مع اتساع دائرة التعاطف، تراجع الاعتماد على مثل هذه "الأنواع".

 
ولكن ظلت الروبوتات هي "الآخر" الأكثر أهمية على الإطلاق، فمَن يهتم إذا تم سحق آلي ببطء في آلة ضغط هيدروليكية أو إن تم غليه في صلب منصهر؟ وهل شعر أحد بالشفقة على الأعداد التي لا تُحصى من روبوتات أولترون التي دُمرت في فيلم أفينجرز الأحدث؟ أجل، ربما يجعلك "إكس ماشينا" مؤيدا لشخصية "آفا"، غير أن مصيرها ينكشف بشكل غير مباشر، بفضل بشري.

 
وحتى "شيلي" السابقة لعصرها فقد حكت قصة وحشها -رغم مونولوجاته المطولة- من وجهة نظر الراوية البشرية، لكن "ويست وورلد" يوسع الدائرة مرة أخرى، فالسلسلة لا تقدم الروبوتات بوصفهم أبطالا ولا ضحايا، إنما تمنحهم ذلك الانتصار الفريد للراوي، وهو الحق أخيرا -نظرا لقدراتهم الناشئة- في حكي قصصهم الخاصة بأنفسهم.

__________________________________________________
 
مترجم عن:(ذا أتلانتيك)
المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار