انضم إلينا
اغلاق
حين حضرت جبهة النصرة مهرجان أمستردام

حين حضرت جبهة النصرة مهرجان أمستردام

رشا حسني

محررة فنية
  • ض
  • ض

بعد مرور عدة أيام على بداية مهرجان أمستردام الدولي للأفلام الوثائقية يمكن وبوضوح تكوين صورة عامة على أهم ملامح التشابه بين العديد من الأفلام التي عُرضت من خلال برامج المهرجان المختلفة، حيث يميل عدد لا بأس به من الأفلام إلى التجارب الشخصية والذاتية لمخرجيها، يعبّرون من خلالها عن هواجسهم الشخصية وعن خبراتهم الحياتية التي اكتسبوا بعضا منها أثناء صناعة أفلامهم مثل ما حدث مع المخرجة الصينية نانفو وانج (Nanfu Wang) مخرجة فيلم "أنا نسخة أخرى منك" (I Am Another You).
     
في حين تميل أفلام أخرى إلى التطرق إلى فكرة خوض صانع الفيلم رحلة مع بطل أو بطلة فيلمه الوثائقي والتي تحققت بأسلوب فني مميز من خلال العديد من الأفلام منها فيلم "ماكالا" (Makala) للمخرج إيمانويل جراس (Emmanuuel Gras)، ومن خلال فيلم "امرأة أسيرة" (A Woman Captured) للمخرجة برناديت توزا-ريتر (Bernadett Tuza-Ritter)، أو من خلال فيلم "آباء وأبناء" (Of Fathers and Sons) للمخرج طلال ديركي.
                

"آباء وأبناء" (Of Fathers and Sons)
        
رحلة فيلم "آباء وأبناء" للمخرج طلال ديركي هي رحلة من نوع مختلف، فهي ليست فقط رحلة تتبع ولكنها رحلة استكشاف ورصد دون إصدار أحكام، فقد تتبع المخرج طلال ديركي أحد أفراد جبهة النصرة هو وعائلته ومحيطه الاجتماعي: طريقة تفكيرهم، رؤيتهم للحياة من خلال عقيدتهم الجهادية وقناعتهم بها عن طريق مرافقتهم لمدة عامين أو أكثر.

    
يتتبع ديركي من خلال فيلمه الروتين اليومي لرب أسرة ينتمي إلى جبهة النصرة، علاقته بأطفاله وطريقة تنشئته لهم في وسط أجواء تخيم عليها الحرب والعنف والدم والألغام التي يعمل والدهم بانتزاعها وإبطالها والتي يتسبب أحدها في بتر قدمه، فيرسل أطفاله الصغار إلى معسكر تدريب جبهة النصرة كي يكملوا ما بدأه هو.

    
لينتهي الفيلم باكتشاف مخرجه أنه بدأ الفيلم مدفوعا برغبته في التعرف على وطنه وماذا يحدث فيه في تلك السنوات التي أعقبت الحرب، ليؤكد في آخر مشهد بالفيلم على أن فيلمه جعله يكتشف وطنا جديدا فهو ليس الوطن الذي يعرفه.

           

"أنا نسخة أخرى منك" (I Am Another You)


 

علقت مخرجة الفيلم نانفو وانج في حوارها بعد الفيلم بأنها بدأت هذا الفيلم في مرحلة من حياتها كانت تبحث فيها عن إجابات لأسئلة عدة تتعلق بمستقبلها وبخبراتها في الحياة بدافع قوي من داخلها لتغيير حياتها واكتساب مهارات حياتية جديدة، والأهم من هذا هو أن تجد إجابة عن التساؤل الذي كان يشغل بالها دائما، ألا وهو: ما معنى الحرية؟، فقررت منذ عام 2011 عندما انتقلت إلى مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأميركية أن تقضي عيد ميلادها كل عام في مكان جديد عليها لم تزره من قبل، وفور وصولها إلى فلوريدا التقت ببطل فيلمها ديلان -فتى الشارع- الذي عرض عليها أن يُعرّفها معنى الحرية من وجهة نظره وبطريقة عملية، فشعرت منذ أن رأته بأنه شخص مختلف، لذلك قررت أن يكون بطل مشروعها القادم.

 
وجدت نانفو أن أفضل طريقة للتعرف على شخصية ديلان هي عيش الحياة بنفس طريقته، فانتقلت معه من مكان إلى آخر دون حسابات مُسبقة، ونامت بالحدائق العامة أثناء الليل، وهربا معا من ملاحقات رجال الشرطة، وبعد أن خاضت معه رحلة استمرت لشهور قررت التوقف عن استكمال الفيلم وعادت إلى الصين وعملت هناك لمدة عامين، ثم قادتها الصدفة إلى أوتا -مسقط رأس ديلان- حيث قابلت والده بالصدفة، فقررت أن تتعرف على عائلة ديلان خاصة وأن هذا الجزء من حياته كان بمنزلة المفاجأة لها، حيث اكتشفت أن والده يعمل ضابط شرطة، وأن له عائلة وإخوة يصغرونه ولم يقرر أي منهم ما قرره ديلان، فتبدو الأسرة متماسكة ومترابطة ولا يؤرقها غير غياب ديلان وعيشه في الشارع بهذه الطريقة.

 
في نهاية الرحلة وبعد انتهائها من الفيلم وعرضه، تؤكد نانفو أنها وجدت من خلال الفيلم إجابات أكثر بكثير من تلك التي كانت تبحث عنها قبل البدء في صناعة الفيلم، حيث إنها أصبحت أكثر خبرة في التعامل مع البشر، وأصبح لديها القدرة على التقاط التفاصيل الصغيرة التي يمكن من خلالها تكوين رأي ووجهة نظر عن الأشخاص.
 

"ماكالا" (Makala)

 

يؤكد المخرج إيمانويل جراس أثناء الحوار الذي أجراه بعد عرض فيلمه لأول مرة في قسم أسبوع النقاد بمهرجان السينمائي الدولي أو حتى في حواره بالأمس بعد عرض فيلمه في قسم أفضل الأفلام التي تم عرضها في المهرجانات "Best of Fest" أنه حينما بدأ التفكير في صناعة هذا الفيلم كان مدفوعا برغبة قوية في رصد تفاصيل حياة ورحلة كابويتا بطل الفيلم أثناء تحقيق حلمه البسيط وهو تكوين كمية من الفحم عن طريق قطع الأشجار وحرقها يقوم ببيعها في سوق المدينة الذي يبعُد عن القرية التي يعمل بها مسافة ثلاثة أيام سيرا على الأقدام، والذي من المفترض أن يجلب له قدرا من المال يستطيع من خلاله أن يضمن حياة أفضل لأسرته ولعائلته.

  

حلم بسيط لمواطن فقير في إحدى مدن الكونغو يستأثر بانتباه المخرج إيمانويل جراس الذي يقرر مصاحبة بطله خلال رحلة تحقيقه لحلمه، فيتبعه بالكاميرا منذ بدئه في إسقاط الأشجار العملاقة وتقطيع أخشابها ثم حرقها وحملها في أكياس وتحميلها على عجلة قديمة متهالكة يتحكم فيها بصعوبة في ذلك الطريق الوعر والخَطِر وغير المؤهل، فتنقلب منه حينا ويسقط كل الفحم الذي جمعه في أسابيع في الرمال في لحظة قاسية عليه نجح إيمانويل في جعلها صعبة قاسية على المشاهد أيضا باقتراب الكاميرا المحمولة من وجه وملامح كابويتا أو من خلال التسجيل الدقيق لصوت أنفاسه التي تئن على حدوث أمر كهذا من الممكن أن يؤخر حلمه عدة شهور أخرى.
 
حتى ينتهي الفيلم بانتهاء رحلة كابويتا بتحقيق حلمه بالفعل وتجميعه للمبلغ الذي كان ينشده من البداية وتشييده لمنزل جيد آمن وصحي له ولعائلته، ليؤكد المخرج إيمانويل جراس في نهاية حواره أن أهم ما خرج به من رحلة صناعة الفيلم هي القيم الإنسانية التي اكتسبها من وجوده إلى جوار كابويتا وأسرته وآلاف مثلهم يعيشون في مناطق مثل بلدة كابويتا ويستحقون حياة أفضل، وأنهم لا يستسلمون لتلك الظروف القاسية، بل إنهم ما زالوا يحلمون ويصرون على تحقيق أحلامهم في النهاية مهما كلفهم هذا من جهد ومعاناة.

 

"امرأة أسيرة" (A Woman Captured)


 

فيلم "امرأة أسيرة" هو رحلة من نوع آخر، في جزء منه رحلة، والجزء الأهم هو أنه مغامرة غير محسوبة أيضا. تتبع المخرجة برناديت توزا-ريتر من خلال فيلمها سيدة مسنة تُدعى ماريش تعمل خادمة عند أسرة متسلطة يعاملونها كأَمَة لا كخادمة، يحتجزونها ويضربونها ويقومون بتعذيبها ولا تستطيع هي الهرب منهم، حتى تقابلها المخرجة وتعرض عليها أن تقوم بعمل فيلم وثائقي عنها، فتوافق وتبدأ الرحلة التي تمتد برصد المخرجة لبعض تصرفات تلك العائلة القاسية تجاه ماريش مرورا بتشجيعها لماريش على الهرب من هذه العائلة ومساعدتها في الهرب إلى مكان آخر والبحث عن مأوى وعمل آخر.

 
بالفعل تهرب ماريش وتتابعها كاميرا المخرجة وتذهبان معا إلى مدينة أخرى، تستقر ماريش وتجد عملا وتتصل بابنتها ثم تقابلها، تجتمع بها لتكتشف أنها حامل من صديقها، فتقف إلى جوارها وتساندها، وتعيش ماريش بعد ذلك بصحبة ابنتها وحفيدها في نهاية سعيدة لرحلتها القاسية.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار