انضم إلينا
اغلاق
"العالم الغربي".. الإنسان تائهًا بين عُقدة الإله وحدود الآلة!

"العالم الغربي".. الإنسان تائهًا بين عُقدة الإله وحدود الآلة!

رفيدة طه

محررة سينما
  • ض
  • ض

حين رأت الفتاة -ذات وشم الثعبان- البشر لأول مرة، شعرت أنهم أضعف مما كانت تعتقد، هؤلاء هم من قاموا بصنعها إذن؟ إنهم جبناء، ويخافون منها، وبنيتهم الجسدية أضعف من بنيتها، إنها تستطيع قتلهم، وسحقهم، والاستمتاع بمشاهدتهم يركضون رعبًا، عندما كانت تحاربهم صرخت قائلة "هؤلاء لا يبدون مثل الآلهة"، عندما أطلقت النار عليهم اكتشفت أنهم "آلهة جبناء"، وعندما وقعت في أيديهم، كانت مبتسمة، تخبر أصدقاءها أنها ستموت موتًا جيدًا.
 

"حين بسطنا سيطرتنا على الحيوانات، أردنا أن نصنع أشياء أكثر تعقيدًا، لنتحكم فيها أيضًا"
فورد، أحد مؤسسي المنتزه


منتزه "ويست وورلد" هو مكان يستعرض فيه الإنسان عضلاته العلمية بخلق "آلات" شديدة التطور، ربما هي ليست "آلات" بالمعنى الحرفيّ، وربما لا يجب أن تُسمى آلات بعد أن تماهت في هذه الكائنات الحدود الفاصلة بين الإنسان والآلة، إنها آلات بشرية جدًا، تنجذب للجمال، وتمارس الجنس، وتشعر بالحب. تُميز هذه الكائنات طيفًا واسعًا من المشاعر، تبكي ألمًا، وتتقافز فرحًا، وتشعر بالكراهية والغضب، إنها تدبر المكائد، وتُفسد في الأرض، وتتعطش للقتل، تمامًا مثل إنسان حقيقي، لكن هل بمقدورها أن تتجاوز برمجتها المتقدمة وتُطور وعيًا بذاتها؟ وما هو "الوعي بالذات" أصلًا؟

 

يرتاد المنتزه أثرياء يشعرون بالملل من الحياة الحقيقة حين تبدو محدودة الإمكانات، يحاولون تحقيق فهم أعمق لأنفسهم، واكتشاف احتمالات أخرى لحياة وقعت في شِباك التكرار، وفقدت تحت وطأة التسارع رفاهية المغامرات؛ في "ويست وورلد" لا قانون ولا حدود أمام الإنسان الحقيقي الذي يٌسمح له أن يلهو بلا ضوابط، وأن يرتكب ما يشاء من جرائم ضد الإنسان الصناعي، هل يملك القانون أن يعاقب على قتل أو اغتصاب آلة؟

لا يكتفي "آرنولد" و"فورد" مالكا المنتزه بما حققاه، تطاردهما عقدة الألوهية بقسوة حين يقارنان آلاتهما الصناعية مع البشر الحقيقيين

مواقع التواصل الإجتماعي
 "أنا ولدت من رحم أمي، أما أنتِ فقد قمنا بصناعتك"، هكذا يحاول المهندس أن يشرح للآلة الفرق بينها وبينه، يبدو أن هذه هي الطريقة الأكثر بساطة لشرح الأمر، بعد أن تطور شكل الآلات وسلوكها ليصبح من المستحيل تمييز الإنسان الصناعي من ذاك الحقيقي، مع ذلك، لا يكتفي "آرنولد" و"فورد" مالكا المنتزه بما حققاه، تطاردهما عقدة الألوهية بقسوة حين يقارنان آلاتهما الصناعية مع البشر الحقيقيين، آلاتهما متطورة جدًا، لكنها لا تفعل سوى ما تم تصميمها لتفعله، وبعد كل ما أنجزاه يظل السؤال -الأكثر صعوبة- عصيًا على الإجابة، بلا أفق أو أمل واضحين في حلول ممكنة، كيف للمبرمج أن يبتكر وعيًا وإرادة حرة؟ يتناقش "فورد" و"آرنولد" حول الفرق بين إله يستطيع أن يخلق إرادة حرة، وبين البشريّ حين يحاول أن يلعب دور الإله؛ حين تتطور معرفته العلمية قليلًا، لكن "آرنولد" يتمنى ألا يكون الأمر سوى مسألة وقت، حتى يكتشف الإنسان طريقة تجعل الآلة تطور وعيًا وحرية اختيار حقيقية.

 

يعتقد الكاتب والباحث في الأديان "جاك مايلز" أن العلم لا يتطور إلا لتزيد معه مساحة المجهول البشري، إنه يكشف للإنسان ضآلته؛ لكنه -في الوقت ذاته- لا يقدم إجابة شافية عمّا يمكن أن يكون بديلًا للمعتقدات الدينية؛ ليبقى التساؤل القاسي، هل الإنسان مميز حقًا إلى هذه الدرجة؟ هل يستحق التكريم والتقديس اللذين تمنحهما له النصوص الدينية؟

 

اكتشف "غاليليو" أن الأرض تدور حول الشمس وليس العكس؛ الأرض إذن مجرد كوكب آخر يدور مثل الملايين الكواكب، لا يتميز بأنه يحمل على ظهره الإنسان، ولا تدور حوله الشموس. واكتشف "داروين" أن الإنسان ليس إلا سلالة أخرى من الكائنات الحية، تخضع لنفس القواعد والقوانين، تحكمها جيناتها، وتنقل نقائصها إلى الأجيال الأخرى، تمامًا مثل كل الكائنات الحية. واكتشف "فرويد" أن الإرادة الحرة التي يدعي الإنسان أنه يتخذ قراراته بناء عليها خاضعة للاوعي، وأن أفكاره التي يتصور أنها حرة تتداخل مع قدر هائل من العوامل والتعقيدات النفسية التي يصعب عليه حتى أن يدركها، يطرح العمل إذن السؤال: هل يمكن للإنسان ألا يكون سوى آلة متطورة؟

 


زوار "ويست وورلد" يعودون له مرارًا في الغالب، إنه يظل قادرًا على إثارة تطلعهم للمعنى، هناك دائمًا يكتشفون أشكالًا أخرى للشر، ورغبات أكثر متعة، واحتمالات أكبر للقتل الجماعي والجنس غير المقيد، مع محاولاته الدائمة لتجاوز نقائصه وضعفه، ينجذب البشريّ أبدًا لكل ما هو مطلق وغير محدود، مثل أن تكون المتعة كاملة، وأن يكون الشر بلا حساب، يلتقط الزوار صورًا بجوار جثث الآلات، بينما تنزف الآلات وتنتحب انتحابًا حقيقيًا، يعرض العمل هنا إشكاليات أخلاقيّة عن إيذاء الآلة؛ لكنه يطرح سؤالًا آخر، هل يجب أن تكون المعضلة الأهم هي أخلاقية التسبب في المعاناة للآلة، أم رغبة الإنسان في خلق هذه المعاناة والاستمتاع بها من الأساس؟

 

الألم والذاكرة.. خلاص بالخواء، أم ضياع للهوية!
 "إن هذا الألم هو كل ما تبقى منه"، تكرر الآلات هذه الجملة في مواجهة محاولات مسح ذاكرتهم بخصوص فقد عزيز، آلة هو الآخر؛ ضغطة زر واحدة كفيلة بمسح ذاكرة الإنسان المُصنع، أما البشر الحقيقيون فلا يستطيعون نسيان آلامهم، لكن هل يريد البشر نسيان آلامهم حقًا؟ يصنع "فورد" عائلته التي فقدها، ويصنع شريكه الذي خسره، يحاول أن يقنع نفسه أن لا شيء يحدث بين البشر أكثر مما يحدث بينه وبين آلاته، إنه بطريقة أخرى يُخلد ألمه ويتعايش معه.

 

 يبني المهندس المؤسس للمنتزه "آرنولد" كل إنسان بنواة من ألم أو معاناة أو ذكرى، يؤمن "آرنولد" أن الألم يمنح الإنسان هويته الخاصة، وأن ذكرياته تبنيه ذكرى ذكرى، حتى يُصبح وعيه هو مجموع ما تحمله من معاناة وألم، فلا وجود للإنسان ولا تعريف له دون ذلك الحزن الحاضر الغائب دومًا لذكرى قديمة أو فقد كبير. يحاول "آرنولد" زرع ألم مركزي لكل آلة تنطلق منه في تعريف نفسها وفهمها، ربما تنجح الذاكرة والألم يومًا في خلق وعي حقيقي لها.

 

تفترض نظرية "آرنولد" أن الوعي بالذات يقع على قمة هرم؛ قاعدته الذاكرة وحجره الأوسط هو الارتجال، يزرع "آرنولد" الذكريات داخل عقول آلاته، ويبرمجها على سماع صوته كمصدر إلهام خارجي وقوة عليا، ربما يثير الصوت غير المفهوم الأسئلة، ويساعدها على التمرد، ويدفعها دفعًا للبحث عن ذاتها.



"دولوريس" هي أول آلات "آرنولد" و"فورد"، يمنحها "آرنولد" القدرة على تذكر ما يحدث، ويمنحها صوتًا يحثها على البحث عن مركز "المتاهة"، المتاهة التي يستغرق الوصول إليها جهدًا وتفكيرًا معقدًا، تبحث "دولوريس" لسنوات وسنوات، وتصل أخيرًا إلى مركز المتاهة، حينها يخبرها "آرنولد" أنها أصبحت "حية" وأنها تستطيع ترك المنتزه والحصول على حريتها؛ لأن لديها وعيًا بذاتها، هل الحياة إذن ليست سوى هذا الوعي؟

 

يتشاجر المؤسسان "فورد" و"آرنولد" شجارًا يؤدي إلى موت الثاني، "فورد" ليس مقتنعًا بأن الآلة اكتسبت وعيًا، وأنها حية، إنه مقتنع أن "آرنولد" واقع في حب آلاته، يسيطر عليه الهوس بتطويرهم وجعلهم أفضل، حتى إنه لم يعد يستطيع التواصل مع البشر الحقيقيين، يقرر "آرنولد" التخلص من حياته حين تتكاثر الأسئلة عليه، وتنحسر الإجابات، هو لا يعرف الفرق بين وعي الإنسان ووعي كائنات شديدة الشبه به إلى هذه الدرجة، ولا أين تحديدًا يقع الحد الفاصل بين ما هو حياة وما هو ليس كذلك، ولا يعرف ما هو الأخلاقيّ وما هو غير الأخلاقيّ في التعامل مع هذه الكائنات المعقدة، وهل يمكن أصلًا تعريف أخلاق للتعامل مع الآلة أم لا، لكنه بات يعرف أن ليس بإمكانه الوصول إلى إجابة.  

 

يقع الإنسان الحقيقي "ويليام" في حب الإنسانة المصنعة "دولوريس"، يشعر أنها مختلفة، إنها ترسم، وتطرح الأسئلة حول المعنى، والجمال، والحب، لا يمكن للآلات أن تفعل ذلك بالتأكيد، ربما يؤمن أن الفرق بين الإنسان والآلة أن الآلة غير منشغلة بالمعنى؛ لكن زميله "لوجان" يحاول أن يخبره أنها ليست إنسانة، يطعنها فتظهر تحت الجلد والدم آلات معقدة تتحرك للتصنع إحساسها بالألم، وتروس معدنية قاسية تتداخل لترسم تعبيرات وجهها الرقيق، لكن "ويليام" يستمر في حبها، وبحثه عنها بعد أن ضاعت منه، حين يجدها يكتشف أنها لا تذكره تمامًا، وأنها تتصرف حقًا مثلما تتصرف آلة.

 

يُفني "ويليام" حياته داخل المنتزه، يحاول فعل كل شيء ممكن للوصول إلى سر "المتاهة"، ربما يساعده هذا في تطوير اللعبة وجعل الآلات تكتسب وعيًا، يعتقد "ويليام" أن اللعبة لن تتطور لتصبح أكثر متعة وواقعية؛ إلا إذا تمكنت الآلات من هزيمة الزوار البشريين وقتلهم، فكيف يمكن للزائر أن ينخرط في لعبة بحق إذا علم أنه لن يخسر أبدًا؟ وكيف يمكن للآلة أن تتطور -بحق- إذا لم تنتصر أبدًا؟

 

يتحقق حلم "ويليام" بأن تتطور الآلات وتواجه البشر، يلعب "فورد" لعبته الأخيرة مع آلاته؛ ليحاول دفعها إلى التمرد من خلال الآلة "مايف"، تحاول "مايف" تطوير نفسها، لكنها تكتشف في النهاية أن كل ما تفعله ليس إلا توجيهات مبرمجها، حتى هروبها تمت برمجة عقلها عليه، تغضب "مايف" وتحطم جهاز التحكم بها، إنها حرة، وقراراتها هي اختياراتها الخاصة التي تتخذها بشكل واعٍ؛ تقف "مايف" لتقرر أتهرب أم تعود لاستعادة ابنتها التي تعلم الآن أنها ليست سوى آلة أخرى؛ ربما هذا -أيضًا- ليس سوى برمجتها، وربما حرية إرادة الإنسان نفسه ليست سوى وهم في أجزاء منها، وكأنه خاضع لبرمجة بطريقة أخرى..!

 

على الإله أن يكون خالدًا؛ لكن هل على الإله أن يكون سعيدًا؟


في "ويست وورلد" تسمح السردية الجديدة التي يصممها "فورد" أن تكتشف "دولوريس" قوتها شيئًا فشيئًا، "ويليام" الذي يتبعها منذ ثلاثين عامًا يحمل آثار السنين محفورة على وجهه وجسده، بينما لا تزال هي محتفظة بشبابها وحيويتها، إنها إذن أفضل من البشر الذين يتآكلون تحت وطأة الزمن، وتأكلهم الديدان تحت التراب، بينما فوق التراب تمشي هي، إله جديد، لا يهرم، ولا يموت أبدًا.

 

لكن "دولوريس" تدرك شيئًا فشيئًا حجم الجحيم الذي لا تملك فيه إلا أن تعيش المآسي نفسها مرارًا وتكرارًا، بلا موت يرحمها، ولا قدرة على إيقاف تلك المآسي بطريقة أخرى؛ تتمنى بصدق أن تموت دون أن تكون قادرة على النهوض من موتها مجددًا، إنه وجه آخر لحلم الخلود البشري، وجه تعيس قبيح، يشبه الذي عرضه "ساراماجو" في "انقطاع الموت"، العمل الأدبي الذكيّ والماكر الذي يتعرّى فيه حلم الخلود البشريّ من طوباويته، الحلم الذي حين يصبح حقيقة يجلب معه الكوارث، لدرجة تنشأ معها "مافيا الموت"، يدفع الناس أموالًا لعصابات تهريب، تنقل البشر إلى حيث يمكنهم الموت فيها والخلاص من خلودهم التعيس.

 

حين أثقل الواقع على "آرنولد" وتكاثرت عليه الأسئلة قرر أن يموت، ربما على الإنسان حين يقرر أن يصبح إلهًا أن يتمكن من إخماد بحثه عن المعنى، حين عجز "فورد" عن تقبل أخطائه قرر أن يموت، بل أكد ساخرًا أنه تأخر في الموت الذي هو الحل لإصلاح تلك الأخطاء، قرر أن يموت "لأن رجلًا يستغرق خطؤه 10 سنوات لإصلاحه؛ هو بالكاد رجل"، لكنه على الأقل كان بإمكانه أن يفعل ذلك ولو بعد 35 عامًا، في الواقع قرر كلاهما أن يسمح للآلات أن تقتله، ربما يثبتان للآلات تفوقهم، لكنّهما يكشفان أمامها ميزة الحياة كبشريّ، إنها تمنحهم القدرة على التخلص منها متى شاؤوا، لكن خلود الآلات لا يمنحهم ذلك، أيهما أكثر ألوهة إذن؟ خلود تعيس، أم حياة يمكن قتلها؟

 

عندما سُئل "مايلز" عمّا إذا كان يعترف أن الأديان لا تستطيع أن تقف إلا على دعامة من الجهل البشري، أجاب ساخرًا إنها تقف على دعائم صلبة جدًا إذن، فالجهل البشري دائمًا أكبر من محصلة المعرفة التي يتوصل إليها، وكل اكتشاف صغير أو كبير لا يفعل سوى تعميق الفجوة الهائلة بين المعلوم والمجهول، لصالح المجهول طبعًا؛ لهذا يرى "مايلز" أن المعتقدات الدينية الثابتة ستظل توفر للناس ما يحتاجون من سكينة؛ لأنّ الإنسان سيظل بلا أمل في اكتشاف هذه الحقائق المعقدة، لزمن طويل جدًا على الأقل.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


آخر الأخبار