انضم إلينا
اغلاق
مراجعة فيلم "ذا ترومان شو"

مراجعة فيلم "ذا ترومان شو"

فرح عصام

مترجمة
  • ض
  • ض

هل حدث وتساءلت عما يقوله الجميع من ورائك؟ أو إن كانوا جميعًا يخفون عنك شيئا؟ يناقش جون ماكغواير هذا الكابوس الديكارتي في فيلم The Truman Show.

 

يعلم كل سائق شاحنة نفايات أن ثمة كنوز يمكن أن توجد في القمامة، ويمكن قول الشيء ذاته عن القمامة الثقافية التي تقدمها صناعة أفلام هوليوود. لا يتوقع المرء أن يعثر على موضوعات ذات أهمية تعالج بدهاء في فيلم هوليودي يقدمه جيم كاري Jim Carrey ، المغفل بامتياز، لكن هذا ما وجدته بالضبط في فيلم ترومان شو. هدف هذا المقال هو الكشف عن شيء من العمق الفلسفي في هذا الفيلم الرائع. وفي النهاية سأقول أشياء أفضل بكثير عن جيم كاري.

فلنبدأ بوصف موجز للحبكة. تدور القصة حول رجل يدعى ترومان بيربانك (يؤدي شخصيته جيم كاري)، الذي ولد وتربى في استديو تلفزيوني ضخم صمم ليحاكي العالم الخارجي. وبالطبع، يكون الاستديو ضخما ومصمما بذكاء بحيث يكبر ترومان دون أن يدرك حقيقة أنه يعيش داخل استديو. إنه يؤمن ببساطة أن مجتمعه الصغير، المسمى سيهافن Sea Haven، هو جزء من العالم الحقيقي، كأي مكان آخر. ليس هذا الوهم مجرد وهم مؤقت، إنه يمتد في أرجاء حياة ترومان، منذ ولادته حتى بلوغه سن 29 حيث نلتقي به.

يرعى هذا الوهم ويديمه عدد من الأشياء بالإضافة إلى استديو ذي طابع واقعي. في المقام الأول، كل الناس حول ترومان، بمن فيهم والدته، زوجته وأعز أصدقائه، هم ممثلون، وافقوا على التآمر ضد ترومان في تعزيز فكرة أن كل شيء طبيعي في حياته. ثانيا، سي هافن مصممة كجزيرة بحيث يوهم ترومان أن عليه السفر إلى ما وراء الماء لكي يغامر خارج بلدته الأم. ومع ذلك، ستخلق حادثة ملفقة في طفولة ترومان لديه خوفا مرضيّا من الماء، الأمر الذي يساعد في منعه من المغامرة خارج بلدته الأم.


وأخيرا، تحتوي سي هافن شبكة ذكية تتألف من 5000 كاميرا مخبأة بحيث يتم رصد كل حركة يقوم بها ترومان من قبل فريق تصوير يعمل تحت إشراف رجل يسمى كريتسوف (يؤدي دوره الممثل إد هاريس Ed Harris). هؤلاء المصورون أنفسهم في تواصل مستمر مع فريق هائل من مصممي الموقع والممثلين، الذي يضمنون أن خبرات ترومان تشكل كلّا واحدًا سلسًا، وإن كان وهميا.

إن حياة ترومان بوربانك، على غير علم منه، هي موضوع برنامج تلفزيوني يشاهده العالم بشغف، كما يراقب العلماء فئران التجارب بدهشة.

صورة من الفيلم


الصور التي تنقل إلى غرفة التحكم هي أيضا بث مباشر، 24 ساعة يوميا، للعالم الخارجي، وهذا هو الهدف المطلق من الوهم الكبير. إن حياة ترومان بوربانك، على غير علم منه، هي موضوع برنامج تلفزيوني يشاهده العالم بشغف، كما يراقب العلماء فئران التجارب بدهشة. وبالتالي، فإن كريستوف، ليس وحسب المشرف على وهم ترومان، إنه أيضا صانع، ومخرج ومنتج، برنامج تلفزيوني يدعى ''The Truman Show برنامج ترومان التلفزيوني''.

 

هذه لربما، مقتطفات كافية من الحبكة لتقدير النقطة الأولى من الأهمية الفلسفية للفيلم، وهي معالجة مسألة الشكوكية. كالعديد من القضايا الفلسفية، ترجع مسألة الشك في جذورها إلى الإغريق القدماء. وبرغم ذلك، فإن ديكارت هو من ثبت هذه المعضلة في قلب الفلسفة الحديثة حينما استخدمها كمغاير لليقين في محاولته توفير أساس ثابت للمعرفة العلمية، التي بدأت بالازدهار في زمنه. في تأملاته، كتاب (Meditations)، ذكر ديكارت فكرة الشرير الذي يحاول أن يشككنا في كل خبراتنا ومعتقداتنا الإدراكية - لكي يتحدى فكرة أن لدينا معرفة مؤكدة للعالم من حولنا. بالنظر للإمكانية المنطقية لوجود كائن مشابه، كيف يمكننا أن نكون واثقين جدا من أن معتقداتنا حيال العالم ليست خاطئة جذريا؟ كيف، تساءل ديكارت، يمكننا أن نكون متأكدين أننا مطلقا لا نتعرض للخداع.

 

يعرض فيلم ترومان شو معضلة شكوكية مماثلة، إنما بأشد الطرق إقناعا. من الواضح أن كريستوف يناظر العبقري الشرير الذي افترض وجوده ديكارت، لكن بينما شرير ديكارت الخبيث هو محض وهم، فإن شخصية كريستوف والمؤامرة التي يصممها تبدو  واقعية بشكل جدي. بالطبع، يحق لنا أن نسأل ما الذي قد يمكن أن يمنع حدوث هكذا مؤامرة من الحدوث فعلا؟ بالتأكيد، لم يحدث أن شاهدنا برنامجا مثل ''ترومان شو'' على التلفاز، لكن ليس هذا هو سؤالي. إن السؤال فيما إذا كان من الممكن وجود برنامج مماثل.

إنه حتى في البلدان التي يسود الاعتقاد فيها بأن الحرية الشخصية هي السائدة، تكون الخصوصية والحرية الذاتية عادة في صراع مع قيم ومبادئ أخرى، وحينما يحدث ذلك، فإن نتائج هذه الصراعات لا تكون واضحة دوما.

صورة من الفيلم


من وجهة نظر تقنية محضة، من الممكن أن يتم إنتاج برنامج ''ترومان شو''، بالاستديو الضخم خاصته والشبكة الواسعة من الكاميرات المخبأة، وخبراء الإنتاج، ومصممي الموقع، والممثلين.  العقبة الوحيدة، فيما يبدو، قد تتصل بعناصر المؤامرة المتورطين. إن كان برنامج ''ترومان شو'' مستحيلا أو حتى غير معقول فإن هذا يعزى إلى أسباب، أخلاقية أكثر منها تقنية. كيف، يتساءل الواحد منا، يمكن لمجموعة كبيرة من الممثلين التآمر على خداع شخص آخر على مقياس هائل كهذا. والأكثر أهمية، كيف يمكن لبقية المجتمع، جموع المشاهدين، الموافقة والتسامح ضمنيا مع هكذا تجاهل صارخ لخصوصية رجل واحد وحريته.

 

هذه أسئلة جيدة، لكنني أقترح أنه ليس، في المحصلة، من الصعب تخيل حدوث شيء مماثل في مجتمعاتنا. صحيح أن، بمعنىى ما على الأقل، الخصوصية والحرية الذاتية هي قيم مهمة لمعظم المجتمعات المعاصرة، إلا أن ثمة استثناءات معتبرة، مثل كوريا الشمالية. ومع ذلك، حتى في بلدان يسود الاعتقاد فيها بأن الحرية الشخصية هي السائدة، تكون الخصوصية والحرية الذاتية عادة في صراع مع قيم ومبادئ أخرى، وحينما يحدث ذلك، فإن نتائج هذه الصراعات لا تكون واضحة دوما.

 

في عالم الطب، على سبيل المثال، احترام الحرية الشخصية عادة ما يصطدم ب، وفي بعض الحالات تتجاوزه، مبادئ المنفعة أو العدل. وقضية سو رودريجز Sue Rodriguez، في كندا، هي مثال على ذلك. في عالم الترفيه، من جهة أخرى، احترام الخصوصية والحرية الذاتية يتصادم مع مجموعة مختلفة جدا من القيم: نهم الجمهور للحصول على المعلومة وما يسميه بعض الناس ' تسلية معتبرة'. وبالتالي، بينما يستهجن العديد من الناس الغزو الهائل، للإعلام الإجتماعي، حياة العائلة الملكية في إنجلترا، مثلا، علينا أن نعترف بأن هكذا غزو يحدث فقط لأن جموع هائلة من الناس تطالب بهذا النوع من المعلومة أو التسلية. ليست حياة الأثرياء والمشاهير هي ما يجذبنا وحسب. ولكن برامج الواقع التلفزيونية أيضا دليل دامغ على سعادتنا بمشاهدة أسرار ومآسي الأشخاص العاديين.

 

من الواضح أن ثمة توجها في الغرب، وبالتحديد في الإعلام الاجتماعي الأمريكي، بعيدا عن ' التمثيل' يميل صوب "حياة الواقع". لم يعد الأمر يتعلق بمجرد وجوه جميلة أو ممثلين بارعين يغروننا. إنما ما يلفت انتباهنا في هذه المرحلة، أكثر من أي شيء آخر، هو فكرة أنه أيا كان من نشاهده هو بالفعل يحدث مع شخص ما. بالطبع، ليست القضية دائما هي أن ما نعتقد أنه حقيقي (سواء كان على التلفاز أو في الأفلام) يكون حقيقيا، لكن الأهم من ذلك هو رغبتنا في اعتباره حقيقيا.



خذ في عين الاعتبار بالتالي، فيلم Blair Witch Project. كيف أن هذا الفيلم، الذي كان ضعيف الإنتاج بحيث لا تطاق مشاهدته -  يصيبنا الإحساس بالغثيان بينما الكاميرا المحمولة  تقذف هنا وهناك باستمرار وسط جوقة متواصلة من السباب الأخرق -  كيف أمكن لهذا الفيلم أن يحقق نجاحه الساحق؟ جزء من الإجابة يرتبط بالتأكيد بحقيقة أن هذا الفيلم قد أزال الفارق ما بين الحقيقة والخيال، بين الوثائقي والدرامي. في الحقيقة أن التمثيل والإنتاج السيئين بدا وأنهما يؤكدان بأن ما نراه ليس تمثيلا. ولهذا كنا مستعدين للاعتقاد بأنه حقيقي، وهو الأمر الذي أراد أغلبنا فيما يبدو تصديقه. لأننا رأينا الفيلم يحقق أرقامًا قياسية.

 

في هذا السياق الثقافي ليس من الصعب تخيل بث برنامج مثل ''ترومان شو''، ليس وحسب استجابة لمطالب الجمهور ب ''تسلية معتبرة''، ولكن أيضا بسبب ارتباك موجود سلفا في مجتمعنا عند الفصل ما بين الحقيقة والخيال. إن، على سبيل المثال، شغلت التلفاز لأرى برنامجا مثل ''ترومان شو''، فإنني ببساطة لن أعلم إن كان حقيقيا من عدمه، مثلما لا أعرف إذا ما كان الناس الذين يدلون باعترافاتهم في برنامج ''جيري سبرينجر Jerry Springer Show''ممثلين يُدفع لهم مقابل عمل أضحوكة من أنفسهم.

 

ويمكننا قول الشيء ذاته عن العديد من برامج الواقع التي قد تخطر في بالي. في كل مرة، أتابع، ما بين شك وتصديق.  لقد اعتدت أن أصدق بأن القصص في برنامج ''60 دقيقة'' حقيقية إلى أن قرأت أنهم يدفعون حتى للممثلين لكي يخلقوا قصصا من أجل '' وثائقياتهم.'' اليوم، مثلما هو حال الآخرين، لم أعد أعرف ببساطة ماذا أصدق في البرامج أو في الأفلام.

 

استثمر الأخوان كوين (Coen Brothers) هذا الارتباك في فيلمهما فارجو Fargo، الذي يبدأ بتعليق يقول أن، ''هذه قصة حقيقية'' لكنه ينتهي بإشارة ''الشخصيات والأحداث في هذا الفيلم هي محض خيال ولا تحتمل أي تشابه مع أي شخص حيا كان أم ميتا.'' ماذا سيصدق المشاهد العادي؟ المشاهد العادي، أستنتج، سيكون مرتبكا بقدري. وعلى نحو مماثل، سنرتبك جميعا إن شاهدنا برنامجا مثل ''ترومان شو.'' لكن قلة منا ستخاطب السياسيين، من أجل فتح تحقيق. والأقل سيتوقع أن تعود هكذا خطوة بأي نتيجة مرجوة.

 

إذن فأول أهمية فلسفية في ترومان شو هي أنه يعرض مثالا يلفت النظر لمسألة كيف يمكن أن يخطئ شخص بشأن اعتقاداته عن العالم. إنني لا أقترح بأن أيا منا يختبر الآن، أو سيختبر على الإطلاق، صنف الخداع الذي كان في برنامج ترومان. ولكن حتى إن لم نختبر أبدا هكذا خداع، من المهم أن نسأل كيف نعرف إن كان ما نختبره حقيقيا. كيف تكون متأكدا أنك لست نجم دراما تلفزيونية يشاهدها كل العالم للتسلية؟  بوجه عام أكثر، استنادا إلى ماذا يمكن أن تكون متأكدا بأن الناس حولك لا يتآمرون لخداعك حول هويتك؟ هذه ربما، أسئلة فلسفية محضة، لكنها أيضا أسئلة جيدة لدرجة أنها تقودنا للتفكير في مفاهيمنا الخاصة بالمعرفة، واليقين والإيمان.  

يكسر ترومان كل روابطه بالأشخاص الوحيدين الذين عرفهم، ويغامر بالمغادرة إلى عالم لا يملك أي معرفة عنه.

صورة من الفيلم


لكي نقدّر الأهمية الفلسفية الثانية للفيلم، علينا الأخذ في الحسبان نقلة مهمة تحدث في القصة. من خلال عدد من الأخطاء التي يرتكبها فريق كريستوف في الإنتاج، يبدأ ترومان في الشك أن شيئا ما خاطئ في فهمه للعالم. وكلما دقق في الأمر أكثر، كلما نمت شكوكه، إلى أن يتثبت أخيرا، بأنه يتعرض للخداع، مع أنه لا يعرف بعد لماذا. ويتدبر ترومان في ضوء ذلك الهرب من مجتمع سي هافن. الهروب الذي يخطط له يتضمن الشجاعة والإبداع. لأنه مطالب، في المقام الأول، بتقبل حقيقة أن معظم معتقداته السابقة حول نفسه، وعالمه، والأشخاص حوله هي خاطئة. ثانيا، بمغادرة مجتمعه، يكسر ترومان كل روابطه بالأشخاص الوحيدين الذين عرفهم، ويغامر بالمغادرة إلى عالم لا يملك أي معرفة عنه. ثالثا بما أن أي هرب يتضمن السفر عن طريق الماء، يتعين على ترومان قهر خوفه من الماء.

 

بطريقة ما يستجمع ترومان الشجاعة اللازمة للصعود على متن قارب ومغادرة سي هافن. كريستوف،  مع ذلك، غير مستعد لأن يسمح بهروب ترومان بسهولة، بما أن هكذا هروب سيعني نهاية برنامجه التلفزيوني، تحفة كريستوف العظمى. إن كان البرنامج سينتهي بالتأكيد، على ذلك أن يتم وفقا لشروطه هو. وبالتالي يطلب كريستوف من فريق الإنتاج اختلاق عاصفة إما أن تجبر ترومان على الرجوع، وإما إن فشلت، أن تتسبب بغرقه.  فشلت العاصفة في ردع ترومان ، على الرغم من أنها كادت أن تقتله. إلا أن ترومان ينجو ويصل حدود عالمه، السطح الخارجي للاستديو التلفزيوني. وهناك يجد ترومان بابا يؤدي إلى ظلمة مغرقة، تمثل له المجهول. عند هذه المرحلة يتكلم كريستوف إلى ترومان مباشرة، ويحاول حثه على الرجوع. لكن ترومان يتجاهل مناشدته ويخرج من الاستديو، ليخطو في ظلمة العالم الحقيقي.


ما هو مقصد هذا الفيلم؟ لقد قيل ما يكفي حتى الآن عن كون الموضوع المركزي للفيلم هو بالتأكيد نضال البشر للتغلب على الجهل والوهم في البحث عن الحقيقة. وبينما قد لا يختبر أي منا هذا النوع من المؤامرة الهائلة المظمة ضد ترومان، إلا أننا جميعا، إلى حد ما، قابعون في حالة الجهل والوهم. يقودنا الناس من حولنا لتصديق أمور حول أنفسهم وحولنا هي ببساطة ليست حقيقية. فالسياسيون، الذين يطمعون في أصواتنا (في العالم الغربي حيث الديمقراطية وليس عندنا)، يقطعون وعودًا لا يمكنهم الإيفاء بها. قال شكسبير، '' كل العالم تلفيق،'' وعلى الرغم من أنه كان يتحدث مجازيا، إلا أن في عبارته حقيقة مهمة. حياتنا محشوة بالأكاذيب والأوهام، ويتوجب علينا التغلب على هؤلاء في البحث عن الحقيقة، كما فعل ترومان.

 

إن كان هذا كل ما يقوله فيلم ترومان شو فإنه سيظل قصة جيدة، لكنني أنظر إلى الأفلام على أنها تصلنا بأمور، أو على الأقل تشجعنا على التفكير في، أمور أكثر تحديدا وذات رسالة أشد أهمية. من بين كل مصادر الخداع والوهم في حياتنا المعاصرة، لا شيء أكثر قوة وانتشارا من الإعلام الاجتماعي بشكل عام والتلفاز بوجه خاص. في هذا القرن، في العالم الغربي على الأقل، كان التلفاز أكثر أهمية من أي تكنولوجيا أخرى في تشكيل آرائنا حيال العالم. إنه الوسيط الذي يتلقى فيه غالبية الناس غالبية الأفكار. ومع ذلك فهذا الوسيط خادع بوضوح، ليس بشكل سطحي وحسب، وإنما جوهريا، لربما ليس في ذاته، وإنما على الأقل في السياق الاجتماعي السياسي الذي يوجد ضمنه.

 

إن حقيقة أن التلفاز هو، وقد كان كذلك لفترة من الوقت، أكثر الوسائل تأثيرا في الإعلان والتسويق، لا ينبغي تجاهلها، وإن حدث الأمر بالفعل. التلفاز هو أكثر من جهاز تواصل، إنه وسيلة تبيع من خلاله شركات البث مشاهديها إلى المعلنين لديها. والطرق الدقيقة التي تؤثر فيها مصالح الإعلانات التي تتحكم بالإعلام الاجتماعي بمعتقداتنا هي أمر بالغ التعقيد بحيث لا يمكن معالجته تماما هنا.


ومع ذلك، فالنقطة الأساسية واضحة وصادقة بما يكفي: حينما تكون شركات البث والبرامج التلفزيونية مملوكة مباشرة وممولة بشكل غير مباشر (من خلال الإعلانات) من قبل شركات عالمية بمصالح مالية هائلة تتعلق بما يعتقده الجمهور المشاهد أو يرغب به، فإن من غير المفاجئ، أن نجد بأن الحقيقة ليست مفهوما مهما في عالم التلفاز. لن يكون من المفاجئ، على سبيل المثال، أن أعرف بأن شبكة تلفزيونية، والتي ترعى مبارياتها لكرة السلة، شركة مثل نايكي ، ستفشل في كشف الحقيقة، في نشرة أخبار المساء، حول إمبراطورية نايكي من محلات العمل الشاق جنوب شرق آسيا. إلى حد كبير جدا، تتحكم هكذا شركات مساهمة بما نفعله وما لا ينبغي أن نراه وأيضا بكيفية تقديم المادة المعروضة على الشاشة.


ما يتركه ترومان بوربانك خلفه في نهاية ترومان شو ليس وحسب وهما ضخما - وإنما مؤامرة قوضت حريته - إنه، بوجه أخص، عالم التلفاز. إن ترومان، موجود حرفيا، كبرنامج تلفزيوني، وفي هذا فإنه يضع نهاية لبرنامج تلفزيوني جذب الجمهور المشاهد ل29 عاما. هذه هي النقطة التي لا ينبغي إغفالها، الفكرة المطلقة للفيلم. إن كنا بالفعل نكترث بشأن الحقيقة، أو الحرية الذاتية، وحرية الفكر، إذن يجب علينا، مثل ترومان بوربانك، الابتعاد عن عالم التلفاز.

 

إن إحدى أعظم الصور الصادمة في برنامج ترومان شو، هي الجمهور المشاهد، الذي ' يؤخذ' كليا ب ''ترومان شو''بحيث أنهم، إن جاز القول، ملتصقون بمقاعد التلفاز. وهي فكرة خطرت لي على إثر رمزية كهف أفلاطون. تصور حكاية أفلاطون عددا من السجناء المكبلين بالأصفاد في كهف مظلم، مثبتين بالسلاسل بحيث يحدقون في الحائط أمامهم. وخلفهم نيران تعكس ظلالا على الحائط مقابلهم، هذه الظلال هي مصدر المعرفة الوحيد لهؤلاء السجناء عن العالم. معرفة الواقع التي تتم بهذه الصورة هي من الواضح أنها محدودة وتتضاد بشكل كبير مع نوع المعرفة الذي يتحرر فيه المرء من السلاسل ويهجر بفضله الكهف ليبصر العالم الحقيقي في ضوء النهار الكامل.


إن جزءًا من دافع أفلاطون لتقديم هذه الرمزية، بالطبع، كان لتعزيز فكرته حيال وجود عالمين: العالم الحقيقي وعالم الوهم. والفيلسوف، كما يعتقد أفلاطون، هو من يشيح بناظريه عن الصور المشوهة التي تروج لعالم الوهم لكي يتأمل في الأفكار النقية للعالم الحقيقي. اعتقد أفلاطون أيضا أن دور التعليم هو التأثير على هذا الحوار، من الوهم إلى الحقيقة. إن استبدلنا عالم أفلاطون الوهمي بالتلفاز، سيمكننا القول إن ترومان بوربانك فيلسوف نموذجي ومعلم، كان لينال مديح أفلاطون. وإلى أن نتبع خطى ترومان في تحرير عقولنا بالتخلي عن التلفاز. سنظل نحن [يريد الشعب الأمريكي وينطبق على العالم العربي] أمة التلفاز كسجناء في كهف أفلاطون.

 

كفكرة أخيرة. الدور الرئيسي في هذا الفيلم الفلسفي بامتياز، الذي لعبه جيم كاري قد يبدو في البداية غريبا. لأن أدوار كاري السابقة، مثل فيلم Dumb and Dumber أو The Cable Guy بالغة السخافة بحيث تجعل من جيري لويس Jerry Lewis (ممثل كوميدي) يبدو كفيلسوف. ومع ذلك، عند إعادة التفكير في الأمر، يبدو وأن كاري كان اختيارا ممتازا لأداء الدور بالتحديد لأن أدواره السابقة كانت بالغة السخافة. لأن فيلم ترومان شو هو بالمطلق انتقال يحدث في حياة الشخصية الرئيسية، انتقال من الجهل للحكمة، وهذا الانتقال لا يبدو وأنه يحدث مع جيم كاري كممثل، في ترومان شو، وإنما أيضا، كشخص أثناء أداء دور ترومان شو. تخيل أن: جيم كاري، هو الملك الفيلسوف.

 

المقال مترجم عن: https://goo.gl/xKC7YY
إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


آخر الأخبار