انضم إلينا
اغلاق
السينما الإيرانية.. كيف تُبدع وأنت تختنق؟

السينما الإيرانية.. كيف تُبدع وأنت تختنق؟

رفيدة طه

محررة سينما
  • ض
  • ض

"يخيم الظلام عليّ، في موعده. يرحل القمر ويتركني، في موعده. يصيح الديك، عند بزوغ الفجر تمامًا، في موعده. تشرق الشمس، عند انتهاء الليل تمامًا، في موعدها. أنا أظل مستيقظًا، وقد أنام، لا مواعيد تحكم جسدي".

--عباس كيارستمي، المخرج الإيراني العالمي

 إنه يتمرد بحثًا عن طريق للجمال، أو يجد الجمال في محاولاته للتمرد، تحوم عدسته حول الحمى، محاولة استغلال المسموح به والممكن، من أقصاه إلى أقصاه؛ عدسته ترعى ما يسميه غضبه الهادئ؛ غضبه الذي يستريح ليستكشف الحياة غير مبالٍ، حتى تبعثه من جديد فكرة أخرى، فيضع تطلعه إلى الجمال بين يدي كاميرا أخرى، لا تُظهر غضبه، ولا تطفئه؛ لكنها تخفيه وتحميه تحت ظلال الاستعارات والتلميحات. 
 


مثّل "كيارستمي"، أبرز مخرجيها، اعتادت السينما الإيرانية الاختباء خلف التلميحات، وأتقنت إيجاد البديل لكل قيد، هي ثورة في ابتكار البدائل، أو ابتكار في بدائل الثورة؛ على عكس سينما صناعة النجوم في هوليوود، المخرجون في إيران هم من يحوزون شهرة وتقديرًا عالميين، أضعاف شهرة الممثلين؛ الذين يندر أن يتخطوا حواجز الجغرافيا؛ بينما ينقش المخرجون الكبار أسماءهم على ظهر التاريخ.
 

بعد انتصار الثورة الإسلامية؛ كان مقص الرقابة قاسيًا، أحرقت دور سينما، واحتقر دورها، وطالب الثوار بـ"تطهير" الفن و "الارتقاء" به، هرب خارج البلاد ممثلون ومخرجون ومنتجون، كانوا يخشون أن يكون مولود النصر الأول هو موت السينما، وجفاف الإبداع، وذبول الخيال؛ القلة الباقية من أبناء هذه الصناعة لاذت بالترقب والصمت، والأمل..


في السنوات التي أعقبت قيام الثورة، لم تكن السينما استثناء من الفوضى، لا قوانين واضحة، ولا مستقبل واضح، ظل الأمر ضبابيًا حتى جاء خطاب للخميني، يعلن "أن السينما يجب أن تستخدم في تثقيف الشعب؛ لكن دون أن يساء استعمالها"، كانت الدولة المعزولة عن العالم بدأت تشعر أنها بحاجة للعالم، وأن السينما بنية تحتية ضرورية للثقافة الإسلامية، وتُدِرُّ دخلًا أيضًا؛ تختار السلطة السينما رسولًا بينها وبين شعبها، وبينها وبين العالم، فتدعم صناعة الفن "الطاهر"؛ لتنعم السينما بانفراج نسبي بعد تولية محمد خاتمي وزارة الثقافة، وإنشاء مؤسسة فارابي للسينما.


يبدأ -إذن- في إيران عصر السينما "الإسلامية"، الكلمة التي وضعت نفسها تحديًا أمام المخرجين الذين لم يخبروا أفلامًا "إسلامية" من قبل، نجحوا في التحدّي، لكن فنّهم لم يملك إلا أن يكون تعبيرًا عن الإنسان بما في حياته من "دنس" و"أرضية"، على الأقل إلى أن يُخلق إنسان يستطيع "تطهير" نفسه؛ استطاعت أفلامهم أن تقفز للعالمية؛ متحصنة خلف أسوار اللغة والمجازات المختبئة في الصورة والصوت والكادر والضوء، وكل شيء تقريبًا.
 

لقطة من فيلم البالون الأبيض"The white ballon" (مواقع التواصل الإجتماعي)


فاجأت موجة الأفلام الجديدة النقاد والجمهور بجماليتها وشاعريتها، وقدرتها على تأمل أدق تفاصيل الحياة، وابتكارها في معالجة القضايا، وبساطتها المغلفة بكثافة المجاز، أفلام تتجاهل الجنس والعنف والميزانية الضخمة والاعتماد على المؤثرات والحيل البصرية، وترفع شعار التقشف والاختزال، وتنحاز للقطات العامة والطويلة، وتستخدم الحوار، والموسيقى بشكل محدود؛ إنها أفلام لا تعتمد حتى على مشاهير الممثلين، حين أرادت السلطة أن تستخدم الفنّ لتصنع من رعاياها نسخًا مكررة تحمي بقاءها أبدًا؛ صنعت السينما من أبسط البسطاء نجومًا، واعتمدت على ممثلين هواة.
 

مضت السينما الإيرانية تشكل ملامحها الفريدة، وتجد أسلوبها الخاص؛ رغمًا عن الرقابة أو بسببها، التحدي في هذه السينما هو أن تُبدع مختنقًا، دون أن يقتلك الاختناق، إنها سينما تقول الأشياء دون أن تقولها، وتعرض الحياة دون أن تعرضها، لا يمكن أبدًا لمشاهد أن يكون متأكدًا أن ما يراه مقصود ومتعمد من قبل المخرج، أم أنه نتاج مقص الرقيب، لا أحد يعرف هل يكتب السيناريو هكذا؛ لأنه خائف، أم لأن هذا ما يريد قوله..!
 

تُمنع الأفلام من العرض؛ فيتعلم المخرجون طريقة أخرى لقول الأشياء، فوهة الكاميرا تقوم بتهذيب الغضب؛ ليخرج هادئًا، على الرغم من كل شيء، لا تأتي نظرة المخرجين محمّلة بالمرارة والغيظ، يُقبض على المخرج "بناهي" ويحكم عليه بالسجن؛ لكنّه يصنع فيلمًا يعرض فيه استمرار الحياة، بجوار الغضب. عندما سئل "كيارستمي" عن أثر الرقابة على نفسه وأفلامه، قال إن أعماله قادرة على التعبير عن نفسها بطريقتها، إنه لا يحب كلمة رقابة، لأنها توفر "درعًا وحجابًا نستطيع أن نخفي خلفه نواقصنا وضعفنا، ونحلل أنفسنا من مسؤوليتنا تجاه أعمالنا".
 

لا توفر الحياة خيارًا سوى الاستمرار فيها، والكفاح من أجل جعل العمر المحدود تجربة أفضل، هذا ما صرح به المخرج "بناهي" بعد صدور الحكم ضده بالمنع من صناعة الأفلام، يصر "كيارستمي" على أن الفن يقتضي إخلاصًا تامًا، وموقفًا جادًا تجاه صعوبات الحياة ومتعة الإنسان فيها، في النهاية لا يملك -المحاط بخطر الموت- سوى التشبث بالحياة حتى النهاية المريرة.!
 

احتيال على الحقيقة.. طمعًا في الوصول إليها
 

علينا أن نحاول ربط الأكاذيب للوصول إلى حقيقة أعظم، لعالم يبدو حقيقيًا، الأكاذيب التي ليست حقيقية؛ لكنها صادقة بطريقة أو بأخرى، هي حيلتنا الوحيدة.

--عباس كيارستمي

تعيد السينما في إيران بناء الواقع عبر دمج طبقات مختلفة منه، ومن أجل بلوغ الحقيقة، أو حالة صدق أصيل، لا بد من التحايل، فالحقيقة عصية على الاقتراب المجرد منها، لا يمكن بلوغها إلا من خلال التلاعب والكذب؛ يعتبر "جمشيد أكرمي" (أستاذ السينما الإيرانية) أن المهارة الأساسية لصانع السينما في إيران؛ هي أن يتمكن من إخفاء ما يريد قوله في ثنايا فنه، بطريقة جمالية وحس شاعري، إنه يرى أن مهارة التورية أهم في هذه السينما من المهارات الفنية والتقنية التي تحتاجها صناعة الفيلم.
 


يرى "أكرمي" أن السينما الإيرانية بإمكانها أن تلتقط أي شيء لتصنع منه مجازًا، الطبيعة، أو إيماءات طفل، أو أصغر التفاصيل في شيء يبدو تافهًا؛ الشجرة مثلًا استخدمها "كيارستمي" كبديل للتقويم الطبيعي، عندما تزهر، فإنها تقول إن هذا هو اليوم الأول من موسم الربيع؛ بغض النظر عن الوقت والتاريخ المدون على ساعاتنا.
 

يرفض المخرجون تفسير ما ينتجون، إنهم يطمحون لخلق جمهور أكثر جموحًا وأوسع خيالًا، وإن كان لابد، تأتي التفسيرات محملة بكلمات للشك، قد، أو ربما.. هكذا يحصن الفيلم الواحد نفسه خلف طبقات وطبقات من التأويل والمعنى؛ في سينما تمجد التلميح وتنبذ اليقين، يجد النقاد متعة في تتبع المجاز حتى في الأفلام التي يُصرح صانعوها أنها لا تهدف إلا لما تبدو عليه، وهي عبارة قد تكون مجازًا بدورها، فهذه بلاد لا شيء فيها كما يبدو عليه.
 

إنك لا تشاهد الحقيقة؛ لا في حياتك ولا على الشاشة، وعليك البحث المكثف عنها، رسالة تحاول الأفلام تكرارها بطرق مختلفة، ظهور المخرج والكاميرا والفنيين أثناء مشاهد الفيلم ليست إلا حيلة أخرى، مجازًا آخر ربما؛ لتبدد بذلك قوة سحر قصة على الجمهور، حتى لو كانت القصة التي يريدها المخرج، هنا تحاول السينما دفع المتفرج لاستجواب الحدود الفاصلة بين الحقيقة والاختلاق، وبين الواقع والخيال، وبين الحياة والفن المعبر عنها. (1)
 


في بداية فيلم "ستحملنا الريح" لكيارستمي، يسافر طاقم الفيلم إلى قرية كردية نائية، "سياه دره" أو "الوادي الأسود"، الهدف تصوير جنازة وشيكة لامرأة عجوز، بصحبة مرشدهم الصغير، ابن القرية، "فرزاد"؛ من بين الجبال، وخلف الطريق الوعر، تلوح القرية من بعيد، ويرون جمالها لأول مرة، منبهرين، يخاطبون مرشدهم، "إنكم تخبئون قريتكم جيدًا"، يجيب المرشد متعجبًا ومدافعًا: "لا نخبئ شيئًا.. لقد بناها أجدادي هنا".
 

بهذه البساطة يمكن أن يأتي المجاز، متحصنًا بلسان طفل صغير. تحدث "كيارستمي" ذات مرة عن المشهد قائلًا: ربّما لأن إيران الجميلة بنيت هنا، ومازالت هنا؛ حتى لو كان اسم "الوادي الأسود" لا يوحي بجمالها، فالأسماء والألقاب لا تغير حقيقة أن ثمّة جمالا محفوفا اليوم بما يعزله عن العالم، جمال عريق، لم تغيّره وعورة الطريق الذي يعزله، أو قسوة الجبال التي تخفيه؛ ربما ليس من قبيل المصادفة أن يأتي هذا في سياق زيارة طاقم تصوير من طهران العاصمة، لقرية نائية للأقلية الكردية التي تحلم باستقلالها.  

 

لا يختبئ المجاز على ألسنة الأطفال صدفة، لا صدفة في السينما كما يقول "كيارستمي"، كل شيء في الفيلم ملحوظ ومقصود، ومسألة الاحتفاظ به في غرفة المونتاج عملية واعية تمامًا. تكشف السينما الإيرانية التعارض الحادّ بين الأطفال والكبار في فهم الواقع، والنظر إليه، وما ينتج عن هذا من اختلاف في الفهم والتأويل، الأطفال أداة لعرض واقع الكبار دون الخوف من مقص الرقيب، لهذا اشتهرت الأفلام الإيرانية بعرض قصص الحب بين الكبار من خلال عيون الصغار. (1)

 

ﻗﺪمت السينما الإيرانية أفلاما كثيرة؛ محورها أطفال يقعون في مآزق طفولية، من خلال عالمهم الصغير يطرح الأطفال أسئلة كبيرة عن الحرية والقيود، والنظام والفوضى، ﻳﻘﻮل ﻛﯿﺎرﺳﺘﻤﻲ: "أحب أن أعمل مع الأطفال، وأستكشف من خلال نظرتهم الحرة -شبه الصوفية- كيف أصبح العالم مقيدًا. الأطفال يمضون في حياتهم دون شعارات، وفي الصباح لا يشعرون بحاجة إلى القهوة لتعلو البشاشة وجوههم". (1)
 

في كتابه "سينما مطرزة بالبراءة" عن المخرج الإيراني "كيارستمي" يعتبر "أمين صالح" أن الرمز أو المعنى؛ يمكن أن يأتي -أيضًا- في صورة التكرار، تكرار الحوادث والصور، وتكرار الشخصيات لحواراتها واستطرادها العفوي في الكلام، أو تكرارها لأفعالها وردود أفعالها، وتكرارها لحركتها؛ جيئة وذهابًا.. عبر المساحة والأمكنة نفسها دون تنويعات ملحوظة.
  

 
في اﻟﻔـﯿﻠﻢ اﻟﻮﺛـﺎﺋﻘﻲ "اﻟواجب اﻟﻤﻨﺰﻟـﻲ" يدلي الأطفال بالإجابات ذاتها عن الأسئلة ذاتها؛ من خلال الكادر ذاته، وزاوية الكاميرا ذاتها، لا شيء يتغير، مع هذا تبدو صعوبة في تواصل الأفراد فيما بينهم؛ على الرغم من أنهم يعيشون تحت نفس الظرف تمامًا، ربما يعبر هذا عن الصورة النمطية من الناس التي تتكرر رغم اختلافاتها؛ بهذا التكرار يرى "صالح" أن السينما تسهل على نفسها قول أشياء أكثر تعقيدًا، بطرق بسيطة.  
 

التجارة داخل النظام.. الفنّ خارجه
الطريق الأيسر لإنتاج فيلم في إيران هو ذاك الذي يتعاون فيه المخرج تمامًا مع السلطة، ويتماهى مع اللجنة تلو اللجنة، ليحصل في النهاية على تمويل لمشروعه، وربما بعض المعدات المجانية، وينتج فيلمًا تجاريًا؛ التماهي درجات، فكلما زادت قدرة المخرج على أن يصبح نسخة من لجان فحص عمله، زادت المكاسب الممكنة، وزادت احتمالية النجاح التجاري للفيلم، وهو نجاح يتطلب التعامي، وعدم الاندهاش من رؤية النساء يخلدن إلى النوم بحجاب كامل، أو من عدم مناقشة أي قضايا جوهرية في الأفلام، كالبطالة والفساد.
 

لكنّ الطريق وعر أمام من يريد أن ينتج فنًا يذهب به فخورًا إلى المحافل الدولية، ثمة خياران، أن يحاول إنتاج عمله تحت سمع النظام وبصره، فيخوض التجربة كمغامرة تحتمل إيقافها في أية لحظة، أو أن ينتج عمله بشكل مستقل، بعيدًا عن الأعين المترصدة، فيخوض التجربة -أيضًا- كمغامرة تحتمل إيقافها في أي لحظة، ربما لارتفاع التكاليف، أو لافتضاح أمر الفيلم. (2)

 

في هذه الحالة يعلم المخرج أن عمله لن يعرض على شاشات السينما في بلده؛ لكنّه سيتم تهريبه إلى الخارج، وستعرض نسخ غير قانونية منه في السوق السوداء أو على الإنترنت، ثمة طرق كثيرة للاحتيال، القيود الكثيرة تصنع احتيالًا ذكيًا، والاحتيال الذكيّ يستحق الاحتفاء؛ لكن في النهاية، يختار المخرج بين مرارتين، أن ينتج فنًا عن أهل بلده لا يستطيع إيصاله لأهل بلده، أو أن يوقف فنّه تمامًا.(2)
 

الطريق الوعر لإنتاج أفلام مثمرة كان مضيئًا في نهايته، فالأفلام المستقلة سيطرت على نجاحات الأفلام الإيرانية خصوصًا خلال العقد الأخير؛ الفيلم الإيراني الوحيد الذي حصل على جائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي، خرج من قلب النظام، "أصغر فرهادي" أظهر موهبة استثنائية في قدرته على قول الأشياء في وجود الرقابة ملتفًا حولها، بطريقة "غير هوليوودية" تمامًا.!
   

  
لكن هل تنجح الأفلام الإيرانية عالميًا؛ لأنها الصورة المقابلة من هوليوود؟ هل من الممكن أصلًا وضع السينما الإيرانية كمقابل لسينما هوليوود؟ سؤال لا يبدي صناع السينما في إيران اهتمامًا بإجابته، "إريك إيغان" يعتقد أن اهتمامهم الأول هو مسؤوليتهم تجاه اكتشاف مجتمعهم، وعرض الجمال والتعقيد فيه، إنها سينما تؤكد -باستمرار- على محليتها، وتحاول كشف الطبقات المتعددة من التعقيد في المجتمع، الناس، والثقافة الإيرانية، إنها سينما وطنية؛ وليست مهتمة بالتترس ضد هوليوود.
 

ربّما يرى نقادٌ أن السياسة ساعدت في تمهيد طريق المجد للسينما الإيرانية في الخارج، بعد أن وقفت في طريقها في الداخل، لكن السياسة وألاعيبها -لو كانت قد تدخلت- فإنها لم تفعل سوى إفساح الطريق أمام جمال أصيل؛ ليعرض نفسه أمام العالم، ربما لا ضير في أن تنتصر الألاعيب القبيحة للجمال مرة.!

أكثر الأفلام ترشيحا للأوسكار

تقارير متصدرة


آخر الأخبار