انضم إلينا
اغلاق
موت الجندرية.. قراءة لأفلام أسبوع النقاد بمهرجان القاهرة

موت الجندرية.. قراءة لأفلام أسبوع النقاد بمهرجان القاهرة

رامي عبد الرازق

ناقد سينمائي
  • ض
  • ض
في شمال آيسلندا يتم إرسال الفتاة الصغيرة سول للعيش مع أقاربها في الريف البعيد لفصل الصيف، وبدون قصد منها تشتبك في طقوس درامية مع البيئة والأطفال الذين يقضون الصيف في الريف مثلها أو أولئك الذين يعيشون بالفعل هناك، ولكن مع مرور الوقت تتكشف تفاصيل غامضة تفتح عينيها على الحياة بشكل مغاير.
  
بينما في قرية هندية صغيرة أغلب سكانها من الفقراء نتابع أحلام الفتاة الصغير دونو ذات عشرة الأعوام لامتلاك غيتار كهربائي لتتحول هي وأصدقاؤها -في شطحاتهم الخيالية- إلى مجموعة من نجوم الروك في القرية، بينما تنتقل دونو تدريجيا من عوالم الطفولة إلى أماكن النساء محملة بأحلامها التي قد تتحقق ذات يوم.
   
وفي فرنسا تقضي أفا ابنة الثالثة عشرة صيفها على أحد شواطئ الأطلنطي عندما تعلم أنها سوف تفقد بصرها قريبا وأسرع مما كانت تتوقع، فتقرر أمها أن تجعل هذا الصيف صيفا لا يُنسى بالنسبة لابنتها التي سوف يتغير مسار حياتها تماما، لكن أفا تقرر أن تصنع صيفها الخاص، فتقوم بسرقة كلب أسود كبير من أحد الشبان وتتعرف على صديق لها يشاركها مغامرتها السرية مع الكلب.
   
في حين تصل امرأة بريطانية شابة تدعى سينالوا إلى عمق ولاية تكساس للقاء ميرل، أختها غير الشقيقة من الأب الموسيقي الراحل، وبينما تتقارب كلا الأختين من بعضهما، تبدأ سينالوا بفوضويتها في كشف سطحية حياة ميرل المستقرة. فما الذي جلبه إرث الموسيقى الراحل عبر هذه المرأة الغريبة إلى المدينة؟ ثمة دوافع داكنة وخفية تبدو منسوجة داخل الأغاني التي تغنيها.
  
هذه هي بعض ملامح حكايات الأفلام التي عُرضت هذا العام خلال دورة مهرجان القاهرة السينمائي الـ 39 ضمن فعاليات أسبوع النقاد الدولي، حيث بدا الرهان الأساسي على أن يقدم الأسبوع مجموعة من الأفلام التي تحاول أن تعبر بشكل حقيقي عن بعض التوجهات التي تخص شبيبة السينما في العالم، خاصة وأن أسبوع النقاد يهتم في المقام الأول بالأعمال الأولى أو الثانية والتي غالبا ما تكون منجزة بأيدي شباب يبحثون عن صوتهم البصري الخاص، وجيناتهم السردية التي سوف تُشكّل فيما بعد ملامح أسلوبهم السينمائي.
 


  
فتحي فرج وشادي عبد السلام
لمن لا يعرف طبيعة برنامج أسبوع النقاد الدولي يمكن أن نقول إنه برنامج مواز للمسابقة الدولية في مهرجان القاهرة تم إطلاقه قبل أربع سنوات خلال دورة المهرجان الـ 36 على يد الناقد الراحل سمير فريد، وذلك على غرار أسبوع النقاد الدولي الذي يُقام ضمن فعاليات مهرجان كان السينمائي ومهرجان فينسيا الدولي، ويتعامل أسبوع النقاد بالأساس مع الأعمال الأولى والثانية فقط للمخرجين، ويمنح في مصر جائزتين هما: جائزة المخرج شادي عبد السلام لأفضل فيلم، وجائزة الناقد فتحي فرج لأفضل إسهام فني، وهو واحد من أسماء الرعيل الأول للنقد السينمائي في مصر، وأحد مؤسسي جمعية نقاد السينما المصريين والتي تولت تنظيم وبرمجة الأسبوع خلال الدورات الثلاث الأولى، قبل أن ينتقل الإشراف الكامل على الأسبوع إلى المدير الفني لمهرجان القاهرة هذا العام وهو الناقد يوسف شريف رزق الله.
 
إن ما يمكن أن يميز أي برنامج أساسي أو مواز في أي مهرجان سينمائي هو وجود زاوية أو ثيمة عامة يمكن أن تجعل من مشاهدة البرنامج كاملا حالة خاصة تؤدي إلى تكوين رؤية أكثر شمولية وأكثر اتساعا للفن والوجود على حد سواء، وذلك عبر اصطفاف التجارب ذات الجينات المتشابهة جنبا إلى جنب سواء كانت تلك الجينات تخص الموضوعات أو الأساليب أو الأشكال البصرية.
 
إن أكثر ما يبدو لافتا للنظر في الأفلام السبعة التي عُرضت خلال أسبوع النقاد هو أن كل الحكايات الفيلمية تعتمد على وجود عنصر نسائي كمحور أساسي للسيناريو، وفي نفس الوقت دون أن يجنح الشريط السينمائي ككل إلى التورط في النسوية أو التصنيف على اعتباره فيلما من أفلام "سينما المرأة" إذا جاز التعبير.
 
إنها حالة واضحة من اللاجندرية، تماما مثلما أصبحت بعض بيوت الأزياء العالمية تقوم بنزع علامة الجنس عن بعض موديلات الملابس لكي تحرر مرتديها من آفاق التصنيف النوعي الضيقة على مستوى التصميم أو اللون -باسثتناء الملابس المميزة جنسيا كالفساتين على سبيل المثال-.
 
اتخذت تجارب الأسبوع من الشخصيات النسائية في مختلف تجلياتها العمرية والاجتماعية والنفسية -دون أن تنساق في النسوية- زاوية واضحة التوجه يمكن أن نلخصها في أن "المرأة عبر الفيلم هي مفتاح قراءة العالم"، سواء كان هذا العالم هو بيئة الفيلم الخاصة أو الأفق الفكري والاجتماعي والإنساني الأكثر رحابة من حيز المكان والزمان الفيلمي المرتبطين بالأحداث والحبكة والصراع.
 
فيلم "أفا" من إخراج ليا ميسيوس (مواقع التواصل)
 
وقد تضمن برنامج أسبوع النقاد لهذا العام سبعة أفلام هي حسب الترتيب الأبجدي:
  
"أفا" من فرنسا إخراج: ليا ميسيوس
"أنا فقط تشارلي" من المملكة المتحدة إخراج: ريبيكا فورتشن
"شوكة" من الدنمارك إخراج: غابريل تزافكا
"الباراكودا"من الولايات المتحدة إخراج: جيسون كورتلوند - جوليا هالبيرين
"البجعة" من آيسلندا إخراج: آسا هيلغا هيورليفس دوتير
"معجزة" من ليتوانيا إخراج: إيغل فرتيليت
"نجوم القرية" من الهند إخراج: ريما داس 
   

ويمكن لمن شاهد البرنامج كاملا أن يرصد عدة عناصر تخص الأفلام السبعة هي:
 
أولا: أنه لا يوجد فيلمان من دولة واحدة، وهو ما يعني أن هؤلاء المخرجين الشباب لم يكونوا على دراية بما ينجزه الآخرون، لكن همومهم الإنسانية والوجودية تشبه بعضها البعض من ناحية، وتُمثّل توجها واحدا بخصوص توظيف المرأة دون نسوية من ناحية أخرى.
 
ثانيا: رغم أن الأفلام تتصدرها دراميا الشخصيات النسائية فإنها ليست كلها من تأليف وإخراج صناع سينما من النساء -رغم غلبة العنصر النسائي على مستوى الإخراج والكتابة-، فتجارب مثل "شوكة" الدنماركي و"باراكودا" الأميركي من إخراج مخرجين رجال، كذلك فإن فيلما يتحدث عن فتاة مسجونة في جسد صبي تريد أن تتحرر وتريد للعالم أن يتقبل حقيقتها الأنثوية "أنا فقط تشارلي" صاغه عن القصص الحقيقية كاتب سيناريو رجل هو بيتر ماشين، رغم أنه فيلم يحتاج إلى حساسية أنثوية من نوع مختلف، خاصة في سياق التعبير عن الصراع النفسي الكبير الذي تعانيه/يعانيه تشارلي في أزمات درامية مختلفة مثل مواجهة والدها الذي يرفض في البداية تحولها من صبي إلى فتاة.
  
ثالثا: العديد من التجارب التي تم اختيارها في الأسبوع تنتمي إلى ما يمكن أن نطلق عليه السينما المستقلة، فأغلبها تجارب لا تعتمد على ميزانيات كبيرة أو تمويلات ضخمة، بل هي بالأساس تجارب تمت صياغتها عبر مشاريع تطوير السيناريو والأفلام التي تدعمها المهرجانات الدولية أو هيئات التمويل السينمائية، بل إن بعضها يكاد ينتمي إلى ما يعرف بمصطلح "one man crow" أي فريق التصوير المكون من شخص واحد، مثل الفيلم الهندي "نجوم القرية" الذي كتبته وأنتجته وصورته وأخرجته وقامت بمونتاجه وتسويقه المخرجة الهندية الشابة ريما داس.
 
 فيلم "نجوم القرية" من إخراج وسناريو وإنتاج ريما داس (مواقع التواصل)
  
رابعا: ثمة تنوع كبير ما بين الأنماط العمرية والاجتماعية والنفسية للشخصيات النسائية التي تتصدر واجهة الدراما في الأفلام المختارة ضمن برنامج الأسبوع، فمن الفتاة الصغيرة سول ذات ثمانية الأعوام التي تذهب إلى ريف آيسلندا لكي تعيش مع أقاربها خلال الصيف كنوع من العقاب في فيلم "البجعة"، مرورا بدينو الهندية ذات عشرة الأعوام التي تحلم بامتلاك جيتار كهربائي لكي تكوّن فرقة روك من أصدقائها في فيلم "نجوم القرية"، و"أفا" الفرنسية الجميلة ذات الثلاثة عشرة عاما التي تكتشف وجها آخر للحياة حين توشك على الأفول، وإلى جانبها تقف تشارلي الصبية التي ترفض أن تظل حبيسة جسد الفتى الذي حاصرها دون قصد منها منذ الولادة، وصولا إلى سينالوا الشابة العشرينية التي تذهب للبحث عن إرث عائلي يتحول إلى ثأر دفين فيما بعد، وأخيرا ايرينا التي تختلط أزمة منتصف العمر لديها مع أزمة دولة بأكلمها تمر بمرحلة تحولها من نواة الشيوعية إلى قشرة الرأسمالية الأميركية.
  
خامسا: رغم أن كل أفلام الأسبوع هي أفلام روائية فإنها تأتي من خلفيات نوعية متباينة، حيث يحتوي الأسبوع على الدراما الاجتماعية ذات البعد الإنساني في "أنا فقط تشارلي" و"نجوم القرية"، والدراما النفسية ذات الأبعاد المتحررة من السرد الزمني التقليدي في "شوكة"، والميلودراما النفسية في "باراكودا"، والكوميديا السياسية في "معجزة"، ودراما اكتشاف الذات ومواجهة العالم في "أفا" و"البجعة".
  
سادسا: احتوى أسبوع النقاد هذا العام على جرعات مكثفة من السياقات السردية والفكرية التي تطرحها تجارب طازجة أغلبها أعمال أولى، فأربعة من أصل سبعة أفلام هي الفيلم الأول لمخرجيها، وثلاثة أفلام هي عمل ثان.
 
التمرد والحلم
تشكلت لجنة تحكيم أسبوع النقاد هذا العام من المخرجة اليونانية افينجيليا كرينيوتي والناقد المغربي عبد الكريم واكريم والمنتج المصري حسام علوان، ومنحت اللجنة جوائزها إلى كل من الفيلم الأيسلندي "البجعة" (جائزة شادي عبد السلام لأفضل فيلم) والفيلم الهندي "نجوم القرية" (جائزة فتحي فرج لأفضل إسهام فني).
  
فيلم "البجعة" من إخراج آسا هيلغا هيورليفسدوتير (مواقع التواصل)
 
أميز ما في الفيلمين الفائزين هذا العام هو أن كليهما يدور من خلال عيون طفلتين إحدهما في الثامنة من عمرها والثانية في الحادية عشرة، وكلاهما يكتشفان العالم من خلال مواقف حياتية تقليدية بالنسبة لبيئاتهم الاجتماعية (عقاب الأطفال في آيسلندا والفقر المدقع في الهند) ولكنها استثنائية بالنسبة لوجدانهم ومشاعرهم الصغيرة التي تتفتح أمام الحياة بكل تعقيداتها وأزماتها غير المفهومة حتى للكبار.
 
ثمة إيقاع زمني متدفق ومتسارع رغم المساحة الزمنية الطويلة التي يتحرك عبرها الفيلمين، فالآيسلندي يدور في ثلاثة أشهر صيفية بينما الهندي يدور عبر عام تقريبا -الفيلم نفسه تم تصويره خلال ثلاث سنوات-، هذا الإيقاع جعل من كثافة الأحداث وتماسك الحكاية عنصرا بارزا في السياق البصري حيث المونتاج الدقيق والحكي عبر الصورة دون ثرثرة حوارية أو تفاصيل جانبية لا تخص الفكرة الأساسية لكل فيلم، مع توظيف كامل وجيد للطبيعة الخاصة بالبيئات التي تدور فيهما أحداث الفيلمين -جبال آيسلندا الباردة ذات القمم الجليدية وسهول الهند المنخفضة بفيضاناتها الكاسحة-.
 
أما عنصر اللاجندرية الذي تم رصده خلال أفلام الأسبوع فلا يتمثّل في أنه من الممكن استبدال هذه الطفلة هنا بطفل آخر ذكر هناك، ولكنه يتمثّل في شيوع الأزمات الحياتية والنفسية عبر نفوس البطلات -الصغيرات منهن والكبيرات- إلى ما هو أوسع من دائرة النوع، فتمرد سول على قيم الريف المجحفة للخيال والتحرر وأحلام دونو المؤجلة خلف سياج الاستحالة هي سياقات لا تخصهم نوعيا كإناث -حتى مع انتهاء "نجوم القرية" بمغادرة دونو عالم الأطفال إلى أعتاب الحياة النسائية التقليدية الخاملة-، لأن كلا من التمرد والحلم المؤجل على سبيل المثال هي سياقات إنسانية لا جندرية، بل هي كسوة نفسية ووجودية يمكن أن تنعكس على أي متلقٍّ أيا كان نوعه وخلفيته الاجتماعية أو الشعورية، وهو ما بدا متجليا ليس فقط في الفيلمين الفائزين بل في كل أفلام الأسبوع
  
حيث يمكن أن نشير إلى ثيمات لا جندرية، مثل خطورة أن تتحول ألعاب العاطفة إلى خطأ حياتي يلتهم العمر كما في فيلم "شوكة" الدنماركي حيث الزوجة التي تحاول إيذاء الجانب الغيور في زوجها مما يتسبب في إصابته بالوسواس القهري طوال ثلاثين عاما، أو أن الأكثر إيذءا من أخطاء الماضي هو هشاشة الحاضر كما في الفيلم الأميركي "باراكودا" حيث تنهار حياة الأخت الأميركية ميرل لا نتيجة ظهور أختها نصف الشقيقة القادمة من بريطانيا بحثا عن إرث أبيها المعنوي ولكن لأن حياة ميرل نفسها في حاضرها الآني ليست بالتماسك والقوة التي يمكن معها أن تواجه أي أزمات ماضوية أو حياتية، فسريعا ما تفقد خطيبها ووظيفتها وتجد نفسها في صدام مع أمها التي سيطرت على حياتها طوال سنوات.

آخر الأخبار