انضم إلينا
اغلاق
مجاز السيارة في سينما عباس كيارستمي

مجاز السيارة في سينما عباس كيارستمي

"السيارة مثل الإنسان تحتاج أن تتوقف لتستعيد طاقتها.."

مريم عادل

محررة فنية
  • ض
  • ض
"السيارة مثل الإنسان تحتاج أن تتوقف لتستعيد طاقتها.." هذا ما قاله أحد شخصيات فيلم "الريح سوف تحملنا" (1999) الذي كتبه وأخرجه المخرج الإيراني الأشهر عباس كيارستمي، إن من شاهد أفلام كيارستمي سيعرف على الفور أن السيارة بطل رئيسي في معظم أفلامه، لقد اعتبرها هو نفسه مكانه المفضل.

ربما ترتبط النزعة التأملية الشعرية التي تميز أفلام كيارستمي بحبه الشديد للسيارة، ذلك المكان الصغير القادر على الحركة باستمرار والذي يمكننا من خلاله مشاهدة العالم عن قرب دون أن نكون مضطرين لتحمل ثقل خوض كل تجربة فيه.

يقول كيارستمي: "غالباً ما ألاحظ أننا لا نكون قادرين على النظر إلى ما يوجد أمامنا إلا إذا كان بداخل إطار"، لذلك من خلال نافذة السيارة يتأطر العالم أمامنا، ويصبح ما نشاهده كأنه فيلم طويل، والأفلام بطبيعتها تمنحنا فرصة لتأمل الحياة التي نعيشها كل يوم والتي نفقد القدرة على رؤيتها لشدة التصاقنا بها، فعندما يقترب المرء بشدة من المرآة لا يمكنه رؤية نفسه، وما تفعله الأفلام هو وضع مسافة بيننا وبين الحياة لكي نتمكن من رؤيتها بطريقة أكثر وضوحا، وكذلك تفعل السيارة.




يكتب عباس كيارستمي سيناريوهات أفلامه بنفسه، في البداية يكون السيناريو عبارة عن خمسة عشر ورقة فقط، وعندما يبدأ العمل في الفيلم تبدأ القصة تتضح من خلال الاكتشافات التي تحدث مصادفة في الموقع، فيكتب الحوار قبل موعد التصوير بوقت وجيز معتمدا على تلقائية الممثلين وارتجالهم، إنه يستمد مادة أفلامه من الواقع الغني المحيط به، من تأمله للكيفية التي تسير بها الحياة اليومية.

يشّبِه عباس كيارستمي المخرجين الذين يبحثون عن القصص في الكتب بأولئك الذين يعيشون إلى جوار نهر مليئ بالأسماك، لكنهم يعتمدون على الأسماك المعلبة في غذائهم، لذلك هو يروي الحكايات الموجودة حولنا في كل مكان وبطريقة مثيرة للجمال؛ إن صانع أفلام يحمل هذه الفلسفة هو حتما يبحث عن مكان يتيح له الفرصة لمشاهدة الحياة وتأملها، مكان يتيح مشاهدة أكبر كمية ممكنة من الحياة، وهذا ما توفره السيارة.


صور عباس كيارستمي الكثير من الحوارات التي تدور في أفلامه داخل السيارة، يقول: منحني فيلم "عشرة" فرصة استعمال كاميرا ثابتة في مكان متنقل كالسيارة، هي مكاني المفضل، مقعدان مريحان، وحوار في غاية الحميمة بين شخصين، يجلسان بجوار بعضهما وليس قبالة بعضهما، دون أن يضطر أحدهما إلى النظر في عينيّ الآخر. إنهما في هذه الحالة يتواصلان على نحو أفضل. للصمت في السيارة منطق مختلف. بوسعك أن تنظر إلى الخارج، لكن هذا لا يعني أن الحوار انتهى".

يرى كيارستمي أن في المنازل والحجرات يتوجب على المرء أن يستجيب لكل كلمة، مع إقصاء للحظات الصمت من أجل التفكير، لكن جمال الحوار في السيارة يكمن في حس الأمان المتوفر من الطرفين خلال حوارهما، يقول أن إحدى صديقاته أخبرته ذات مرة أنها خاضت أهم حواراتها مع زوجها في سيارتهما.


لقطة من فيلم Ten (مواقع التواصل الإجتماعي)


"لو لم أكن مخرجاً سينمائياً، لفضّلت أن أصبح سائق شاحنة"
- عباس كيارستمي


بالإضافة لقيام كيارستمي بكتابة كل سيناريوهات أفلامه، فقد كتب أيضا سيناريوهات لمخرجين آخرين، مثل فيلم الرحلة (أو سفر) 1995 للمخرج علي رضا ريسيان، والفيلم دراما سيكولوجية حادة تدور في سنوات الحرب الإيرانية - العراقية، يركز الفيلم على هروب رجل مثقف مع زوجته بحثاً عن مكان آمن في شمال البلاد، لكن في الطريق يتسبب في حادث سيارة يفضي إلى مقتل عدة أشخاص، ويتعيّن عليه أن يعيش مع هذه المحنة الكابوسية، فتتحول الرحلة المادية لتصبح تجربة روحية أكثر عمقاً، الحدث المحوري فيها هو حادث "السيارة". وفي عام 2002 كتب قصة فيلم "محطة مهجورة" لنفس المخرج، عن مصور فوتوغرافي يقوم برحلة حج "بالسيارة" مع زوجته الهندية إلى مدينة مشهد، لكن "السيارة" تتوقف في قرية صغيرة معزولة يقطنها أطفال تركهم آباؤهم للعمل في الشمال.

يقول أمين صالح في كتابه "سينما مطرزة بالبراءة": ثمة موقف غير تقليدي وغير مألوف تجاه المكان، يحرّك اهتمام كيارستمي بالسيارة وبالناس الذين يقودون السيارة في رحلة بحث أو استكشاف أو انتقال من حيّز إلى آخر، انها تمثّل طريقة للوجود في العالم الاجتماعي والخاص في الوقت نفسه، ووسيلة للنظر إلى الطبيعة بشكل محايد أو التفاعل معها، السيارة في أفلام كيارستمي، مكان للتأمل، للرصد والملاحظة، للكلام والحوار. وللحركة أيضاً.. "السيارة تتيح الحركة".

ويلاحظ الناقد الأمريكي جودفري شيشاير (1996) أن جميع شخصيات عباس كيارستمي هي في حالة حركة وانتقال من مكان إلى آخر، من بحث إلى آخر. وفي أثناء حركتها هي لا تكف عن طرح الأسئلة بشأن كل شيء.. هذه الأسئلة لا تهدف إلى الحصول على إجابات معينة بل تظل معلّقة مثل سلسلة لا نهائية من الأصداء.

التقط كيارستمي العديد من الصور الفوتوغرافية للمطر من خلال الحاجب الأمامي لسيارته، وأقام معرضا خاصا يحتوي على صور للمطر في مختلف حالاته ومظاهره، عن هذه التجربة يقول: "فكرة تصوير هذه السلسلة من صور (المطر) نبعت منذ وقت طويل، لقد قضيت سنوات وأنا أتطلع من خلال الحاجب الزجاجي الأمامي للسيارة، معجباً بالمناظر الريفية، مأخوذاً بقطرات المطر والتأثير الذي يُحدثه الضوء عليها، وبعد وصول الكاميرات الرقمية (الديجيتال) قلت لنفسي: الآن بوسعي أن أعود إلى تلك الفكرة باستطاعتي أن أعمل مع القليل من الإضاءة، وبينما أقود السيارة. كنت أقود السيارة بيد على المقود، وبالأخرى ألتقط الصور".

 أقام كيارستمي معرضا خاصا يحتوي على صور للمطر في مختلف حالاته ومظاهره. (مواقع التواصل الإجتماعي)

صور كيارستمي مجموعة من أجمل مشاهد أفلامه في السيارة، مثل مشهد الصبي في فيلم "الحياة ولا شيء آخر" (1992) عندما جلس في الكرسي الخلفي للسيارة لمشاهدة مباراة لكرة القدم بينما كان والده المخرج يحاول الذهاب إلى قرية كوكر التي ضربها الزلزال، هذا الفيلم هو الجزء الثاني من ثلاثية كوكر الذي بدأت بفيلم "أين منزل الصديق" (1987). يقول كيارستمي: "الصبي لا يتحدث عن الكارثة، إنما يتحدث عما يثير اهتمامه في الحياة، بالنسبة لي، دليل الرحلة الحقيقي هو الصبي وليس الأب، رغم أن الأب هو الذي يقود السيارة، في الفلسفة الشرقية، لدينا هذا الاعتقاد: إنك أبداً لا تضع قدماً في أرض مجهولة من غير أن يكون معك دليل، الصبي هنا يتصرف على نحو أكثر عقلانية، بينما الأب غير عقلاني. الصبي يسلّم بلا منطقية الزلزال، لذلك يواصل حياته.

وفي فيلمه "عشرة" (2002) تدور كل مشاهد الفيلم داخل السيارة، الفيلم مكون من عشرة محادثات، كل فصل عبارة عن جولة بالسيارة تقوم بها السائقة التي هي بطلة الفيلم مع أحد الأشخاص لهدف معين عبر شوارع طهران، تكشف لنا المحادثات بالتدريج طبيعة حياتها الاجتماعية بالإضافة إلى وضع المرأة في المجتمع الإيراني، الجولات هنا غير محددة الوجهة، لا يوجد مكان معين للانطلاق أو الوصول، ويقرر وجهة الرحلة في كل مرة الشخص الذي يركب معها.

أما فيلمه "نسخة طبق الأصل" (2009) الذي تم تصويره في إيطاليا، يحكي عن سيدة (جولييت بينوش) تعيش مع ابنها في مدينة إيطالية وهناك تلتقي بكاتب بريطاني جاء في جولة أدبية لترويج أحد كتبه، وكانت هي تعمل بالصحافة ولديها اهتمام بالكتب فاقترحت أن تأخذه بالسيارة في جولة قصيرة إلى إحدى القرى المجاورة.

كيارستمي هنا لا يطرح الأسئلة حول طبيعة العلاقات الإنسانية والحب والزواج فقط بل يخترق الفواصل بين الحكايات والواقع وما هو أصيل وما هو مجرد نسخة، في مقابلة له مع فرانس برس، قال كيارستمي: "إذا تمكن الشخصان من البقاء معاً دون أن يسعى أحدهما إلى فهم الآخر، فإن حياتهما معاً قد تمتد، ولن يشعرا بالرغبة في الهروب".

من أجمل ما أخرج كيارستمي: مشهد الصبي في فيلم "الحياة ولا شيء آخر" (1992) عندما جلس في الكرسي الخلفيلمشاهدة مباراة لكرة القدم بينما كان والده يحاول الذهاب إلى قرية ضربها زلزال.

مواقع التواصل الإجتماعي
 
وفي فيلمه "كأنك عاشق" (2012) يعد مشهد أكيكو أثناء ارتيادها سيارة أجرة لشقة تكاشي من أجمل المشاهد التي صورها كيارستمي، يتناول الفيلم علاقة بين طالبة يابانية تعمل كفتاة ليل للإنفاق على دراستها، فيقودها ذلك للتعرف على بروفيسور عجوز ومتقاعد يُحيطها بالرعاية.

بدأ ولع كيارستمي بالطريق والسيارات والرحلات الطويلة في فيلمه الحاصل على السعفة الذهبية لمهرجان كان (1997) "طعم الكرز"، تدور معظم أحداث الفيلم تقريبا أثناء قيادة بديعي لسيارته، في السيارة يلتقي عدة أشخاص وتدور بينهم حوارات، يقود بديعي سيارته في طرق طويلة جدا وممتدة، يبحث فيها عن شخص يوافق على دفنه لأنه يريد الانتحار.

يقود بديعي السيارة في مسارات مغبرة في ضواحي المدينة، حيث يعود إلى المكان نفسه في حركة دائرية، يقول كيارستمي: "فكرة الدوران هي جزء من رمزية الفيلم، المضي في دوائر يعني، حرفياً، الذهاب إلى اللامكان، الانتقال بلا غاية، بلا مبرّر، للوصول إلى أي مكان، يتعيّن عليك أن تنطلق من موضع إلى آخر، لذلك فإن هذه الرحلة تشير إلى فكرة السكونية، وكل ما لا يتحرك، لا ينمو، لا يكبر، لا يتقدّم.. هو عليل ومحكوم عليه بالموت".

لقد مثلت السيارة  جزءا مهما من الطريقة التى يعيش بها كيارستمي حياته اليومية، كانت بمثابة ملاذ ووسيلة للفرار، يقول: "يوماً ما اكتشفت أنني لا أقضي وقتاً طويلاً في السيارة فحسب، بل إن معظم هذه الأوقات هي هامة جداً، حياتي الداخلية كثيفة في السيارة أكثر مما في البيت، حيث لا أتوقف لدقيقة ولا يكون لدي وقت للتفكير والتأمل، لكن حالما تكون في سيارتك، واضعاً حزام السلامة أو ممتنعاً عن ذلك، فإنك تكون مجمداً في مكانك، لا أحد يزعجك، لا هاتف، لا ثلاجة، لا أحد يأتي ليراك، لهذا السبب أنا أعمل حقاً عندما أكون خلف مقود السيارة: إنه المكتب الوحيد الذي في حوزتي، المكان الخاص جداً، مثل بيت صغير، حيث لا يوجد فيه أي شيء زائد أو غير ضروري، علاوة على ذلك، هناك الشاشة الهائلة التي تقدّم سفراً سينمائياً لا ينتهي".
المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


آخر الأخبار